يديه دون جانبه، وهي جِلْسة المتعلِّم، لكنه بالغ في القُرْب حتى وضع كفَّيه على ما يأتي جريًا على ما بينهما قبلُ من مزيد الودِّ والأُنس حين يلقي عليه الوحي؛ تنبيهًا على أنه ينبغي للسائل قوة النفس، وعدم فعل ما يَمنع عنه كمالَ التلقي من نحو الالتهاء عمَّا هو بصدده (١)، وللمسؤول ألَّا يعاتبه حينئذ وإن لم يسلك الأدب ظاهرًا.
(ووضع كفيه على فخذيه) أي: فخذي النبي ﷺ كما صرحتْ به روايةُ النسائي، وفيها: أنه ﷺ كان يجلس مع أصحابه، فلا يعرفه الغريب، فبُنيتْ له مصطبة من طين (٢)، فجاءه جبريل وهو عليها فقال: السلام عليكم يا محمد، فردَّ ﵇، فقال: أدنو يا محمد؟ قال: "ادنه" فما زال يقول: (أدنو) مرارًا، ويقول له: "ادن" حتى وضع يديه على ركبتي النبي ﷺ (٣)، ففيه سنة الابتداء بالسلام، وتعميم الحاضرين به، ثم تخصيص رأس القوم.
قلت: يحتمل أنه أراد بـ (عليكم) النبي ﷺ وحده؛ بدليل: يا محمد، ففيه ندب السلام على الواحد بصيغة الجمع (٤)، وبه صرح أصحابنا نظرًا لمن معه من الملائكة، واستئذان الكبير في القرب منه وإن جلس للناس (٥)، وتكريره تعظيمًا له واحترامًا، وجوازُ تخصيص المعلم بمحلٍّ من المسجد مرتفع؛ لضرورة التعليم أو غيره.
قلت: وجواز بناء مصطبةٍ في المسجد بهذا القصد، وهو متجهٌ إن لم يحصل بها تضييقٌ.
(١) في أكثر النسخ: (وفعل ما يمنع عنه. . . إلخ) وقال العلامة المدابغي ﵀: (هو على تقدير "لا" النافية؛ أي: وفعل ما لا يمنع عنه كمال التلقي. . . إلخ، على حد قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ فإنه على تقدير: لا يطيقونه، كذا قرَّره بعضهم، ولا يناسب البيان بقوله: "من نحو الالتهاء" فالمتعين حمله على أنه أراد بالفعل الترك من تسمية الشيء باسم ضده؛ أي: وترك ما يمنع عنه كمال التلقي. . . إلخ) والمثبت من باقي النسخ.
(٢) قوله: (مصطبة) أي: موضع مرتفع في المسجد النبوي. اهـ هامش (غ)
(٣) أخرجه النسائي (٨/ ١٠١) عن سيدنا أبي هريرة وسيدنا أبي ذر ﵄، واللفظ فيه: "فبنينا له دكانًا من طين"، وأيضًا ليس فيه لفظ: "عليكم" بالجمع، بل هو بالإفراد.
(٤) انظر الحاشية السابقة، وقد قال الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى في "الفتح" (١/ ١١٧): (والذي وقفت عليه من الروايات إنما فيه الإفراد).
(٥) قوله: (واستئذان الكبير) أي: ونُدِب استئذان الكبير، وفي بعض النسخ: (واستئذانه) أي: الواحد.
1 / 143
[خطبة الكتاب]
الحديث الخامس [إنكار البدع المذمومة]
الحديث السادس [الابتعاد عن الشبهات]
الحديث السابع [النصيحة عماد الدين]
الحديث التاسع [النهي عن كثرة السؤال والتنطع]
الحديث الحادي عشر [من الورع توقي الشبه]
الحديث الثالث عشر [من علامات كمال الإيمان حبك الخير للمسلمين]
الحديث الرابع عشر [حرمة المسلم ومتى تهدر]
الحديث السابع عشر [الأمر بالإحسان والرفق بالحيوان]
الحديث التاسع عشر [نصيحة نبوية لترسيخ العقيدة الإسلامية]
الحديث الموفي عشرين [الحياء من الإيمان]
الحديث الحادي والعشرون [الاستقامة لب الإسلام]
الحديث الثاني والعشرون [دخول الجنة بفعل المأمورات وترك المنهيات]
الحديث الثالث والعشرون [من جوامع الخير]
الحديث الخامس والعشرون [التنافس في الخير، وفضل الذكر]
الحديث السادس والعشرون [كثرة طرق الخير وتعدد أنواع الصدقات]
الحديث التاسع والعشرون [طريق النجاة]
الحديث الثلاثون [الالتزام بحدود الشرع]
الحديث الحادي والثلاثون [الزهد في الدنيا وثمرته]
الحديث الرابع والثلاثون [تغيير المنكر ومراتبه]
الحديث الخامس والثلاثون [أخوة الإسلام وحقوق المسلم]
الحديث السادس والثلاثون [قضاء حوائج المسلمين، وفضل طلب العلم]