مباحث في علوم القرآن

مباحث في علوم القرآن

Editorial

دار العلم للملايين

Edición

الطبعة الرابعة والعشرون كانون الثاني/ يناير ٢٠٠٠

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمات:
مقدمة المؤلف في الطبعة الجديدة:
ظهر هذا الكتاب -بطبعته الأولى- عام ١٩٨٥، ووجد في القراء سلسلة من المحاضرات الجامعية تعالج أدق المباحث القرآنية بأسلوب علمي بسيط يرضي أذواق الطلاب والباحثين ولا يستعصي فهمه على أوساط المتعلمين، لم يكن عجبا أن تقبلته المكتبات الإسلامية والمعاهد العلمية: الدينية والأدبية، بقبول حسن، وأن عملت على نشره بدافع ديني، أو باعث علمي، أو استجابة لكلا الأمرين على سواء.
وإني، بيني وبين نفسي، لأعرف أن الكتاب -في هاتيك الطبعة الأولى- لم يكن يزيد على دروس جامعية لممت شتاتها مما ألقيته خلال عامين على طلاب "شهادة علوم اللغة العربية" في كلية الآداب بجامعة دمشق، ولم يكن لي مطمع في هذه الدروس النظرية أوسع من أن تكون في أيدي أولئك الطلاب مفاتيح الدروس العلمية في التفسير. من أجل ذلك صرحت في تقديمي الموجز للطبعة الأولى بأني توخيت في عرض هذه "المباحث" السهولة والإيجاز، ولم أقصد إلى الاستقصاء والاستيعاب، كما صرحت بأني لم أقم بأكثر من محاولة لتبسيط العلوم الكثيرة المتعلقة بالقرآن، وتقريبها إلى أذهان الباحثين من طلاب الثقافة العربية الإسلامية.
أما هذه الطبعة فيكاد كل بحث فيها يكون جديدًا، إن لم يكن فيما

1 / 5

ألحق به من زيادات ففي صوغ بعض عبارته بأسلوب منقح أكثر أناقة وإشراقا، فقد نهجت في تبويب هذه "المباحث" نهجا أرجو أن يجده القارئ طريفا مبتكرا، إذ جعلتها على أربعة أبواب تترادف هي وفصولها -على رسلها- ترادفا متسلسلا منطقيا، وتتدرج خلال تعاقبها كل مسألة قرآنية لا يسع جهلها أحدا من العرب والمسلمين.
أفردت الباب الأول، بفصوله الثلاثة، للقرآن والوحي، فأسهبت في تفسير ظاهرة الوحي لأنها توطئة طبيعية بين يدي هذه الدراسة القرآنية، كما أسهبت في وصف تنجيم القرآن وأسراره، وأنا حريص الحرص كله على التفرقة بين الأعماق والسطحيات في تدرج التعاليم.
وانتقلت في الباب الثاني إلى تاريخ القرآن، فوصفت -في فصوله الثلاثة- جمع القرآن وكتابته، ورددت هنا على كثير من شبهات المستشرقين و"المستعجمين". وناقشت موضوع الأحرف السبعة كما نطقت بها أصح الوثائق التاريخية، وأظنني في بحث هذه الأحرف أثرت قضايا إسلامية خطيرة جديرة بأن يطلع عليها علماء الإسلام ليبلوا خيرها وشرها، وأرجو ألا يكون فيها إلا خير. وحين عرضت، في أحد فصول هذا الباب، لما طرأ على المصاحف العثمانية من وجوه التجويد، والتحسين، أضفت بعض التحقيقات الجديدة التي انتهيت إليها في نشأة الرسم القرآني وتطوره، وربما كانت هذه الزيادات مفيدة للذين يشتغلون بتطور الخط العربي، ويعملون على إصلاح رسمه.
ولم يكن البابان السابقان -على ما ألحق بهما من إضافات في هذه الطبعة- شديدي التفصيل لدى المقارنة بالباب الثالث الذي قصرته، بفصوله الثمانية، على "علوم الكتاب"، إذ إن هذا الباب وحده استغرق أكثر من نصف الكتاب، وكان لزاما أن يجيء الأمر على هذا النحو، لأني سميت كتابي "مباحث في علوم القرآن"، فلم يكن بد من أن تدور فصوله حول العلوم القرآنية الصميمة بروح في البحث جديد.
وقد امتاز هذا الثالث بكثير من التحقيقات الطريفة، والزيادات

