مقدمة الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله الذي أرشدنا إلى معالم الشريعة ومعارج اليقين ونور قلوبنا بزبدة من لوامع تمهيد قواعد الدين ووفقنا التحصيل حاصل القوانين الممهدة لايضاح مدارك شرعه المبين والصلاة والسلام على من اصطفاه واختاره على العالمين محمد وآله الطيبين الطاهرين إلى يوم الدين أما بعد فيقول المفتقر إلى رحمة ربه الكريم محمد حسين بن محمد رحيم غفر الله ذنوبهما وحشرهما مع محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين إنه لما ساعدني سواعد التوفيقات الإلهية والتأييدات الربانية على السلوك في المسالك العلمية وتحصيل المعارف الدينية من العقلية والنقلية ورأيت أن أكثرها قد رأوا أجلها خطرا بعد العلم الموسوم بعلم الكلام علم الفقه المتكفل لبيان الاحكام الكاشف عن معضلات مسائل الحلال والحرام ووجدت مسائله مستمدة من علم الأصول مستندة إليه في الرد والقبول ولم أجد فيه من علمائنا الصالحين من المتقدمين والمتأخرين رضوان الله عليهم أجمعين ولا غيرهم من الفحول والمحققين مصنفات يشفي العليل ويروي الغليل مع ما أكثروا فيه من التصنيف والتأليف وأوردوا فيها من التوجيه والترنيف فكم من تحقيق مقام تركوه وتوضيح مرام أهملوه صرفت جهدي في تصنيف كتاب يحتوي على معظم تحقيقاته ويشتمل على جل مهماته وفتح مغلقاته فأوردت فيه تحقيقات بلغ إليها نظري و ذكرت فيه تنبيهات عثر عليها فكري مما لم يسبقني إليها أحد غيري وحررتها بعبارات وافية وبيانات شافية محترزا عن الاطناب الممل و الاختصار المخل موردا لما أورده من الرد والايراد مبينا لما فيه من وجه ضعف أو فساد وحيث التمسني عند أخذي في تصنيف هذا الكتاب بعض الأصحاب من أخلائي المؤمنين وأصدقائي الصالحين أن أتعرض في طي تحريره لمناقشات تتجه عندي على كتاب القوانين وهو المصنف المحقق المدقق الفاضل الكامل التقي الصفي من فضلائنا المعاصرين أجبت ملتمسه بإنجاح مسؤوله وأسعفت مرامه بنيل مأموله فتعرضت لما خطر ببالي الفاتر وأوردت لما ورد في فكري القاصر معبرا عنه ببعض المعاصرين وبالفاضل المعاصر ناقلا لكلامه غالبا بالمعنى موردا له بعبارة وجيزة أوفي ومع ذلك فالناظر إذا أقدم ميدان الرقم لا يتمالك عنان القلم فاعذروني إن أكثرت عن الرد والايراد أو صرحت بالضعف والفساد ولا ترموا على ذلك بالشنع فإن الحق أحق بأن يبدي فيتبع وسميته بالفصول الغروية في الأصول الفقهية وسلكت في ترتيبه مسلك المتأخرين لأنه أقرب إلى طباع الناظرين ورتبته على مقدمة ومقالات وخاتمة و المسؤول من الله الملك الوهاب أن يعصمني فيه من الزلل و يرشدني إلى الصواب ويجعله خالصا لوجهه الكريم فإنه على من رجاه عطوف رحيم أما المقدمة ففي تعريف العلم وبيان موضوعه وذكر نبذة من مباديه اللغوية وربما يذكر فيها بعض مباحث المقاصد استطرادا وأما وجه الحاجة إليه فسيأتي بيانه في محله إن شاء الله تعالى القول في تعريفه لأصول الفقه معنيان تركيبي إضافي وأفرادي علمي وقد جرى دأب القوم بالبحث عن حده بالاعتبارين وظاهر مقالة كثير منهم يؤذن بدعوى التطابق بين المعنيين وبه صرح بعضهم مع احتمال أن يكون الغرض من إيراد المعنى الأول بيان المناسبة المصححة للنقل في الثاني فأما معناه التركيبي، فبيانه مبني على بيان أجزائه فنقول الأصول جمع الأصل وهو في اللغة ما يبتني عليه الشئ صرح به جماعة من علماء الأصول وكان هذا مراد من فسره بأسفل الشئ ومن فسره بالقاعدة التي لو توهمت مرتفعة لارتفع الشئ بارتفاعها وقد يطلق ويراد به معنى السابق فيؤخذ تارة باعتبار الحقيقة كقولك أصل الانسان التراب وأصل الخزف الطين يعنى حقيقته السابقة و أخرى باعتبار الأحوال والصفات كقولك هذا في الأصل بغدادي و هذا الأسود كان في الأصل أبيض يعنى في السابق وليس مبنيا على المعنى السابق إذ لا يفهم منه هنا معنى البناء أصلا وإن كان حاصلا في قسمه الأول فهو إما حقيقة بالاشتراك أو مجاز لوجود العلاقة و في الاصطلاح يطلق غالبا على أحد المعاني الأربعة وهو الراجح و الاستصحاب والقاعدة والدليل والمناسب من معانيه للمقام إما المعنى اللغوي أو الأخيران من معانيه الاصطلاحية كما سيتضح لك إن شاء الله والفقه في اللغة الفهم صرح به الجوهري وغيره وفسره الرازي بفهم غرض المتكلم من كلامه واحترز به عن فهم غيره وفهمه بغير كلامه وفسره بعضهم بفهم الأشياء الدقيقة واحترز به عن فهم غيرها والمعروف هو الأول ثم الفهم هو الادراك وكأن هذا مراد من فسره بأنه هيئة للنفس بها يتحقق معاني ما تحس وقيل هو جودة الذهن من حيث استعداده لاكتساب

