بسم الله الرحمن الرحيم
[مقدمة]
الحمد لله الذي تفرد بالوحدانية فلا له ثان، وفرق بين الحق والباطل وعلم كل قاص ودان، وألهم العلماء لجواب السؤال بلا توان، ومنحهم أسباب النوال، وبلغهم الأماني، فسبحانه وتعالى على أن وفقني للخير وهداني.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو الباقي وكل شيء فان، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله النبي العربي القرشي العدناني، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين شيدوا من الدين المباني، وأظهروا الشريعة الغراء ووضحوا لها المعاني، وعلى من تبعهم وسلك سبلهم وطريقتهم من كل عزيز وقوي وعان، صلاة وسلاما دائمين متلازمين ملازمة الغريم للجاني، وعدد ما قرئ: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني﴾
(وبعد) فإن العلماء ورثة الأنبياء ومعالم للهدى، ومصابيح للدجى، ونجوم للاهتدا، وصقال للصدا، وسلاح للأعدا، وحجة لمن اعتدى، زادهم الله تعالى شرفا وتعظيما، ومنحهم عزا وإجلالا ومهابة وتكريما، خصهم الله تعالى بالشرف والعلا بين الأنام
1 / 2
وجعلهم قبلة ومنهاجا لدار السلام، تتشرف الأرض بمواطئ أقدامهم، وتنزل الرحمة عند دروسهم وتقريرهم، ولولاهم لكانت الناس بالدين جهالا، وأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا إضلالا، ولقد غاصوا في مسالك الفقه وساروا، وداروا على مسائله وجدا وهاموا، وبينوا المسائل الفقهية أحسن تبيين، وأظهروا ما خبئ وخفي عن الغبيين، وردوا خصم الخصوم المخالفين، وأقاموا صحة الحجج والبراهين، فأحاطوا بأحكام حرامه وحلاله، ورشفوا من غوامض مائه وزلاله، ووضحوا العبارة بلباب العقول والنقول، واعتمدوا على كل قول صحيح صواب مقبول، على منهج الطريق الواضح المستقيم، غير متعرضين لكلام ضعيف ولا مين ولا ذميم، وأن ما يشتغل به العاقل اللبيب، الكامل الأديب، التفقه في دينه، والاجتهاد في فهمه وتبيينه؛ لأجل إنقاذه من الجهل المهين له في زمانه وحينه، وليعرف الحلال من الحرام والحرام من الحلال، وليحوز الخير الجزيل المتين؛ لقوله ﷺ: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.
ولما كانت الفتوى من أهم ما بها يعتنى، وأجل ثمر يقتطف ويجتنى؛ لكونها من فروض الكفايات، ولعدم الاستغناء عنها في وقت من الأوقات، ولم تزل العلماء الأعلام المفتيون، يقيدون ما يقع لهم من الأسئلة والأجوبة ويجمعون، ومن كتب ما وقع له في لياليه وأيامه، فقد كتب كتابا إلى من يأتي بعده بحوادث دهره وأعوامه، ومن قيد ما رأى وشاهد في أوقاته ودهره، فقد أشهد أحوال عصره لمن لم يكن في عصره، ولقد أفادنا الماضون قبلنا بالأخبار، وأطلعونا على ما دثر وبقي من الآثار، فأبصرنا ما لم نشاهده بالأبصار، وأحطنا بما لم نحط به خبرا من الأخبار، فرحمنا الله تعالى ورحمهم أجمعين، وبوأنا وإياهم جنات عدن فيها خالدين، لقد غرسوا حتى أكلنا وإنا لنغرس حتى يأكل من بعدنا، ويستفيدون ما رأينا وشاهدنا، ويعلمون ما شهدنا وعهدنا، والناس لهم في الفنون مراتب ومقامات، ولهذا رفع بعضهم فوق بعض درجات، وما ذاك إلا فضل من المولى الكريم المتعال، يؤتيه لمن يشاء من عباده ويكسوه ثوب الإجلال، ولقد اهتم العلماء في جميع الوقائع غاية الاهتمام، واجتهدوا في حفظها لينتفع بها من بعدهم من الأنام، حتى صارت كتبا عديدة يرجع إليها، ودواوين فريدة يعتمد عليها، وبراهين غزيرة يتمسك بها، لما فيها من الأحوال النادرة والفروع الشاردة لا تكاد توجد مسطرة إلا على الندور، ولا يلتقي مثلها في الكتب المبسوطة غالبا إلا في العتور.
