Fiqh of Denial by Hand

فقه الإنكار باليد

Editorial

الكتاب منشور على موقع وزارة الأوقاف السعودية بدون بيانات

فِقْهُ الإنْكَارِ باليَدِّ
دِرَاسَةٌ ونَقْدٌ
ذياد بن سعد آل حمدان الغامدي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله رَبِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على عَبدِه ورَسولِه الأمين. أمَّا بعدُ (١):

(١) هذا الموضوع عبارةٌ عن فصلٍ مُستلٍ من كتابنا الكبير «أحكام المجاهرين بالكبائر»، علمًا أننا اختصرناه طلبًا للفائدة.

1 / 1

فاعلم - رحمني الله وإيِّاك - أنَّ شعيرةَ " الأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المُنْكرِ" من شَعَائرِ الإسلامِ العِظَامِ، ومن أوجبِ واجباتِ الدِّين؛ كما أنَّه عُنْوانُ الإسلامِ والإيمانِ، ودليلُ السَّعادةِ والأمانِ، والفوْزُ بِعزِّ الدُّنيا ودُولِ الجِنان، وما ذلك إلاَّ أنَّه من أشقِّ ما يحملُه المُكلَّفِ؛ لأنَّه مقامُ الرُّسُلِ، فمتى - لا قدَّر الله - تَهاوَنَ به المسلمون، أو تَخَاذلَ عنه العَالِمُون؛ فعندها يَعُمُّ العذابُ، ويَحِلُّ الهوانُ، ويَتَسلَّطُ الأعداءُ، وتتَغيَّرُ رسومُ الدِّين ... إلى غير ذلك من الفتنِ والضَّلالاتِ والمُغالطات التي يكفي بعضُها لهدِمِ معالِمِ الإسلامِ العِظام.

1 / 2

وما هذه الشُّبُهاتُ والأدواءُ التي أحاطتْ بنا إحَاطَةَ السِّوارِ بالمَعْصمِ، وهذه الشَّهَواتُ والأهواءُ التي أظلمتْ علينا كقِطَعِ اللَّيلِ المُظْلِم؛ إلاَّ أنَّ "الأمرَ بالمعروفِ والنَّهي عن المُنكرِ" ضَعُفَ جانِبُه، وكَثُرَ في النَّاسِ مُجَانِبُه، حتى وَصَلَ الحالُ عند بعضِ من يُظنُّ بهم أنَّهم حُماةُ الإسلامِ، وأربابُ الدَّعوةِ أن تَرَاجَعُوا القَهْقَري عن مَيَادينِ الدَّعوةِ؛ ممَّا جعلَ العُصاةَ يَمْرحُون في ميادينِ شَهَواتِهم، ويَفْتَخِرُون بعصيانِهم دون حسيبٍ أو رقيبٍ ... حتى أصبحَ "الإنكارُ" نسيًا منسيًا؛ إلاَّ بقِيَّةُ أثارةٍ من عِلمٍ، يَلُوكُونَ بها الألْسُنَ، ويُعطِّرُون بها المَجالِسَ، ولرُبَّما يَتَنَاظَرُون ويُصَنِّفون من أجْلِ تَشْقيقَاتٍ فَرْعيَّةٍ حَوْلَها، في حِينَ أنَّ أرضَ الواقِعِ خُلْوٌ منهم؛ نعم بَدَأ الإسْلامُ غَرِيبًا وسَيَعُودُ غريبًا!.

1 / 3

حتى إنَّ أحدًا لو أرادَ في هذه الأزمنةِ أن يَعتمدَ على يديه لِينهضَ على قَدَميه: لِيُنْكِرَ ما وجب عليه، قال عنه النَّاسُ: ما أكثرَ فضوله، وما أسفه رأيه، وما أضعف عقله!. ومَنْ سَكَتَ عنهم، وأخْلَدَ إليهم، قالوا عنه: ما أكمل عقله، وما أقوى رأيه ... !.
أخي: إنَّ الله تعالى قد أخَذَ عليكم مِيثاق هذا الدِّين بأن تُبَيِّنُوه للنَّاس بما أوجب عليكم من الأمرِ والنَّهي، والدَّعوةِ والإرْشادِ، والعِلْمِ والتَّعليمِ، والتَّحذيرِ والإنْذَارِ، وإبعادِ النَّاسِ عن المَرَاتِعِ الوخيمةِ، والأعمالِ السَّيئةِ الذَّميمةِ؛ فإنَّكم مَسْؤولون أمامَ الله تعالى عن ذلك، فأعِدُّوا للسُّؤَالِ جَوَابًا، وللجَوَابِ صَوَابًا؛ قبل ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر٥٦] .