Página 1

المطالب والآراء وكأن هذا مراد من فسره بسرعة الانتقال من المبادي إلى المطالب نعم فرق بين ظاهر كل واحد من الحدين وظاهر الاخر من حيث إن أحدهما ظاهر في الفعلي والاخر في الثاني و ضعف الأول بعدم صدق الفهيم على البليد مع صدق المدرك عليه و الثاني بشيوع استعماله في مطلق الادراك ويمكن الجواب عن الأول على الأول بالتزام النقل في لفظ الفهيم أو بأنه صيغة مبالغة كعليم فلا ينافي عدم إطلاقه على مطلق المدرك وأما في الاصطلاح فله تعريفات عديدة أشهرها أنه العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية فالعلم يطلق على معان عديدة منها الادراك المطلق وهذا الاطلاق وإن كان متداولا عند أهل الميزان بل هو حقيقة في عرفهم إلا أنه مجاز باعتبار العرف واللغة ومنها التصديق أعني الاعتقاد سوأ اعتبر فيه الأمور الثلاثة من الجزم والثبات والمطابقة أو لم تعتبر كلا أو بعضا وإطلاق العلم على ما يشتمل على الجميع حقيقة لغة وعرفا كمجازية إطلاقه على ما ينتفي فيه الامر الأول وفي إطلاقه على البواقي وجهان وقد نص كثير منهم على مجازيته وهو الظاهر ومنها الملكة وهي الهيئة الراسخة الناشئة عن الممارسة فيما أضيف إليه الملكة أو مطلقا أو مطلق التهيؤ والأول أظهر وإطلاقه عليها وإن كان مجازا لغة لكنه حقيقة في مصطلح أرباب العلوم بالغلبة أو النقل كما هو الظاهر وإليه يرشد ظاهر كلماتهم ومنها التصور وإطلاقه عليه مبني على أخذه بمعنى الادراك ومنها المسائل وهي القضايا أو المحمولات المنتسبة وإليه يرجع قولهم فلان يعلم النحو أي مسائله وهل هو مجاز مطلقا من باب تسمية المعلوم ولو بالقوة باسم العلم تمسكا بأصالة عدم الاشتراك أو حقيقة عرفية عامة أو خاصة نظرا إلى شيوع إطلاقه فيه عليها وجهان والاحكام تطلق أيضا على معان عديدة على خطابات الشرع المتعلقة بأفعال المكلفين وهذا معناه المصطلح عليه عند القوم على ما سيأتي وعلى التصديقات مطلقا أو مع المنع من النقيض والظاهر أن هذا المعنى بالاعتبار الأخير ثابت لها بحسب اللغة والعرف واستعمالها فيها شائع في العلوم لا سيما علم الميزان لكنهم كثيرا ما يستعملونه في التصديق بالمعنى الأعم و على المسائل وعلى النسب الحكمية والظاهر أن إطلاقها على هذين المعنيين مجاز في المعنى السابق بعلاقة المجاورة أو الحلول وعلى الأحكام الخمسة التكليفية وعلى مطلق الاحكام أعني الأعم من التكليفية والوضعية وإطلاقها على هذا المعنى متداول في عرف المتشرعة وإطلاقها على الخمسة التكليفية راجع إليه فإن فسر العلم بالادراك جاز حمل الاحكام على النسب والمسائل وعلى مطلق الاحكام أيضا إن اعتبرت من حيث انتسابها إلى موضوعاتها إلا أنه يستلزم استدراك قيد الشرعية على ما هو الظاهر من اختصاصها بهذا المعنى بالشرعية دون الأعم منها ومن غيرها والأظهر في هذه الصور أن يجعل الظرف متعلقا بالمتعلق المقدر أي الادراك المتعلق بالنسب أو المسائل أو الاحكام ولا يصح حملها حينئذ على التصديقات إذ ليس إدراكها فقها إلا أن يراد بها تصديقات الشارع لكنه مع بعده لا يختص بمن يرى صحتها وظاهر الاصطلاح لا يساعد عليه ولا على الأحكام الخمسة لانتقاض عكس الحد حينئذ بالأحكام الوضعية مع أنها داخلة في الفقه قطعا ومن التزم بخروجها منه و جعل ذكرها فيه على التبعية أو لأولها إلى الأحكام التكليفية فقد أتى بتعسف بين ولا على الخطابات سواء أريد به توجيه الكلام نحو الغير لظهور أن العلم بهذا الامر النسبي ليس فقها ولا مستفادا من الأدلة أو أريد به نفس الكلام الموجه لوضوح أن مجرد العلم به لا يسمى فقها وللزوم اتحاد الدليل والمدلول حينئذ فإن من الأدلة الكتاب وهو من جملة الخطابات المذكورة وقد أجابت الأشاعرة عن هذا بجعل الاحكام عبارة عن الكلام النفسي والأدلة عبارة عن الكلام اللفظي فلا اتحاد وأورد عليه الفاضل المعاصر بعد بطلان الكلام النفسي في نفسه بأن الكتاب مثلا حينئذ كاشف عن المدعى لا مثبت للدعوى فلا يكون دليلا في الاصطلاح هذا كلامه فإن أراد أن الكلام النفسي حينئذ مطلوب إنشائي فلا يكون الكلام اللفظي دليلا عليه حيث يعتبر عندهم أن يكون المطلوب به خبريا ففيه أن المراد إنما هو العلم بالأحكام من حيث كونها ثابتة ومتحققة في نفس الامر أو عند الشارع بدليل أن المراد بالعلم إما التصديق أو الادراك التصديقي أو ملكتهما دون التصور أو ملكته كما سيتضح وجهه ولا ريب أنها بهذا الاعتبار من المطلوب الخبري وإن كانت من حيث ذواتها إنشاء وظاهر أن الأدلة إنما تعتبر أدلة لها بهذا الاعتبار فلا إشكال وإن أراد أن الخطابات النفسية مداليل للخطابات اللفظية فلا تكون أدلة عليها لان الألفاظ لا تثبت معانيها وإنما تكشف عنها عند العالم بالوضع على سبيل البداهة والضرورة ففيه أن الخطابات اللفظية لم تعتبر أدلة على الخطابات النفسية من حيث اقتضائها لتصورها وحضورها في نظر السامع بل من حيث التصديق بثبوتها عند المتكلم وإرادته لها وظاهر أن اللفظ يصح أن يكون دليلا على معناه بهذا الاعتبار بالمعنى المصطلح لتوقف دلالته عليه على تمهيد مقدمات عديدة ثم أجاب عن أصل الاشكال بجعل الاحكام عبارة عما علم ثبوته من الدين ضرورة بالاجمال والأدلة عبارة عن الخطابات التفصيلية قال فإنا نعلم أولا بالبديهة أن لشرب الخمر و أكل الربا أو نحو ذلك حكما أي خطابا من الخطابات من الاحكام ولا نعرفه بالتفصيل إلا من قوله تعالى حرمت عليكم الميتة وحرم الربا ونحو ذلك هذا كلامه وفيه ما لا يخفى فإن الخطابات التفصيلية ليست أدلة على الخطابات الاجمالية وذلك واضح على أن الخطابات الاجمالية كما اعترف به ثابتة بالضرورة والبداهة فلا تكون حاصلة عن الأدلة مع أن العلم بالخطابات الاجمالية لا يسمى في الاصطلاح فقها قطعا وإن أراد بها الاحكام الاجمالية من حيث التفصيل عاد المحذور فإن

Página 2

الاجمال بهذا الاعتبار عين التفصيل وإن حمل العلم على التصديق جاز حمل الاحكام على النسب والمسائل وعلى مطلق الاحكام أيضا إن اعتبرت من حيث انتسابها إلى موضوعاتها ليصح تعلق التصديق بها و ما يقال هنا وفيما مر أن تفسير الاحكام بالنسب يوجب خروج العلم بحدود موضوعات الفقه عنه مع أن بيانها من وظيفته فضعيف لأنه إن أريد به لزوم خروج تصور حدود الموضوعات عنه أو تصورها بحدودها عنه فهذا مما لا ضير فيه بل مما يجب المحافظة عليه لئلا ينتقض طرد الحدية لان مسائل العلوم على ما تبين في محله لا تكون إلا تصديقات وتصور الموضوع من المبادي التصورية التي تبين في العلم إذ ليس لها موضع آخر تبين فيه فبيانها من وظيفة العلم بالعرض على أن ذلك خارج عن أصل الحد بناء على تفسير العلم بالتصديق وإن أريد لزوم خروج التصديق بصحة تلك الحدود و مقتضاها عنه فممنوع لأنها حينئذ يشتمل على النسبة بالوصف المذكور وهي أيضا داخلة فيه على الوجهين الأخيرين أما على الأول فلأنها بهذا الاعتبار تكون من المسائل وأما على الثاني فلأنها حينئذ تكون من جملة الأحكام الوضعية حيث إنها لا تنحصر عندنا في الخمسة المعروفة ولا يصح تفسير الاحكام حينئذ بالتصديقات ولا بالأحكام الخمسة ولا بالخطابات لما سبق وإن فسر العلم بالملكة جاز أن يراد بالأحكام التصديقات أو المسائل أو مطلق الاحكام على حد وما سبق ومن شنع على من فسر الاحكام بالتصديقات بأن الفقه ليس عبارة عن التصديق بالتصديقات فكأنه غفل عن تفسير العلم بهذا المعنى ولا يصح حينئذ أن يراد بها الخطابات ولا الأحكام الخمسة لما مر ولا النسب إذ ليس ملكتها فقها إلا أن تفسير الملكة بملكة التصديق أو الادراك بأن يراد بها التصديق أو الادراك بالملكة فيستقيم المعنى بهذا التكلف كما مر أو يتعسف فيجعل الظرف متعلقا بالمتعلق المقدر على أن تكون صفة للعلم ويعتبر تعلقها بالنسبة على وجه يتناول تعلقها بها بواسطة تعلقها بما يتعلق بها من التصديق و الوجهان إتيان على تقدير التفسير بالمسائل وبمطلق الاحكام أيضا إلا أنه لا تعسف فيهما لشيوع الاطلاق ثم تفسير أسماء العلوم بالملكة مما اشتهر في العبائر والألسنة لكن قد يناقش فيه بأن الملكات أمور بسيطة لا تقبل التبعيض و التجزئة وتقبل الضعف والشدة والمعهود من حال العلوم خلاف ذلك وجوابه أن أسماء العلوم كما تطلق على المسائل كذلك تطلق على الملكات وهي تتصف بتلك الصفات بالمعنى الثاني دون الأول وكأن المعترض اعتبر التعريف بالملكة للعلم بمعنى المسائل فأورد عليه بذلك فتأمل وفي المقام كلام ستقف عليه ولا يصح أن يراد بالعلم التصور إذ ليس الفقه عبارة عنه ولا المسائل لعدم استقامة المعنى من غير تعسف والشرعية أما مأخوذة من الشرع بمعنى الشارع سواء فسر به تعالى أو بالنبي صلى الله عليه وآله أو من الشرع بمعنى الطريقة المنتسبة إليه نسبة الاحكام إلى الشرع بالمعنى الأول من باب نسبة الأثر إلى المؤثر ولو تقريبا وبالمعنى الثاني من باب نسبة الشئ إلى متعلقه أو وصفه أو نسبة الجز إلى الكل لان اللام فيها للعموم الافرادي ولا يلزم منه نسبة الشئ إلى نفسه حيث إن المنسوب داخل في المنسوب إليه لتغاير الاعتبارين ثم على تقدير تفسيره بأحد الوجهين الأخيرين فالمراد به شرعنا كما هو الظاهر المتبادر دون سائر الشرائع إذ لا يسمى من علم فروع شرع اليهود أو النصارى عن أدلتها فقيها من حيث علمه بها ويشكل الحد بناء على تفسيره بالمعنى الأول ولا مناص عنه إلا بحمل الاحكام على الاحكام المعهودة إجمالا أو على الاحكام الفعلية أي الثابتة في هذه الملة كما هو الظاهر من إطلاقها ويؤيده إضافة الأدلة إن جعلت المعهد و كيف كان فالمراد بها هنا ما كان للشرع مدخل فيه سواء استقل بإثباته العقل أولا والمراد بالفرعية المسائل المعروفة التي دونت مهماتها في الكتب المعهودة وربما تفسر بما يتعلق بكيفية العمل بلا واسطة والظاهر أن المراد بالموصولة إما العلم الشرعي أو العلم بالحكم الشرعي بمعانيها التي اعتبرناها في الحد كما يقتضيه ظاهر المقام لا مطلقهما أو مطلق أحدهما أو مطلق الشئ لئلا يتضح فساد طرده على بعض الوجوه الآتية فإن كل ما يتعلق بكيفية العمل بلا واسطة لا يكون فرعيا قطعا فيجوز أن يراد بها التصديق الشرعي أو الادراك الشرعي أو المسائل الشرعية أو نسبها أو مطلق الاحكام أو ملكة أحد هذه الأمور أو التصديق بأحد الثلاثة المتأخرة من الأولين و الأنسب بالمقام أن يراد بها الحكم الشرعي بمعانيه المعتبرة في الحد بقرينة وقوعها حدا لوصفه ويجوز أن يراد بكيفية العمل هيئته و خصوصيته فيكون في اعتبارها تنبيه على أن الأحكام الشرعية لا تتعلق بالعمل من حيث كونه عملا ما لم يعتبر معه خصوصية وأن يراد بها مطلق الاحكام فإنها كيفيات جعلية طارئة عليه فإن فسرت بالمعنى الأول جاز أن يراد بالموصولة جميع المعاني المتقدمة على تعسف في بعضها وإن فسرت بالمعنى الثاني لم يجز أن يراد بها المسائل و لا مطلق الاحكام وصح إرادة بقية المعاني على ما مر وبعضهم ترك قيد الكيفية نظرا إلى أن الحد يتم بدونها وعلى تقديره يصح أن يراد بالموصولة جميع المعاني المتقدمة مما عدا التصديق والادراك والملكة وربما أمكن اعتبارها بتعسف كما مر ثم لا يذهب عليك أن بعض هذه الوجوه يبتني على إرجاع التفسير إلى الفرع دون الفرعية كما يظهر بالتأمل وينبغي أن يراد بالعمل فعل المكلف ولو قوة كما هو الظاهر لئلا ينتقض على بعض الوجوه المتقدمة بقول الحكيم و المتكلم بامتناع صدور القبح منه تعالى أو أنه يمتنع منه إظهار المعجزة على يد الكاذب وأنه تعالى مختار في أفعاله حكيم في صنعه وكذا لو اعتبر ذلك بالنسبة إلى خصوصيات الافعال بل ينبغي أن يخص بالمكلف الانساني لئلا ينتقض على بعض الوجوه المتقدمة بنحو قوله تعالى لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وسجد الملائكة يدخلون وقالت الملائكة وبمؤدى مثل قوله تعالى وإذ قلنا للملائكة