وقلوب أهل هذا الزمن مائلة إليها، ومعولين في الجواب عليها، قال العبد الفقير
1 / 3
إلى مولاه الغني القدير، السيد أحمد بن أمين الدين البسطامي، المتشرف بإفتاء السادة الشافعية بنابلس المحمية لما انتقل بالوفاة إلى رحمة الله تعالى العالم العلامة، الحبر البحر الفهامة، شافعي زمانه، فريد عصره وأوانه، كهف الإسلام والمسلمين، عمدة الفقهاء والمحدثين، شيخ الإفتاء والتدريس، ومحل الفروع والتأسيس، من هو تابع لمذهب الإمام الأعظم الشافعي ابن إدريس، شيخي وأستاذي عمدتي واستنادي، وقدوتي إلى الله تعالى المرحوم المغفور له إن شاء الله تعالى الشيخ محمد الخليلي، نزيل القدس الشريف، أمطر الله تعالى عليه صبيب الرحمة والرضوان، وأسكنه وإيانا أعلى فراديس الجنان، وكان ﵀ قيد في مسودة شريفة بعض ما وقع له من الأسئلة وما أجاب عليها، فأرسلت طلبتها من ولده مفخر السادات وعين السيادات، الحائز قصب السبق إلى رتب الكمالات، من هو كاسمه فالح وناجح، مولانا السيد محمد الصالح، وفقه الله تعالى للعمل الصالح، وبلغه ما أمل من جميع المصالح، فأجابني لما طلبت، وبلغني ما أملت، وأرسها لي وما ونى، وحملني له بذلك أجل الثناء، فرأيتها فوائد ثمينة، وفرائد يتيمة، وجواهر مضيئة، وبدورا مستضيئة، حقيق أنها بماء العيون ترسم، وبمداد العسجد ترقم، وتكتب في صحائف الورق فضلا عن الورق، بأحسن خط من كتب وورق، فجزاه الله تعالى جزاء وافيا موفورا، وجعل عمله متقبلا وسعيه سعيا مشكورا، فما كل من فعل أجاد في فعله، ولا كل من قال وفى بقوله، والخلائق في الفضائل يتفاوتون، وقد يظفر الأواخر بما ترك الأولون.
وقد جمعت مسائل مهمة كثيرة الوقوع، وفوائد جمة ظاهرة الطلوع، وواقعات شهيرة ومنقولات عزيرة، وأبحاثا مطنبة وجيزة، ينتفع بها الصغير والكبير، ويرتاح بالأخذ منها المأمور والأمير، وتكون عونا لمن بمنصب الإفتاء بلي، وسلك في فتواه منهاج الاستقامة وكفي، وبمطالعتها الغباوة والغشاوة تنجلي؛ ولكونها من وقائع أهل هذا الزمن والأوان، لا يمل قارئها مع توالي الملوان، خالية عن الكلام المعمى، سالمة من الألحان والمغمى، فاستخرت الله تعالى كثيرا، واتخذته هاديا ونصيرا، بيضتها وجمعتها، وعلى أبواب متن الفقه رتبتها، وحذفت منها بعض أسئلة مكررة، وأجوبة مطولة، وبدأتها أول بما يتعلق بالتفسير ثم بالحديث ثم بالنحو ثم بالتوحيد ثم بأبواب الفقه على الترتيب، ثم ختمتها ببابين؛ الأول بما يتعلق بالتصوف، والثاني مسائل منثورة وسميتها بالفتاوى المحمدية الخليلية، في واقعات السادة الشافعية، نويت
1 / 4
بذلك الأجر والثواب من الكريم الملك الوهاب؛ ولتكون سببا لنجاتي من العقاب؛ وطمعا بعدي في دعوة عبد صالح مجاب بعد انتقالي من هذه الدار لدار الثواب.
