Jewels of the Contracts and Aid for Judges, Signatories, and Witnesses

جواهر العقود ومعين القضاة والموقعين والشهود

Editor

مسعد عبد الحميد محمد السعدني

Editorial

دار الكتب العلمية

Edición

الأولى

Año de publicación

1417 AH

Ubicación del editor

بيروت

ـ[جَوَاهِر الْعُقُود ومعين الْقُضَاة والموقعين وَالشُّهُود]ـ
الْمُؤلف: شمس الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد المنهاجي الأسيوطي (الْمُتَوفَّى: ٨٨٠هـ)
حققها وَخرج أحاديثها: مسعد عبد الحميد مُحَمَّد السعدني
الناشر: دَار الْكتب العلمية بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م
[ترقيم الْكتاب مُوَافق للمطبوع]

1 / 1

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْمُقدمَة
الْحَمد لله رب الْعَالمين، الَّذِي أنزل الْقُرْآن الْكَرِيم على رَسُوله النَّبِي الامي، الصَّادِق، الامين، فشرح بِهِ صُدُور عباده الْمُؤمنِينَ، وَنور لَهُم بصائرهم وَجعل مِنْهُم أَوْلِيَاء وعارفين فاستنبطوا مِنْهُ الاحكام وميزوا بِهِ الْحَلَال من الْحَرَام، يَقُول ﷺ: " من طلب الْعلم وأدركه كَانَ لَهُ كفلان من الأجر، وَإِن لم يُدْرِكهُ كَانَ لَهُ كفل من الأجر " (١) إِن خير الْعُلُوم وأفضلها عِنْد الله علم الدّين والشرائع:، الْمُبين لما احتوت عَلَيْهِ الاحكام الالهية من عَدَالَة سَمَاوِيَّة يتَبَيَّن من خلالها حل الاشياء وحرمتها، وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ
الانام، أما بعد فكتاب " جوَار الْعُقُود ومعين الْقَضَاء والمقعين وَالشُّهُود " الَّذِي عملت على ضَبطه فقد كَانَ رَوْضَة أنيقة يَسْتَطِيع أَن يجني من ثمارها ويستنير بكواكبها المشرقة كل ذِي حَاجَة لحكم أَو عقد أَو اتفاقية وفْق كتاب الله وَسنة نبيه، فَإِنَّهُمَا خير مَا يجب أَن نعض عَلَيْهِمَا بالنواجذ لانهما نبراس لكل ساع إِلَى هِدَايَة وَنبيه، أسأَل الله عزوجل أَن يَنْفَعنِي وإخواني الْمُسلمين بِعِلْمِهِ وهدايته، إِنَّه السَّمِيع الْبَصِير الْقَدِير على كل شئ وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل
مُحَمَّد أَمِين الضناوي

(١) رَوَاهُ الدَّارمِيّ فِي كتاب الرقَاق، بَاب: فضل الْعلم والعالم.