Página 3

ومع ذلك يتجه على طرده بنحو قال موسى وقال فرعون وقال نسوة فإنها تشتمل على نسب أو أحكام شرعية متعلقة بفعل المكلف ابتدأ ولا مدفع له إلا بأن يفسر الموصولة أو الكيفية بمطلق الاحكام أو يراد بالشرعية ما من شأنها أن تكون مأخوذة من الشارع من حيث كونه شارعا كما هو الظاهر ونمنع تحقق الحيثية في المذكورات فيندفع نقوض المذكورة وكذا يندفع النقض بمسألة الجبر و الاختيار نعم يبقى الاشكال على عكسه بخروج كثير من الأحكام الوضعية التي لا تعلق لها أولا بكيفية العمل عنه كمباحث النجاسات و المطهرات والمواريث فإن قولهم كذا وكذا نجس أو مطهر أو يرث كذا من كذا أحكام وضعية لا تعلق لها بالعمل ابتدأ بل بواسطة أحكام أخر وعلى طرده بدخول مباحث أصل البراءة وأصل الإباحة فيه ويمكن دفع الأخير بأن المراد تعلقه به تعلق المسائل بموضوعاتها وليس للمسألتين المذكورتين تعلق بالعمل كذلك وفيه تعسف ومع ذلك يبقى الاشكال بمثل مسألة التأسي وينبغي أن يراد بالعمل ما يتناول العمل الوجودي والعدمي ليدخل فيه مثل وجوب الترك أو استحبابه أو حرمته أو كراهته أو إباحته وإن دخلت فيه باعتبار حرمة الفعل أو كراهته حيث يستلزم أو وجوبه أو استحبابه أو إباحته أيضا وكذا مثل شرطية الترك أو مانعيته وإن دخلت باعتبار اللازم من مانعية الفعل وشرطيته ثم إن أريد به ما يختص صدوره بالجوارح انتقض عكس الحد بمباحث النية وإن أريد به ما يتناول عمل القلب انتقض طرده بالأحكام التكليفية الأصولية والأدلة جمع دليل وهو في اللغة المرشد وعرف في الاصطلاح بما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مجهول خبري فباعتبار الامكان دخل فيه الأدلة المتعددة والذي لم ينظر فيه فإنها تتصف بإمكان التوصل وإن لم يقع وينبغي أن يراد به الامكان العادي ليخرج الأدلة المسبوقة بالضرورة فإنها لا تسمى دليلا اصطلاحا والنظر ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى مجهول وقد يعرف بأنه ملاحظة المعقول للتأدي إلى مجهول وهو أولى إن جوزنا التعريف بالمفرد كالخاصة وحدها والمراد بالنظر فيه ما يعم النظر في نفسه وصفاته و أحواله فدخل المفرد كالعالم والمركب إذا أخذ بدون الترتيب و يخرج عنه المقدمات المرتبة إذا اعتبرت مرتبة لاستحالة النظر فيها و المراد بصحيحه ما اشتمل على شرائط المادة والصورة وقيد به لعدم العبرة بالنظر الفاسد وإن حصل التوصل به اتفاقا وخرج بالمجهول الخبري الموصل إلى مجهول تصوري فإنه لا يسمى دليلا بل معرفا وهذا التعريف لا يتناول الامارة وبعضهم أخرجها بقوله إلى العلم بالمجهول وكيف كان فالمراد بها هنا الأدلة الأربعة من الكتاب والسنة والاجماع والعقل واعتبارها أدلة صحيحة بالاصطلاحين لان المراد بالمدلول عليه الاحكام في الجملة ظاهرية كانت أو واقعية وربما أمكن تخصيصها على الأول بالثاني لكن يكون الوصف حينئذ باعتبار الغالب فإنها قد لا تقيد الاعتقاد بالواقع أصلا ثم هذا الحد أوفق بالمقام من تحديد بعضهم كالعلامة له بما يفيد معرفة العلم بشئ آخر إيجابا أو سلبا فإنه بظاهره إنما ينطبق على المقدمات المرتبة لظهور أن ما عداها لا يفيد العلم وهذا لا ينطبق على موضوع هذا العلم لأنه عبارة عن نفس المفردات كيف وجملة من طرق النظر فيها إنما يعرف في هذا العلم فلا يمكن اعتبارها فيه نعم ما ذكره معنى آخر للدليل مباين لما ذكرناه وهو المعنى الشائع في غير المقام مع أن قوله إيجابا أو سلبا احتراز عن المعرف ولا حاجة إليه لخروجه بقيد العلم فإن المفهوم منه التصديق وهو لا يستفاد إلا من التصديق على أن هذا الحد بإطلاقه يتناول الدليل الفاسد فإنه قد يفيد العلم بشئ آخر والظاهر أنه لا يسمى دليلا في الاصطلاح إلا مجازا وأيضا لا يتناول الأدلة المتعددة إلا أن يتعسف بحمل الإفادة فيه على ما يتناول شأنية الإفادة إذا تقرر هذا فنقول العلم جنس إن فسر بالملكة على ما نراه من أن الملكات كيفيات مختلفة بالنوع و الحقيقة لا بمجرد النسبة والإضافة أو فسر بالادراك وقلنا بأن حقائق العلوم تابعة لحقائق معلوماتها كما يراه و بعضهم وبمنزلة الجنس أيضا إن فسر بالتصديق مطلقا أو بالادراك إن جعلنا التصور والتصديق من أصنافه لأنهما حينئذ نوع لما يندرج تحتهما من العلوم والادراكات المختلفة باختلاف أقسام المعلومات وتلك العلوم أصناف بالنسبة إليه وإن كانا جنسا بالنسبة إلى ما يندرج تحتهما من المراتب المختلفة بالشدة والضعف على ما هو التحقيق في كل عرض يكون كذلك ويخرج بتقييده بالأحكام العلم بالذوات والصفات على ما ذكره جماعة وهو بظاهره يقتضي حمل الاحكام على النسب وقد صرح به بعضهم فيكون المراد بالعلم الادراك دون الملكة لما مر من أنه لا يتم حينئذ إلا بتكلف ودون التصديق لان التصديق لا يتعلق بغير النسبة فيكون قيد الاحكام على تقديره توضيحيا ولو أريد بالأحكام المسائل أو مطلق الاحكام بالاعتبار المتقدم أمكن توجيه الاحتراز بها عن الصفات بأخذها مجردة عن النسبة لكن لا يلائمها الاقتصار عليها في الاحتراز لخروج العلم بالنسبة على الأول والعلم بما عداه مطلق الاحكام على الثاني ومن أردف الصفات بالافعال فقد أراد بها ما يغايرها ويجوز أن يحمل الاحكام على التصديقات أيضا فيتعين حمل العلم على الملكة كما عرفت ويتوقف صحة الاحتراز المذكور بظاهره على تفسيرها بمجرد التهيؤ والاستعداد وينبغي حينئذ أن تؤخذ الصفات منتسبة كما يرشد إليه تمثيل بعضهم ويعتبر الاحتراز بالنسبة إلى الامرين لتحقق الاحتراز عن النسبة أيضا حيث إنها تخرج بالتقييد بها أيضا و الوجه في عدم ذكرها مستقلا عدم كونها مستقلة بالعلم والادراك ثم إن فسر العلم بالملكة كان التقييد بالأحكام مطلقا احترازا عن ملكة غيرها وإن فسرت

