جامع ابن بركة ج1

سلطنة عمان

وزارة التراث القومي والثقافة ...

... ... ...

... كتاب الجامع

تأليف:

... العالم العلامة ...

الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة البهلوي العماني

الجزء الأول

حققه وعلق عليه

عيسى يحيى الباروني

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المؤلف

الحمد لله الواحد القهار، الكبير المتعال، لا مثل له ولا نظير ولا عديل، وهو السميع البصير، العدل في قضائه، الرحيم بعباده، اللطيف بجميع خلقه، الناظر لأهل سمائه وأرضه، المشكور على نعمائه. المبتدئ بنعمته على غير السائلين، والمتفضل على غير المستحقين، نحمده وهو أهله. ونستعين على ما ننال(1) إلا به. ونتوكل عليه توكل من يعلم إيمانه أن كل نعماء (¬1) فمن عنده، وما مسته لأواء فمن جناية يده. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون. (¬2) وصلى الله على محمد النبي،وآله الطاهرين، وسلم تسليما.

الباب الأول في الأخبار

¬__________

(¬1) في (ب) و (ج) نعما.

(¬2) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا.(سورة الفتح): 28.

Página 1

ثم نبدأ بذكر الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم التي (¬1) تتعلق بها أحكام الشريعة، وإن كان الفقهاء قد اختلفوا في تأويلها وتنازعوا في صحة الحكم بها؛ لأنها قواعد الفقه و(أصول دين الشريعة (¬2) ) لحاجة المتفقه إلى ذلك، وقلة استغنائه عن النظر فيه والاعتبار في معانيه، فالواجب عليه إذا أراد علم الفقة 1أن يتعرف أصول الفقه وأمهاته، ليكون بناؤه على أصول صحيحة ليجعل كل حكم في موضعه ويجريه على سننه، ويستدل على معرفة ذلك بالدلالة الصحيحة، والاحتجاجات الواضحة، وأن لا يسمي العلة دليلا، والدليل علة، والحجة علة، وليفرق بين معاني ذلك، ليعلم افتراق حكم المفترق، واتفاق المتفق؛ لأني رأيت العوام من متفقهي أصحابنا، ربما ذهب عليهم كثير من معرفة ما ذكرنا وتكلم عند النظر ومحاجة الخصوم بما ينكره الخواص منهم، وأهل المعرفة بذلك؛ لأنهم ربما وضعوا اللفظة في غير موضعها ونقلوا الحجة على (¬3) غير جهتها، واستعملوها في غير أماكنها.

والله نسأل أن يوفقنا وإياهم لما يقربنا إليه، ونحن نذكر بعد هذا في كتابنا هذا من هذه المعاني، ونبين من ذلك ما يرغب (¬4) إلى الله في توفيقه لنا ومعونته على ذلك.

باب في الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم

وهي التي تتعلق الأحكام بها، ويختلف الفقهاء في معانيها ( نسخة تأويلها) وتنازع الحكم في معانيها. فمنها أخبار المراسيل، وأخبار المقاطيع، والأخبار الموقوفة، وأخبار المتن، وخبر الصحيفة، والخبر الزائد على الخبر الناقص، والخبر المتعارض لغيره من الأخبار. والخبران يردان من طريق أو طريقين يكون أحدهما خاصا والآخر عاما. والخبران يكون أحدهما ناسخا والآخر منسوخا.

¬__________

(¬1) في (ب) و (ج)، والتي تتعلق، وهذا هو الصحيح.

(¬2) في (ب) و (ج) وأصوله الشريعة.

(¬3) في (ج): إلى.

(¬4) في (ج): نرغب.

Página 2

? فأما أخبار المراسيل فهو أن يرفع (¬1) الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يشاهد النبي عليه السلام. فواجب أن يكون بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم صحابي فلا يذكره (¬2) . وإما أن يكون قد سمع من الصحابي فاقتصر على ما روي له ولم يجتمع إلى ذكره مرة أخرى أو يكون صح عنده الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بالإخبار عن ذلك الصحابي ويسنده إلى صلى الله عليه وسلم .

? وأما أخبار المقاطيع، فهو أن يروي الرجل الخبر عن صلى الله عليه وسلم فيسقط في الوسط رجلا فلا يذكره في إسناده، فإذا ترك ذلك الرجل، انقطع الخبر إلى حيث ترك الرجل.

? وأما الخبر الموقوف من الأخبار، فهو أن يروى الخبر عن الصحابي والتابعي فيوقف الخبر عليها.

? وأما أخبار المتن، فهي التي تروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يذكر من رواها من الصحابة ويعتمد على صحتها وتسمى مثل هذه الأخبار (¬3) (المتن).

