غاية الوصول في شرح لب الأصول
لشيخ الإسلام زكريا الأنصارى
الكتاب شرح لمختصرالمؤلف المسمى بـ (لب الأصول) الذي اختصر فيه جمع الجوامع
Página desconocida
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أظهر بدائع مصنوعاته على أحسن نظام، وخص من بينها من شاء بمزيد الطول والإنعام، ووفقه وهداه إلى دين الإسلام، وأرشده إلى طريق معرفة الاستنباط لقواعد الأحكام، لمباشرة الحلال وتجنب الحرام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المفضل على جميع الأنام، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه الغرّ الكرام.
وبعد، فهذا شرح لمختصري المسمى بـ (لب الأصول) الذي اختصرت فيه جمع الجوامع يبين حقائقه، ويوضح دقائقه، ويذلل من اللفظ صعابه، ويكشف عن وجه المعاني نقابه، سالكا فيه غالبا عبارة شيخنا العلامة، المحقق الفهامة الجلال المحلي لسلاستها وحسن تأليفها، وروما لحصول بركة مؤلفها، وسميته «غاية الوصول إلى شرح لب الأصول» . والله أسأل أن ينفع به وهو حسبي ونعم الوكيل.
(بسم الله الرحمن الرحيم) أي أؤلف أو أبتدىء تأليفي، والباء للمصاحبة ليكون ابتداء التأليف مصاحبا لاسم الله تعالى المتبرّك بذكره، وقيل للاستعانة نحو كتبت بالقلم، والاسم من السموّ وهو العلوّ. وقيل من الوسم وهو العلامة، والله علم للذات الواجب الوجود المستحق لجميع الصفات الجميلة، والرحمن الرحيم صفتان بنيتا للمبالغة من رحم، والرحمن أبلغ من الرحيم، لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى كما في قطع وقطع.
(الحمد لله الذي وفقنا) أي خلق فينا قدرة. (للوصول إلى معرفة الأصول) فيه براعة الاستهلال، والحمد لغة الثناء باللسان على الجميل
1 / 2
الاختياري على جهة التبجيل والتعظيم، وعرفا فعل ينبىء عن تعظيم المنعم من حيث إنه منعم على الحامد أو غيره، وابتدأت بالبسملة والحمدلة اقتداء بالكتاب العزيز وعملًا بخبر أبي داود وغيره «كُلُّ أمرٍ ذي بَالٍ لاَ يبدأ فيه ببسْمِ الله الرَّحمن الرَّحيم» وفي رواية «بالحمد لله فَهُو أجْذَمُ» أي مقطوع البركة، وقدَّمت البسملة عملًا بالكتاب والإجماع، والحمد مختص بالله، كما أفادته الجملة سواء جعلت أل فيه للاستغراق أم للجنس أم للعهد، كما بينت ذلك في شرح البهجة وغيره. (ويسَّر لنا سلوك) أي دخول. (مناهج) جمع منهج أي طرق حسنة. (بـ) سبب (قوّة أودعها في العقول) جمع عقل وهو غريزة يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات، وقد بسطت الكلام عليه في شرح لآداب البحث. (والصلاة) وهي من الله رحمة ومن الملائكة استغفار، ومن الآدمي تضرّع ودعاء. (والسلام) بمعنى التسليم. (على محمد) نبينا، ومحمد علم منقول من اسم مفعول المضعف تسمَّى به نبينا بإلهام من الله تعالى تفاؤلًا بأنه يكثر حمد الخلق له لكثرة صفاته الجميلة. (وآله) هم مؤمنوا بني هاشم وبني المطلب. (وصحبه) هو عند سيبويه إسم جمع لصحابة بمعنى الصحابي، وهو كما سيأتي من اجتمع مؤمنا بنبينا ﷺ، وعطف الصحب على الآل الشامل لبعضهم لتشمل الصلاة والسلام باقيهم، وجملتا الحمد والصلاة والسلام على من ذكر خبريتان لفظا إنشائيتان معنى، إذ القصد بالأولى الثناء على الله بأنه مالك لجميع الحمد من الخلق، وبالثانية إيجاد الصلاة والسلام لا الاعلام بذلك، وإن كان هو القصد بهما في الأصل. (الفائزين) أي الناجين والظافرين (من الله) متعلق بقولي (بالقبول) قدّم عليه هنا وفيما يأتي رعاية للسجع، ويجوز تعلقه بما قبله.