Página 4

الاحكام بمطلق الاحكام كانت مخرجة من العلم مطلقا للعلم بما عداها من الاحكام التي ليست شرعية فيكون قيد الشرعية حينئذ مستدركا ويخرج بقيد الشرعية على تقدير حمل الاحكام على غير الاحكام غيرها كالعقلية المحضة وبقيد الفرعية الأصولية وبقولنا عن أدلتها علم الله وعلم الملائكة والنبي صلى الله عليه وآله والأئمة والفرعية الضرورية إذ ليس شئ منها مستفادا من الأدلة كذا قالوا أقول وهذا الاحتراز إنما يصح إذا حمل العلم على غير الملكة من التصديق أو الادراك وفسرا بالمعنى الأعم لا بمعناه المصطلح عليه عند أهل الميزان وأما إذا حمل على الملكة كما صرحوا به فإن فسرت بمجرد التهيؤ و الاستعداد كان علمه تعالى خارجا عن أصل الحد وكذا إذا حمل على التصديق أو الادراك وفسرا بالمعنى المصطلح عليه عند أهل الميزان لأنهم يعنون بهما ما يختص بالحصول وكذلك علم الملائكة على ما يراه الفلاسفة وإن اعتبر معه أن يكون ناشئا عن الممارسة والمزاولة كان علم الأنبياء والأئمة والملائكة والعلم بالأحكام الضرورية خارجا عنه أيضا وعلى التقديرين لا يكون هذا القيد احترازا عن الجميع اللهم إلا أن يحمل العلم على الأعم من التهيؤ والعلم الفعلي وهو بعيد جدا لا يساعد عليه كلماتهم ثم الوجه في الاحتراز بهذا القيد عن الفرعية الضرورية مطلقا غير واضح لان عدم استفادتها عن الأدلة كما عللوا به إنما يوجب بظاهره فساد الحد حيث يقتضي أن يكون العلم بجميع الاحكام عن الأدلة بناء على حملها على العموم كما هو الظاهر مع أنه ليس كذلك ولا مخلص عنه إلا بأن يقال أخذ هذا القيد في الحد قرينة على أن المراد بالأحكام خصوص الاحكام النظرية فتكون الضرورية خارجة عنها بقيد الاحكام لكنهم اعتبروا الاحتراز عنها فيه دونها نظرا إلى أن الدلالة المذكورة لما كانت بالقرينة فهي إنما تتم عند ذكرها فأسندوا الاحتراز إلى القيد مراعاة لهذا الاعتبار ثم إذا فسر العلم بما يدخل فيه بعض تلك العلوم أو كلها صح الاحتراز عنها بهذا القيد سواء جعل الظرف لغوا متعلقا بالعلم كما هو الظاهر بحمله على التصديق أو الادراك دون الملكة إذ الملكة لا تكون عن الأدلة بل عن الممارسة والمزاولة ووجه الاحتراز حينئذ أن تلك العلوم غير مستفادة من الدليل أما علمه تعالى فظاهر وأما علم الملائكة والنبي صلى الله عليه وآله والأئمة فلأنهم يستفيدون الاحكام من الوحي والالهام لا من النظر والاجتهاد كما يقول به المخالفون في الأئمة ويقول به بعضهم في النبي صلى الله عليه وآله أيضا وأما ما يستفاد من بعض الاخبار من أنهم عليهم السلام يستفيدون بعض الأحكام من الكتاب والسنة فغير مناف لذلك لان استفادتهم لها منها ليس على سبيل النظر والفكر بل على سبيل الضرورة والبداهة و الذي يقتضيه الحد أن يكون العلم بها عن الأدلة من حيث كونها أدلة كما هو الظاهر من التعليق على الوصف فإن قلت قد شاع إطلاق الفقيه عليهم عليهم السلام في الاخبار فكيف يصح الاحتراز عنه في الحد قلت كلامنا هنا في الفقه بحسب معناه المصطلح عليه في عرفنا و إطلاق الفقيه عليهم عليهم السلام إنما هو بحسب عرفهم أو متعلقا بالأحكام بحملها على التصديقات لا غير فيكون العلم حينئذ بمعنى الملكة لا غير سواء فسرت بمطلق التهيؤ أو بما يكون عن الممارسة لكن الاحتراز بها إنما يصح على الوجه الأول ووجهه حينئذ أن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة والملائكة لا يوجد فيهم تهيؤ التصديق عن الدليل لا لقصورهم بل لعلو رتبتهم عليهم السلام حتى إنهم متى هموا بحكم علموه من غير توسط الاستدلال وكذلك الاحكام الضرورية فإن الفقيه متهيئ للعلم بها عن الضرورة لا عن الدليل أو جعل مستقرا صفة أو حالا للعلم أو للأحكام وما يقال من أن الظروف في حكم النكرة فلا يصلح وصفا للمعارف فليس بمرضي على إطلاقه لان الموصوف إذا لم يكن مدلوله أمرا بعينه كما في المقام جاز وصفه بالنكرة وإن كان معرفا لفظيا على ما صرح به غير واحد منهم كصاحب الكشاف حيث جعل غير المغضوب صفة للموصول معللا بأنه لا توقيت فيهم وجملة يحمل صفة للحمار وجملة لا يستطيعون صفة للمستضعفين إلى غير ذلك ووجه الاحتراز حينئذ أما على الوجهين الأولين فظاهر لان العلوم المذكورة ليست حاصلة عن الأدلة كما هو قضية ظاهر الوصفية والحالية وأما على الوجهين الأخيرين فلان تعليق الحكم على الوصف يشعر بقيد الحيثية التعليلية فيخرج به تلك العلوم فإنه وإن صدق عليها أنها علم بالأحكام الحاصلة عن الأدلة أو حال كونها حاصلة عنها لكنه ليس علما بها من حيث كونها حاصلة عن الأدلة لكن يشكل البناء على هذا في الاحتراز عن علم المقلد بالقيد الآتي كما سنشير إليه وكذا إذا جعل الظرف مرتبطا بالشرعية أو بالفرعية على بعد فيه سواء جعل متعلقا بهما أو صفة لهما أو حالا عنهما ووجه الاحتراز به على هذه الوجوه ما مر في الوجهين الأخيرين لا يقال لا نسلم خروج علمه تعالى على تقدير دخوله بالقيد المذكور لأنه لما كان علمه تعالى بالأشياء على الوجه الأتم لزم أن يعلمها بعللها إذا كانت معللة أو يقال لما كان علمه تعالى الأشياء لعلمه بذاته الذي هو سبب العلم بمعلولاته فعلمه يكون عن الدليل فلا يخرج عن الحد بالقيد المذكور لأنا نقول بعد المساعدة على الدعوى في المقامين أن ذلك لا يسمى دليلا بحسب الاصطلاح كما مر فإن قلت لا نسلم خروج الاحكام الضرورية بهذا القيد إذ المراد بكونها ضرورية أن العلم بصدورها عن الرسول صلى الله عليه وآله ضروري لا أن العلم بكونها أحكاما صحيحة حقة متلقاة من الوحي ضروري كيف وهو مبني على إثبات الرسالة وهو يتوقف على إثبات المرسل وعدله و حكمته وغير ذلك من الأمور النظرية التي ذكرت في محلها والفقه إنما هو العلم بالأحكام بهذا الاعتبار فتكون بأسرها نظرية لابتنائها على أمور نظرية قلت أما أولا فلا نسلم أن العلم بصدق الرسول نظري بل من الضروريات التي قياساتها معها كما زعمه بعضهم وسننبه عليه في مسألة الحسن والقبح إن شاء الله تعالى ولهذا نراه يحصل للبله والصبيان ونحوهم ممن ليس لهم قوة النظر و الاكتساب نعم من سبق ذهنه بشبهة يكون العلم المذكور عنده نظريا فالاشكال المذكور لو تم فإنما يتجه بالنسبة إليه دون غيره وأما ثانيا فلنا أن نختار أن المراد بالأحكام الشرعية الاحكام التي صدرت

