. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا) وجعله قيمًا لإقامة أود ذوي الألباب، فلا ترى فيه عوجًا، لا يحوم حول معانيه سوى الاستقامة، لأنها من الكلمات التامات، ولا ينزل بساحته الاعوجاج، إذ هو من المعجزات الباهرات، آياته صادعة وبيناته ساطعة، وزواجره وازعة، وزواخره فارعة، فكما لا يقف على إدراك بلاغته إلا الذوق، لا يسع كنه معرفة معانيه نطاق الطوق، أصفى مشارع موارده عن لوث الحدوث، ووصمه الانصرام، كما حمى شوارع مصادره أن تنعت بما ينمى إلى الانعدام، فما هو إلا من صفات مخترع الكائنات، ونعوت مبدع الأرض والسماوات، منشئ الأحياء ومنشر الأموات.
أحمده على سوابغ نعمه حمدًا يبلغ رضاه، وأسأله الصلاة والسلام على خير خلقه، محمد نبيه ومصطفاه، الخاتم لما سبق، والفاتح لما انغلق، دافع جيشات الأباطيل، قامع صولات الأضاليل، وعلى آله وأصحابه الكرام البهاليل.
1 / 609
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أما بعد،
فإن كتاب الله المجيد هو قانون الأصول الدينية، ودستور الأحكام الشرعية، وهو المختص من بين سائر الكتب السماوية بصفة البلاغة، التي تقطعت عليها أعناق العتاق، وونت عنها خطى الجياد في السباق. والموفق من العلماء الأعلام، وأنصار ملة الإسلام من كانت مطامح نظره، ومسارح فكره، الجهات التي تضمنت لطائف النكت المكنونة، واشتملت على أسرار المعاني المصونة، فلم يوفق لتصنيف أجمع لتلك الدقائق، وتأليف أنفع لدرك تلك الحقائق، وأكشف للقناع عن وجه إعجاز التنزيل، وأعون في مداحض الكلام على تعاطي التفسير والتأويل إلا الحبر الهمام: أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، شكر الله سعيه؛ إذ مصنفه: "الكشاف عن حقائق التنزيل"، مصنف لا يخفى مقداره، ولا يشق
1 / 610
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غباره. اتضح بيانه، وأضاء برهانه، وعمت أضواؤه، وانجلت سماؤه، تغرق الأفكار في بحار عباراته، ولا تنتهي الأوهام إلى ساحل إشاراته، هزت أريحية الفضل من أعطاف الفضلاء، لاعتلاء ذروته الشامخة، وابتغاء غاياته الباذخة، فكل غاص في تياره لاستخراج درر معان أبهج من نيل الأماني في ظل صحة وأمان، فإن من أراد عظيمًا خاطر بعظيمته، ومن رام جسيمًا راهن بكريمته، ومن هاب خاب، ومن أحجم أخفق.
فقد استخرت الله- مع قلة البضاعة، وقصور الباع في الصناعة- لتصدي شرح مجمله، وحل معضله، وتلخيص مشكله، وتخليص مبهمه، وفسر عويصه، وفك عقوده الموربة، وتبين قيوده المكربة، وانتهاض إحراز قصبات عيون التفاسير، للعلماء النحارير، وخلاصة أفكار المحققين، ونقاوة أنظار المتبحرين، المتقدمين منهم والمتأخرين، لتسهيل وعره، وتيسير صعبه، بعد تتبع مظان العلمين المختصين بالقرآن آونة من الأزمان، والإتقان على الأساليب البديعية، والأفانين البيانية، وتحصيل غرائب اللغة ما لا يكاد إحصاء، ولطائف الإعراب ما لا يضبط إملاء، وعلى نكات علم أصول الدين: فقهه وكلامه، واستنباط فروعه وأحكامه، ولم آل جهدًا في جهات المنقول استنادًا إلى الأصول، وانتساب القراءات المشهورة
1 / 611
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والشاذة، وبيان وجوهها، وكشف ستورها.
هذا: وإن أصعب السبل تقييد القيود المبهمة؛ فإنه بلغ في الغموض وراء حد حل الإلغاز. وهو الذي يعجز الناظر فيه كل الإعجاز. ولم أقتصر على ذلك، بل جمعت معارضات عظماء الشرق، ومناقضات فضلاء الغرب، وتجنبت التعصب في الرد إلا فيما لم يساعد عليه النص القاهر، والنظم الباهر.