1 / 3

هُوَ مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَليّ بن عبد الْخَالِق، شمس الدّين السُّيُوطِيّ، ثمَّ القاهري، الشَّافِعِي المنهاجي: فَاضل مصري، ولد - كَمَا قَالَ لي، فِي جُمَادَى الاخرة سنة ثَلَاث عشرَة وَثَمَانمِائَة، وَقيل: سنة عشر - بأسيوط وَنَشَأ بهَا، وجاور بِمَكَّة مُدَّة، وَاسْتقر فِي الْقَاهِرَة.
فحفظ الْقُرْآن عِنْد سعد الدّين الواحي وَغَيره، والعمدة، وَأَرْبَعين النَّوَوِيّ، والشاطبية، والمنهاج الفرعي، والاصلي.
وسطور الاعلام فِي معرفَة الايمان والاسلام للحمصي فِيمَا زَعمه، أَنه عرض على الْجلَال البُلْقِينِيّ، وَالْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ، والبيجوري.
والشرف الاقفهسي، والتفهني، وقارئ الْهِدَايَة، والبساطي.
وَابْن مغلي، فِي آخَرين مِنْهُم: النَّجْم بن غبد الْوَارِث، والحمصي، أَنه تَلا لابي عَمْرو وَعلي الشَّمْس البوصيري.
وَقَرَأَ فِي الْفِقْه على الزكي الْمَيْدُومِيُّ.
وَالشَّمْس بن عبد الرَّحِيم، والبدر بن الْخلال، وَعَن الزكي أَخذ النَّحْو أَيْضا، وَعَن الشهَاب السخاوي - القادم عَلَيْهِم أسيوط - مَجْمُوع الكلائي، والملحة.
وَقيل: بل الشهَاب العجيمي - وَهُوَ الَّذِي سمعته مِنْهُ.
والْحَدِيث عَن شَيخنَا - يَعْنِي الْحَافِظ أَحْمد بن عَليّ بن حجر الْعَسْقَلَانِي - والتقي بن عبد الْبَارِي الكفيف وَغَيرهمَا.
وتكسب بِالشَّهَادَةِ، ومعاني الادب، وتميز فِيهِ.
وامتدح شَيخنَا - ابْن حجر - بقصيدة دالية، سَمعتهَا مِنْهُ فِي مَكَّة والقاهرة.
وكتبها - أَو جلها - فِي الْجَوَاهِر، كَذَا.
وكتبها عَنهُ البقاعي، مِنْهَا: يَا كعبة، قبل الْوُقُوف، ذخلتها من بَاب شيبَة، حمدك المتأكد

(١) الاعلام خير الدّين الزركلي، ج د ص ٣٣٤، الضَّوْء اللامع لاهل الْقرن التَّاسِع، شمس الدّين مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن السخاوي، ج ٧ ص ١٣.

1 / 5

وَجمع فِي الشُّرُوط كتابا سَمَّاهُ " جَوَاهِر الْعُقُود، وَمعنى الْقَضَاء وَالشُّهُود " فِي مُجَلد صخم، وَأذن لَهُ شَيخنَا فِي الْعُقُود.
صحب الامير جانم قريب الاشرف برسباي، فاختص بِهِ، وسافر مَعَه لحلب ثمَّ للشام.
وَكتب عَنهُ الْفُضَلَاء من نظمه ونثره.
وَجمع مجاميع فِي الادب والتاريخ.
وَلكنه يرْمى بالمجازفة.
وَلَا يحمد فِي شهاداته، وَقد أهين بِسَبَبِهَا فِي مَكَّة وَغَيرهَا.
وَلما كَانَ مجاورا بِمَكَّة أقْرض للتقي بن فَهد كِتَابه الْقَرِيب.
وَقَرَأَ بهَا البُخَارِيّ مرّة بعد أُخْرَى.
ثمَّ لقِيه حفيده الْعِزّ بحلب بعد دهر، وَكتب عَنهُ من نظمه قصائد.
ولقيني بِمَكَّة ثمَّ بِالْقَاهِرَةِ.
من كتبه " أتحاف الاخصاء بفضائل الْمَسْجِد الاقصى، فَضَائِل الشَّام: تحفة الظرفاء، هِدَايَة السالك إِلَى أوضح المسالك: التَّذْكِرَة المنهاجية (١)

(١) قَالَ الزركلي فِي الاعلام: " رَأَيْته بِخَطِّهِ فِي الاسكوريال (الرقم ٢٩٢) وأظن أَن هُنَاكَ جُزْءا آخر مِنْهُ أَو أَكثر ".