1 / 6

الشافية الكافية، التي سيقدرها حق قدرها كل من تيسر له أن يقرأ الكتاب في أولى طبعاته: أهمها أني ألقيت فيه الضوء قويا ساطعا على معضلة الناسخ والمنسوخ، ولم أكن تعرضت لهذه المعضلة قط حين ظهر الكتاب لأول مرة.
وإني أدعو العلماء في مختلف بقاع العالم الإسلامي إلى قراءة هذا البحث خاصة بإمعان شديد، لما أرجوه من الخير الكثير في وعيه وتفهم مراميه، أو لما أرحب به من نقد علمي مخلص لبعض ما جاء فيه.
وأدعو العلماء كذلك إلى قراءة فصلي "أسباب النزول" و"المكي والمدني"، لأستوثق من صواب متجهي أو أتعرف على مواطن خطئي وسهوي، ولا سيما حين أتحدث في أولهما عن المبالغات أو المغالطات التي وقع فيها المصنفون في أسباب النزول؛ وأميل إلى إنكار "السببية" الحقيقية فيما لبعض الآيات من سبب عام؛ وأجنح إلى الجمع بين السبب التاريخي والسياق الأدبي، بالكشف عن التناسب بين الآيات والترابط بين السور، وتعدية الآيات إلى غير أسبابها، وتخطي الزمان والمكان في رسم "النماذج" الإنسانية متجاوزة كل سبب من أسباب النزول، وحين أتقصى، في الفصل الآخر، المراحل القرآنية الست التي تشمل -في كل من مكة والمدينة- ثلاث فترات: ابتدائية ومتوسطة وختامية، متميزة فيها كل فترة عن الأخرى بما أثارت من موضوعات، وما صورت من مشاهد، وما حكت من قصص، وما سرى في ألفاظها وفواصلها من التنغيم والإيقاع.
وكان يسعني أن أسلك "التفسير" في عداد هذا الباب الثالث؛ إذ كانت مسائل هذا العلم- منذ عصر التدوين- أُمَّ المسائل القرآنية، إلا أنني آثرت إفراده بباب اعتناء به وإعظامًا لشأنه، وضممت إليه أقرب البحوث شبها به وهو "الإعجاز" فإني لا أكاد أتصور تفسيرا للقرآن جديرا أن يؤخذ به إلا أن يكون الجانب البياني بارزا فيه لاستجلاء مواطن السحر المعجز في كتاب الله. وأوشك أن أنادي بوجوب الاشتغال بالتفسير البياني في جميع الكليات الشرعية، العالية والثانوية، في العالم الإسلامي كله، وأخص بالذكر كليات

1 / 7

الأزهر الشريف ومعاهده في مصر، وكليتي الشريعة بجامعتي دمشق وبغداد، لأن الجانب الفقهي الذي تعنى به تلك الصروح العلمية، صانها الله من عبث الأيام، لا ينبغي أن يعدو على الجانب الأدبي، فما عرف التأدب بأدب القرآن إلا متمما للتفقه بأحكامه في جميع العصور الإسلامية، ولا معدل عن أن يظل كل منهما يكمل الآخر في عصرنا الأدبي الحديث!.
ولعل هذا هو الذي حملني على أن أقصر الباب الرابع الأخير- في هذه الطبعة- على التفسير والإعجاز، فتتبعت نشأة التفسير وتطوره، وأوضحت كيف يتيسر تفسير القرآن بالقرآن، وربط هذا كله بمفهومنا الفني الحديث للإعجاز محاولا بث الحياة في مصطلحات البلاغة القديمة لدى تصور التشبيه والاستعارة والكناية وأنواع المجاز، ورددت سحر القرآن -بالمقام الأول- إلى إيقاعه الداخلي، وخصصت هذا الإيقاع بفصل جديد ربما وجده القارئ موجزًا وتمنى أن لو كان أكثر إسهابا، ولكنه في نظري كاف لتكوين فكرة صالحة عن استجماع القرآن كل مزايا النثر والشعر بأسلوب فذ عجاب!.
والله أسأل أن يجعل كل حرف كتبته، وكل سطر سطرته، وكل فكرة دعوت إليها في هذه "المباحث" خالصة لوجهه الكريم.
بيروت غرة جمادى الأولى ١٣٨٥
صبحي الصالح

