جمهرة رسائل العرب في عصور العربية
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية
Editorial
المكتبة العلمية
Ubicación del editor
بيروت - لبنان
الجزء الأول
مقدمة الطبعة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم أحمدك اللهم على سابغ نعمائك، وضافي آلائك، وأصلى وأسلم على صفوة أنبيائك، سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأخيار الأطهار.
وبعد: فقد كنت عند اختتام «جمهرة خطب العرب»، قطعت على نفسى عهدا بإتلائها بصنو لها فى الرسائل، وقد يسّر لى القدير المنان السبيل إلى إنجاز عدتى، فهأنذا أصدر:
جمهرة رسائل العرب فى عصور العربية الزاهرة حاوية ما وسعه اطلاعى من رسائل أبناء العربية فى عصور البلاغة، فى أجزاء أربعة:
الجزء الأول: ويحوى الرسائل فى العصر الجاهلى، وعصر صدر الإسلام.
الجزء الثانى: ويحوى الرسائل فى العصر الأموى.
الجزء الثالث: ويحوى الرسائل فى العصر العباسى الأوّل.
الجزء الرابع: ويحوى رسائل الأندلسيين.
ولم أورد فى الجزء الأول، مما أورده الشريف الرضى فى نهج البلاغة من رسائل.
1 / 3
الإمام علىّ كرم الله وجهه، إلا ما اقتضاه المقام: مما كان حلقة مكملة لسلسلة مكاتبات، أو رسالة مختصرة عثرت على تتمتها فى مصدر آخر، أو ما شا كل ذلك.
وقد أخرجت هذه الجمهرة على غرار سابقتها، ونهجت فيها منهجها، فدأبت على التوفيق بين الروايات المختلفة للرسالة الواحدة، وصنعت منها صورة كاملة تؤلف بين أشتاتها، وعنيت بضبط المشكل من ألفاظها، وتصحيح المحرف، وتحقيق المشوّه منها، ورده إلى أصله، وشفعتها بنبذة تاريخية توضح المقام الذى كتبت فيه، وذيلتها بشرح مسهب يجلى للقارئ فحواها. ولست أغلو إن قلت إن ذلك الشرح بما حواه من فوائد لغوية، وفرائد أدبية، وطرائف تاريخية، حرىّ أن بعد كتابا قائما بذاته.
وإخالنى بإصدار هاتين الجمهرتين قد عبّدت طريق النثر القديم: الخطابى والكتابى:
للمتأدبين، ووطأت لهم مهاده، ويسرت لمؤرخى الأدب العربى أن يتصفحوا خطب كل عصر ورسائله مجتمعة الشمل، قريبة المأخذ، سائغة التناول، ووفّرت عليهم ما يضطرهم إليه البحث من بذل مجهود شاق، وإضاعة وقت طويل، فى التنقيب عنها، وما تتطلبه من التحقيق والتعليق.
كما أرانى قد حببت إلى شبابنا المتعلمين أن يجتنوا من ثمر الأدب العربى الشهى، وينهلوا من مناهله العذبة، ويلفوا فيه من فصاحة اللسان، ورصانة البيان، ما يؤمنون معه بثراء لغتهم، وعلوّ كعبها، وسمو مكانتها؛ بين لغات الأمم، أجل لقد كان من أكبر البواعث التى حدت بى إلى تأليف تينكم الجمهرتين، ما رأيته فى طلابنا المتأدبين من عزوف عن كتب الأدب العربىّ القديم وصدوف عنها، لأنها عطل من الضبط، خلو من التعليق والشرح، فضلا عما أفعمت به من التحريف للشائن، والتشويه الشنيع؛ فهم إذا ما تاقت نفوسهم إلى مطالعتها لم يعتموا أن يمسهم الضيق والضجر، ويستحوذ عليهم السأم والملل، لوعورة مسلكها، وصعوبة مرتقاها، فسرعان ما يطوونها، ويلقون بها دون أن يفيدوا منها ما ينشدون.