1 / 6

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَبِه ثقتي، وَهُوَ حسبي.
وَنعم الْوَكِيل رب يسر بجودك الشَّامِل، وتمم بِفَضْلِك الْكَامِل.
الْحَمد لله الَّذِي جعل مدَار الاحكام الشَّرْعِيَّة على صِحَة إداء السهادة.
وميز بهَا مقادير أهل الرتب الْعلية.
فتميزوا عِنْد الحكم الْعدْل تميزا جرى بِهِ قلم الْقُدْرَة والارادة.
(وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قالو بلَى شهادنا) (الاعراف، ١٧٢) وَهَذَا أول دَلِيل على أَن الشَّهَادَة بِالْحَقِّ عنوان السَّعَادَة، وَحَيْثُ أقرُّوا بوحدانية، وَصَدقُوا رَسُوله، وَاتبعُوا النُّور الَّذِي أنزل مَعَه، حصلوا من هَدْيه على النّظر والمعرفة التَّامَّة النافية للْجَهَالَة، بكمالات الرقي فِي مَرَاتِب السِّيَادَة، وَكَذَلِكَ أطلق بتنفذ مَا خصهم بِهِ من المزية على غَيرهم من الامم أَلْسِنَة الاقلام فِي المحابر، وَأثبت لَهُم الْحجَّة بالتعديل فِي الْكتاب المسطور، إِثْبَاتًا عرفُوا إصداره وإيراده، من قَوْله الله جلّ اسْمه فِي كِتَابه العزير (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس وَيكون الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا) (الْبَقَرَة، ١٤٣) وناهيك بِهِ من وصف جمع الله بِهِ لعدول هَذِه ا، مة طارف الْفضل وتلاده.
أَحْمد حمد عبد عرى إيمَانه بِاللَّه وثيقه، ومواهب نعمه عَلَيْهِ من مزِيد شكره إِيَّاه مستفاده.
وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، شَهَادَة، الاخصلاص بهَا نَافِذ الحكم فِي الْجنان وَاللِّسَان، مَا مضى الامر بأدائها فِي الْبدَاءَة والاعادة.
وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الَّذِي اشتغلت ذمَّة عُلَمَاء أمته من تَقْرِير أَحْكَام شَرِيعَته بِحَق صَحِيح شَرْعِي وَجب الْعَمَل بِهِ، وَأَرَادَ الله إبرام حكمه وإنفاذه.
فَمن ائتمر بِمَا بِهِ أمروا، وانْتهى عَمَّا عَنهُ نهوا: حصل من شُرُوط الْوَفَاء على صِحَة الدَّعْوَى وَجرى من عوائد اللطف فِي الْقَضَاء على أجمل عَادَة.
صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَصَحبه الَّذين أعلم لَهُم فِي مَكْتُوب الْمُبَايعَة تَحت الشَّجَرَة - تلو رسم شَهَادَتهم بنبوته ورسالته - عَلامَة الْأَدَاء وَالْقَبُول.
وأعلمهم بِمَا ثَبت
عِنْده من أَن الله وعده أَن ينصر بهم عباده.
وَيفتح على أَيْديهم معالقه وحصونه وبلاده.
وبشرهم مَعَ ذكل بقوله: (إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة

1 / 7

يُقَاتلُون فِي سبل الله فيقاتلون وَيقْتلُونَ وَعدا عَلَيْهِ حَقًا فِي التَّوْرَاة والانجيل والقرءآن وَمن أوفي بعده من الله فاستبشروا ببعكم الذى بايعتم بِهِ وذالك هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم (١١١» التَّوْبَة: ١١١) فَمَا مِنْكُم إِلَّا من ملا بحبه قلبه: وَصرف إِلَى سَماع مَا بشر بِهِ سَمعه وبصره وفؤاد، صَلَاة تبلغ بِهِ مَعَهم فِي دَرَجَات الْمُحْسِنِينَ - من الْمَقَاصِد الْحَسَنَة الاسلاك والسلوك - الْحسنى وَزِيَادَة.
وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا.
وَبعد.
فَإِن توقيع الحكم الْعَزِيز ميزَان الْعدْل الرَّاجِح - ومحجة الصدْق الَّتِي سلوك نهجها القويم من أكبر الْمصَالح.
وَعَلِيهِ اعْتِمَاد الْحُكَّام فِيمَا يدْخل عَلَيْهِ النَّقْض والابرام من الاحكام بِالدَّلِيلِ الْوَاضِح.
فمصالح الامة فِي الْوَاقِع بتوقيع موقعيه موفورة.
ومهمات أُمُورهم المؤسسة على الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة بالثبات مَشْهُورَة، ومتعدادت فضائلهم الجمة بِلِسَان الاجماع مشكورة، وعَلى أَيْديهم يُؤْخَذ الْحق وَيُعْطى، وبتعريفهم يحصل التَّمْيِيز فِي كل حَال بَين الصَّوَاب وَالْخَطَأ، وهم مِمَّن تَنْتَهِي إِلَيْهِم الامال والرغائب.
وهم المرتقون إِلَى أشرف المناصب وَأَرْفَع الْمَرَاتِب مدَار الْحل وَالْعقد عَلَيْهِم.
ومرجع التَّصَرُّف فِي وضع أَحْكَام الْحُكَّام إِلَيْهِم.
وهم - وَإِن مَالَتْ الْكتاب على اخْتِلَاف طبقاتهم فِيمَا يَكْتُبُونَ بِهِ إِلَى التدبيج والتفويف - فالعدول لَيْسَ لَهُم عدُول إِلَّا إِلَى القَوْل الْحق بِمُوجب الشَّرْع الشريف.
وَبِذَلِك ثَبت فَخْرهمْ وَاسْتقر.
وَإِن كتب غَيرهم الْمجْلس أَو الجنات، أَو الْمقر.
فكم كتبُوا إِقْرَار صَحِيحا شَرْعِيًّا، أذا تَأمله حَاكم الشَّرِيعَة المطهرة، تهلل وَجه إِنْسَان عينه وقر، وَكَيف لَا يجون ذَلِك؟ وباعهم فِي مواصفات الْبيُوع طويف، وعلمهم بِمَا يجوز بَيْعه وَمَا لَا يجوز لَا يشاركهم فِي الْخَلِيل.
وَلَا يُطيق الدُّخُول إِلَيْهِ بِسَبَب خَفِيف وَلَا ثقيل، وَلَهُم فِيمَا يفْسد البيع وَمَا لَا يُفْسِدهُ حكم تَفْرِيق الصَّفْقَة الَّتِي فَضِيلَة السَّبق فِي تفريقها لَا
تعرف إِلَّا لصَاحب نسبم الصِّبَا، وَلَا أَتَى أحد بِمَا أَتَى بِهِ فِي وسصف الاعيان الْمَنْصُوص فِيهَا على تَحْرِيم الرِّبَا.
ولعمري مَا دخل الْمُوثقُونَ لاخذ إصول هَذَا الْفَنّ، واجتنوبا ثماره اليانعة من فروعها، إِلَّا من بَاب بيع الْمُصراة بالمسرة.
ففازوا بالمرابحة واستغنوا بهَا عَن الْبيُوع الْمنْهِي عَنْهَا، وأعرضوا عَن مجموعها، وَحين وقفُوا على اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين من اخْتِلَاف الائمة.
(فَألْقوا السّلم مَا كُنَّا نعمل من سوعم) (النَّحْل: ٢٨) أمنُوا على خواطرهم السليمة من وَهن الرَّهْن الْمعَاد يَوْم الْمعَاد، ومعرة التَّفْلِيس وَالْحجر - فَلَا وَالله مَا ابتأسوا وَلَا يئسوا، بل عقدوا الصُّلْح يَوْم الْحُدَيْبِيَة، اعْتِمَادًا على مَا صَدره من الْحِوَالَة على الْعَام الْقَابِل وَالضَّمان المقبول.