(وبعد) يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر، وأصلها أما بعد بدليل لزوم الفاء في حيزها غالبا لتضمن أما معنى الشرط والأصل مهما يكن من شيء بعد البسملة والحمدلة والصلاة والسلام على من ذكر. (فهذا) المؤلف الحاضر ذهنا (مختصر) من الاختصار، وهو تقليل اللفظ وتكثير المعنى. (في الأصلين) عبر به دون الأصولين أي أصول الفقه وأصول الدين، إيثارا للتخفيف والاختصار. (وما معهما) من المقدمات والتقليد وآداب الفتيا وخاتمة التصوّف. (احتضرت فيه جمع الجوامع للعلامة) شيخ الإسلام عبد الوهاب. (التاج)
1 / 3
ابن الإمام شيخ الإسلام تقي الدين. (السبكي ﵀ وتغمده بغفرانه، وكساه حُلِي رضوانه. (وأبدلت منه) أي من جمع الجوامع. (غير المعتمد والواضح بهما) أي بالمعتمد والواضح. (مع زيادات حسنة) ستقف عليها إن شاء الله تعالى. (ونبهت على خلاف المعتزلة) ولو مع غيرهم. (بعندنا و) على خلاف (غيرهم) وحده. (بالأصح غالبا) فيهما. (وسميته لب الأصول راجيا) أي مؤملًا. (من الله) تعالى. (القبول وأسأله النفع به) لمؤلفه وقارئه ومستمعه وسائر المؤمنين. (فإنه خير مأمول) أي مرجوّ. (وينحصر مقصوده) أي لب الأصول. (في مقدمات) بكسر الدال كمقدمة الجيش من قدم اللازم بمعنى تقدم، وبفتحها على قلة كمقدمة الرجل في لغة من قدم المتعدي أي في أمور متقدمة أو مقدمة على المقصود بالذات للانتفاع بها فيه مع توقفه على بعضها، كتعريف الحكم وأقسامه، إذ يثبتها الأصولي تارة وينفيها أخرى كما سيجيء. (وسبعة كتب) في المقصود بالذات، خمسة في مباحث أدلة الفقه الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستدلال. والسادس في التعادل والتراجيح. والسابع في الاجتهاد، وما يتبعه من التقليد وأدب الفتيا وما ضم إليه من علم الكلام المفتتح بمسألة التقليد في أصول الدين المختتم بما يناسبه من خاتمة التصوف، وهذا الحصر من حصر الكلي جزائه لا الكلي في جزئياته.