وعثرت بعد طول المباحثات على أن معرفة إبراز النظم هي أعظم المطالب، وأسنى المقاصد والمآرب، فإنها مسبار البلاغة، ومعيار البراعة؛ إذ بها تنتقد الأقاويل، ويرجح تأويل على تأويل. ثم إن تر خللًا فانسبه إلى الونى والقصور، وإن تعثر على ما تقر به العين فأحله إلى فيضان النور من جناب سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين ﷺ؛ فإني رأيت- والله الواهب- فيما يرى النائم في أثناء الشروع أو قبيله أنه ﷺ ناولني قدحًا من اللبن وأشار إلي، فأصبت منه، ثم ناولته صلوات الله عليه وسلامه فأصاب منه، وسميت الكتاب بـ:
"فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب"
وبالله أستعين على ما نويته واعتقدته، وأستعيذ من الزلل فيما نحوته واعتمدته.
1 / 612
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذكر ما يحتاج إلى الكشف من غرائب الخطبة ونكتها إجمالًا وتفصيلًا:
أما الإجمال، فإنه ضمنها جميع ما هو مفتقر إليه من المباحث التي تتعلق بالقرآن المجيد براعة للاستهلال: ساق الكلام أولًا في بيان الإنزال والتنزيل، والترتيب والتأليف، والتمييز والتفصيل، والمحكم والمتشابه، بحيث لزم منه ما قصده من بيان المذهب والقول بحدوثه. فلما قضى من ذلك وطره ثنى بذكر منافعه دينًا ودنيا، وثلث في بيان إعجازه وكيفية التحدي به، وكمية المتحدى به، ومن تحدى معه، وربع في بيان اشتماله على النكت واللطائف، ومدح مستخرجها، وذم من تقاعد عنها، إلى غير ذلك.
وأما على التفصيل فقوله: (الحمد لله) قال الواحدي: "الحمد قد يكون شكرًا للصنيعة، وقد يكون ابتداء الثناء على الرجل. يقال: حمدته على معروفه، وحمدته على علمه وشجاعته".
1 / 613
الذي أنزل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجوهري: "الحمد نقيض الذم، وهو أعم من الشكر. والشكر: الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف" فيقال: ما الحمد إذًا؟ أهو اللفظ المشترك بين المفهومين، أم هو اللفظ الموضوع للثناء المطلق كالمتواطئ، أم هو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر؟ .
قال المصنف في "أساس البلاغة": "حمدت الله ومجدته، وأحمد الرجل: جاء بما يحمد عليه، ضد أذم. ومن المجاز: أحمدت صنيعه، وجاورته فأحمدت جواره". فتعين القسم الأخير، وسيجيء تمام تحقيقه في "الفاتحة".
قوله: "الذي هو وصلة إلى وصف المعارف بالجمل".
وحق الجملة أن تكون معلومة الانتساب عند المخاطب. وإنزال القرآن على ما وصفه. وفائدة إيراده هكذا: إما للنداء على الجميل بما فيه ﷾ من صفة الكمال، وهي: التكلم بالكلام البليغ الذي بذ بلاغة كل ناطق، وشق غبار كل سابق. وإما للثناء عليه بما أولى عباده هذه النعمة الجسيمة التي هي مفتاح للمنافع الدينية والدنياوية.
قوله: (أنزل)، الأساس: "نزل بالمكان، ونزل من علو إلى سفل، وأنزل الكتاب ونزله. ومن المجاز: نزل به مكروه، وأنزلت حاجتي على كريم".
1 / 614
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإمام والقاضي: "الإنزال عبارة عن تحريك الشيء من الأعلى إلى الأسفل، وذلك لا يتحقق في الكلام؛ وإنما لحقه بتوسط لحوقه الذات الحاملة له، فوصف بصفة حامله لالتباسه به. ويقال: نزلت رسالة الأمير من القصر، وإنما نزل المستمع بها وأداها إلى الناس، وقول الأمير لا يفارق ذاته. ولعل نزول الكتب الإلهية على الرسل عليهم الصلاة والسلام بأن يتلقفه الملك من الله تعالى تلقفًا روحانيًا، أو يحفظه من اللوح المحفوظ، فينزل به على الرسول ﷺ ويلقنه".