1 / 8

وعَلى الْجُمْلَة: فمحلهم قَابل للوصف بِكُل منقبة غراء.
أخصها تسميتهم عِنْد أهل الْعدْل " الْعُدُول ": من تلق مِنْهُم تقل: لاقيت سيدهم مثل النُّجُوم الَّتِي يهدي بهَا الساري وَكَانَ السببب الْبَاعِث على تَحْرِير هَذَا الْكتاب، وَتَقْرِير مَا حواه من الْمَعْنى الدَّقِيق الَّذِي اطرحت مِنْهُ القشر وَأثبت اللّبَاب: هُوَ أَنِّي وقفت على كثير من كتب الْمُتَقَدِّمين فِي الوثائق والشروط، وأتيت على مَا فِيهَا من المصطلحات الْحكمِيَّة، وتأملت الْمُخْتَصر مِنْهَا والمبسوط، فَإِذا هِيَ ذَات عِبَارَات مؤتلفة ومختلفة، وحالات قوانيت أوضاعها يُغْنِيك موصوفها عَن الصّفة، وَفِي غضونها من الْأَلْفَاظ مَا تمجه الاسماع لطوله وَبسطه.
وَرُبمَا حصل لمتأمله ملل أَدَّاهُ إِلَى الاخلال بمقصوده الْمُؤلف وَشَرطه.
وَرَأَيْت - مَعَ ذَلِك - أَن مصطلح الاولين بِالنِّسْبَةِ إل يأفهام الْمُتَأَخِّرين لما فِيهِ من التَّرْكِيب العجيب غَرِيب، وَمِنْه مَا هُوَ مُحْتَاج إِلَى التَّهْذِيب وتقريب وترتيب.
والمعلوم من طَرِيق الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم: أَن هَذَا الْعلم، وَإِن كَانَ بحرا لَا يصل أحد إِلَى قراره، وَلَا يَسْتَطِيع أَن يَأْتِي من يحملهُ ويفصله بالعشر من معشاره - فقد اسْتعْمل
النَّاس فِيهِ فصوله جَامِعَة لمعاني الْكَلَام، وتصرفوا فِي موضعهَا تَصرفا توقفت عَلَيْهِ أَحْكَام الْحُكَّام.
وَمِنْهُم من سبرها ودربها، ورتبها، وبوبها، وحسبها وكتبها.
فَصَارَت مِمَّا لَا يجهل وَلَا يُنكر، وَإِذا وَقعت لَاحَدَّ من حقذاق حزبة نزلها بلطيف استنباطه على الاوضاع، وَإِن كَانَت فِي كتب الوثائق لم تذكر.
وَمثل ذَلِك كثير.
وَلَا ينبئك مثل خَبِير.
وَكَانَ قد وَقع لي شئ أشكل عَليّ، وخفي فِيهِ الصَّوَاب.
فعدلت إِلَى السُّؤَال عَنهُ من عدُول فضلاء، وأساطين من الموقعين النبهاء والنبلاء.
فَلم يأتني أحد مِمَّن سَأَلته بِجَوَاب.
وَرُبمَا قَالَ الَّذِي عِنْده علم من الْكتاب: لَا بَأْس أَن تضع فِي هَذَا الْفَنّ كتابا، تكشف فِيهِ ظلمَة مَا أبهم من الاشكال فيتضح.
فَقلت لَهُ: أبشر، فَإِن الْبَاب الَّذِي قرعته قد فتح.
وَهَا قد نهضت لذَلِك فاسترح.
وشرعت والشروع كَمَا علمت مُلْزم، وَأمر من أَمرنِي بذلك وَاجِب الِامْتِثَال، كونى بتمييزه وخيره وَشَرطه: أنصب وَأَرْفَع وأجزم.
واستخرت الله لاذي مَا خَابَ من استخاره، وَلَا نَدم من استجاره.
وَجعلت هَذَا الْكتاب ناطقا بِمَحَامِد الْكتب السَّابِقَة، وَإِنَّهَا لافصح ناطقة.
سلكت فِيهِ سَبِيل مصطلح أهل هَذَا الزَّمَان، منبها فِي كل بَاب من أبوابه على الحكم الْمُتَعَلّق بِهِ بأوضح بَيَان، ثمَّ على مسَائِل الْخلاف الْجَارِي فِي كل مَسْأَلَة بَين إمامنا الشَّافِعِي وَمَالك، وَأحمد، وَأبي