Página 5

عن النبي صلى الله عليه وآله على أنها شرعية عنده والقيد الأخير لاخراج أحكامه العادية فإن الشرع كما يطلق عليه تعالى كذلك يطلق على النبي صلى الله عليه وآله أيضا ويلغى قيد الحيثية المستفادة من الوصف مقيسة إلى الواقع لئلا يعود الاشكال أو نقول المراد بالشرعية ما يسمى عرفا شرعية أو نقول نظرية القيد لا يستلزم نظرية المقيد وكيف كان فلا ريب في أن من الاحكام بهذا الاعتبار ما هو ضروري لا حاجة إلى اعتبار كونها حقة مستفادة من الوحي لأنها من لوازمها إذا أخذت الاعتبارين الأولين نعم يشكل حينئذ بأن العلم بالأحكام بهذا الاعتبار مما يصح حصوله لمن لا يقول بالرسالة حتى العلم بالظاهرية منها إذا علم من الضرورة حكم الرسول صلى الله عليه وآله بأصولها وطرقها مع أن مثل هذا لا يسمى فقها في الاصطلاح اللهم إلا أن يقال هذا فرض لا يكاد يقع والحدود التي تورد في مثل هذا المقام إنما يحافظ عليها بحسب الوقوع دون الامكان أو يقال بأن المراد بالعلم ما يعتد به في إطلاق اسم العلم عليه عرفا كما سيأتي فيخرج العلم المذكور لعدم إطلاق الاسم عليه وأما ثالثا فلنا أن نجعل إضافة الأدلة للعهد فيصح الاحتراز بها عن العلم بتلك الاحكام لأنها على تقدير كونها نظرية لا يكون العلم بها مستفادا عن تلك الأدلة بل عن أدلة غيرها وهذا أوفق بالمقام لسلامة عكس الحد على تقديره من خروج العلم بالمسائل الاجماعية على ما يراه المتأخرون في الاجماع من أنه الانفاق الكاشف بطريق الحدس ومن خروج علم بعض رواتنا الفقهاء كزرارة لكثير من الاحكام بطريق السماع المفيد للعلم بالحكم بطريق الضرورة غالبا هذا وينبغي أن يراد بالأدلة ما يعم الأدلة الأربعة وغيرها لئلا يرد على عكسه النقض بعلم البعض لبعض الاحكام عن مثل الشهرة والقياس فإنه يعد بالنسبة إليها فقيها قطعا ولا يندفع برجوع حجيتهما إلى أحد الأدلة لان ذلك دليل الدليل والمعتبر هو الدليل وإلا لانحصرت في العقل لرجوع حجية غيره إليه ولا يرد على طرده النقض بعدم علم كثير منهم لشئ من الاحكام عن بعضها إما لعدم مسيس حاجته إليه أو لكونه ممن ينكره كمن يمنع وقوع الاجماع أو الاطلاع عليه أو ينكر حجيته كمن يمنع حجية الكتاب أو العقل وذلك لتحقق الملكة عنده بناء على تفسير العلم بها أو بما يعمها ويخرج بقيد التفصيلية علم المقلد بالأحكام فإنه مأخوذ من دليل إجمالي مركب من صغرى وجدانية وكبرى اتفاقية مطرد في جميع المسائل وهو هذا ما أفتى به المفتي وكل ما أفتى به المفتي فهو حكم الله في حقي فينتج المطلوب وهذا الاحتراز مبني على أن يكون الظرف لغوا متعلقا بالعلم أو بالأحكام أو مستقرا للعلم صفة له أو حالا عنه بناء على ما هو الظاهر المتبادر وأما إذا جعل مستقرا للأحكام أو لإحدى صفتيها فلا يتم الاحتراز وإن اعتبر قيد الحيثية إذ يصدق على علم المقلد أنه علم بالأحكام الشرعية الفرعية الحاصلة أو حال حصولها عن الأدلة عند المفتي من حيث كونها كذلك إلا أن يقال المتبادر حصوله عند العالم حال علمه بها فيخرج وفيه تعسف لا يقال اختلاف الأصغر بحسب اختلاف فتاوى المفتي في كل واقعة يوجب اختلاف الدليل وتعدده عنده فيكون للمقلد أيضا أدلة تفصيلية أو يقال علم المقلد أيضا مأخوذ عن الأدلة التفصيلية كعلم المفتي إلا أنه من دون واسطة وعلم المقلد بواسطة أو يقال هذا الدليل إنما يفيده وجوب العمل بمقتضى ما أفتى به المفتي و لا يقتضي علمه بالحكم الشرعي فلا حاجة إلى إخراجه بالقيد المذكور لأنا نقول أما الأول فمدفوع بأن مجرد هذا الاختلاف لا يقتضي أن يصدق عليها أنها أدلة تفصيلية بل لا معنى للدليل الاجمالي إلا ما يكون فيه مثل هذا الاختلاف وقد يجاوب بأن إضافة الأدلة للعهد و المراد بها الأدلة الأربعة فيخرج علم المقلد إذ ليس منها ويكون قيد التفصيلية حينئذ توضيحية أما الثاني فمدفوع بأن ظاهر الحد أن يكون العلم مستفادا من الأدلة بدون واسطة وأما الثالث فمدفوع بأن الدليل إذا اقتضى وجوب العمل بشئ في حق المكلف اقتضى علمه أيضا بأن ذلك حكم الله في حقه قطعا وقد أغرب الفاضل المعاصر حيث التزم بالاشكال الأخير ووجه الحد بأن قيد التفصيلية لاخراج العلم بالأحكام الاجمالية فإنها مستندة إلى الأدلة الاجمالية من ضرورة أو عموم آية أو سنة وهي أدلة إجمالية لا تفصيلية والعلم الاجمالي المستفاد منها لا يسمى فقها بل الفقه معرفة تلك الأحكام الاجمالية عن الأدلة التفصيلية ثم تعجب من غفلة الفحول عن ذلك وفساده ظاهر مما مر فإن العلم بالأحكام الاجمالية لا يسمى في الاصطلاح فقها قطعا مع أن العلم الاجمالي كما اعترف به مستند إلى الضرورة فكيف يستند إلى الأدلة الاجمالية أو التفصيلية وعد الضرورة من جملة الأدلة يؤذن بغفلته عما ذكروه في معنى الدليل مع أنه قد اعترف قبل ذلك به حيث التزم بخروج الضروريات عن حد الفقه معللا بأن العلم المستند إلى الضرورة لا يعد في العرف علما حاصلا عن الدليل وهنا قد التزم بدخولها في ذلك وأخرجها بقيد التفصيلية فبين كلاميه تدافع واضح هذا فإن قلت إذا كان علم المقلد مستفادا من دليل إجمالي لكان خارجا بقيد الأدلة فلا حاجة إلى قيد التفصيلية قلت لما كان الدليل المذكور كما مر ينحل إلى دلائل عديدة لم يكتفوا في إخراجه بقيد الأدلة بل اعتبروا معها قيد التفصيلية ليتضح الاحتراز ثم لهم على المقام إشكالان أحدهما أن العلم ظاهر في اليقين والاحكام ظاهرة في الاحكام الواقعية وظاهر أن الفقيه لا يحصل له في معظم المسائل إلا الظن بالحكم الواقعي فكيف أطلق لفظ العلم وهذا الاشكال ظاهر الورود على ما هو الصواب من القول بالتخطئة وأما على القول بالتصويب فإن كان القائلون به قاطعين بمذهبهم فلا ورود له عليهم وإلا اتجه