1 / 4
وإنى لا أستطيع أن أصور للقراء مبلغ ما عانيت من نصب فى هذا السبيل الذى يبدو لأول وهلة لاحبا سهل المسلك، وحسبى أن يطلعوا على عملى فيلمسوا بأيديهم ما بذلته فيه من جهد مضن، وكدّ ممضّ، ضحيت فيه بالكثير من وقتى وراحتى، وبالنفيس من صحتى وقوتى، لا أبتغى بذلك مالا ولا صيتا، ولا ألتمس فيه جزاء إلا من العدل القدير، وإنما هو واجب البر بهذه اللغة الشريفة، والإخلاص فى خدمتها والوفاء لها، حفزنى أن أضع حجرا فى بنيان نهضتها، وأنظم خرزة فى عقد زينتها.
اللهم سدد إلى طريق الخير خطانا، ووفقنا إلى ما تطيب به ذكرانا، وتحمد به عقبانا، وهيئ لنا من أمرنا رشدا؟
أحمد زكى صفوت
وحرر بالقاهرة فى المحرم ١٣٥٦
إبريل ١٩٣٧
1 / 5
فهرس مآخذ الرسائل فى هذا الجزء
الأغانى: لأبى الفرج الأصبهانى: الجزء الثانى- السادس- الخامس: عشر- الحادى والعشرون
تاريخ الأمم والملوك: لابن جرير الطبرى: الجزء الثانى- الثالث- الرابع-: الخامس- السادس
تاريخ الكامل: لعز الدين بن الأثير: الجزء الأول- الثانى- الثالث
صبح الأعشى: لأبى العباس القلقشندى: الجزء الأول- الثانى- الرابع-: السادس- التاسع- العاشر-
: الثالث عشر- الرابع عشر
مجمع الأمثال: لأبى الفضل الميدانى: الجزء الأول- الثانى
العقد الفريد: لابن عبد ربه: الجزء الأول- الثانى
جمهرة الأمثال لأبى هلال العسكرى: الجزء الأول
سيرة النبى ﷺ: لابن هشام: الجزء الأول- الثانى
السيرة الحلبية: لابن برهان الدين الحلبى: الجزء الثانى
صحيح الإمام البخارى: الجزء الأول- الثانى- الرابع
الجامع الصحيح: للإمام مسلم: الجزء الخامس
سنن النسائى: الجزء الخامس- الثامن
المواهب اللدنية: للقسطلانى شرح الزرقانى: الجزء الثالث- الرابع
أسد الغابة فى معرفة الصحابة: لعز الدين: الجزء الأول- الثانى- الثالث-
لابن الأثير: الرابع
1 / 6
الإصابة فى تمييز الصحابة لابن حجر العسقلانى: الجزء الثالث- السادس
المواعظ والأعتبار بذكر الخطط والآثار: الجزء الأول للمقريزى
حسن المحاضرة فى أخبار مصر والقاهرة: الجزء الأول للسيوطى
معجم البلدان: لياقوت الحموى: الجزء الثانى- الثالث- الرابع-: الخامس
تهذيب تاريخ ابن عساكر: الجزء الأول- الثانى- الثالث
الروض الأنف: للسهيلى: الجزء الثانى
البيان والتبيين: للجاحظ: الجزء الثانى
نهج البلاغة: للشريف الرضى: الجزء الثانى
شرح نهج البلاغة: لابن أبى الحديد: المجلد الأول- الثانى- الثالث-: الرابع
زهر الآداب: لأبى إسحق الحصرى: الجزء الأول
الكامل: للمبرد: الجزء الأول- الثانى
لسان العرب: لابن منظور: الجزء السادس- السابع
أشهر مشاهير الإسلام: لرفيق بك العظم: الجزء الثالث- الرابع
الإمامة والسياسة: لابن قتيبة: الجزء الأول
لأمالى: لأبى على القالى: الجزء الثانى
مروج الذهب للمسعودى: الجزء الأول- الثانى
1 / 7
نهاية الأرب: لشهاب الدين النويرى: الجزء السابع
عيون الأخبار: لابن قتيبة: المجلد الثانى
النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة: الجزء الأول لابن تغرى بردى:
المثل السائر فى أدب الكاتب والشاعر:
لضياء الدين بن الأثير:
الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه:
وسلم: للقاضى عياض:
خاص الخاص للثعالبى:
الخراج: لأبى يوسف:
فتوح الشام: لأبى إسمعيل محمد بن عبد الله:
الأزدى البصرى:
ثمرات الأوراق: لابن حجة الحموى:
إعجاز القرآن: لأبى بكر الباقلانى:
فتوح البلدان: للبلاذرى:
تاريخ آداب اللغة العربية: للأستاذ:
حسن توفيق:
مفتاح الأفكار: للشيخ أحمد مفتاح:
1 / 8
بسم الله الرحمن الرحيم
الرّسائل فى العصر الجاهلى
لسنا نعرض فى هذا المقام للكلام على نشأة الكتابة العربية وتاريخها فى العصر الجاهلى، وإنما يعنينا هنا أن نقول: إن جمهرة العرب فى ذلك العصر كانت متبدّية (١)، فلم تكن الكتابة فيهم فاشية، ولذا كانوا يعتمدون فى تراسلهم على المشافهة، فيبعثون برسالاتهم شفهيّة مع أمناء ينتجبونهم (٢) لإبلاغها، وكانوا يحتفظون بآثارهم الأدبية فيستظهرونها فى الصدور، ويتناقلونها على الألسن، ولم يزاولوا من العلوم والفنون ما يقضى عليهم أن يدوّنوه ويقيدوه فى سجلّ يدرأ عنه عادية الضياع والامّحاء.