1 / 9

حنيفَة النُّعْمَان، وَإِذا انْتهى ذكر الحكم وتفصيل الْخلاف، ذكرت المصطلح بِعِبَارَة وجيزة.
وسبكت معنى الالفاظ مَعَ الاحتصار فِي مَحَله سبكا، لَو رَآهُ السُّبْكِيّ لاقر أَنِّي سبكت إبريزه.
وقابلت بأَدَاء النصب تَمْيِيزه.
أَو لَو رأى مَجْمُوعه الْحسن بن حبيب لتلفع من مروط محاسنه بمرطين، أَو ابْن بهْرَام لشنف آذان الثريا من جَوَاهِر عقوده - إِذا حقق المناط - بقرطين: أَو ابْن الصَّيْرَفِي لظهر لَهُ الْفرق مَا بَين الدِّرْهَم وَالدِّينَار فِي الصّرْف، وَلَا عطى المواثيق والعهود أَن انتقاده يعجز عَن أَن يَأْتِي فِيهِ بتزييف حرف، أَو الشلقامي لعلم أَن فِي كَلَامه - على رَأْي أهل المساحة.
شلقمة ولتحلى بحالته الْمرة، وروى
أَحَادِيث كؤوس ورده عَن عَلْقَمَة، أَو ابْن الزلباني لقلى نَفسه بِنَار دهنه ودهن ناره المشتعلة، ولحرق بأصابعه لجين أَلْفَاظه، الَّتِي جهد أَن يقلبها إبريزا، فَمَا قعد مِنْهَا إِلَّا فِي شباك وسلسلة، أَو الشريف الجرواني لقَالَ: وَالله هَذِه مواهب إلهية، وفوائد سنية، ونقود ذهبية، يتعامل بهَا من الان فِي الديار المصرية، والممالك الاسلامة، وَإنَّهُ لكتاب ختمت بهكتب أهل هَذِه الصِّنَاعَة.
وأرجوا أَن يكون وَاسِطَة عقدهم، ورابطة مقتضياتهم، الَّتِي إِلَيْهَا يرجعُونَ فِي حلهم وعقدهم.
مَا تَأمله منصف خَبِير، فأمعن فِيهِ نظرا، وَرَأى وَجه الْمُنَاسبَة فِيهِ بَين الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة والوثائق الشَّرْعِيَّة وَجها مقمرا، إِلَّا تَيَقّن أَن طرفه الساري إِلَى أَبْوَاب هَذَا الْكتاب واثق من مَعْرُوف مُؤَلفه، وبشره بصباح عِنْده يحمده السرى، وَيَقُول - إِذا طالع مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من الْفَوَائِد -: لاجرم أَن كل الصَّيْد فِي جَوف الفرا.
وَقد عزمت على أَن لَا أدع فِي بَاب من أبوابه فرعا يتَعَلَّق بمقصود إِلَّا ذكرته بِقصد حُصُول الْفَائِدَة.
والتزمت أَنِّي لَا آتِي على لفظ رَكِيك، وَلَا كلمة ذَات معنى غَرِيب، إِلَّا نبهت على مَعْنَاهَا، وأشرت إِلَيْهِ بِحَسب الامكان على الْقَاعِدَة سائقا مَا لَا يسْتَغْنى الْكتاب عَنهُ فِي الْجُمْلَة، من تناسق مقْصده فِي غَايَة، أَو مُنَاسبَة بَين كلمة وَكلمَة فِي بداية أَو نِهَايَة.
وبنيت الْمَقْصُود مِنْهُ على قَوَاعِد وأصول، ورتبته على أَبْوَاب الْفِقْه، وَقسمت الابواب إِلَى فُصُول، وأضفت إِلَى كل بَاب مِنْهَا مَا يتَعَلَّق بِهِ من المقتضيات الَّتِي هِيَ فِي حكمه، ليسهل تنَاولهَا، وضعا للشئ فِي مَحَله الَّذِي وضع برسمه.
وقدمت بَين يَدي ذَلِك كُله مُقَدّمَة كلهَا نتائج، وموضوع منطوقها يشْتَمل على ذكر مَا هُوَ شَرط فِي الشَّاهِد، وَمَا يَنْبَغِي أَن يَتَّصِف بِهِ من يُرِيد الدخوف فِي الْبَاب، فَلَا يكون عَنهُ خَارج، وَمَا أمكن أَن أسكت عَن ذكر الحلى الَّتِي ذكرهَا مُهِمّ، اعْتِمَادًا على وجودهَا