1 / 8

مقدمة الكتاب:
حين أصدرت كتابي هذا في طبعته الأولى لم أزعم أني فصلت فيه القول في جميع العلوم التي لها بالقرآن صلة من قريب أو بعيد، فإن آفاق الدراسة القرآنية واسعة متشعبة ورحيبة، وإن ألوف المجلدات لا تفي بمعشار ما قيل وما يمكن أن يقال في هذه العلوم؛ إنما حاولت بهذا الكتاب تبسيط طائفة من أمهات المسائل القرآنية قبستها غالبا من آثار علمائنا الأبرار القدامى، غير متجاهل أطرف ما جاء به بعض الأتقياء من المعاصرين، وما أبرح في هذه الطبعة الرابعة -رغم الزيادات الكثيرة التي أضفتها- أقر بأني تناولت أمهات المسائل ولم أفصل القول في شيء منها تفصيلا.
ولقد يكون عسيرا على الباحث العصري في شئون الإسلام والقرآن أن يرجع إلى الكتب القديمة ليعثر على شيء من طلبته في تأويل آية، أو تحرير فكرة، أو تحليل أدبي لمقطع من كتاب الله، لما في جل تلك الكتب من روايات متضاربة وآراء يكثر التعارض بينها في تأويل الآية الواحدة. ويخيل إلينا أن هذا التضارب -وإن كان حتما لا مفر منه في الشروح الإنسانية- هو في كتبنا أصل الداء وشر البلاء، فلابد لنا في كل آية منوجه نختاره وتفسير نرضاه، دون أن نجزم حقا بأننا وقفنا حتما على المراد من كلام الله.
وما من شك في أن القرآن قد ملك على سلفنا الصالح مشاعرهم، واستأثر

1 / 9

بعنايتهم التي لم يحط بمثلها كتاب من قبل ولا من بعد، وأنهم درسوا كل شيء يتعلق به حتى بددوا أوقاتههم أحيانا با نظنه لا يخدم أغراضه في شيء.
وربما كان لزاما علينا -إزاء هذه العناية التي لا نعرف لها نظيرا- أن نقنع بالنتائج التي انتهى إليها سلفنا الصالحون، ونسلم بكل ما جاء في تصانيفهم تسليما.
ولو اكتفينا بذلك لما وسعنا أن نكشف الناقب عن وجه القرآن الساحر الجذاب، فإن منهج الدراسة القديمة لا يكافئ ما ينبغي لكتاب الله من تفحص كل جانب من جوانبه التي قامت حولها المدارس والمذاهب والآراء.
وأن نعرف للقدامى فضلهم الكبير، ونقل: إننا عالة عليهم في هذ البحوث، ما نزيد على التفقه بآثارهم، والاستضاءة بأنوارهم، لا يغضض من قيمة عرفاننا هذا ما نأخذه من مآخذ شكلية على منهجهم القديم: ذلك بأن طريقتهم من الوجهة التاريخية لا تضاهى دقة وعمقا وأمانة، ولكن المنهح التاريخي غلب على أبحاثهم القرآنية، فلم يفسح المجال دائما لتصوير الجانب الأدبي الفني الذي يسد الفجوات ويملأ الثغرات حين يكتم التاريخ بعض الحقائق الكبرى.
إن في تعريفهم لعلوم القرآن لما يبرز المعنى التاريخي في منهجهم واضحا قويا: فهذه العلوم -في نظرهم- عبارة عن مجموعة من المسائل يبحث فيها عن أحوال القرآن الكريم من حيث نزوله وأداؤه، وكتابته وجمعه، وترتيبه في المصاحف، وتفسير ألفاظه، وبيان خصائصه، وأغراضه: وفي أبحاثهم التفصيلية لمفردات هذا التعريف يشتد أثر المنهج التاريخي بروزا ووضوحا، فقد وافونا في نزول القرآن بمراحله كلها ابتداء ووسطا وختامًا، وصوروا لنا طريقة نزوله تصويرا دقيقا في الليل والنهار، والحر والبرد، والسلم والحرب، وكادوا لا يغفلون جزئية من الجزئيات الصغيرة في هذا المجال، ولم يعيهم أن يتقصوا النوازل القرآنية المنجمة على حسب الوقائع الفردية والاجتماعية؛ ولم نجد نظائر لمباحثهم في تحري جمع القرآن وحفظه واستنساخه في المصاحف وتحسين رسمه، وفي الاستيثاق من متواتر أحرفه السبعة، ومتواتر قراءاته فيما