أما أهل الحاضرة منهم فقد ألمّوا بالحضارة بعض الإلمام، وكانوا يمارسون الكتابة، ويتبادلون الرسائل المكتوبة، ولكنهم لتقادم العهد لم يؤثر عنهم إلا رسائل قلائل معدودة، سنوردها لك بعد، وهى لنزورتها (٣) لا تقفنا على صورة صحيحة تامة لكتابة الرسائل فى ذلك العهد.
(١) تبدى: أقام بالبادية.
(٢) انتجبه: اختاره.
(٣) نزر الشئ: ككرم نزرا ونزارة (بالفتح) ونزورة ونزورا (بالضم): قل.
1 / 9
١ - كتاب المنذر الأكبر إلى أنوشروان
روى أن المنذر الأكبر (١) أهدى إلى أنوشروان جارية، كان أصابها إذ أغار على الحرث الأكبر بن أبى شمر الغسّانى (٢)، فكتب إلى أنوشروان بصفتها، فقال:
«إنى قد وجّهت إلى الملك جارية معتدلة الخلق، نقيّة اللون والثّغر، بيضاء قمراء، وطفاء، كحلاء، دعجاء حوراء عيناء، قنوا، شمّاء، برجاء زجّاء (٣)، أسيلة الخدّ،
(١) هو المنذر الثالث بن امرئ القيس اللخمى ملك الحيرة، وقد اشتهر بأمه، فقيل له: المنذر ابن ماء السماء (سميت بذلك لحسنها وجمالها، واسمها ماوية) وهو جد النعمان بن المنذر صاحب النابغة الذبيانى، وقد ولى إمارة الحيرة من سنة ٥١٤ إلى سنة ٥٦٣ م ماعدا فترة طرده فيها قباذ ملك الفرس، وقتل فى حربه مع الحرث بن أبى شمر الغسانى يوم أباغ (وأباغ كغراب: موضع بين الكوفة والرقة) وكانت إمارة الحيرة (وهى على ثلاثة أميال من الكوفة على موضع يقال له النجف) يليها المناذرة من قبل ملوك الفرس. ومعنى أنو شروان: صاحب العقل الراجح.
(٢) هو الحرث الأعرج بن أبى شمر جبلة الغسانى أحد ملوك الغساسنة، ويلقبه مؤرخو العرب بالأكبر كما ترى، وقد رجعت إلى سلسلة ملوك الغساسنة فى الجدول الذى وضعه الأستاذ برسيفال فى كتابه «العرب قبل الإسلام». فوجدت أن الحرث الملقب بالأكبر هو أبو شمر جبلة، وهو الحرث الرابع الذى ولى من سنة ٤٩٥ إلى سنة ٥٢٩ م، وأن من يلقبه مؤرخو العرب بالأكبر هو ابنه الحرث الأعرج هذا وهو الحرث الخامس الأوسط الذى ولى من سنة ٥٢٩ إلى سنة ٥٧٢ م، ولعلهم لقبوه بالأكبر لقوة سلطانه وعظم شأنه، وكانت إمارة الغساسنة بالشام يليها ملوك غسان من قبل الدولة الرومانية الشرقية، وقد عين الحرث بن أبى شمر من قبل العاهل الرومانى جوستنيان (الذى حكم من سنة ٥٢٧ إلى سنة ٥٦٥ م).