1 / 10

فِي كتب هَذَا الْفَنّ، وَإِمْكَان مراجعتها فِي الامر الملم، بل أختم الْكتاب بفصل يتَضَمَّن
ذكر الحلى والكنى والالقاب، إِذْ هم مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ أهل هَذِه الصِّنَاعَة وأذيله - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - بِذكر مَا اصْطلحَ عَلَيْهِ أهل هَذَا الْعَصْر، من ألقاب الْخُلَفَاء الرَّاشِدين، وَعُظَمَاء الْمُلُوك والسلاطين، وكفال الممالك الاسلامية، ونواب القلاع.
وَمن فِي معناهم من أَرْبَاب السيوف، وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْكَاتِب من معرفَة ألقاب أَرْبَاب الاقلام، وأركان الدولة الشَّرِيفَة على النظام، وَقَضَاء الْقُضَاة ومشايخ الاسلام.
وَمن فِي درجتهم من الْعلمَاء الاعلام.
وسميته: جَوَاهِر الْعُقُود، ومعين الْقَضَاء ز الموقعين وَالشُّهُود، وَمَا هُوَ إِلَّا عقد من الْجَوْهَر فِي تناسبه وانتظامه، لَا، بل كالجوهر الْفَرد فِي انتظامه، يشبه عدم انقسامه.
وَأَنا أعْتَذر إِلَى كل وَاقِف عَلَيْهِ، وناظر إِلَيْهِ، من اتقصير، سَائِلًا بسط الْعذر فميا طَغى بِهِ الْقَلَم وَجرى بِهِ اللِّسَان، الَّذِي هُوَ فِي هَذَا الاسلوب قصير.
وَمن الله أسأَل - وَهُوَ أجل مسؤول، وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآب فِيمَا آل من الامر وفميا يؤول - أَن يمدني بالمعونة على مَا قصدته، والتوفيق إِلَى سَبِيل الرشاد فِيمَا أردته، فَلَيْسَ الا عَلَيْهِ اعتمادي، وَإِلَيْهِ تفويضي واستنادي، وأسأله النَّفْع بِهِ لي ولسائر الْمُسلمين، أَقُول: شَرط الشَّاهِد، مُسلم مُكَلّف حر، عدل، ذُو مُرُوءَة غير مُتَّهم، وَشرط الْعَدَالَة، اجْتِنَاب الْكَبَائِر والاصرار على صَغِيرَة، وَيجب على الموثق أَن يَتَّقِي الله، وَيكْتب كَمَا علمه الله، وَينْصَح فِيهِ لمن اسْتَعْملهُ، مَعَ الِاحْتِرَاز من الالفاظ المحتملة والمبهمة.
وَيسْتَحب أَن يكون من أهل الْعلم وَالدّين، متحليا بحلية الامانة، عَالما بالامور الشَّرْعِيَّة، حاويا طرفا كَبِيرا من العربة، سالكا مَسْلَك الْفُضَلَاء، مَاشِيا على نهج الْعُقَلَاء، عَارِفًا بقسمة الْفَرَائِض، ومراتب الْحساب، متصرفا فِي بسط مجموعها وموضوعها، وتبيين أُصُولهَا وفروعها،
وَيَنْبَغِي للموثق: أَن لَا يعود لِسَانه بِالْكَذِبِ، فَإِن الْعَدَالَة ملكة فِي النَّفس تمنعها عَن اقتراب الْكَبَائِر والرذائل الْمُبَاحَة، وَأَن يجْتَنب معاشرة الاراذل والاسافل ومحادثتهم، إِلَّا