? وأما خبر الصحيفة، فهو أن يروي الراوي الخبر إلى أن ينتهي به إلى رجل فيقول: عن أبيه عن جده ولم يذكر ذلك المذكور النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا كان هذا الخبر على هذا الوصف ونحوه سمي خبر الصحيفة.

? وأما الخبر الزائد على الناقص، فإنه إذا ورد خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه، وروي ذلك الخبر أيضا من وجه آخر إلا أن أحد (¬4) الخبرين فيه زيادة لفظة استعمل الزائد من الخبرين؛ لأن فيه فائدة لم تذكر في الخبر الآخر، ولم يوردها الراوي الثاني معه، لما قد يجوز أن يكون أحدهما شاهد القصة إلى آخرها (¬5) فيسمع ما لم يسمع الآخر ويشاهد ما لم يشاهد الآخر، فلذلك استعمل الزائد من الأخبار.

¬__________

(¬1) في (ب) و (ج): فهو أن يروي التابعي الخبر عن النبي (صلى الله عليه وسلم)

(¬2) في (ب) و (ج) فلا بأس أن يذكره.

(¬3) في (ب) أخبار.

(¬4) في (ب) إلا أحد الخبرين.

(¬5) شاهد القصة إلى الموضع الذي أخبر به والآخر شاهد القصة.

Página 3

? وأما الأخبار المتعارضة، فمثل ذلك أن يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، خبر بإباحة شيء، ويروى خبر آخر فيحظر ذلك فيوقفا (¬1) جميعا، وينظر المتقدم منهما من المتأخر بالتاريخ، ليعلم الناسخ من المنسوخ. نحو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : "أنه سهى في صلاته فسجد قبل التسليم". وروي عنه (¬2) "أنه سجد بعد التسليم"، فتنازع الناس في ذلك واختلفوا في الناسخ منهما من المنسوخ والمتقدم من المتأخر.

? وأما الخاص والعام من الأخبار، فنحو قول النبي صلى الله عليه وسلم : "حيث ما أدركتك الصلاة فصل." (¬3) ، فهذا عموم يوجب جواز الصلاة في كل موضع، وروي عنه صلى الله عليه وسلم : "نهى (¬4) عن الصلاة في المقبرة والمجزرة والمزبلة والحمام وقارعة الطريق ومعاطن الإبل". وكأن هذا خبر خص بعض ما اشتمل عليه عموم الخبر الآخر، فالخاص يعترض على العام. ولا يعترض العام على الخاص، وكذلك الخبر المفسر يقضي على المجمل، ولا يقضي المجمل على المفسر.

? وأما الناسخ والمنسوخ فهو نحو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ولا تقولوا هجرا". (¬5)

? وأما الأخبار التي تنازع الناس في تأويلها عند مبايعاتهم على شروط بينهم. فمنها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : "أنه نهى عن شرطين في بيع". (¬6) هذا ما اتفق الناس على إبطال البيع به. وهو أن يبيع الرجل الغلام لغيره بثمن معلوم على أن يبيع له المشتري غلاما بثمن معلوم أو ثمن يتفقان عليه، فهذا ونحوه لا يجوز في البيع بإجماع الأمة.

¬__________

(¬1) في (ب) و (ج) فيوقفان.

(¬2) عنه لا توجد فيه (ب) و (ج).

(¬3) أخرجه مسلم بلفظ: (( أينما أدركتك الصلاة فصل)).

(¬4) في (ب) إنه نهى.

(¬5) رواه الخمسة إلا البخاري.

(¬6) رواه مالك.

Página 4

وأما ما اختلفوا في جوازه وفساده فهو نحو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : "أنه اشترى من جابر بن عبد الله بعيرا وشرط جابر ظهره من مكة إلى المدينة. فأجاز صلى الله عليه وسلم البيع والشرط". (¬1) وروي عنه: "أن عائشة اشترت بريرة لتعتقها، فاشترط البائع ولاءها لنفسه، فأجاز صلى الله عليه وسلم (¬2) البيع وأبطل الشرط" وقال: "الولاء لمن أعتق" (¬3) . وروي: "أن تميما الداري باع دارا واشترط سكناها فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم البيع والشرط". (¬4) واختلفت الرواية (¬5) في مقدار مدة السكنى. فقال بعض الرواه: أنه اشترط سكنى سنة وقال (¬6) بعض (¬7) اشترط سكنه أيام حياته. فيحتمل أن تكون هذه الأخبار بعضها ناسخا وبعضها منسوخا، ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم تركهم وهذه الأخبار ليجتهدوا فيها آراءهم.

والذي عندي والله أعلم أن خبر بريرة كان شرطه غير جائز؛ لأنه اشترط ما لا يجوز تملكه، وهو الولاء الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم كالنسب لقوله: "لحمة الولاء كلحمة النسب". (¬8) والنسب لا يجوز تملكه لهذا الخبر، فلذلك أبطله النبي صلى الله عليه وسلم .

