Virtudes de Jerusalén
فضائل بيت المقدس لابن المرجى المقدسي
بسم الله الرحمن الرحيم
Página 3
قال الشيخ الإمام (العالم الفاضل العارف) أبو المعالي المشرف بن المرجى بن إبراهيم المقدسي -رحمه الله (وعفا عنه) -: الحمد لله الذي خلق الأرض، واختار منها مواضع رفعها، وأماكن شرفها، فسماها بيوته الكرام، ومشاعره العظام، وجعلها معقلا لأولي النهى، ومعدنا لأئمة الهدى، وأمرنا بطهارتها، ونبهنا على زيارتها، وأذن أن ترفع، ويذكر (فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال) رجال، لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار، وفاوت بينها في التفضيل، وأبان لنا ذلك مفصلا في التنزيل، فجعل منها بيتا أسس على التقوى، وقبلة عظيمة لمن اهتدى، ومسجدا فضله بالنبي المصطفى، وقدسا عظمه بليلة الإسراء، فقال عز من قائل: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى}. وحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخلق أن يفضلوا شيئا من الأماكن عليها، ونهى أن تشد الرحال إلا إليها؛ كل ذلك ليضاعف لنا الحسنات، ويمحو عنا السيئات، فله الحمد على ما أسبغ علينا من نعمه، ونسأله المزيد من فضله وكرمه، ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة مبرأة من النفاق، ومدخرة ليوم التلاق، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، عبد ارتضاه، ونبي اجتباه، وأرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون.
ثم إن سائلا سألني أن أذكر جميع من انتهى إلي من فضائل المسجد المقدس، الذي عظمه الله وشرفه، وجعله محشرا ومنشرا، وقبلة لجميع الأنبياء، ومعقلا لأهل الصفوة من الأولياء، وما خصه الله تعالى من المآثر الكريمة، والفضائل العظيمة، فأجبته إلى ما سأل، وذكرت من ذلك ما اتصل به من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه -رضي الله عنهم- والتابعين لهم بإحسان، وما استخرج من كتب الله المنزلة، وأتبعته طرفا من فضائل المساجد، وفضائل الشام، لأن هذا المسجد يدخل تحت عموم ذلك، وجعلته مبوبا؛ ليسهل على الطالب، ويخف على الراغب، معتمدا على الله تعالى في العون والتمهيد، طالبا منه التسهيل والتسديد، فهو الموفق للصواب، وعليه الاتكال، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
Página 4
1 - باب أي مسجد وضع أولا؟
أخبرنا الشيخ أبو الحسن علي بن موسى، المعروف بابن السمسار، بقراءتي عليه في داره بدمشق، أبنا أبو زيد محمد بن أحمد بن عبد الله الفقيه المروزي، قرئ عليه وأنا أسمع، قال: أبنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن بشر الفربري، قال: أبنا أبو عبد [الله] محمد بن إسماعيل البخاري، قال: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع أولا؟ قال: ((المسجد الحرام)). قلت:
Página 5
ثم أي؟ قال: ((ثم المسجد الأقصى)). قلت: كم كان بينهما؟ قال: ((أربعون، ثم حيث أدركتك الصلاة فصل، والأرض لك مسجدا وطهورا)).
2 - باب أن الله تعالى وصل مكة بالمدينة والمدية ببيت المقدس
Página 6
قرأت على الشيخ أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن الحسن المكتب، قلت له: حدثك أبو مسلم محمد بن أحمد بن علي الكاتب البغدادي، قال: ثنا أبو محمد يحيى بن تليد، قال: ثنا أحمد بن منصور بن سيار، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا يزيد بن أبي حبيب، قال: ثنا عطاء بن أبي رباح، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن مكة بلد عظمه الله تعالى، وعظم حرمته، خلق الله تعالى مكة وحفها بالملائكة قبل أن يخلق شيئا من الأرض يومئذ كلها بألف عام، ثم وصلها بالمدينة، ووصل المدينة ببيت المقدس، ثم خلق الأرض كلها بعد ألف عام خلقا واحدا)).
Página 7
3 - باب أن الله تعالى خلق مكة والمدينة وبيت المقدس من زبدة واحدة
أخبرنا الشيخ أبو الفرج عبد الله بن محمد بن يوسف، النحوي المراغي، بقراءتي عليه، قال: أبنا عيسى بن عبد الله بن عبد العزيز الموصلي، وقد أجازني هذا الموصلي جميع حديثه، وقرأت على الشيخ أبي الفرج عنه، قال: أبنا أبو الحسن علي بن جعفر الرازي، قال: ثنا محمد بن إبراهيم بن عيسى المقدسي، قال: حدثنا محمد بن النعمان بن بشير السقطي النيسابوري، قال: ثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، قال: ثنا ابن عياش، عن سليمان التيمي، عن أبي عمرو الشيباني قال: قال علي -عليه السلام-:
Página 8
كانت الأرض ماء، فبعث الله ريحا فمسحت الماء مسحا، فظهرت على الأرض زبدة، فقسمها الله أربع قطع، فخلق من القطعة الأولى مكة، والثانية المدينة، والثالثة بيت المقدس، والرابعة مسجد الكوفة.