ولنذكر نبذة من مناقب المصنف - رحمه الله تعالى-: كان رضي الله تعالى عنه كهفا في العلوم، بحرا في المنطوق والمفهوم، صاحب كرامات ظاهرة، ومقامات عالية وعبارات باهرة، وإشارات سامية، وحقائق زاهرة، وأنفاس نامية، وهمم متوايلة، وأحوال خارقة، وأسرار ناطقة، وأفعال صادقة، ونفحات قدسية، ومعارف روحانية، وفتوح ملكوتية، ورياضات ومجاهدات أبرز الله تعالى له المغيبات، وخرق له العادات، وكشف له المواد الخفيات، وقصد لحل المشكلات، ويسر له فعل الطاعات، ووفقه لأداء الفرائض في أول الأوقات، وكان مجلسه كمجالس الأنبياء عليه وقار وهيبة، وأوهبه الله تعالى العز والوقار والبهاء والكمال والفخر والافتخار.
وكان صدرا في المجالس، وإذا تكلم بشيء يرجع الكل إلى قوله وكلامه، وأوقع الله تعالى له القبول التام في الصدور، والمهابة والقبول في قلوب العالم، وألقى الله تعالى هيبته في قلوب الكفار، خصوصا بلاد النصارى؛ كانوا يحسبون حسابه، ويخافون سطوته وبأسه، وأجمع أهل الآفاق على جلالته وفضيلته، وقصدوه بالزيارة من سائر الأقطار، وكان جمع الله تعالى له علم الحقيقة والطريقة والشريعة، وانتهت إليه الطريقة في ترتيب المريدين الصادقين.
وكان وعظه يطرب السامعين وينعش الناظرين، ويحيي القلوب الميتين، وكان من طريقته إسقاط الجاه وترك التصنع، واستعمال الإخلاص، محبا لأهل الصلاح، مهتما بأمور المسلمين، معظما للفقراء والمساكين، حسن الخلق، شديد الهمة، كامل الأدب وافر العقل كثير التواضع، معمور الباطن، بحرا في الكلام بالسجع والنثر والشعر والانتظام.
وقد مدحه العلامة المرحوم السيد محمد ابن المرحوم السيد عبد الرحيم اللطفي رحمهما الله تعالى المفتي بالقدس الشريف حين أضافه في كرمه بمدينة السيد الخليل عليه صلوات الملك الجليل حيث قال:
إمام الفضل مولانا الخليلي ... فريد العصر والعلم الجليلي
حباه ربه لطفا وعلما ... لحل المشكلات مع الدليل
إذا وافيته تلقاه صدرا ... رحيبا بالمكارم للنزيل
أتيناه بكرم أرض حبرى ... فحيانا وأحيا بالجميل
وحملنا لطائف مذ حللنا ... وأمنحنا من الخير الجزيل
فاوفه يا إلهي غيث بر ... ونكس أنف مبغضه الرخيل
توفي رضي الله تعالى عنه في نصف شهر جمادى الثانية سنة سبعة وأربعين ومائة وألف من الهجرة النبوية على صاحبها ألفا ألف صلاة ألفا ألف تحية، ودفن رضي الله تعالى عنه في المدفن الذي بداخل خلوته المجاورة للسلطانية بداخل المسجد الأقصى، وصار له مشهد عظيم ما وقع لأحد في هذا الزمن، وعلى ضريحه من النور والبهاء والاحترام والوقار والجلال ما يليق بجنابه الكريم.