1 / 10

ثبت لديهم من وجوهها القطعية اليقينية، ودلت طريقتهم التي اتبعوها في تمحيص الروايات وتحقيق النصوص في هذا كله على أنهم كانوا أقدر الباحثين على التحاكم إلى التاريخ الصحيح.
لكن انطوت مزيتهم الكبرى هذه على عيب شكلي بسيط: فإن استمساكهم بالمنهج التاريخي لم يترك لهم أحيانا الفرص الكافية لإيفاء الناحية الأدبية في القرآن ما هي خليقة به من العناية: جمعوا في "أسباب النزول" بين السبب التاريخي والسياق الأدبي في ثلة من المواطن ولكنهم لم يحسنوا دائمًا الجمع بين هذين الأمرين في سائر المواطن الأخرى، حتى بات الباحث يتساءل مرارا: لم وضعت هذه الآية إلى جنب تلك؟ ولم قفي هذا الموضوع بذاك رغم الفاصل الزمني البعيد؟ ثم لا يجد لديهم جوابا شافيا عن ذلك، على كثرة ما رووه في هذا وصنفوه.
لذلك لن نكتفي في بحث "أسباب النزول" بعرض أنماط من مقاييسهم الدقيقة التي وضعوها لترجيح الروايات المنبئة عن تلك الأسباب، بل سنضم إلى ذلك ما وشت به عبارات مبثوثة هنا وهناك -في تفاسير المحققين منهم- من رعاية لنظم القرآن وحسن السياق، فنسهب في الاستشهاد ببعض المقاطع القرآنية التي أقصى فيها المفسرون فكرة الزمان لمراعاة التناسق الفني، حتى بدا كل نص في القرآن محكم البناء، متلاحم الأجزاء، آخذا بعضه بأعناق بعض؛ فبهدا نعرف عن كل آية: أمكملة لما قبلها أم مستقلة؟ وما وجه مناسبتها لما قبلها؟ إن جاءت على سبيل الاستئناف؟
وإننا لنحمد لعلمائنا الأبرار القدامى انتباههم إلى تعدية الآيات إلى غير أسبابها، وقولهم بتعميم الصياغة ولو وقعت الآيات على سبب خاص، غير أننا نرى أن عيونهم قد أخطأت أحيانا ما رسمه القرآن من "نماذج" إنسانية تتخطى الزمان والمكان، وتتجاوز المناسبات والأسباب، فعلينا إذن -خدمة للجانب الفني في القرآن- أن نملأ ذلك الفراغ بما نرجو أن يلهمنا الله التقاطه من الصور الشاخصة والمشاهد المتكررة في عالم الأحياء.

