قال: "لقد أدركنا أقواما إنَّ أحدَهم قد جمعَ القرآنَ وما شعرَ به جارُه، ولقد
أدركنا أقوامًا ما كان في الأرض عمل يقدرون على أن يعملوه سرًا فيكونُ
علانيةً أبدا".
وكذلك رُوي أن رجلًا قال بحضرة قومٍ من أصحابِ رسول الله ﷺ قرأتُ الليلة كذا وكذا، فقالوا: "حظك منه هذا"، وهذا تغليظ منهم شديد في التحدُّث بذلك، فكيف لا تتوفَّرُ دواعي خلقٍ منهم على أن لا يشعر غيرُه بما يحفظه، ولا يرون إظهارَه.
وقد يجوز أيضًا أن يكونوا إنما كرهوا أن يُقال فلان حافظ للقرآن كلّه أو
جامعٌ له أو قرأ جميع القرآن لأجلِ أنه لا يأمنُ قائلُ هذا قد سقط عليه من
الحفظِ أو الدرسِ كلمةٌ أو آيةٌ، أو شيءٌ منه، أو بعضُ حروفه التي أُنزل بها.
فيكونُ إطلاقُ القول لذلك تزيدًا في المعنى، فتوَزَعوا عن ذلك، ويمكن
أيضًا أن يكونوا إنما كرهوا أن يُقال ذلك لأجل أنهم كانوا يرون أن المستحق
لهذه الصفة والتسمية هو المتمسكُ العاملُ بجميع حدودِ القرآن، والعالمُ
بأحكامه، وحلاله وحرامه.
وقد روى أبو الزاهدية أن رجلًا أتى أبا الدرداء فقال: يا أبا الدرداء.
إن ابني هذا قد جمعَ القرآن، فقال: "اللهمَّ غفر"، إنما جمع القرآنَ من سمعَ
له وأطاع "، فهذا إنكار يدلُّ على أنّ هذا الوصفَ عندَهم بجمعه إنما
يجري على مَن عمل بموجَبِه ووقف عندَ حدوده.
1 / 178
المقدمة
تمهيد
(باب) (القول في بيان حكم بسم الله الرحمن الرحيم والناس والفلق، ودعاء القنوت وترتيب سور القرآن ونظم آياته وعددها والقول في أول ما أنزل منه وآخره)
(باب) الكلام في بيان الحكم في أول ما نزل من القرآن وآخره ومكيه ومدنيه، وهل نص الرسول ﵇ على ذلك أم لا
(باب) القوله في ببان حكم كلام القنوت، وما روي عن أبي من الخلاف في ذلك
(باب) القول في ترتيب سور القرآن وهل وقع ذلك منهم عن توقيف أو اجتهاد
(باب) الكشف عن وجوب ترتيب آيات السور وأن ذلك إنما حصل بالنص والتوقيف دون الاجتهاد
(باب) الكلام في المعوذتين والكشف عن ظهور نقلهما وقيام الحجة بهما، وإبطال ما يدعونه من إنكار عبد الله بن مسعود لكونهما قرآنا منزلا
الجزء الثاني
(باب) تعلقهم بالشواذ والزوائد المروية عن السلف رواية الآحاد، وبيان فساد تعلقهم بذلك
باب ذكر مطاعنهم في صحة القرآن ونظمه من جهة اللغة ووصف شبه لهم تجمع ضروبا من مطاعنهم على التنزيل والكشف عن إبطالها
(باب) الكلام في معنى التكرار وفوائده ونقض ما يتعلقون به فيه