¬__________

(¬1) أخرجه الخمسة.

(¬2) في (ب) و (ج) النبي (ص).

(¬3) ابن ماجه والدارمي وأحمد بن جنس.

(¬4) ابن ماجه والدارمي وأحمد بن جنس.

(¬5) في (ب) واختلف الرواه.

(¬6) وقد قال.

(¬7) بعضهم.

Página 5

(¬8) في (ب): (( الولاء لحمة كلحمة النسب )) وأما خبر جابر بن عبد الله في بيع البعير إذ اشترط ركوبه من مكة إلى المدينة،لم يكن في نفس عقد البيع وإنه كان على وجه العارية، وقد روي هذا أيضا. وأما خبر تميم الداري فإنه يحتمل أن يكون الخبر الذي روي إنه اشترط في البيع سكنى الدار أيام حياته، فإن الجهالة بمدة أيام حياته لا يصح البيع معها؛ لأن ذلك غير معلوم، ولذلك بطل البيع والشرط، ولو كان شرط السكنى مدة معلومة لكان البيع جائزا؛ لأن البيع إذا شرط فيه شرط له قسط من الثمن معلوم جاز البيع. (¬1) والله أعلم.

وإذا ورد خبر أن أحدهما ينفي الفعل والآخر يوجب إثباته، كان الإثبات أولى إذا لم يعلم المتقدم منهما من المتأخر ولا الناسخ من المنسوخ، وهذا على أصول أصحابنا يصح إلى ما يذهبون إليه من (¬2) الحظر والإباحة والأوامر. وقد وافقنا الشافعي في هذا المعنى.

ومن الأخبار الموقوفة لتعارضهما وطلب الدلالة على المتقدم منهما من المتأخر، وأما ما أريد ببعضها دون بعض نحو ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن الشرب قائما". وروي "أنه شرب من زمزم قائما" (¬3) فوجب اتفاق الخبرين، وكان المرجوع إلى قول الله تعالى: ? { وكلوا واشربوا } (¬4) فهذه الآية تبيح الأكل والشرب على أي حال كان عليها الآكل والشارب، إلا أن تخص في بعض الأوقات وبعض الأحوال.

وروي عنه صلى الله عليه وسلم" أنه نهى عن الشرب من فم السقاء". وروي أنه خنث السقا وشرب منه، أي عطفه، وأما الشرب من فم السقا الذي ورد النهي عنه، فقيل: إنه للإشفاق أن تكون فيه دابة.

مسألة في التقليد الجائز

¬__________

(¬1) في (ج): البيع به.

(¬2) في (ج) و (ب) في

(¬3) في (ب) و هو قائم.

(¬4) كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين )). الآية 60: سورة البقرة.

Página 6

تقليد الصحابة في باب الأحكام وما كان طريقه طريق السمع، ألا ترى أنك تحكي عنهم الإجماع. فإن كان الخبر منقولا عن بعضهم إذا لم ينقل عن أحد منهم خلافا لذلك، ويجوز تقليد الواحد منهم أيضا إذا قال قولا ولم ينكر عليه غيره، وإن علم له مخالف في الصحابة فلا، وخلاف التابعي عليهم ليس كخلاف بعضهم على بعض؛ لأنه ليس في طبقتهم؛ لأن الصحابة هم الحجة التامة، ألا ترى أن الله تعالى جعل شهادتهم على الناس كشهادة الرسول عليهم بقوله: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } . (¬1) فلا يجوز وقوع الخطأ في شهادتهم إذا كانت شهادتهم كشهادة الرسول عليه السلام عليهم مثل قوله: { ويتبع غير سبيل المؤمنين نزله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا. } (¬2) والخارج من قول الصحابة متبع لغير سبيل المؤمنين، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا تجتمع أمتي على ضلال". (¬3) فإذا لم ينقل الاختلاف فيهم، وكان المنقول عن بعضهم وترك المخالفة عن الباقين وهم حجة الله جل ذكره في أرضه على عباده، دل تركهم لمخالفة القائل منهم على تصويبه، ومن ادعى على أن في ضمائر بعضهم غير ما كان في الظاهر منهم، أو نفيه منعتهم كان مخطئا، وطعن على الصحابة إنهم لم يقيموا الحجة لله عز وجل (¬4) بالنهي عن المنكر والأمر بالمعروف، (¬5)

¬__________

(¬1) سورة البقرة: 143.

(¬2) سورة النساء: 115، وأول الآية: "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع"

(¬3) متفق عليه.

(¬4) لا توجد في (ب) و (ج).