وقال بعض من رثاه:
رحل الخليلي للديار الباقية ... من هذه الدنيا الدنية الفانية
مولاه ناداه فلبى طائعا ... متشرفا جنات عدن عالية
قد كان في القدس الشريف ككوكب ... يضيء كالقمر المنير علانية
قد كان ذا علم وذا حلم وذا ... فضل كأمواج البحار الطامية
قد كان بحرا في العلوم مفضلا ... للدين حصنا كالسلاح الماضية
قد كان للإسلام عزا ناصحا ... أوقاته مثل النجوم الزاهية
قد كانت الكفار تخشى بأسه ... وتخاف سطوته اللئام الطاغية
يا قدس زيدي في النحيب وفي البكاء ... وجميع حولك أن يكونوا ناعية
طرف الأراضي انتقص لفراقه ... دليل هذا فالقيامة غاشية
قد غاب واأسفاه عنا في الردى ... قادم على محيي العظام البالية
إن قيل في الأجداث غاب فإنه ... في روضة حسناء تجلو سامية
يا رب بالمختار فاجمعنا به ... في جنة فيها قطوف دانية
ويقول رضوان لنا هذا بما ... أسلفتموه في الأيام الخالية
مولاي فارحمه ونعمه وأكرمـ ... ـه وأسكنه القصور العالية
جنات عدن زخرفت لقدومه ... جوزي من الرحمن خيرا وافية
لما أصبنا فيه ارخ همه ... قرب الرحيل من الديار الفانية
سنة ١١٤٧/ ٥٠
باب ما يتعلق بتفسير القرآن العظيم
مطلب في: بسم الله الرحمن الرحيم، أهي من الفاتحة إلخ؟
(سئل) عن بسم الله الرحمن الرحيم: هل هي من الفاتحة، وهل هي آية من أول كل سورة إلا براءة؟
(أجاب) اختلفوا في البسملة: فذهب قراء البصرة والمدينة وفقهاء الكوفة إلى أنها ليست من الفاتحة ولا من غيرها من السور؛ والافتتاح بها للتيمن والتبرك.
وذهب قراء مكة والكوفة وأكثر فقهاء الحجاز إلى أنها من الفاتحة وليست من سائر السور.
وقيل: آية من كل سورة إلا سورة التوبة، وهو قول الثوري وابن المبارك والشافعي؛ لأنها كتبت في المصحف بخط سائر القراء، واتفقوا على أن الفاتحة
1 / 5
سبع آيات، فالآية الأولى عند من يعدها من الفاتحة ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾.
روي في الخبر الصحيح عن سعيد بن جبير: ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم﴾: هي أم القرآن، قال أبي: وقرأها على سعيد بن جبير حتى ختمها، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم الآية السابعة، قال سعيد: قرأها عليَّ ابن عباس كما قرأتها عليك. ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم الآية السابعة. قال ابن عباس: فدخرها لكم فما أخرجها لأحد قبلكم. وروي عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ لا يعرف ختم السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم.
وعن ابن مسعود قال: كنا لا نعلم فصل ما بين السورتين حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم، وقال الشعبي: كان رسول الله ﷺ يكتب في بدء الأمر على رسم قريش: باسمك اللهم، حتى نزلت: ﴿وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها﴾، فكتب: بسم الله، حتى نزلت: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن﴾ فكتب: بسم الله الرحمن، حتى نزلت: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾، فكتب مثلها. ذكره البغوي في تفسيره.
وإنما لم تكتب في أول براءة؛ لأن براءة نزلت بالسيف والبسملة للرحمة، فلا تناسبها، والله تعالى أعلم.
مطلب في قوله تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب﴾ إلخ
(سئل) في قوله تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات﴾ ما معنى ذلك؟ (أجاب) المعنى ﴿أورثنا﴾: أعطينا؛ لأن الميراث إعطاء، وقيل: ﴿أورثنا﴾: أخرنا، ومنه الميراث؛ لأنه تأخر عن الميت، ومعناه أخرنا القرآن من الأمم السالفة وأعطيناكموه وأهلناكم له، ﴿الذين اصطفينا من عبادنا﴾ قال ابن عباس: يريد أمة محمد ﷺ قسمهم ورتبهم.
واختلف المفسرون في معنى الظالم والمقتصد والسابق، قال عقبة بن صهبان: سألت عائشة ﵂ عن قوله تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ فقالت: يا بني، كلهم في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله ﷺ وشهد له رسول الله ﷺ بالجنة، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم فمثلي ومثلكم، فجعلت نفسها معنا.
وقال مجاهد والحسن وقتادة: ﴿فمنهم ظالم لنفسه﴾ وهم أصحاب المشئمة، ﴿ومنهم مقتصد﴾ هم أصحاب الميمنة ﴿ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله﴾ هم السابقون المقربون من الناس كلهم.