المقدمات
أي مبحثها. افتتحهتا كالأصل بتعريف أصول الفقه ليتصوّره طالبه بما يضبط مسائله الكثيرة، ليكون على بصيرة في تطلبها، إذ لو تطلبها قبل بطلها لم يأمن فوات ما يرجيه وصرف الهمة إلى ما لا يعنيه فقلت (أصول الفقه) أي الفنّ المسمى بهذا اللقب المشعر بمدحه بابتغاء الفقه عليه، إذ الأصل ما يبنى عليه غيره. (أدلة الفقه الإجمالية) أي غير المعينة كمطلق الأمر والإجماع من حيث إنه يبحث عن أوّلهما، بأنه الوجوب حقيقة، وعن ثانيهما بأنه حجة. (وطرق استفادة جزئياتها) التي هي أدلة الفقه التفصيلية المستفاد هو منها، والمراد بالطرق المرجحات الآتي أكثرها في الكتاب السادس. (وحال مستفيدها) أي وصفات مستفيد جزئيات أدلة الفقه الإجمالية، وهو المجتهد لأنه الذي يستفيدها بالمرجحات عند تعارضها دون المقلد، والمراد بصفاته شرائطه الآتية في الكتاب السابع،
1 / 4
ويعبر عنها بشروط الاجتهاد، وخرج بأدلة الفقه غير الأدلة كالفقه، وأدلة غير الفقه كأدلة الكلام وبعض أدلة الفقه وبالإجمالية التفصيلية وإن لم يتغاير إلا بالاعتبار كأقيموا الصلاة ولا تقربوا الزنا، وصلاته ﷺ في الكعبة، فليست أصول الفقه، وإنما يذكر بعضها في كتبه للتمثيل.
(وقيل) أصول الفقه (معرفتها) أي عرفة أدلة الفقه وما عطف عليها، ورجح الأول لأن الأدلة وما عطف عليها إذا لم تعرف لم تخرج عن كونها أصولًا، والأصل قال أصول الفقه دلائل الفقه الإجمالية، وقيل معرفتها، ثم قال والأصولي العارف بها وبطرق استفادتها ومستفيدها مخالفا في ذلك الأصوليين باعترافه، وقرره في منع الموانع بما لا يشفي، وقرره شيخنا العلامة الجلال المحلي بما لا مزيد عليه، واستبعده أيضا شيخه العلامة الشمس البرماوي، وقال لا يعرف في المنسوب زيادة قيد من حيث النسبة على المنسوب إليه، وعدلت عن قوله دلائل إلى قولي أدلة، لأن الموجود هنا جمع قلة لا جمع كثرة، ولما قيل إن فعائل لم يأت جمعا لإسم جنس بوزن فعيل، وإن ردّ بأنه أتى نادرا كوصائد جمع وصيد.
واعلم أن لكل علم مبادىء وموضوعا ومسائل، فمبادئه ما يتوقف عليه المقصود بالذات من تعريفه وتعريف أقسامه، وفائدته وهي هنا العلم بأحكام لله وما يستمد منه، وهو هنا علم الكلام والعربية والأحكام أي تصوّرها. وموضوعه أي ما يبحث في ذلك العلم عن عوارضه الذاتية كأدلة الفقه هنا. ومسائله ما يطلب نسبة محموله إلى موضوعه في ذلك العلم، كعلمنا هنا بأن الأمر للوجوب حقيقة والنهي للتحريم كذلك.
(والفقه علم بحكم) أي نسبة تامة، فالعلم بها تصديق بتعلقها لا تصوّرها، لأنه من مبادىء أصول الفقه، ولا تصديق بثبوتها لأنه من علم الكلام. (شرعي) أي مأخوذ من الشرع المبعوث به النبي الكريم. (عملي) أي متعلق بكيفية عمل قلبي أو غيره، كالعلم بوجوب النية في الوضوء وبندب الوتر. (مكتسب) ذلك العلم لمكتسبه. (من دليل تفصيلي) للحكم. فالعلم كالجنس، وخرج بالحكم العلم بالذات والصفة والفعل كتصوّر الإنسان والبياض والقيام، وبالشرعي العلم بالحكم العقلي والحسي واللغوي والوضعي، كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين، وأن النار محرقة، وأن النور الضياء، وأن الفاعل