Página 6

عليهم أيضا وقد أجيب عنه بوجهين أحدهما بارتكاب التأويل في لفظ العلم فحملوه تارة على الظن وأخرى على الأعم منه ومن اليقين أعني الطرف الراجح وكلاهما مردود أما أولا فبأن إطلاق العلم على كل من المعنيين مجاز ولا قرينة عليه ومجرد الشهرة كما ادعي لا يصلح لها فلا يصح أن يرتكب سيما في الحدود وأما ثانيا فبأن بعض الأدلة ربما لا يفيد الظن بالواقع أيضا كأصالة البراءة و الاستصحاب المعمول في نفي التكليف أو إثباته مع أن الاحكام المثبتة بهما من الفقه قطعا وأما ثالثا فلان الظن أو الاعتقاد الراجح كثيرا ما لا يتعلق بما هو الحكم الواقعي لتطرق الخطأ إلى غير العلم و لو أريد بالحكم الواقعي ما هو كذلك في ظن المعتقد لزم التصرف في الحكم أيضا وهو كما سيأتي مغن عن التصرف في العلم و أما رابعا فبأنه قد يحصل الظن بالأحكام لمن ظن بصدق الرسول صلى الله عليه وآله مع أنه لا يسمى فقها كما عرفت ويمكن دفع هذا بما مر على أن استدلال الفقيه قد ينتهي إلى القطع بالحكم فيلزم على الأول أن يكون خارجا من الفقه والتزامه كما وقع من البعض مما لا يلتفت إليه وقد يجاب بأن المراد العلم بوجوب العمل أو العلم بمدلول الدليل وليس بشئ لأنه إن أريد أن المراد بالحكم ما يجب العمل به أو مدلول الدليل رجع إلى المعنى الآتي إذ لا نعني بالحكم الظاهري إلا ذلك فلا وجه لذكرهما في مقابلته وإن أريد أن ذلك مدلول لفظ العلم كما صرح به الفاضل المعاصر وهو الظاهر من كلام غيره فلا بد أن يكون المراد أن لفظ العلم مستعمل في المقيد لا في المجموع لعدم العلاقة فيتجه عليه أن هذا التأويل مع ما فيه من التعسف في لفظ العلم وفي متعلق الظرف لا يغني عن التصرف في الاحكام المغني عن هذا التعسف فيكون تكلفا مستدركا ثم العلاقة على هذين التقديرين علاقة الاطلاق والتقييد كما هو الظاهر لا علاقة المشابهة كما زعمه المعاصر المذكور حيث ذكر أن العلم حينئذ استعارة للظن بمشابهة وجوب العمل به وهو كما ترى لان من فسر العلم بأحد هذين التفسيرين أراد به ما يقابل الظن لا الظن مع أن وجوب العمل بالحكم المظنون أو كونه مدلول الدليل أمر معلوم لا مظنون فلا يستقيم إرادة الظن بالعلم الثاني بالتزام التصرف في الاحكام بحملها على الأعم من الواقعية والظاهرية أعني الاحكام الفعلية ولا ريب في أن الفقيه عالم بها بهذا الاعتبار و ينبغي أن ينزل عليه ما أجاب به العلامة من أن ظنية الطريق لا تنافي علية الحكم فلا يرد عليه ما قيل من أنه يبتني على التصويب لان ذلك إنما يتجه إذا أراد بها الاحكام الواقعية لا مطلق الاحكام وتوضيح ذلك أنه قد تفرد عندنا أن لله تعالى في كل واقعة حكما معينا لولا عروض المانع وهو جهل المكلف به لكان عليه أن يعمل على حسبه و هذا هو المعبر عنه بالحكم الواقعي ثم المجتهد إنما يجب عليه أن يصرف سعيه في طلبه ويبذل مجهوده في إدراكه وبعد السعي والكد إن أصابه وإن لم يصبه فالذي أدى إليه دليله وبلغ إليه نظره هو حكم الله في حقه بمعنى أنه الذي يجب عليه أن يعمل به ويبنى على حسبه فينتظم عنده في كل حكم مقدمتان صغريهما وجدانية وهي هذا ما أدى إليه نظري وكبريهما اتفاقية وهي كل ما أدى إليه نظري فهو حكم الله في حقي فينتج أن هذا حكم الله تعالى في حقه وحيث كانت المقدمتان قطعيتين كانت النتيجة أيضا قطعية فيكون الفقيه قاطعا بالأحكام جازما بها وقد أورد على هذا الجواب بأن علم الفقيه على هذا التقدير يكون مأخوذا من دليل إجمالي لا من الأدلة التفصيلية كما يقتضيه الحد وأجيب عنه بوجهين الأول أن الظرف متعلق بمقدر صفة للأحكام ويعتبر الحيثية ليخرج علمه تعالى وعلم الملائكة والنبي صلى الله عليه وآله والأئمة وعلم المقلد و الضروريات وقد مر بما فيه الثاني أن الملحوظ في قوله هذا ما أدى إليه نظري هو تلك الأدلة التفصيلية فتكون هي مأخوذة فيه فيصدق أن علمه حاصل عنها وفيه نظر لان الأدلة التفصيلية إنما تلاحظ فيها على وجه التصور لا التصديق وقد تقرر في محله أن التصديق لا يكون حاصلا من التصور بل من التصديق ويمكن الجواب بأن المراد بكونه حاصلا عنها مجرد كونها معتبرة في حصوله وإن لم تكن كاسبة له وفيه تعسف أقول والأولى حينئذ أن يغير ذلك الدليل الاجمالي ويجعل دليلا على قطعية الأدلة عنده و ذلك بأن يقال الفقيه قاطع بالأحكام عن أدلتها المعهودة للاجماع على حجية تلك الأدلة في حقه فينتظم عنده في كل دليل مقدمتان من صغرى وجدانية ومن هذا الدليل مما أدى نظري إلى كونه حجة و كبرى اتفاقية وهي كلما يكون كذلك فهو حجة في حقي فينتج أن الدليل المذكور حجة في حقه فينتظم له في الاحكام أدلة متعددة كقوله حكم كذا مما دل عليه ظاهر الكتاب وكلما دل عليه ظاهر الكتاب فهو ثابت أو دل عليه الخبر الصحيح وكلما دل عليه الخبر الصحيح فهو ثابت وعلى هذا القياس فيندفع الاشكال لان علمه حينئذ مأخوذ من الأدلة التفصيلية وإن رجع إثبات حجيتها أو حجية بعضها إلى دليل إجمالي فيصدق عليه الحد بهذا الاعتبار لكن يتجه الاشكال حينئذ بدخول علم المقلد إذ على هذا البيان يمكن أن يجعل فتاوى المفتي له أدلة تفصيلية ويقرر الدليل الاجمالي على وجه يكون دليلا على حجيتها ووجه التفصي عنه إما بأن يقال مثل ذلك لا يسمى أدلة تفصيلية عرفا لان مرجعها إلى دليل إجمالي وإن اختلف فيه مصداق طرفي الصغرى أو باعتبار العهد في الأدلة كما مر أو بأن يعتبر تعدد الأدلة بحسب النوع ويجعل قيد التفصيلية للتوضيح أو يحمل المجموع على ذلك لظهوره فيه فيخرج علم المقلد إذ أدلته نوع واحد وهو فتوى المفتي وإن تعددت أو تعددوا لكن لا يستقيم حينئذ طرد الحد إلا على تقدير المنع من التجزي مطلقا واعلم أن ما مر غاية توجيه المقام وهو عندي بعد غير مصحح لطرد الحد لان العلم المذكور قد يحصل لمن ليس له أهلية الفتوى نظرا إلى زعمه ذلك بنفسه كما تراه في بعض أبناء زماننا فإن التباس حاله عليه وقطعه بأن له أهلية الفتوى يوجبه قطعه بالأحكام و

Página 7

وتعذره فيها الامتناع التكليف بما فوق العلم إلا أن المطلعين على حاله من أهل الصنعة لا يعدون فقيها أ لا ترى أن الجاهل بعلم النحو الخابط في معظم مسائله مثلا لا يعد نحويا عند أهل صناعة النحو وإن زعم أنه عالم بها متقن لمباحثها ولا مدفع لهذا الاشكال إلا بأن يحمل العلم على مطلق العلم المعتد به في إطلاق اسم العلم عرفا فيخرج مثل ذلك لعدم صدق الاسم عليه ولا يخلو من تعسف وإنما اعتبرنا الاطلاق في العلم لئلا يلزم استدراك قيود الحد وهذا الاشكال كما ترى سار في سائر معاني العلم ويندفع بالتوجيه المذكور و يندفع به أيضا بعض الاشكالات السابقة والآتية الثاني أن المراد بالأحكام إما كلها بحمل اللام فيها على الاستغراق أو بعضها بحملها على الجنس أو العهد الذهني دون الخارجي لعدم احتماله إذ ليس هناك قدر معين معهود مع مشاركته لأخويه في الاشكال أما الأعم من الكل والبعض كما يحتمله الحمل على الجنس فمشارك للأخير في الاشكال فإن كان الأول لم ينعكس لخروج علم أكثر الفقهاء بل كلهم عنه إذ ليسوا عالمين بجميع الاحكام فإن الفروع لا تقف على حد وإن كان الثاني لم يطرد لدخول علم المقلد فيه إذا تمكن من معرفة بعض الأحكام عن الأدلة وقد أجيب عنه تارة بأنا نختار البعض ويطرد الحد أما على القول بتجزي الاجتهاد فظاهر لان العلم المذكور داخل فيه وأما على القول بعدمه فلانتفاء العلم بالبعض حينئذ حقيقة فإن فرض البعض على هذا التقدير لا ينفك عن فرض الكل وهذا إنما يستقيم إذا حمل العلم على اليقين كما هو الظاهر إذ على القول بعدم التجزي لا قطع بأن مؤدى ظنه حكم الله تعالى في حقه فلا ينتظم عنده قياس يوجب علمه بالحكم الظاهري وأما إذا حملناه على الظن أو على الاعتقاد الراجح فلا يتجه الجواب المذكور لتحقق العلم بهذا المعنى عنده قطعا وإنكار بعضهم له نظرا إلى أن المتجزي حيث لم يحط بالكل يجوز تجويزا مساويا أن يوجد دليل يقتضي خلاف ما يقتضيه الدليل الذي عثر عليه فمكابرة بينة وسيأتي تفصيل الكلام فيه في محله إن شاء الله تعالى ثم أقول لا ريب في أن المقلد قد يؤدي اجتهاده إلى القطع بالحكم ولا ينبغي أن يرتاب في حجيته وإن لم نقل بحجية ظنه فيلزم على الحمل المذكور أن يكون علمه فقها مطلقا والتزام صدقه عليه هنا وفيما سبق مطلقا وإذا كانت ثلاثة محافظة على أقل الجمع كما أشار إليه بعضهم تعسف ظاهر لا سيما إذا كان قوله بالتجزي مبنيا على التقليد وأخرى بأنا نختار الكل وينعكس الحد لان المراد بالعلم الملكة والتهيؤ والفقيه له ملكة العلم بجميع المسائل وإن لم يكن عالما بها بالفعل وأما تردد الفقهاء في بعض الأحكام فإنما هو تردد في مقام الاجتهاد لا الفتوى والحكم نعم يلزم على هذا التقدير خروج علم المتجزي على القول بالتجزي فنلتزم بأن الحد مبني على مذهب المانعين منه أو نقول بأن علمه لا يسمى في العرف فقها وإن قلنا بوجوب العمل به لا يقال إذا تعذر الإحاطة بجميع المسائل تعذر تحصيل ملكتها أيضا لان الملكة هي القوة القريبة من الفعل فإذا امتنع الفعل امتنع القوة القريبة منه لأنا نقول المراد بملكة الكل القوة التي يقتدر صاحبها على تحصيل كل حكم يرد عليه أو تحصيل الجميع و لو لم يكن على وجه الجمع بقي الكلام في صحة تفسير العلم بالملكة فنقول قد تداول بينهم في هذا الفن وغيره تفسير أسامي العلوم بالملكات والذي يظهر لنا بالتتبع في موارد استعمالاتهم أن تلك الأسامي ليست أسماء بإزاء ملكات العلوم فقط كما هو الظاهر من كلماتهم بل يعتبر مع ذلك اطلاع صاحبها على كثير من مسائلها أ لا ترى أن الجاهل بمعظم مسائل المنطق مثلا ربما يحصل له بمزاولة بعض العلوم النظرية قريحة يتمكن بها من تحصيل جميع مسائله بأدنى مراجعة إلى الكتب المدونة فيه مع أنه لا يسمى بذلك منطقيا قطعا وكذلك لا يصدق المنطقي على العالم بكثير من مسائل المنطق إذا قصر نظره عن تحصيل البواقي فإذا تحقق اعتبار الامرين في التسمية من الملكة والاطلاع على كثير من المسائل بحيث يعتد بها عرفا فلك أن تقول بأن أسماء العلوم موضوعة بإزاء الملكة الحاصلة للعالم بكثير من مسائل العلم أو لعلم صاحب الملكة بتلك المسائل أو لهما معا والوجوه الثلاثة محتملة لكن فرض حصول الملكة في المقام بدون العلم بكثير من المسائل لا يخلو من بعد لا يقال لا سبيل إلى تلك الوجوه لأنها رد إلى الجهالة إذ لا حد لكثير من مسائل العلم وأيضا إن كان المعتبر فيه العلم الفعلي لم يصدق على الغافل والنائم ونحوهما إذ ليسوا عالمين بها بالفعل نعم لهم استعداد بحيث لو تنبهوا وتأملوا علموا وإن كان المراد التهيؤ والاستعداد رجع إلى المعنى الأول لأنا نقول أما الجهالة فهي مرتفعة بالرد إلى العرف وأما المراد من الاحتمالين فهو الاحتمال الأول و لا ينافيه الغفلة لقيام التصديق بالنفس وحصوله لها ثم الكلام الذي أوردناه مبني على تفسير الملكة بالتهيؤ والاستعداد والقوة القريبة كما نص عليه بعضهم وأما إذا فسرت بالقوة الناشئة عن الممارسة في العلم الذي حصلت فيه كما هو الظاهر فلا حاجة إلى القيد المذكور إذ لا ينفك الملكة بهذا المعنى عن العلم بكثير من المسائل عادة لكن يبقى الكلام في العكس ثم على المقام إشكال آخر وهو أن قوة الشئ تنافي فعليته فإن بينهما نسبة التقابل على ما تحقق في محله فعلم الفقيه ببعض الاحكام بالفعل يوجب زوال القوة عنه بالنسبة إليها ما دام عالما بها وإن غفل عنها فلا يصدق حينئذ أن له ملكة الجميع بل البعض خاصة ويمكن دفعه بأن المراد ملكة العلم تحصيلا أو إبقاء ملكة تحصيله ولو على تقدير زواله بالنسيان وشبهه أو بحمل العلم على الأعم من الادراك بالقوة والادراك بالفعل فيستقيم عكس الحد لحصول أحد الامرين في الفقيه بالنسبة إلى الجميع لكنه مجاز غير معروف فيمكن القدح في الحد باعتباره لعدم القرينة عليه أو بحمل القوة المفسر بها الملكة على