وعن ابن عباس قال: السابق: المؤمن الخالص، والمقتصد: المرائي، والظالم: الكافر نعمة الله غير الجاحد لها؛ لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة، فقال: ﴿جنات عدن يدخلونها﴾.
وقال الحسن: السابق: من رجحت حسناته على سيئاته، والمقتصد: من استوت حسناته وسيئاته، والظالم: من رجحت سيئاته على حسناته، وقيل: الظالم: من كان ظاهره خيرا من باطنه والمقتصد
1 / 7
الذي يستوي ظاهره وباطنه، والسابق: الذي باطنه خير من ظاهره.
وقيل: الظالم: من وحد الله تعالى بلسانه، ولم يوافق فعله قوله، والمقتصد: من وحد الله بلسانه وأطاعه بجوارحه، والسابق: من وحد الله تعالى بلسانه وأطاعه بجوارحه، وأخلص له عمله، وقيل: الظالم: التالي للقرآن، والمقتصد: القارئ له العامل به، والسابق: القارئ له العامل بما فيه. وقيل: الظالم: أصحاب الكبائر، والمقتصد: أصحاب الصغائر، والسابق: الذي لم يرتكب كبيرة ولا صغيرة. وقال سهل بن عبد الله: السابق: العالم، والمقتصد: المتعلم، والظالم: الجاهل. انتهى بغوي. والله تعالى أعلم.
مطلب في قوله تعالى: ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به﴾ إلخ
(سئل) عن معنى قوله تعالى: ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون﴾ فما الذي هو من المتقين؟ (أجاب) قال ابن عباس: ﴿والذي جاء بالصدق﴾ يعني رسول الله ﷺ، جاء بلا إله إلا الله ﴿وصدق به﴾ الرسول أيضا، بلغه إلى الخلق. وقال السدي: ﴿والذي جاء بالصدق﴾ جبريل بالقرآن ﴿وصدق به﴾ محمد ﷺ، تلقاه بالقبول. وقال أبو العالية والكلبي: ﴿والذي جاء بالصدق﴾ رسول الله ﷺ ﴿وصدق به﴾ أبو بكر. وقال قتادة ومقاتل: ﴿والذي جاء بالصدق﴾ رسول الله ﷺ ﴿وصدق به﴾ المؤمنون؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك هم المتقون﴾. وقال عطاء: ﴿والذي جاء بالصدق﴾ الأنبياء ﴿وصدق به﴾ الأتباع، والله تعالى أعلم.
مطلب في قوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ إلخ
(سئل) عن قوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ ما معنى ذلك؟
(أجاب) يقال: للإنسان نفس وروح، فعند النوم تخرج النفس وتبقى الروح. وعن علي قال: تخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعه في الجسد، فبذلك يرى الرؤيا، فإذا انتبه من النوم عاد الروح إلى جسده بأسرع من لحظة. ويقال: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام، فيتعارف ما شاء الله، فإذا أرادت الرجوع إلى أجسادها أمسك الله تعالى أرواح الأموات عنده وأرسل أرواح الأحياء حتى ترجع إلى أجسادها إلى انقضاء مدة حياتها، فللإنسان نفسان: نفس الروح وهي التي تقبض عند فناء أكلها وانقضاء أجلها، ونفس الحياة التي يتوفاها عند النوم وهي بها العقل والتمييز، ولأنه بعد النوم يتنفس، والله تعالى أعلم.
مطلب في قوله تعالى: ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾ إلخ
(سئل) عن قوله تعالى: ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾ ما معنى ﴿أولو العزم﴾؟ وكم هم؟ (أجاب) قال ابن عباس: أولو العزم: أي الحزم، وقال الضحاك ذوو الجد والصبر. واختلفوا فيهم، فقال ابن زيد: الرسل كانوا أولو عزم، لم يبعث الله نبيا إلا كان ذا عزم وحزم ورأي وكمال عقل. قال بعضهم: الأنبياء كلهم أولو العزم إلا يونس؛ لعجلة كانت معه، ألا ترى أنه قيل للنبي- ﷺ: ﴿ولا تكن كصاحب الحوت﴾.