1 / 5
مرفوع، وبالعملي العلم بالحكم الشرعي العلمي أي الاعتقادي، كالعلم في أصول الفقه بأن الإجماع حجة، والعلم في أصول الدين بأن الله واحد، وبالمكتسب علم الله وجبريل بما ذكر، وكذا علم النبي به الحاصل بوحي، وعلمنا به بالضرورة بأن علم من الدين بالضرورة كإيجاب الصلاة والزكاة والحج وتحريم الزنا والسرقة، وبالدليل التفصيلي العلم بذلك للمقلد، فإنه من المجتهد بواسطة دليل إجمالي، وهو أن هذا الحكم أفتاه به المفتي، وكل ما أفتاه به المفتي، فهو حكم الله في حقه فعلمه مثلًا بوجوب النية في الوضوء كذلك ليس من الفقه، وعبروا عن الفقه هنا بالعلم وإن كان لظنية أدلته ظنا كما عبروا به في كتاب الاجتهاد، لأنه ظن المجتهد الذي هو لقوّته قريب من العلم، ونكرت العلم والحكم وأفردتهما تبعا للعلامة البرماوي، لأن التحديد إنما هو للماهية من غير اعتبار كمية أفرادها، ولأن في تعبيري بحكم لا بالأحكام الذي عبر به الأصل كغيره سلامة من ورود أن العلم بجميع الأحكام ينافي قول كل من أكابر الفقهاء في مسائل سئلوا عنها لا أدري، وإن أجيب عنه بأنهم متهيئون للعلم بأحكامها بمعاودة النظر وإطلاق العلم على مثل هذا التهيوء شائع عرفا. يقال فلان يعلم النحو ولا يراد أن جميع مسائله حاضرة عنده مفصلة، بل إنه متهيىء لذلك.
(والحكم خطاب الله) تعالى أي كلامه النفسي الأزلي المسمى في الأزل خطابا على الأصح كما سيأتي. (المتعلق) إما (بفعل المكلف) أي البالغ العاقل الذي لم يمتنع تكليفه تعلقا معنويا قبل وجوده أو بعد وجوده قبل البعثة، وتنجيزيا بعد وجوده بعد البعثة، إذ لا حكم قبلها كما سيأتي ذلك. (اقتضاء) أي طلبا للفعل وجوبا أو ندبا أو حرمة أو كراهة أو خلاف الأولى. (أو تخييرا) بين الفعل وتركه أي إباحة فيشمل ذلك الفعل القلبي الاعتقادي وغيره. والقولي وغيره والكف والمكلف الواحد كالنبي ﷺ في خصائصه، والأكثر من الواحد، (و) إما (بأعم) من فعل المكلف (وضعا وهو) الخطاب (الوارد) بكون الشيء (سببا وشرطا ومانعا وصحيحا وفاسدا) وسيأتي بيانها، فيشمل ذلك فعل المكلف كالزنا سببا لوجوب الحد، وغير فعله كالزوال
1 / 6
سببا لوجوب الظهر، وإتلاف غير المكلف كالسكران سببا لوجوب الضمان، وخطاب كالجنس وخرج بإضافته إلى الله خطاب غيره، وإنما وجبت طاعة الرسول والسيد مثلًا بإيجاب الله تعالى أياها، وبفعل المكلف خطاب الله تعالى المتعلق بذاته وصفاته وذوات المكلفين والجمادات، كمدلول الله لا إله إلا هو خالق كل شيء ولقد خلقناكم ويوم نسير الجبال، وبالاقتضاء والتخيير والوضع مدلول وما تعملون من قوله ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ فإنه متعلق بفعل المكلف لا باقتضاء ولا تخيير، ولا وضع بل من حيث الإخبار بأنه مخلوق لله، ولا يتعلق الخطاب التكليفي بفعل غير المكلف ووليه مخاطب بأداء ما وجب في ماله منه، كما يخاطب صاحب البهيمة بضمان ما أتلفته حيث فرط في حفظها لتنزل