وأما كيفية تلقي الرسول ﷺ [من الملك، فما رويناه عن عائشة ﵂: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ:] "أحيانًا يأتيني في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني، فأعي ما يقول". أخرجه البخاري، ومسلم، ومالك، والترمذي، والنسائي.
1 / 615
القرآن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (القرآن)، القرآن لغة: الجمع، تقول: قرأت الشيء قرآنًا، إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض.
أبو عبيدة: "سمي قرآنًا لأنه يجمع السور فيضمها".
وسمي المقروء قرآنًا كما سمي المكتوب كتابًا.
واصطلاحًا: هو الكلام المنزل على محمد صلوات الله عليه وسلامه، للإعجاز بسورة منه. قيل: هذا حد الشيء بما هو أخفى منه، وبما تتوقف معرفته على معرفته.
وأجيب بأن قوله: "بسورة منه" ليس قيدًا للفصل، بل بيانًا له.
واعلم أنه قال أولًا: "أنزل" ثم "نزل" ثم "جعله" إلى قوله: "مختتمًا" لبيان ترتيب النزول، فإنه تعالى أولًا أنزله جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزله منه متفرقًا على حسب المصالح وكفاء الحوادث، ثم أثبت في المصاحف على التأليف والنظم المثبت في اللوح، ونبه عليه بقوله: "مؤلفًا منظمًا، وجعله بالتحميد مفتتحًا، وبالاستعاذة
1 / 616
كلامًا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مختتمًا"، إلى آخره، مع ما روعي فيه من صنعة التجنيس الاشتقاقي. هذا هو المراد، لا ما قيل: إنه قال أولًا: خلق القرآن، ثم غيره تقية؛ لأنه صرح بذلك في قوله: "وما هي إلا صفات مبتدأ" إلى آخره.
ولقائل أن يقول: إنما عدل استدراجًا كما هو دأب البلغاء، وعليه مخاطبات الأنبياء.
قوله: (كلامًا)، الجوهري: "الكلام اسم جنس يقع على القليل والكثير".
الإمام: "تركيب "ك ل م" بحسب تقاليبه الستة يفيد القوة والشدة، وسمي الكلام به؛ لأنه يؤثر في الذهن بواسطة القرع في السمع، ومنه الكلم: الجرح.
ك م ل: الكامل القوة، بخلاف الناقص.
ل ك م: بمعنى الشدة في اللكم، وهو الضرب بمجمع الكف، ظاهر.
م ك ل: يقال: بئر مكول، إذا قل ماؤها، فيحصل منها للوارد الشدة.
م ل ك: يقال: ملكت العجين، إذا اشتد عجنه، ومنه ملك الإنسان؛ لأنه نوع قدرة.
ل م ك: يقال: تلمك البعير، إذا لوى لحييه.
1 / 617
مؤلفًا منظمًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وانتصابه إما لأنه حال موطئة، كقوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) [يوسف: ٢]، أو مؤكدة كقوله تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ) [الحج: ٧٢] وليس بلازم في المؤكدة أن تكون مقررة لمضمون جملة اسمية، ولا أن يكون مجيئها على إثر جملة عقدها من اسمين لا عمل لهما كما يشعر به ظاهر لفظ "المفصل"؛ لأن ذلك شرط لحذف عاملها على سبيل الوجوب، لا لكونه حالًا مؤكدة.
وإما لأنه بدل من القرآن، وهذا أوجه على مذهبه؛ لما أن الحال زيادة في فائدة الجملة، والبدل هو المقصود في الإيراد، والمبدل كالتوطئة، فيفيد التوكيد لما فيه من التنبيه والتكرير، والإجمال والتفصيل.
قوله: (مؤلفًا)، التأليف: جمع الحروف أو الكلم لتركيب الكلمة أو الكلام، والنظم: هو الجمع مع ترتيب.
الأساس: "هو أليفي وغلفي، وهم ألافي، ولو تألف فلان وحشيًا لألف".
1 / 618