1 / 8
وقال قوم: نجباء الرسل المذكورون في سورة الأنعام وهم ثمانية عشر؛ لقوله تعالى بعد ذكرهم: ﴿أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده﴾ وقال الكلبي: هم الذين أمروا بالجهاد وأظهروا المكاشفة مع أعداء الدين، وقيل: هم ستة: نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى، وهم المذكورون على النسق في سورة الأعراف والشعراء. وقال مقاتل: هم ستة: نوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صبر على الذبح، ويعقوب صبر على فقد ولده وذهاب بصره، ويوسف صبر في البئر والسجن، وأيوب صبر على الضر. وقال ابن عباس وقتادة: هم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى أصحاب الشرائع، فهم مع محمد ﷺ خمسة، والله تعالى أعلم.
مطلب في قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾
(سئل) عن قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل﴾ الآية، ما معنى ذلك؟
(أجاب) قال ابن عباس ﵄: [نزلت هذه الآية في ثابت بن قيس لما قال للرجل الذي لم يفسح له: ابن فلانة، فقال النبي ﷺ: من الذاكر فلانة؟ فقال ثابت: أنا يا رسول الله، فقال: انظر في وجوه القوم، فنظر فقال: ما رأيت يا ثابت؟ قال: رأيت أبيض وأحمر وأسود، قال: فإنك لا تفضلهم إلا في الدين، فنزلت في ثابت هذه الآية. وقال مقاتل: لما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله ﷺ بلالا حتى علا ظهر الكعبة وأذن، فقال عتاب بن أسد بن أبي العاص: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم.
وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا، وقال سهيل بن عمر: إن يرد الله شيئا، وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئا أخاف أن يخبر به رب السماء، فأتى جبريل، فأخبر رسول الله ﷺ بما قالوا فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقروا، فأنزل الله ﷿ هذه الآية، وزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء فقال: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ يعني آدم وحواء أي أنكم متساوون في النسب ﴿وجعلناكم شعوبا﴾ جمع شعب بفتح الشين، وهي رءوس القبائل مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج، سموا شعوبا لتشعبهم واجتماعهم كشعب أغصان الشجرة.
والقبائل: هي دون الشعوب واحدتها قبيلة وهي كبكر وربيعة وتميم من مضر دون القبائل، العمائر واحدها عمارة بفتح العين، ودون العمائر البطون، ودون البطون الأفخاذ، ثم الفصائل ثم العشائر، وقيل: الشعوب من العجم والقبائل من العرب والأسباط من بني إسرائيل.
وقال أبو روق: الشعوب: الذين لا ينتسبون إلى أحد بل إلى المدائن والقرى، والقبائل: العرب الذين ينتسبون إلى آبائهم، فأخبر الله ﷾ أن أرفعهم منزلة عنده أتقاهم، روي أنه ﷺ قال: الحسب المال، والكرم
1 / 9
التقوى. وقال ابن عباس: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى. وقال رسول الله ﷺ: [إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم] والله تعالى أعلم.
مطلب في قوله تعالى: ﴿يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن﴾
(سئل) ما معنى قوله ﷾: ﴿يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن﴾؟
(أجاب) قال قتادة: يعني لا يستغني عنه أهل السماء والأرض، وقال ابن عباس: أهل السماوات يسألونه المغفرة وأهل الأرض يسألونه الرزق والمغفرة. وقال مقاتل: نزلت في اليهود حين قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت، وقال المفسرون: من شأنه أنه يحيي ويميت ويرزق ويعز قوما ويذل قوما ويشفي مريضا ويفك عانيا ويفرج مكروبا ويجيب داعيا ويعطي سائلا ويغفر ذنبا إلى ما لا يحصى من أفعاله وأحداثه في خلقه ما يشاء.
وروي عن ابن عباس أنه قال: إن مما خلق الله ﷿ لوحا من درة بيضاء دفتاه ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابته نور ينظر الله ﷿ كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء، فذلك قوله تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾.