فعلها حينئذ منزلة فعله، وصحة عبادة الصبيّ كصلاته المثاب عليها ليس لأنه مأمور بها كما في البالغ، بل ليعتادها فلا يتركها، وبما تقرر علم أن خطاب الوضع حكم شرعي متعارف، وهو ما اختاره ابن الحاجب خلافا لما جرى عليه الأصل، وذلك لأنه لا يعلم إلا بوضع الشرع كالخطاب التكليفي، بل قيل إنه لا حاجة لذكره لأنه داخل في الاقتضاء والتخيير، إذ لا معنى لكون الزوال مثلًا سببا لوجوب الظهر إلا إيجابها عنده، ولا لكون الطهارة شرطا للاقدام على البيع إلا إباحة الاقدام عندها وتحريمه عند فقدها. وقيل إنه ليس بحكم حقيقة لأنه ليس بإنشاء بل خبر عن ترتب آثار هذه الأمور عليها. قال البرماوي وليس لهذا الخلاف كبير فائدة، بل هو خلاف لفظي وإذا ثبت أن الحكم خطاب الله. (فلا يدرك حكم إلا من الله) فلا يدرك العقل شيئا مما يأتي عن المعتزلة المعبر عن بعضه بالحسن والقبح بالمعنى الآتي على الأثر. (وعندنا) أيها الأشاعرة (أن الحسن والقبح) لشيء (بمعنى ترتب) المدح و(الذم حالًا) والثواب (والعقاب مآلًا) كحسن الطاعة وقبح المعصية. (شرعيان) أي لا يحكم بهما إلا الشرع المبعوث به الرسل. أي لا يدرك إلا به ولا يؤخذ إلا منه، أما عند المعتزلة فعقليان. أي يحكم بهما العقل بمعنى أنه طريق إلى العلم بهما يمكن إدراكه به من غير ورود سمع لما في الفعل من مصلحة أو مفسدة يتبعها حسنه أو قبحه عند الله. أي يدرك العقل ذلك إما بالضرورة كحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار، أو بالنظر كحسن الكذب النافع وقبح الصدق الضار، وقيل العكس. والشرع يؤكذ ذلك أو بإعانة الشرع فيما خفي على العقل كحسن صوم آخر يوم من رمضان، وقبح صوم أوّل يوم من شوّال وتركت كالأصل المدح والثواب للعلم بهما من ذكر مقابلهما الأنسب بأصول المعتزلة، إذ العقاب عندهم لا يتخلف ولا يقبل الزيادة والثواب يقبلهما، وإن لم يتخلف أيضا، وخرج بمعنى ترتب ما ذكر الحسن والقبح بمعنى ملاءمة الطبع ومنافرته كحسن الحلو وقبح المر، وبمعنى صفة الكمال والنقص كحسن العلم وقبح الجهل فعقليان، أي يحكم بهما العقل اتفاقا. (و) عندنا (أن شكر المنعم) وهو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من السمع وغيره إلى ما خلق له (واجب بالشرع) لا
بالعقل فمن لم يبلغه دعوة نبي لا يأثم بتركه خلافا للمعتزلة. (و) عندنا (أنه لا حكم) متعلق بفعل تعلقا تنجيزيا
1 / 7
(قبله) أي الشرع أي بعثة أحد من الرسل لانتفاء لازمه حينئذ من ترتب الثواب والعقاب بقوله تعالى ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾ ف) أي ولا مثيبين فاغتنى عن ذكر الثواب بذكر مقابله الأظهر في تحقق معنى التكليف، والقول بأن الرسول في الآية العقل وتخصيص العذاب فيها بالدنيوي خلاف الظاهر. (بل) انتقالية لا إبطالية. (الأمر) أي الشأن في وجوب الحكم (موقوف إلى وروده) أي الشرع فلا مخالفة بين من عبر منا في الأفعال قبل البعثة بالوقف، ومن نفى منا الحكم فيها. أما عند المعتزلة فالحكم متعلق به تعلقا تنجيزيا قبل