1 / 4

وإذا كانَتْ قِيمةُ العَمَلِ تُقَدَّرُ بأهدافِه في السُّمُوِّ أو خِلافِه؛ فإنَّ أهدافَ "الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر" هي مِنْ أنْبَلِ، وأسْمَى الأهدافِ!، ويكفي شَرَفًا لها وللقيامِ بِها بأنَّها المُهِمَّةُ التي أُرْسِلَ بها الرُّسُلُ من عند ربِّهم لِنَشْرِ الفضيلةِ، ومُحَاربةِ الرَّذيلةِ، وإلزامِ الناس طَرِيقَ الرَّحمن، وإبعادِهم عن طَريقِ الشَّيطانِ، فهل هناك أهدافٌ أعلى وأسْمى من هذه الأهدافِ؟ لا والله!.
وعن هذا الشُّمُولِ لأهدافِ الحسْبةِ؛ يقول أبو حامدٍ الغَزَّالي ﵀: " الحسبةُ وظيفةٌ دينيةٌ اجتماعيةٌ؛ قبل أنْ تكون وظيفةً حَكُوميةً؛ فقد شَمِلت جَوانِبَ الحياةِ كُلِّها؛ فقد دَخَلت في دواوينِ السَّلاطين، ومجالسِ القُضَاةِ، ومَدارسِ الفُقَهاءِ، وخَانَاتِ الأسواقِ، والشَّوارعِ، والحَمَّاماتِ والمَسَاجدِ، والبُيُوتِ، والمَارَسْتانات (المستشفى)، والكَتَاتيب". (١)

(١) انظر «إحياء علوم الدين» للغزالي (١ / ٣٤٢) .

1 / 5

وبعد هذا؛ فلا تَحْسِبنَّ أخي المسلم أنَّ "الأمرَ بالمعروف والنَّهيَ عن المُنكر" له أعوانٌ وأنصارٌ؟ كلاَّ؛ بل ما زال هذه الأمرُ في تراجعٍ وتخاذلٍ من بعض المسلمين، فمرَّةً تراهم يعتذرون بالحكمةِ، ومرَّةً بالسَّلامةِ، ومرَّةً بالمصلحة ... وهلمَّ جرّا.

1 / 6

ودونك أخي المسلم هذا الكلامَ الرَّبَّاني الذي كان لِزامًا على كلِّ طالبِ علمٍ أن يَقِفَ معه بتدبُّرٍ وتأمُّلٍ، وهو من كنوزِ الحِكَمِ للإمامِ الهُمامِ ابنِ القيم ﵀ إذ يصفُ لنا حالَ أكثرِ المسلمين بقولِه: " وقد غرَّ إبليسُ أكْثَرَ الخلْقِ بأنْ حَسَّنَ لهم القِيامَ بِنَوْعٍ من الذِّكرِ، والقراءةِ، والصَّلاةِ، والصِّيامِ، والزُّهدِ في الدُّنيا والانقطاعِ، وعَطَّلُوا هذه العُبُودِيَّاتِ، فلم يُحَدِّثُوا قلوبَهم بالقيامِ بها، وهؤلاء عند ورثةِ الأنبياءِ من أقَلِّ الناسِ دِينًا؛ فإنَّ الدِّينَ هو القيامُ لله بما أمرَ به؛ فتاركُ حُقُوقِ الله التي تَجِبُ عليه أسْوأ حَالًا عند اللهِ ورسولِه مِنْ مُرْتكبِ المَعاصي؛ فإنَّ تَرْكَ الأمرِ أعظمُ من ارتِكَابِ النَّهي من أكثرِ مِنْ ثلاثين وجْهًا ذكرها شيخُنا ﵀ (أي: ابن تيمية) في بعض تصانيفه. ومَنْ له خِبْرةٌ بما بَعَثَ الله به رسولَه ﷺ، وبما كان عليه هو وأصحابُه؛ رأى أنَّ أكْثَرَ مَنْ يُشَارُ إليهم بالدِّينِ هم أقَلُّ الناس دينًا، والله المستعان.

