Majazat Nabawiyya

المجازات النبوية

Editor

تحقيق وشرح : طه محمد الزيتي

مقدمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد حمد الله سبحانه بمحامده التي يستحقها، واختصاص نبيه محمد وآله الطاهرين بالصلوات التي هم أهلها، فإني عرفت ما شافهتني به من استحسانك الخبيئة (1) التي أطلعتها، والدفينة (2) التي أثرتها من كتابي الموسوم (3) ب‍ (تلخيص البيان عن مجازات القرآن)، وأنى سلكت من ذلك محجة (4) لم تسلك، وطرقت بابا لم يطرق، وما رغبت إلى فيه من سلوك مثل تلك الطريقة في عمل كتاب يشتمل على مجازات الآثار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ كان فيها كثير من الاستعارات البديعة، ولمع (5) البيان الغريبة، وأسرار اللغة اللطيفة، يعظم النفع باستنباط معادنها، واستخراج

Página 9

كوامنها، واطلاعها من أكمتها (1) وأكنانها، وتجريدها من خللها (2) وأجفانها، فيكون هذان الكتابان بإذن الله لمعتين (3) يستضاء بهما وعرنينين (4) لم أسبق إلى قرع بابهما، فأجبتك إلى ذلك مستخيرا الله سبحانه فيه على كثرة الاشغال القاطعة، والعوائق المانعة، والأوقات الضيقة، والهموم المخنقة، وعملت بتوفيق الله على تتبع ما في كلامه صلى الله عليه وعلى آله من ذلك، والإشارة منه إلى مواضع النكت ومواقع الغرض بالاعتبارات الوجيزة والايماءات الخفيفة على طريقتي في كتاب " مجازات القرآن " لئلا يطول الكتاب، فيجفو (5) على الناظر، ويشق على الناقل، فإن القلوب في هذا الزمان ضعيفة عن تحمل أعباء العلوم الثقيلة، والاجراء في مسافات الفضائل الطويلة،

Página 10

لأنه لم يبق من الفضل إلا الذماء (1)، ومن الفضلاء إلا الأسماء.

ولله الحمد على السراء والضراء، والبؤس والنعماء. ولست شاكا في أن ما يفوتني من الجنس الذي أقصده أكثر من الحاصل لي والواقع إلى، ولكنني اقتصر؟؟ على ما تناله في هذا الوقت يدي، ويقرب من تصفحي وتأملي، وإذا ورد بمشيئة الله من هذه الآثار ما فيه موضع مجاز قد تقدم الكلام على نظير له أو ما يقوم مقامه، اقتصرت على القول الأول، طلبا للاقتصاد، ووقوفا دون الابعاد، على مثل الأصل المقرر في كتاب " مجازات القرآن ". ولولا أن أبا على محمد بن عبد الوهاب قد سبق إلى تفسير متشابه الاخبار التي ظاهرها التشبيه والتجسيم (2)، وصريحها التجويز والتظليم (3)، واستقصى هذا المعنى في كتابه الموسوم بشرح الحديث. وتعاطى ذلك جماعة غيره من علماء أهل العدل (4) في مواضع من كتبهم، لتتبعت هذا الفن جميعا تتبعا يكشف الشبه، ويوضح المشتبه، على طريقتي في

Página 11

كتابي الكبير الموسوم (بحقائق التأويل في متشابه التنزيل) إلا أنني بعون الله أورد من ذلك من ما كان داخلا في باب الاستعارات اللغوية بكلية، أو بسعة كثيرة من سعته (1)، والذي أعتمد عليه في استخراج ما يتضمن الغرض الذي أنحو نحوه، وأقصد قصده، كتب غريب الحديث المعروفة، وأخبار المغازي المشهورة، ومسانيد (2) المحدثين الصحيحة، مضيفا إلى ذلك ما يليق بهذا المعنى من جملة كلامه عليه الصلاة والسلام، الموجز الذي لم يسبق إلى لفظه، ولم يفترع من قبله، وجميع ذلك مما أتقنا بعضه رواية، وحصلنا بعضه إجازة (3)، وخرجنا بعضه تصفحا وقراءة، مستمدين في ذلك، وفي سائر الأنحاء والمرامي والمطالب والمغازي، توفيق الله سبحانه، الذي يهون الشديد ويقرب البعيد، ويذلل الصعب إذا أبى، ويقوم المعوج إذا التوى.

وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلنا وإليه ننيب.

Página 12

1 - فمن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " هذه مكة قد رمتكم بأفلاذ كبدها "، وفي رواية أخرى: " قد ألقت إليكم بأفلاذ كبدها "، وهذه من أنصع العبارات وأوقع الاستعارات.

وقال ذلك عليه الصلاة والسلام عند خروجه إلى بدر للقتال، وقد خرج قريش (2) من مكة مجلبة (34) عليه ومحلبة إليه (4)، وكان المسلمون قد ظفروا ببعض فراطهم (5)، فأتوا به النبي عليه الصلاة والسلام، فسأله عمن خرج في ذلك الجمع من علية (6) قريش، فقال فلان وفلان، وعدد قادتهم وذادتهم (7)، والوجوه والسادات منهم، فقال عليه

Página 13

الصلاة والسلام: هذه مكة قد رمتكم بأفلاذ كبدها.