البعثة، فإنهم جعلوا العقل حاكما في الأفعال قبل البعثة فما قضى به في شيء منها ضروري كالتنفس في الهواء أو اختياري لخصوصه بأن أدرك فيه مصلحة أو مفسدة، أو انتفاءهما، فأمر قضائه فيه ظاهر، وهو أن الضروري مقطوع بإباحته، والاختياري لخصوصه ينقسم إلى الأقسام الخمسة الحرام وغيره، لأنه إن اشتمل على مفسدة فعله فحرام كالظلم، أو تركه فواجب كالعدل، وإلا فإن اشتمل على مصلحة فعله فمندوب كالإحسان، أو تركه فمكروه،. وإن لم يشتمل على مفسدة ولا مصلحة فمباح، فإن لم يقض العقل في شيء منها لخصوصه بأن لم يدرك فيه شيئا مما مر كأكل الفاكهة فاختلف في قضائه فيه لعموم دليله على ثلاثة أقوال أحدها أنه محظور لأن الفعل تصرف في ملك الله تعالى بغير إذنه إذ العالم كله ملك له تعالى. وثانيها أنه مباح لأن الله تعالى خلق العبد وما ينتفع به، فلو لم يبح له كان خلقهما عبثا أي خاليا عن الحكمة. وثالثها الوقف عنهما أي لا يدري أنه محظور أو مباح مع أنه لا يخلو عن واحد منهما، إما ممنوع منه فمحظور أو لا فمباح، وذلك لتعارض دليلهما، وقد علم بطلان الثلاثة مما مر من قوله تعالى ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾ .
تتمة:
لو وقع بعد البعثة صورة لا حكم فيها فثلاثة أقوال الحظر لآية ﴿يسألونك ماذا أحلّ لهم﴾ فإنها تدل على سبق التحريم والإباحة لقوله تعالى ﴿خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ والوقف لتعارض الدليلين.
(والأصح امتناع تكليف الغافل) وهو من لا يدري كالنائم والساهي، لأن مقتضى التكليف بشيء الإتيان به امتثالًا وذلك يتوقف على العلم بالمكلف به والغافل لا يعلم ذلك، ومنه السكران وإن أجرى عليه حكم المكلف تغليظا عليه كما أوضحته في حاشية شرح الأصل وغيرها. (و) امتناع تكليف (الملجأ) وهو من يدري ولا مندوحة له عما ألجىء إليه كالساقط من شاهق على شخص يقتله لا مندوحة له عن الوقوع عليه القاتل له، فيمتنع تكليفه بالملجأ إليه وبنقيضه لعدم قدرته على ذلك، لأن الأوّل واجب الوقوع، والثاني ممتنعه ولا قدرة له على واحد منهما. وقيل يجوز تكليف الغافل والملجأ بناء على جواز التكليف بما لا يطاق كحمل الواحد الصحرة العظيمة، وردّ بأن الفائدة في التكليف بذلك من الاختبار هل يأخذ في المقدمات منتفية في تكليف من ذكر، وظاهر أن من ذكر يمتنع أن يتعلق به خطاب غير وضعي بغير الواجب والحرام أيضا، وإن أوهم التعبير بالتكليف قصوره عليهما. (لا المكره) وهو من لا مندوحة له عما أكره عليه إلا بالصبر على ما أكره به، فلا يمتنع تكليفه بالمكره عليه، وإن خالف داعي الإكراه داعي الشرع ولا بنقيضه، وإن وافقه على الأصح فيهما لإمكان الفعل، لكن لم يقع الأوّل مع المخالفة لخبر «رُفِعَ عَنْ أمَّتي الخَطَأَ والنِّسيانَ وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» . ولا الثاني مع الموافقة قياسا على الأوّل، وإنما وقعا مع غير ذلك لقدرته على امتثال ذلك بأن يأتي بالمكره عليه لداعي الشرع كمن أكره على أداء الزكاة فنواها عند أخذها منه، أو بنقيضه صابرا على ما أكره