(¬5) قال تعالى: " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر"..

Página 7

ولا يجوز التقليد لأهل الاستدلال والبحث والأخبار في عصر غير الصحابة مع الاختلاف، ويجوز الاعتراض عليهم في أدلتهم، ولا يجوز الاعتراض على الصحابة لما ذكرنا، ويجوز للعامة تقليد العلماء والاتباع لهم فيما لا دليل لهم على التفرقة بين أعدل أقاويلهم في باب الشرع، وما كان (¬1) طريقه طريق الاجتهاد واستسلامهم للعلماء كاستسلامهم للحكام فيما يحكمون به لهم وعليهم فيما لا علم لهم بصوابه. وكذلك تقليد الجاهل لمن لا يتهم في الدين، والله أعلم.

باب في ذم التقليد

قال الله تبارك وتعالى في كتابه: { ?وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون. } (¬2) وقال جل ذكره: { ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا. يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا. (¬3) وقال عز وجل: { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب. (¬4) وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار } (¬5) .

¬__________

(¬1) من (ب) و (ج).

(¬2) سورة المائدة: 104.

(¬3) سورة الفرقان: 27.

(¬4) سورة البقرة: 166.

(¬5) سورة البقرة 167.

Página 8

وهذا المعنى كثير في القرآن وفي السنة، من ذلك: أن رجلا أصابته شجة فأجنب، وقد اندملت عليه فاستفتي له فأمر بالغسل ولم يروا له عذرا فاغتسل فكز فمات. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: "قتلوه قتلهم الله". (¬1) ففي هذا دليل على إنه لم يجعل للمستفتي والمستفتي له عذرا، والله أعلم. ولعل المفتي لم يكن أهلا لذلك، ونحن نعوذ بالله من غلبة الأهواء ومسامحة الآراء وتقليد الآباء، وإياه نسأله أن يجعلنا من المتبعين لكتابه الذابين عن دينه والقائمين بسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

باب في الناسخ والمنسوخ من القرآن

وإذا رفع الصحابي خبرا عن الرسول عليه السلام بإيجاب فعل وجب العمل به على من بلغه (¬2) من المكلفين إلى أن يلقى خبرا غيره ينسخ ذلك الخبر، كان على من عمل بالخبر الأول الرجوع إلى الثاني وترك العمل بالأول. وكذلك الحاكم يعمل بما قام عليه الدليل عنده من أقاويل العلماء، فإذا قام له دليل بعد ذلك على قول آخر هو أرجح عنده من الأول عمل بالثاني، وترك العمل (¬3) الذي حكم به واستعمله، والله أعلم، وإذا لم يرجح عنده أحد الدليلين، واستوى القولان عنده من كل الوجوه واعتدلا أخذ المتعبد بأي الأقاويل شاء، وبالله التوفيق.

والنسخ على ثلاثة أوجه: (¬4) وجهان منهما مفهومان عند العامة، فأحدهما انتساخ الشيء من كتاب قبله إلى كتاب آخر، والآخر نسخ الشيء وتحويله وتبديله، هذا هو الذي يفهمه الناس في القرآن والسنة جميعا.

¬__________

(¬1) رواه النسائي.

(¬2) في (ب) من بلغه من الكلفين.

(¬3) في (ب) وترك العمل بالأول.

(¬4) في (ج) أقسام أوجه.

Página 9

والوجه الثالث: أن يحصي الشيء على عامله ويحتفظ به عليه نحو قول الله جل ذكره: { ?هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } (¬1) يريد والله أعلم إنا كنا نحصيه عليكم حتى نعيد ذكره إليكم فتعلمون إنما (¬2) تجزون بما كسبت أيديكم.

وأما انتساخ الكتاب من كتاب كان قبله إلى كتاب بعده فقد أخبرنا الله تعالى أن القرآن في لوح محفوظ بقوله: ? { بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ } (¬3) وبقوله:? { يمحو الله ما يشاء ويثبت عنده أم الكتاب } (¬4) وإذا كان القرآن عنده في أم الكتاب في لوح محفوظ ثم أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم فإنما أنزله على محمد نسخة ما في ذلك اللوح المحفوظ والكتاب المكنون، وذلك الكتاب عند الله في موضعه. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يوما قاعدا في أصحابه إذ ذكر حديثا فقال: (ذلك أو إن نسخ القرآن) فقال رجل كالأعرابي: يا رسول الله ما ينسخ أو كيف ينسخ؟ فقال: "يذهب بأهله ويبقى رجال كأنهم النعام) يعني حلة الطير".

¬__________

(¬1) سورة الجاثية: 29.

(¬2) إنكم إنما.

(¬3) سورة البروج: 22.

(¬4) سورة الرعد: 39.

Página 10