قال المسعودى فى مروج الذهب ج ١: ص ٢٩٩ «وكانت ديار ملوك غسان باليرموك والجولان وغيرهما من غوطة دمشق وأعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام». وقد نشبت بين المناذرة والغساسنة حروب شديدة امتلأت بها كتب التاريخ.
(٣) الثغر: الأسنان. ووجه أقمر: مشبه بالقمر. وقال ابن قتيبة «الأقمر: الأبيض الشديد البياض والأنثى قمراء». ووطفاء: وصف من الوطف بالتحريك، وهو كثرة شعر الحاجبين والعينين والأشفار مع استرخاء وطول. وكحلاء: وصف من الكحل بالتحريك، وهو سواد يعلو الجفون خلقة. والدعج بالتحريك والدعجة بالضم: شدة سواد العين مع سعتها. والحور بالتحريك: شدة سواد المقلة فى شدة بياضها فى شدة بياض الجسد. والعين بالتحريك، والعينة بالكسر: عظم سواد العين فى سعة. وقنا الأنف: ارتفاع أعلاه، واحد يداب وسطه، وسبوغ طرفه، وهو أقنى، وهى قنواء. والشمم بالتحريك: ارتفاع قصبة الأنف وحسنها واستواء أعلاها وانتصاب الأرنبة، وهو أشم، وهى شماء.
والبرج بالتحريك: تباعد ما بين الحاجبين، وقيل هو سعة العين فى شدة بياض صاحبها، وقيل سعة بياض العين وعظم المقلة وحسن الحدقة، وقيل أن يكون بياض العين محدقا بالسواد كله. والزجج بالتحريك دقة الحاجبين فى طول.
1 / 10
شهيّة المقبّل، جثلة الشعر، عظيمة الهامة (١)، بعيدة مهوى القرط، عيطاء عريضة الصدر، كاعب الثّدى، ضخمة مشاش المنكب والعضد، حسنة المعصم، لطيفة الكفّ، سبطة البنان، ضامرة البطن، خميصة الخصر (٢)، غرثى الوشاح، رداح الأقبال، رابية الكفل، لفّاء الفخذين، ريّا الرّوادف، ضخمة المأكمتين، عظيمة الركبة، مفعمة الساق، مشبعة الخلخال (٣)، لطيفة الكعب والقدم، قطوف المشى، مكسال الضّحى، بضّة المتجرّد (٤)، سموعا للسّيد، ليست بخنساء ولا سفعاء، رقيقة الأنف، عزيزة النفس (٥)، لم تغذ فى بؤس، حييّة حصينة رزينة، حليمة ركينة (٦)،
(١) الخد الأسيل: الطويل المسترسل، وفعله ككرم. وفى الطبرى وابن الأثير. «شهية القد» محل قوله «شهية المقبل» والشعر الجثل: الكثير الملتف، وفعله كسمع وكرم، والهامة: الرأس.
(٢) بعيدة مهوى القرط: كناية عن طول العنق، قال الشاعر:
أكلت دما إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
والعيط محركة: طول العنق والعنط أيضا محركة: طول العنق وحسنه، أو الطول عامة. وكعب الثدى كضرب ونصر: نهد. والمشاش جمع مشاشة: وهى ما أشرف من عظم المنكب. والمعصم: موضع السوار (أو اليد). وسبطة: طويلة. وفى الطبرى وابن الأثير «لطيفة طى البطن». بدل قوله «ضامرة البطن». وخميصة: ضامرة.
(٣) الغرث بالتحريك: الجوع، وهو غرثان وهى غرثى. والوشاح بالضم والكسر أديم عريض يرصع بالجوهر تشده المرأة بين عاتقها وكشحيها، ويقولون امرأة غرثى الوشاح: أى خميصة البطن دقيقة الخصر، ووشاح غرثان: لا يملؤه الخصر، فكأنه غرثان. وامرأة رداح: عجزاء، ثقيلة الأوراك، تامة الخلق. والأقبال بالفتح: ما استقبلك من مشرف، جمع قبل بالتحريك. والمعنى: أنها رابية الوركين مشرفتهما، أو هو الإقبال بالكسر: أى ممتلئ ما تقبل به من ساقيها ووركيها. وفى الطبرى وابن الأثير «رداح القبل». والكفل: العجز. واللفاء: الضخمة الفخذين. وريا: ممتلئة، مؤنث ريان.