1 / 8
به، وإن لم يكلف الصبر عليه كمن أكره على شرب خمر فامتنع منه صابرا على العقوبة،
وقيل يمتنع تكليفه بذلك لعدم قدرته على امتثاله، إذ الفعل للإكراه لا يحصل الامتثال به، ولا يمكن الإتيان معه بنقيضه والقول الأوّل للأشاعرة والثاني للمعتزلة وصححه الأصل ورجع عنه إلى الأوّل آخرا وأدرج فيما صححه امتناع تكليف المكره على القتل، فاحتاج إلى الجواب عن إثم القاتل المجمع عليه بأنه ليس
1 / 9
للإكراه، بل لإيثاره نفسه بالبقاء على قتيله، وعلى ما رجحناه لا يحتاج إلى الجواب، ثم ما ذكر في تكليف المكره هو كلام الأصوليين، أما الفقهاء فاضطربت
أجوبتهم فيه بحسب قوة الدليل، فمرة قطعوا بما يوافق عدم تكليفه كعدم صحة عقوده وحلها وكالتلفظ بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ومرة قطعوا بما يوافق تكليفه كإكراه الحربي والمرتد على الإسلام ونحوه مما هو إكراه بحق، ومرة رجحوا ما يوافق الأوّل كإكراه الصائم على الفطر وإكراه من حلف على شيء فإنه لا يفطر ولا يحنث بفعل ذلك على الراجح، ومرة رجحوا ما يوافق الثاني كالاكراه على القتل فإه يأثم بالقتل إجماعا ويلزمه الضمان قودا أو مالًا على الراجح. لا يقال التعبير بالتكليف قاصر على الوجوب والحرمة بناء على أن التكليف إلزام ما فيه كلفة لأنا نمنع ذلك، فإن ما عداهما لازم للتكليف، إذ لولا وجوده لم يوجد ما عداهما ألا ترى إلى انتفائه قبل البعثة كانتفاء التكليف. (ويتعلق الخطاب) من أمر أو غيره فهو أعم من قوله ويتعلق الأمر (عندنا) أيها الأشاعرة (بالمعدوم تعلقا معنويا) بمعنى أنه إذا وجد بصفة التكليف يكون مخاطبا بذلك الخطاب النفسي الأزلي لا تعلقا تنجيزيا بأن يكون حال عدمه مخاطبا، أما المعتزلة فنفوا التعلق المعنوي أيضا لنفيهم الكلام النفسي، (فإن اقتضى) أي طلب الخطاب الذي هو كلام الله النفسي (فعلًا غير كف) من المكلف (اقتضاء جازما) بأن لم يجز تركه (فإيجاب) أي فهذا الخطاب يسمى أيجابا (أو) اقتضاء (غير جازم) بأن جوّز تركه (فندب أو) اقتضى (كفا) اقتضاء (جازما) بأن لم يجز فعله. (فتحريم أو) اقتضاء (غير جازم بنهي مقصود) لشيء كالنهي في خير الصحيحين «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (فكراهة) . أي فالخطاب المدلول عليه بالمقصود يسمى كراهة ولا يخرج عن المقصود دليل المكروه إجماعا أو قياسا، لأنه في الحقيقة مستند الإجماع أو دليل المقيس عليه، وذلك من المقصود وقد يعبرون عن الإيجاب والتحريم بالوجوب والحرمة لأنهما أثرهما، وقد يعبرون عن الخمسة بمتعلقاتها من الأفعال كالعكس تجوُّزا فيقولون في الأول الحكم إما واجب أو مندوب الخ. وفي الثاني الفعل إما إيجاب أو ندب الخ. (أو بغير مقصود) وهو النهي عن ترك المندوبات المستفاد من أوامرها، إذ الأمر بشيء يفيد النهي عن تركه. (فخلاف الأولى) أي فالخطاب المدلول عليه بغير المقصود يسمى خلاف الأولى كما يسماه متعلقه فعلًا غير كف كان كفطر مسافر لا يتضرر بالصوم كما
1 / 10