1 / 11

وما نحسب باحثا يرتاب في أن علماءنا القدامى قد محصوا ما يتعلق بالمكي والمدني كل التمحيص، وأن بعض المحققين منهم -في طائفة من أبحاثهم- مهدوا بين أيدينا القول بتقسيم النوازل المكية ثم المدنية إلى مراحل ثلاث:
ابتدائية ومتوسطة وختامية، إلا أنهم شغلوا بمتابعة جزئيات تلك المراحل أكثر مما احتفلوا بإبراز ما انطوت عليه كل مرحلة من عقائد وأحكام، وما سرى في ألفاظها وفواصلها من إيقاع وما غلب على صورها ومشاهدها من أساليب، فسنحاول بدراستنا هذه أن نتقرى في القرآن نفسه كل هاتيك الملامح فيما سوف يجده القارئ بنفسه في فصل "المكي والمدني" ولا يفوتنا أن نشير إلى أن الطالب الذي يود لو يطلع على "نماذج" من التحليل البياني لبعض السور القرآنية سوف يجد في هذا المبحث ذاته طلبته في عشرين سورة مفسرة موضوعاتها وأساليبها على حسب تعاقبها في النزول، واقعة موقعها التاريخي من مراحل التنزيل.
وما نحسب أن التوفيق حالف طائفة من القدامى غلت أعجب الغلو في بحث "الناسخ والمنسوخ" فإنهم فيه أكثروا من الخلط بين المفهومات، والتبس على كثير منهم ما ينسبه الله إلى نفسه بما عسى أن ينسبه البشر إليه أو إلى أنفسهم فلم يفرقوا بين النسخ والتخصيص، وبين النسخ والبداء، وبين النسخ والإنساء، وبين نسخ الأحكام ونسخ الأخبار، ولسوف يحملنا غلوهم وخلطهم على أن نتعالى بكلام الله المتواتر المعجز عن أقاويلهم الغريبة التي تعارض منطق الأشياء.
وإن إعجابنا الشديد بكثير مما تناول به سلفنا قضية الإعجاز لن يمنعنا من أن نجري في مفهوم هذه القضية شيئًا من التعديل، لنسمو بدرس الأسلوب القرآني من أفق المصطلحات البلاغية الضيق إلى أفق الفن الأدبي الرفيع: ففي بحث الإعجاز سنفهم الصور البيانية فهما موحيا فيه نداوة الفن وظل الأدب الظليل، وسنتلقى بمشاعرنا كلها موسيقى القرآن الداخلية التي فيها من النثر تعبيره الدقيق، وفيها من الشعر إيقاعه الرخي المنساب!

1 / 12

وبعد، فتلك مباحث في علوم القرآن لا ننمي إليها السعة والشمول، ولا ندعي لها التفصيل والاستيعاب، إنما هي طائفة من المسائل المهمة التي نرجو ألا يجهلها أو يتجاهلها عربي ينطق بالضاد أو مسلم يهتف بهذا الدين الحنيف، وها نحن أولاء نتركها بين أيدي القراء سائلين الله أن يشوقهم بها إلى تلاوة كتابه، فتدبر أحكامه، فالعمل بتعاليمه، لعل التاريخ يعيد نفسه، ولعلنا نرجع بهذا الكتاب كما كنا خير أمة أخرجت للناس.

1 / 13

الباب الأول: القرآن والوحي
الفصل الأول: أسماء القرآن وموارد اشتقاقها
...
الباب الأول: القرآن الوحي
الفصل الأول: أسماء القرآن وموارد اشتقاقها
لقد اختار الله لوحيه أسماء جديدة مخالفة لما سمى العرب به كلامهم جملة وتفصيلا١. وروعيت في تلك الألقاب أسرار التسمية وموارد الاشتقاق.
واشتهر منها لقبان: الكتاب والقرآن.
وفي تسميته بالكتاب إشارة إلى جمعه في السطور، لأن الكتابة جمع للحروف ورسم للألفاظ؛ كما أن في تسميته بالقرآن إيماءة إلى حفظه في الصدور، لأن القرآن مصدر القراءة، وفي القراءة استذكار، فهذا الوحي العربي المبين قد كتب له من العناية به ما كفل صيانته في حرز حريز، وما جعله بنجوة من خوض العابثين وتلاعب المحرفين: إذ لم ينقل كجميع الكتب بالكتابة وحدها ولا بالحفظ وحده، بل وافقت كتابته تواتر إسناده، ووافق إسناده المتواتر نقل الأمين الدقيق.
ومع أن كلتا التسميتين ترتد إلى أصل آرامي، إذ وردت الكتابة في الآرامية بمعنى رسم الحروف، وجاءت القراءة فيها بمعنى التلاوة، بدت تسمية هذ الوحي بالكتاب وبالقرآن طبيعية جدًا، لامتياز الوحي المحمدي في مراحله كلها بهذه العناية المزدوجة في صيانة نصوصه وحفظ تعاليمه ومنقوشة في السطور، مجموعة من الصدور.

١ هكذا لاحظ الجاحظ: ذكره السيوطي في الإتقان ١/ ٨٦.

1 / 17