والردف بالكسر: الكفل والعجز، وخص بعضهم به عجيزة المرأة، والجمع أرداف، والروادف:
الأعجاز، قال ابن سيده: ولا أدرى أهو جمع ردف نادر أم هو جمع رادفة. والمأكمة وتكسر كافه:
لحمة على رأس الورك. ومفعمة: ممتلئة. وأراد بالخلخال المخلخل: أى موضعه من الساق.
(٤) القطوف من الدواب: المتقارب الخطو البطئ، وقد يستعمل فى الإنسان، وفعله كضرب.
ومكسال الضحى: كناية عن التنعم، وهو كقول امرئ القيس «نئوم الضحى لم تنتطق عن تفضل» والبضة: الرخصة الجسد الرقيقة الجلد الممتلئة. والمتجرد إن كسرت راؤه، فهو الجسم: أى الجسم المتجرد، وإن فتحت فهو مصدر ميمى: أى بضة عند التجرد.
(٥) الخنس بالتحريك: تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع قليل فى الأرنبة، وهو أخنس وهى خنساء. والسفع بالتحريك، والسفعة بالضم: فى الوجه سواد فى خدى المرأة الشاحبة، وفى الطبرى وابن الأثير: «ذليله الأنف، عزيزة النفر» وعليه، فمعنى ذليلة الأنف أنها طيعة سلسة القياد.
(٦) الحصينة: العفيفة. والركينة: الرزينة.
1 / 11
كريمة الخال، تقتصر على نسب أبيها دون فصيلتها، وتستغنى بفصيلتها دون جماع قبيلتها- قد أحكمتها الأمور فى الأدب، فرأيها رأى أهل الشرف، وعملها عمل أهل الحاجة، صناع الكفّين، قطيعة اللسان (١)، رهوة الصوت ساكنته، تزين الولىّ (٢)، وتشين العدوّ، إن أردتها اشتهت، وإن تركتها انتهت، وتحملق (٣) عيناها، وتحمرّ وجنتاها، وتذبذب شفتاها، وتبادرك الوثبة إذا قمت، ولا تجلس إلا بأمرك إذا جلست».
(الأغانى ج ٢: ص ٢٨، وتاريخ الطبرى ج ٢: ص ١٥٠، وتاريخ الكامل لابن الأثير ج ١: ص ٢١٨)
٢ - كتاب عمرو بن هند إلى عامله بالبحرين «صحيفة المتلمس»
وروى أن طرفة بن العبد وخاله المتلمّس- واسمه جرير بن عبد المسيح (٤) - كانا ينادمان عمرو بن هند (٥) ملك الحيرة، فهجواه، فكتب لهما إلى المكعبر عامله على البحرين كتابين، أوهمهما أنه أمر لهما بجائزة، وكتب إليه يأمره بقتلهما، فخرجا فلقيا غلاما من أهل الحيرة، فقال له المتلمس: أتقرأ يا غلام؟ قال: نعم، ففكّ صحيفته، ودفعها إليه، فإذا فيها:
(١) امرأة صناع اليدين: ماهرة حاذقة. وقطيعة: مقطوعة، والمعنى أنها تكف لسانها، ليست بكثيرة الكلام ولا ببذيئة.
(٢) الرهو: الساكن، والرهو: المكان المنخفض (والمرتفع أيضا)، والمعنى: ساكنة الصوت منخفضته، وفى الطبرى وابن الأثير: «تزين البيت» محل قوله «تزين الولى».
(٣) حملق: فتح عينيه ونظر شديدا، والمراد تحملق لبعلها.
(٤) كذا فى الأغانى، وفى الشعر والشعراء أيضا؛ وفى مجمع الأمثال «عبد المسيح بن جرير».
(٥) هو عمرو بن المنذر بن ماء السماء، آل إليه الملك بعد قتل أبيه فى يوم عين أباغ، ويعرف باسم أمه هند بنت الحارث بن عمرو عمة امرئ القيس بن حجر بن الحارث (الشاعر المشهور)، وكان يلقب بمضرط الحجارة لشدته وقسوته، وقد ولى إمارة الحيرة من سنة ٥٦٣ إلى سنة ٥٧٨ م.
1 / 12