Página 8

ما يتناول قوة التذكر أيضا أو يختص بها ويندفع الاشكال لان الفقيه حال تذكره لبعض الاحكام له قوة التذكر لها ولو بحسب زمان آخر لكن يلزم حينئذ أن لا يكون فقيها باعتبار تذكره لها كما يلزم أن لا يكون فقيها على الأول باعتبار خصوص أحد الامرين ولا غرو في التزام ذلك وإذا تبين لك الحال في الجزءين الماديين فلنبحث عن الجز الصوري فنقول أولا قد ذكروا أن إضافة اسم المعنى تدل على اختصاص المضاف بالمضاف إليه باعتبار الصفة التي تدل عليها وأرادوا باسم المعنى المعنى المصطلح عليه عند النحاة أعني ما دل على معنى قام بغيره فإن هذا هو المفهوم من إطلاقه في مثل المقام فيتناول المصدر أيضا وزعم المحقق الشريف أن المراد به ما دل على شئ باعتبار معنى وحاصله المشتق وما في معناه ورد على من فسره بالمعنى الأول بأنه متناول للمصدر ولا يدل إضافته على الاختصاص باعتبار المعنى الذي عنى بالمضاف بل باعتبار معنى آخر فإن إضافة الدق مثلا إلى الثوب لا يفيد الاختصاص باعتبار الدق بل باعتبار التعلق وهو خارج عن مدلوله بخلاف إضافة الكاتب إلى القاضي فإنها تفيد الاختصاص باعتبار الكاتبية وهو مما دل عليه المضاف وفيه نظر لأنه إن اعتبر الاختصاص من حيث الوجود كما هو الظاهر من إطلاق الاختصاص صح دخول المصادر في الحكم المذكور ولا حاجة إلى اعتبار التعلق وإلا لم يستقم اعتبار الاختصاص في المشتقات أيضا إذ لا معنى لاختصاص الكاتبية بزيد ما لم تؤخذ باعتبار الوجود وإنما اعتبروا قيد الاعتبار تنبيها على أن الاختصاص المستفاد من هذه الإضافة ليس إلا بحسب الصفة المأخوذة في المضاف فإن قولك هذا مكتوب زيد يدل على اختصاصه به من حيث المكتوبية دون الملموسية والمنظورية ونحوهما وخصوا هذا الحكم باسم المعنى لما ذكروا من أن إضافة اسم العين تدل على اختصاص المضاف بالمضاف إليه مطلقا أي لا باعتبار صفة داخلة في المضاف وإن كان الاختصاص يستلزم أن يكون باعتبار بعض صفاته كما في قولك دار زيد فإنه يفيد اختصاص الدار بزيد باعتبار الملكية أو السكنى لكن هاتان الصفتان خارجتان عن مفهوم الدار ثم هل تستند هذه الدلالة إلى الوضع أو إلى ظهور الإضافة عند الاطلاق وجهان أظهرهما الثاني والذي يظهر من كلماتهم هو الأول إذا عرفت هذا فاعلم أن الأصول هنا إما من الأصل بمعنى المبني عليه الشئ كما مر في معناه اللغوي أو بمعنى الدليل كما مر في معناه الاصطلاحي وعلى التقديرين فهي من أسماء المعاني فيفيد إضافتها إلى الفقه اختصاصها به من حيث كونها دليلا أو مبنيا عليها وحينئذ فمعنى أصول الفقه الأدلة المخصوصة بالفقه أو الأمور التي يبتني عليها الفقه فقط وبهذا الاعتبار يخرج مثل النحو و الصرف والمنطق مما يبتني عليه الفقه ويعد من أدلته لعدم اختصاصها به في ذلك كذا قالوا وفيه نظر لان كثيرا من مسائل هذا العلم مما يستدل بها في علمي أصول الدين والأخلاق بل قد يستدل فيه به فكيف يتم دعوى الاختصاص اللهم إلا أن يقال لما كان لعلم الفقه مزيد حاجة إلى هذا العلم بل هو الغرض الداعي إلى تدوينه نزل ذلك منزلة الاختصاص تسامحا وعبر عنه بالإضافة الظاهرة في الاختصاص توسعا وربما يخرج ما عدا هذا العلم عن الحد معللا بأن المراد ما يستند إليه الفقه استنادا قريبا لأنه المتبادر فيختص بمسائل الفن وفيه تحكم ظاهر ولك أن تفسر الأصول بمعنى القواعد وإن لم أقف على من يذكره فإن مسائل هذا الفن قواعد للفقه ثم الكلام في الإضافة والاختصاص ما مر وعندي أن حملها عليها أوفق بالمقام لسلامته عن أكثر الاشكالات الآتية وكأنهم تركوه نظرا إلى ظهور الإضافة حينئذ في البيانية فيدل على خلاف المقصود ثم على المقام إشكالات ينبغي التنبيه عليها الأول أن الأصول إن فسرت بالأدلة لم تتناول جميع مسائل الفن كمباحث الاجتهاد وإن فسرت بالمبني عليها دخل فيها علم الرجال لابتناء الفقه عليه أيضا الثاني أن أصول الفقه بالمعنى الإضافي يتناول موضوع هذا الفن أعني الأدلة الأربعة بكل من التفسيرين لابتناء الفقه عليها وكونها أدلة له وقد تقرر في محله أن موضوع كل علم خارج عنه لا يقال قيد الاجمال ملحوظ في الأصول فيخرج عنها تلك الأدلة لكونها تفصيلية لأنا نقول هذا حمل لا شاهد عليه من اللفظ فلا يلتفت إليه و ما استند إليه بعضهم من أن التفصيل مأخوذ في حد المضاف إليه و ليس مستند التفصيل إلا الأدلة الاجمالية فمدفوع بأن تفاصيل الفقه كما تستند إلى الأدلة الاجمالية كذلك تستند إلى الأدلة التفصيلية بلا فرق ومجرد أخذ الثاني في حده مما لا يصلح قرينة على إرادة الأول مما أضيف إليه مع أن من الأدلة الأربعة ما هي أدلة إجمالية فيلزم دخولها فيه على التأويل المذكور الثالث أن معناه الإضافي لا ينطبق على معناه العلمي لان الأول على ما مر نفس المسائل والثاني على ما سيأتي هو العلم بها والعلم بالشئ يغاير الشئ ولو بحسب الاعتبار و قد أجيب عنه بتقدير مضاف في الأول أي علم أصول الفقه وفيه تعسف إذ المقصود مطابقة معنى هذا الاسم باعتبار الإضافة لمعناه باعتبار العلمية واعتبار التقدير مخل بذلك فالوجه أن يجاب بأن هذا الاسم كأسامي سائر العلوم موضوع تارة بإزاء نفس المسائل و أخرى بإزاء العلم بها على ما يرشد إليه تتبع موارد استعماله فمعناه الإضافي منطبق على معناه العلمي بالاعتبار الأول ولا حاجة إلى التقدير المذكور هذا ملخص القول في معناه الإضافي وأما معناه العلمي وهو المراد به هنا فالظاهر أنه لاحق للمضاف مقيدا بما أضيف إليه كما نقول به في بعض الألفاظ المضافة كمأ العنب وماء الرمان مع احتمال أن يكون لاحقا للمجموع المركب كما هو الظاهر منهم وإليه ينظر وصفنا له بالافرادي في مبدأ التعريف وكيف كان فقد ذكروا له تعريفات عديدة أظهرها أنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية فالعلم جنس أو بمنزلته على ما مر والمراد به إما الملكة أو الادراك أو التصديق اليقيني بحمل القواعد على