قال سفيان بن عيينة: الدهر كله عند الله تعالى يومان: أحدهما مدة أيام الدنيا، والآخر يوم القيامة، فالشأن الذي هو فيه في اليوم الذي هو مدة الدنيا: الاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأن يوم القيامة: الجزاء والحساب والثواب والعقاب.
وقيل: شأنه جل ذكره أنه يخرج في كل يوم وليلة ثلاثة عساكر: عسكرا من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات، وعسكرا من الأرحام إلى الدنيا، وعسكرا من الدنيا إلى القبور، ثم يرتحلون جميعا إلى الله ﷿.
وقال الحسن بن الفضيل: هو سوق المقادير إلى المواقيت، وقال أبو سليمان الداراني في هذه الآية: له كل يوم إلى للعبيد بر جديد. والله تعالى أعلم.
مطلب في: ﴿ن والقلم وما يسطرون﴾
(سئل) عن معنى قوله تعالى: ﴿ن والقلم وما يسطرون﴾.
(أجاب) اختلفوا في نون، قال ابن عباس: هو الحوت الذي على ظهره الأرض واسمه بهموت، وقيل: ليوثا، وقيل: بلهوث، ولما خلق الله تعالى القلم فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهره، فتحرك النون، فمادت الأرض، فأثبتت الجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض.
وقالت الرواة: لما خلق الله تعالى الأرض وفتقها بعث من تحت العرش ملكا فهبط إلى الأرض حتى دخل تحت الأرضين السبع، ثم ضبطها فلم يكن لقدميه موضع قرار، فأهبط الله ﷿ من الفردوس ثورا له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة، وجعل قرار قدم الملك على سنامه، فلم تستقر قدماه، فأخذ ياقوتة خضراء من أعلى درجة في الفردوس غلظها مسيرة خمسمائة عام، فوضعها بين سنام الثور إلى أذنه فاستقرت قدماه، وقرن ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض ومنخراه في البحر، فهو يتنفس كل
1 / 10
يوم نفسا، فإذا تنفس مد البحر وإذا رد نفسه زجر، فلم يكن لقوائم الثور موضع قرار، فخلق الله تعالى صخرة كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين فاستقرت قوائم الثور عليها، وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه: ﴿فتكن في صخرة﴾، ولم يكن للصخرة مستقر، فخلق الله تعالى نونا وهو الحوت العظيم، فوضع الصخرة على ظهره وسائر جسده والحوت على البحر والبحر على متن الريح والريح على القدرة، يقال: إن الدنيا كلها بما عليها حرفان، قال لها الجبار: كوني، فكانت.
قال كعب الأحبار: إن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض فوسوس له فقال له: أتدري ما على ظهرك يا لوثا من الأمم والدواب والشجر والجبال، لأن نفضتهم ألقيتهم عن ظهرك، فهم لوثا أن يفعل ذلك، فبعث الله تعالى دابة فدخلت منخره فدخلت إلى دماغه، فعج الحوت إلى الله تعالى، فأذن لها فخرجت.
قال كعب: والذي نفسي بيده إنه لينظر إليها وتنظر إليه إن هم بشيء من ذلك عادت كما كانت.
وقال الحسن وقتادة والضحاك: النون الدواة والقلم هو الذي كتب الله به الذكر وهو قلم من نور طوله ما بين السماء والأرض، ويقال: أول ما خلق الله تعالى القلم ونظر إليه انشق نصفين ثم قال: اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى على اللوح المحفوظ بذلك، والله ﷾ أعلم.
مطلب في قوله تعالى: ﴿إذا الشمس كورت﴾ إلخ
(سئل) ما معنى قوله تعالى: ﴿إذا الشمس كورت﴾ إلى قوله: ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾؟.
(أجاب) تكويرها ذهاب ضوئها، وقيل: اضمحلالها. وقال الزجاج: لفت كما تلف العمامة، يقال: كورت العمامة على رأسي أكورها كورا وكورتها تكويرا إذا لففتها ومعناه: أن الشمس يجمع بعضها إلى بعض ثم تلف، فإذا فعل بها ذلك ذهب ضوؤها.
قال ابن عباس: يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ثم يبعث عليها ريحا دبورا فتضرمها فتصير نارا.