1 / 11

لضَرُورَة، لابد لَهُ مِنْهَا، فَإِن صناعته شريفة، ورتبته منيفة، بهَا يطلع على غوامض الامور، وأسرار الْمُلُوك، وأحوال الْجُمْهُور، وَبهَا يحفظ دِمَاء النَّاس وَأَمْوَالهمْ، وتنبني عَلَيْهَا أَقْوَالهم وأفعالهم، وَيَنْبَغِي أَن لَا يتَكَلَّم مَعَ الاخصام من الشُّهُود، إِلَّا الْعَارِف بالقضايا، وَأَن يُمَيّز بَين الْخَصْمَيْنِ، وَيعرف المشعود عَلَيْهِ من الْمَشْهُود لَهُ، وَلَا يبطن قَضِيَّة مَعَ أحد الْخَصْمَيْنِ يكون للاخر فِيهَا حَقًا، فَإِن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى الاتهام فِي النَّصِيحَة.
وَرُبمَا أدَّت المباطنة مَعَ أحد الْخَصْمَيْنِ إِلَى زِيَادَة مخاصمة، وَرُبمَا عَاد ضَرَر ذَلِك على الشَّاهِد فِي الْحَال والمآل.
وَإِذا كَانَ أحد الشَّاهِدين مَعَ الْخَصْمَيْنِ، أَو مَعَ أَحدهمَا فِي مَسْأَلَة، فَلَا يتَكَلَّم فِيهَا الشَّاهِد الثَّانِي حَتَّى يَنْتَهِي كَلَام الاول.
فَإِن كَانَ صَوَابا وَإِلَّا رده عَلَيْهِ الثَّانِي، ونبهه على الصَّوَاب بِرِفْق، وَلَا يتنازعان فِي الْمجْلس بِحَضْرَة الاخصام، فَإِن ذَلِك يكسر الْحُرْمَة، ويهزيل الابهة ٠ وَيَنْبَغِي للشَّاهِد: أَن لَا يسْرع فِي الْكِتَابَة، حَتَّى يُوقع الشَّهَادَة بِمَا يَقع عَلَيْهِ الِاتِّفَاق، فَإِن ذَلِك يقطع التَّنَازُع بَين الْخَصْمَيْنِ، وَرُبمَا الْمَشْهُود عَلَيْهِ ضَعِيفا، فَإِذا اشْتغل الشَّاهِد فِي الْكتاب رُبمَا أُغمي عَلَيْهِ، وَاسْتمرّ مغمورا إِلَى أَن يَمُوت، فَيفوت الْمَقْصُود.
وَلَا يكْتب الشَّاهِد على ظهر مَكْتُوب قبل تَحْرِير مَا يَقع بِهِ الاشهاد، فَرُبمَا حصل خلف بَينهمَا، فَيُؤَدِّي ذَلِك إِلَى فَسَاد الْمَكْتُوب على صَاحبه، وتتطرق الرِّيبَة إِلَيْهِ، بل يلخص الْمَشْهُود بِهِ فِي مسودة، ثمَّ يُوقع الاشهاد بِهِ، ثمَّ يكْتب على ظهر الْمَكْتُوب، بعد أَن يُوقف عَلَيْهِ رَفِيقه الَّذِي يشْهد مَعَه فِي الْقَضِيَّة، ثمَّ يَنْقُلهُ إِلَى الْكتاب الَّذِي يُرِيد أَن يَكْتُبهُ، فَإِنَّهُ إِذا لم يفعل ذَلِك، وَشرع فِي الْكِتَابَة، مُعْتَمدًا على جودة ذهنه، وبادي
بديهته، ووثوقه من نَفسه بِعَدَمِ الْخَطَأ فِي الْغَالِب.
فقد يذهل وَيجْرِي الْقَلَم - الَّذِي هُوَ لِسَان الْيَد، وبهجة الضَّمِير، وسفير الْعُقُول، ووحي الْفِكر، ورائد الامور - بِغَيْر مُرَاد الْكَاتِب، فَإِن كَانَ الْمَكْتُوب إنْشَاء فَيحْتَاج إِلَى كشط، أَو إِلْحَاق.
فَيكون ذَلِك عَيْبا فِي الْمَكْتُوب، لَا سِيمَا إِن ذهل عَن الِاعْتِذَار عَنهُ.
وَخرج الْمَكْتُوب من يَده، فَيصير فِيهِ رِيبَة إِن بعد الزَّمَان، وَمَات الشَّاهِد أَو غَابَ، وَإِن غير امكتوب، فقد كلف نَفسه غرم ذَلِك، وَإِن كَانَت الْكِتَابَة على ظهر مَكْتُوب قديم قد توالت عَلَيْهِ خوطوط بالاحكام وَالثنَاء فِيهِ، فَيجْرِي الْقَلَم بِغَيْر الْمَقْصُود.
فَيحْتَاج إِلَى تَغْيِير ذَلِك الْفَصْل فِي فصل آخر.
فقد تتعذر الْكِتَابَة على الْمَكْتُوب، لضيقه أَو لضيق الزَّمَان.
فَإِن أبقاه على الْخَطَأ، أَو إصلحه بِالْمَقْصُودِ على عسر فِي الْكِتَابَة، وضيق فِي الْمَكْتُوب، أُدي ذَلِك إل يالكلام فِي الْمَكْتُوب وَالْكَاتِب.
وَهَذَا فِي حق موقعي الحكم العزير آكِد، من كَون أَن غَالب القضايا الْحكمِيَّة،

1 / 12