ولهذا الكلام معنيان:

(أحدهما) أن يكون المراد به أن هؤلاء المعدودين صميم قريش ومحضها ولبابها وسرها، كما يقول القائل منهم: فلان قلب في بنى فلان إذا كان من صرحائهم، وفي النضار من أحسابهم، فيجوز أن يكون المراد بالكبد ها هنا كالمراد بالقلب هناك لتقارب الشيئين (1) وشرف العضوين، فيكنى باسم كل واحد منهما عن العلق (2) الكريم واللباب الصميم. والأفلاذ: القطع المتفرقة عن الشئ، وقل ما يستعمل ذلك إلا في الكبد خاصة. قال الشاعر:

تكفيه فلذة كبدان ألم بها * من الشواء ويروي شربه الغمر (3) (والمعنى الآخر) أن يكون المراد بذلك أعيان القوم ورؤساؤهم والعرانين (4) المتقدمة منهم، فكأنه عليه الصلاة والسلام أقام مكة

Página 14

مقام الحشا التي تجمع هذه الأعضاء الشريفة كالقلب والنياط (1)، والكبد والفؤاد (2)، وجعل رجال قريش كشعب الكبد التي تحنو عليها الأضالع، وتشتمل عليها الجوانح، وقاية لها، ورفرفة عليها.

2 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام وقد نظر إلى أحد منصرفه (3) من غزاة خيبر: " هذا جبل يحبنا ونحبه "، وهذا القول محمول على المجاز، لان الجبل على الحقيقة لا يصح أن يحب ولا يحب، إذ محبة الانسان لغيره إنما هي كناية عن إرادة النفع له، أو التعظيم المختص به على ما بيناه في عدة مواضع من كتابينا المشهورين في علوم القرآن (4)، وكلا الامرين لا يصح على الجماد: لا التعظيم المختص به، ولا النفع العائد عليه، فمستحيل أن يعظم، أو يعظم، أو ينفع،

Página 15

أو ينتفع به، فالمراد إذا أن أحدا جبل يحبنا أهله، ونحب أهله، وأهله هم أهل المدينة من الأنصار، أو سهم وخزرجهم، وغير خاف جهم النبي عليه الصلاة والسلام وحبه لهم، وتعظيمهم له وإعظامه لقدرهم. ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام في كلام طويل:

ولو سلك الأنصار شعبا، وسلك الناس شعبا، لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، إلى غير ذلك من الكلام الذي يطول بذكره الكتاب، وينقض قاعدتنا في الاختصار.

ومثل هذا الحديث ما روى عنه عليه الصلاة والسلام في حديث آخر قال: " نهران مؤمنان، ونهران كافران. أما المؤمنان: فالنيل والفرات. وأما الكافران: فدجلة، ونهر بلخ ". والأولى أن يكون تأويل هذا الخبر إن كان صحيحا كتأويل الخبر المتقدم، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال: أهل هذين النهرين مؤمنون، وأهل هذين النهرين كافرون، وتكون هاتان الصفتان جاريتين على هذه الأنهار في وقت مخصوص، أو على الأغلب من الأحوال في زمان معلوم، لان من أهل هذين النهرين المؤمن والكافر، كما أن من أهل ذينك النهرين البر والفاجر. وقد قيل في ذلك قول آخر لست أرتضيه، وهو أن يكون إنما جعل النيل والفرات مؤمنين على التشبيه والتمثيل لكثرة انتفاع الناس بسقياهما كالانتفاع بالمؤمنين، وجعل دجلة ونهر بلخ كافرين، لقلة الانتفاع بهما كقلة الانتفاع بالكافرين.

Página 16

والقول الأول أخلق بالصواب، وأشبه بالمراد.

3 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم " (1)، فقوله عليه الصلاة والسلام: وهم يد على من سواهم استعارة ومجاز. ولذلك وجهان:

(أحدهما) أن يكون شبه المسلمين في التضافر، والتوازر (2)، والاجتماع، والترافد (3) باليد الواحدة التي لا يخالف بعضها بعضا في البسط، والقبض، والرفع، والخفض، والابرام، والنقض. وقد يسمى أنصار الرجل وأعوانه يدا على طريق الاتساع، تشبيها لهم باليد التي ينتصر بها ويدافع بقوتها. قال الراجز:

أعطى فأعطاني يدا ودارا * وباحة خولها عقارا (4)

Página 17

يقول: بوأني دارا، وأحف بي أعوانا، وأنصارا.

(والوجه الآخر) أن يكون اليد هاهنا بمعنى القوة فكأنه عليه الصلاة والسلام قال: وهم قوة على من سواهم، والقوة أحد المعاني التي يعبر عنها باسم اليد، وقد استقصيت ذلك في كتابي الكبير الموسوم " بحقائق التأويل "، وذكرت أن قول القائل: لا أفعل ذلك يد الدهر، معناه عندي لا أفعل ذلك قوة الدهر، أي ما دام الدهر قوى الأركان قائم البنيان. فأما الحديث الآخر عنه عليه الصلاة والسلام، وهو قوله: " عليكم بالجماعة فإن يد الله على الفسطاط ". فليس المراد باليد فيه كالمراد باليد في الحديث الأول، بل المراد باليد ها هنا حفظ الله ورعايته كما يقول القائل: مالي في يد فلان. إذا أراد أنه حافظ له وأمينه عليه. والفسطاط هاهنا البلد، ومنه سمى فسطاط مصر، فكأنه عليه الصلاة والسلام، أمرهم بلزوم الجماعة في الأمصار ونهاهم عن الانشعاب والافتراق. ولم يرد أن الخارج من المصر خارج عن قبضة الله ومملكته، لكنه خارج عن حفظه ورعايته. وإنما أمرهم بلزوم الأمصار لأنها في الأكثر مواضع الجماعة، وإلا فالامر على الحقيقة إنما هو بلزوم الجماعة ولو كان أهلها في أكناف الفيافي ومطارح البوادي (1).

Página 18