قوله تعالى: ﴿وإذا النجوم انكدرت﴾. أي تناثرت من السماء وتساقطت على الأرض يقال: انكدر الطائر أي سقط عن عشه. قال الكلبي وعطاء: تمطر السماء يومئذ نجوما فلا يبقى نجم إلا وقع.
قوله تعالى: ﴿وإذا الجبال سيرت﴾ عن وجه الأرض، فصارت هباء منثورا. ﴿وإذا العشار عطلت﴾ وهي النوق الحوامل التي أتى على حملها عشر أشهر واحدتها عَشْرَا، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع لتمام سنة، وهي أنفس مال عند العرب ﴿عطلت﴾: تركت مهملة بلا راع، أهملها أهلها وكانوا لازمين لأذنابها، ولم يكن لهم مال أعجب إليهم منها لما جاءهم من أهوال يوم القيامة.
﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ يعني ذوات البر، جمعت بعد البعث ليقتص بعضها من بعض، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: حشرها موتها، وقال: حشر كل شيء الموت إلا الجن والإنس فإنهما يوقفان يوم القيامة. ﴿وإذا البحار سجرت﴾ قال ابن عباس: أوقدت
1 / 11
فصارت نارا تضطرم، وقيل: صارت مياهها بحرا واحدا من الحميم لأهل النار، وقال الحسن: يبست وقال: ذهب ماؤها فلم يبق فيها قطرة.
وروي عن أبي بن كعب قال: ست آيات قبل يوم القيامة: بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على الأرض فحركت واضطربت، وفزعت الجن إلى الإنس، والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحش، وماج بعضهم في بعض، فذلك قوله تعالى: ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ واختلطت ﴿وإذا العشار عطلت﴾، ﴿وإذا البحار سجرت﴾ قال: قالت الإنس والجن: نحن نأتيكم بالخبر، فانطلقوا إلى البحر، فإذا هي نار تأجج، قال: فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم.
وعن ابن عباس أيضا قال: هي اثنتا عشرة خصلة ست في الدنيا وست في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿وإذا النفوس زوجت﴾ روى النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سئل عن هذه الآية، قال: يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار. وقال عطاء ومقاتل: زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت نفوس الكافرين بالشياطين. وروي عن عكرمة قال: ﴿وإذا النفوس زوجت﴾ ردت الأرواح في الأجساد.
﴿وإذا الموءودة سئلت﴾ وهي الجارية المدفونة حية، سميت بذلك لما يطرح عليها من التراب فيوئدها، أي يثقلها حتى تموت، وكانت العرب تدفن البنات حية مخافة العار والحاجة، وعن ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت وآن أوان ولادتها حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة، فإن ولدت جارية رمت بها في الحفرة، وإن ولدت غلاما حبسته. وقيل: كان الرجل إذا ولدت له بنت ألبسها جبة من صوف أو شعر حتى إذا بلغت ست سنين ذهب بها إلى الصحراء وقد حفر لها حفيرة فليقيها فيها ويهيل التراب عليها، وقيل غير ذلك.
وقوله: ﴿سئلت بأي ذنب قتلت﴾ معناه تسأل الموءودة: بأي ذنب قتلت؟ ومعنى سؤالها توبيخ قاتلها؛ لأنها تقول: قتلت بغير ذنب.
قوله تعالى: ﴿وإذا الصحف نشرت﴾. يعني صحائف الأعمال تنشر للحساب. ﴿وإذا السماء كشطت﴾ أي: نزعت فطويت، وقال الزجاج: قلعت كما يقلع السقف، وقال مقاتل: تكشف عمن فيها. ﴿وإذا الجحيم سعرت﴾ أي: أوقدت لأعداء الله تعالى.
﴿وإذا الجنة أزلفت﴾ قربت لأولياء الله تعالى. ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾ أي: من خير أو شر، وهذا جواب لقوله تعالى: ﴿إذا الشمس كورت﴾ وما بعدها والله تعالى أعلم.
مطلب في قوله تعالى: ﴿والتين والزيتون﴾
(سئل) ما معنى قوله تعالى: ﴿والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين﴾؟.
(أجاب) قال
1 / 12