4 - باب ما جاء في أمر الله تعالى لداود -عليه السلام- ببناء
بيت المقدس
Página 9
أخبرنا أبو مسلم محمد [بن] عمر الأصفهاني بالبيت المقدس، قال: أبنا عمر بن الفضل بن المهاجر، قال: أبنا أبي، قال: أبنا الوليد بن حماد الرملي، قال: ثنا المسيب بن واضح، قال: أبنا ابن المبارك، عن عثمان [ابن] عطاء، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب قال: لما أمر الله تعالى داود عليه السلام أن يبني مسجد بيت المقدس، قال: يا رب وأين أبنيه؟ قال: حيث ترى الملك شاهرا بسيفه. قال: فرآه في ذلك المكان، فأخذ داود فأسس قواعده، ورفع حائطه، فلما ارتفع انهدم، فقال: يا داود إنما جعلتك خليفتي في أرضي على خلقي، لم أخذته من صاحبه بغير ثمن؟ إنه يبنيه رجل من ولدك.
فلما كان سليمان ساوم صاحب الأرض بها، فقال: بقنطار. فقال سليمان: قد استوجبتها. فقال له صاحب الأرض: هي خير أو ذاك؟ فقال: لا بل هي خير. قال: قد بدا لي. قال: أوليس قد أوجبتها؟ قال: بلى ولكن البائعان بالخيار ما لم يتفرقا. قال ابن المبارك: هذا أصل الخيار. قال: فلم يزل يزاده ويقول له مثل قوله الأول حتى استوجبها بسبع قناطير، فبناه سليمان -عليه السلام- حتى فرغ.
Página 10
أخبرنا الشيخ أبو صالح محمد بن عدي بن الفضل، بقراءتي عليه، أبنا أبو الحسن علي بن محمد بن صغير بن سليمان الجبريني، قال: حدثنا الحسن بن رشيق، قال: ثنا أبو علي الحسن بن حميد بن موسى العكي، قراءة عليه في المحرم سنة ست وسبعين ومائتين، قال: ثنا وثيمة بن موسى بن الفرات، قال: ثنا ابن إسحاق، صاحب المغازي، قال: قال أبو إلياس عن وهب والحسن جميعا: لما تاب الله على داود عليه السلام، وكان قد بنى مدائن كثيرة، وصلحت أمور بني إسرائيل، أحب أن يبني بيت المقدس وعلى قبة الصخرة في الموضع الذي قدسه الله تعالى في إيلياء، وكانت قد حسنت حال بني إسرائيل وملأوا الشام، وضاقت بهم فلسطين وما حولها، فأحب داود أن يعلم عددهم، فأمر بإحصائهم على أنسابهم وقبائلهم، فكثر عليهم، فلم يطيقوا إحصاءهم.
Página 11
قال ابن إسحاق: فأوحى الله بعد ذلك إلى داود لما كثر طغيان بني إسرائيل: أني أقسمت بعزتي لأبتلينهم بالقحط سنتين، أو أسلط عليهم العدو شهرين، أو أسلط عليهم الطاعون ثلاثة أيام. فجمعهم داود، وخيرهم إحدى الثلاث، فقالوا: أنت نبينا، وأنت أنظر لنا من أنفسنا، فاختر لنا. فقال: أما الجوع فإنه بلاء فاضح، لا يصبر عليه أحد، وأما العدو والموت فإني أخيركم، فإن اخترتم تسليط العدو عليكم فلا بقية لكم، والموت بيد الله تعالى، تموتون بآجالكم، وفي بيوتكم، ففوضوا ذلك إلى الله تعالى، فهو أرحم بكم.
فاختار لهم الطاعون، وأمرهم أن يتجهزوا، ويلبسوا أكفانهم، ويخرجوا بنسائهم وإمائهم وأولادهم أمامهم، وهم خلفهم على صخرة بيت المقدس، والصعيد الذي بني عليه بيت المقدس، وهو يومئذ صعيد. فنادى: يا رب إنك أمرتنا بالصدقة، وأنت تحب المتصدقين، فتصدق علينا برحمتك، اللهم إنك أمرتنا أن نعتق الرقاب، وأنت تحب من يعتق الرقاب، فنسألك برحمتك أن تعتقنا اليوم، اللهم وقد أمرتنا أن لا نرد السائل إذا وقف على أبوابنا، وأنت تحب من لا يرد السائل، فجئناك سائلين فلا تردنا. ثم خروا سجدا من حيث انفجر الصبح.
فسلط الله تعالى عليهم الطاعون إلى أن زالت الشمس، ثم رفعه عنهم، ثم أوحى الله تعالى إلى داود: ارفوا رءوسكم فقد شفعتك فيهم. فرفع داود رأسه، ثم نادى: ارفعوا رءوسكم، فرفعوا رءوسهم، وقد مات منهم مائة ألف ، وسبعون ألفا أصابهم الطاعون، وهم سجود، فنظروا إلى ملائكة يمشون بينهم، بأيديهم الخناجر، فرفع الله عنهم الطاعون، ثم عمد داود فارتقى الصخرة، وظل يومه إلى الليل رافعا يديه، يحدث لله شكرا.
Página 12