1 / 7

وأيُّ دِينٍ، وأيُّ خَيْرٍ فِيمن يرى: مَحَارمَ الله تُنْتَهك، وحُدُودَه تُضَاعُ، ودِينَه يُتْرك، وسُنَّةَ رسولِه ﷺ يُرْغبُ عنها؛ وهو بارِدُ القَلْبِ، سَاكِتُ اللِّسانِ، شَيْطانٌ أخْرسٌ؛ كما أنَّ المُتَكلِّمَ بالباطلِ شيطانٌ ناطقٌ؟ ا.
وهل بَلِيَّةُ الدِّينِ إلاَّ مِنْ هؤلاءِ الذين إذا سَلِمتْ لهم مآكلُهم ورياساتُهم؛ فلا مُبَالاةٍ بما جرى على الدِّينِ؟ ا.
وخِيارُهم المُتَحَزِّنُ المُتَلَمِّظُ، ولو نُوزِعَ في بعضِ ما فيه غَضَاضةٌ عليه في جاهِهِ أو مالِه؛ بَذَلَ وتَبَذَّل، وجَدَّ واجْتَهد، واستعملَ مَرَاتبَ الإنكارِ الثلاثةِ حسب وُسْعِه.
وهؤلاء - مع سُقُوطِهم من عينِ الله ومقتِ الله لهم - قد بُلُوا في الدُّنيا بأعْظَمِ بَلِيَّةٍ تكون وهم لا يَشْعرون، وهو مَوْتُ القُلُوبِ؛ فإنَّ القلبَ كلَّما كانت حياتُه أتَمَّ؛ كان غَضَبُه لله ورسولِه أقوى، وانْتِصَارُه للدِّينِ أكمل" (١) .

(١) - انظر «إعلام الموقعين» لابن القيم (٢ / ١٧٦-١٧٧) .

1 / 8

والذين يُؤْثِرُون السَّلامَةَ في أديانِهم - فيما زعموا - وفي أبدانِهم، ويَتْرُكُون الأمرَ والنَّهيَ الواجبَ عليهم - مع القُدْرةِ عليه - لهذا السبب: هم كالمُسْتجيرِ مِنَ الرَّمْضاءِ بالنَّارِ؛ (١) إذْ صُورَةُ حَالِهم أنَّهم يَهْرُبُون من ضَرَرٍ مُتَوقَّعٍ إلى ضَررٍ واقعٍ؛ كما قال الله تعالى عن المنافقين: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة٤٩] .
وفي هذا يقول شيخ الإسلامِ ابنُ تيمية: " ولَمَّا كان في الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المُنكرِ، والجهادِ في سبيلِ الله مِنَ الابتلاءِ والمِحَنِ ما يَتَعرَّضُ به المَرْءُ للفِتْنةِ؛ صَارَ في النَّاسِ مَنْ يَتَعلَّلُ لتركِ ما وجب عليه من ذلك بأنْ يَطْلُبَ السَّلامةَ من الفتنةِ؛ كما قال تعالى عن المنافقين: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة٤٩] .

(١) - انظر «مجمع الأمثال» للميداني (٢ / ١٤٩) .

1 / 9

ثمَّ قال: إنَّ نَفْسَ إعْرَاضِه عن الجهادِ الواجبِ، ونُكُولَه عنه، وضَعْفَ إيمانِه، ومَرَضَ قلبِه الذي زَيَّنَ له تَرْكَ الجهاد: فِتْنةٌ عظيمةٌ قد سَقَطَ فيها، فكيف يَطْلُبُ التَّخَلُّصَ مِنْ فِتْنةٍ صَغيرةٍ لم تُصِبْه بِوُقُوعِه في فتنةٍ عظيمةٍ قد أصَابَتْهُ؟!.
ثمَّ قال: فَمَنْ تَرَكَ القِتَالَ الذي أمَرَ الله به؛ لئلا تكون فتنةٌ؛ فهو في الفتنةِ سَاقطٌ؛ لِمَا وقع فيه مِنْ رَيْبِ قَلْبِه، ومَرَضِ فؤادِه، وتَرْكِ ما أمَرَهُ الله به من الجهاد". (١) ويقولُ أيضًا: " وإذا كان كذلك فمعلومٌ أنَّ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المُنكرِ، وإتْمَامَه، والجهادَ هو من أعظمِ المعروفِ الذي أُمِرْنا به ... وإذا كان هو أعظمُ الواجباتِ والمُستحبَّاتِ، فالواجباتُ والمستحبَّاتُ لا بُدَّ أنْ تكون المصلحةُ فيها راجحةً على المفسدةِ؛ إذ بهذا بُعِثَتِ الرُّسُلُ، وأُنْزِلتِ الكُتُبُ والله لا يُحِبُّ الفسادَ". (٢)

(١) - انظر «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لابن تيمية ص (٧٦ - ٧٧) .
(٢) - انظر «الحسبة» لابن تيمية ص (٣) .

1 / 10