Página 9

الظاهرية أو الأعم منه ومن الظني أعني مطلق الاعتقاد بحملها على الواقعية والكل محتمل ويعرف وجهها بالمقايسة إلى ما مر والمراد بالقواعد القضايا الكلية فيخرج بالتقييد بها العلم بغيرها من القضايا الشخصية وغير القضايا من التصورات مطلقا وفسرها بعضهم بالأمور الكلية فتشمل القضايا وغيرها وهو بعيد لعدم مساعدة الاستعمال عليه وإذا فسر العلم بغير الملكة ينبغي أن يحمل اللام فيها على الاستغراق العرفي لئلا يرد النقض بما لو جهل الأصولي بعض المسائل النادرة منها ويخرج بهذا القيد العلم بالجزئيات وبقولنا الممهدة إلى الفرعية العلم بالقواعد الممهدة لغير الاستنباط كالكلام أو لاستنباط غير الاحكام كمباحث التصورات من علم المنطق فإنها ممهدة لاستنباط التصورات النظرية من التصورات الضرورية ولو فسر القواعد بالأمور الكلية خرج معها الحدود أيضا أو للأحكام الغير الشرعية كبعض العلوم الرياضية الممهدة لاستنباط الاحكام النجومية أو الشرعية الغير الفرعية كبعض قواعد الكلام المقررة لاستنباط بعض مباحث الأصول كقبح إظهار المعجزة على يد الكاذب وقبح الكذب فإنهما ممهدان للعلم بصدق الرسول وامتناع الخلف في مواعيده تعالى وقولنا عن أدلتها التفصيلية متعلق بالاستنباط و زعم بعضهم أنه لا حاجة إليه بعد انحصار طرق الاستنباط فيها وفيه أن الأحكام الشرعية قد تستنبط من الأدلة الاجمالية كما في حق المقلد فلو ترك القيد لدخل فيه مبحث التقليد وقد صرحوا بخروجه منه و أنه إنما يذكر استطرادا ويؤيده خروجه عن معناه الإضافي اللهم إلا أن يمنع صدق الاستنباط عليه ثم على طرد الحد إشكالات الأول أنه يتناول النحو والصرف وغيرها مما يستنبط منه الاحكام وجوابه أن اللام للاختصاص فيخرج تلك العلوم لأنها ليست ممهدة لخصوص ذلك نعم يتجه الاشكال على حد من قال إنه العلم بالقواعد التي يستنبط منها الأحكام الشرعية الفرعية والاعتذار عنه بأن الوصف يفيد الاختصاص مما لا يصغى إليه ثم الكلام في الاختصاص ما مر الثاني أن جميع القواعد الفقهية داخلة في الحد إذ يستنبط منها أحكام فروع كثيرة لا يقال مفاد الحد أن مجموع تلك الأحكام مستنبطة عن مجموع تلك القواعد فلا تدخل القواعد الفقهية في تلك القواعد الممهدة وإلا لكان المستنبط بعض تلك الأحكام لأنا نقول غاية ما في الباب أن يكون تلك القواعد داخلة في الجمعين ولا بأس به مع اختلاف الاعتبارين وهذا الاشكال ظاهر الورود على التعريف الثاني ويحتاج في توجيهه على التعريف الأول إلى نوع تعسف والجواب أن تلك القواعد ليست ممهدة في الفقه للاستنباط بل الغرض من بيانها فيه معرفتها لا نفسها واستنباط الفروع منها مما لا ينافيه الثالث أن الحد صادق على علمه تعالى وعلم الملائكة والأنبياء والأئمة عليهم السلام بتلك القواعد مع أن شيئا منها لا يسمى في العرف أصولا بدليل عدم صدق وصف الأصولي هناك ويمكن دفعه بالتزام حمل العلم على الملكة الناشئة عن الممارسة مع أنه على تقدير حمله على الادراك فالظاهر منه العلم الحصولي فلا يتوجه النقض بالأول ولو أريد بالاستنباط استنباط العالم بها اندفع النقض بجميع موارده القول في موضوعه موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية والمراد بالعرض الذاتي ما يعرض الشئ لذاته لا بواسطة في العروض سواء احتاج إلى واسطة في الثبوت ولو إلى مباين أعم أو لا أما الأول فكالأحوال الاعرابية الطارية على الكلمة والكلام بواسطة الوضع وهو أمر مباين للفظ وإن كان له نوع تعلق به أعم وبحسب الوجود لتحققه في النقوش وغيرها أيضا و كالأحكام الشرعية الطارية على أفعال المكلفين باعتبار وعلى الأدلة باعتبار بواسطة جعل الشارع وخطابه وهو أمر مباين للأفعال والأدلة و إن كان له نوع تعلق بهما وأعم من كل منهما لتحققه في الأخرى وأما الثاني فكالحاجة اللاحقة للممكن المبحوث عنه في فن المعقول فإنها يتصف بها من حيث الذات على ما هو التحقيق و كالأحوال الطارية على الاشكال كمعادلة زوايا الثلاث لقائمتين المبحوث عنها في علم الهندسة فإن لحوق تلك الأحوال لموضوعاتها مستندة إلى ذواتها وكذلك الأحوال اللاحقة للعدد المبحوث عنها في علم الحساب وأما ما يعرض للشئ بواسطة في العروض مطلقا ويعبر عنه بالعرض الغريب كالسرعة والشدة اللاحقتين للجسم بواسطة الحركة والبياض فلا يبحث عنه في علم يكون موضوعه ذلك الشئ بل في علم يكون موضوعه ذلك العرض لان تلك الصفات في الحقيقة إنما لاحقة له وإن لحقت غيره بواسطته نعم قد يكون موضوع العلم عبارة عن عدة أمور نزلت منزلة أمر واحد لما بينها من الارتباط و المناسبة من حيث الغاية كموضوع هذا العلم في وجه فيبحث عن كل بحسب ما يعرض له بدون واسطة في العروض وإن عرض للاخر بالواسطة أو لم يعرض له أصلا إذ ليس البحث عنه فيه بهذا الاعتبار هذا ما يساعد عليه النظر الصحيح و المشهور أن المراد بالعرض الذاتي الذي يبحث عنه في العلم هو ما يعرض للشئ لذاته أو لأمر يساويه وأن ما يعرض للشئ بواسطة أمر مباين كالحرارة العارضة للماء بواسطة النار أو أعم كالحركة بالإرادة العارضة للانسان باعتبار جزئه الأعم وهو الحيوان أو أخص كالتعجب اللاحق للحيوان بواسطة كونه ناطقا فهو من الاعراض الغريبة التي لا يبحث عنها في العلم أقول إن أرادوا بقولهم العرض الذاتي ما يعرض للشئ لذاته أو لأمر يساويه أن يكون العارض عارضا لنفس الذات أو لأمر يساويها أي بلا واسطة غير الذات وغير المساوي فهذا مع عدم مساعدة كلامهم عليه كما يظهر من عدهم لما لا يبحث عنه في العلم وأمثلتهم لها مردود بما عرفت من أن مباحث العلم لا تكون إلا من القسم الأول أعني العوارض اللاحقة

Página 10