Diwan Ahkam Kubra
ديوان الأحكام الكبرى
Editor
يحيي مراد
Editorial
دار الحديث
Ubicación del editor
القاهرة - جمهورية مصر العربية
ديوَان
الْأَحْكَام الْكُبْرَى
أَو
الْإِعْلَام بنوازل الْأَحْكَام وقطر من سير الْحُكَّام
للفقيه الْمَالِكِي الإِمَام
أبي الإصبع عِيسَى بن سهل بن عبد الله الْأَسدي الجياني ٤١٣ - ٤٨٦ هـ
تَحْقِيق
يحيي مُرَاد
دَار الحَدِيث
Página desconocida
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[مقدمة المؤلف]
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا
قال الفقيه القاضي أبو الأصبغ عيسى بن سهل ﵀:
الحمد لله الأول الآخر الظاهر العلي الواحد القاهر ذي الطول والإحسان والمنن الحسان الموجود في عدم الزمان الكائن قبل خلق المكان، خلق الإنسان وعلمه البيان أحسن كل شئ خلقًا وأحصى كل شئ عددًا وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين العادل في قضاء يقضيه المقسط في كل قدر يمضيه.
نحمده على ما هدانا إليه في طاعته وفقهنا فيه من دينه وشريعته وعلمناه من كتابه وسنة رسوله الذي اصطفاه لوحيه واجتباه لنبوءته وابتعثه لرسالته إلى جميع خلقه وتم به سالف رسله محمد صلى اله عليه وسلم وعلى الله وأزواجه وذريته أتم صلاة وأبقاها وأفضلها وأزكاها وسلم تسليمًا.
وبعد حمد الله والصلاة على رسوله المصطفى فإني بجميل صنع الله وجليل أفضاله عندي وحسن عونه أيام نظري في القضاء والأحكام ومن تقييدي أحكام غيري في القضاء والحكم جرت على يد نوازل استطلعت فيها رأي من أدركته من الشيوخ والعلماء وانفصلت لدي مسائل كاشفت عنها كبار الفقهاء إذ كانوا من أهل هذا الشأن بأرفع مكان وأعلى منزلة وأعظم رسوخًا وعلمًا ودريةً وفهمًا منها ما شافهتهم فيه، ومنها ما كاتبتهم في معانيه، وكنت قد علقت ذلك على حسب وقوعه لا على ترتيبه وتنويعه لأتذكر به متى طالعت واستظهر به متى احتججت وإن كانت أصول ذلك ففي تفريعها بيان وزيادات تقييد ما جرى به العمل، وكيفية الاستدلال في الأصول، وكثيرًا ما سمعت شيخنا أبا عبد الهل بن عتاب ﵁ يقول الفتيا صنعة، وقد قالها قبله أبو صالح أيوب بن سليمان ﵀ قال الفتيا دربة وحضرت الشورى في مجالس الحكام ما دريت ما أقول في أول مجلس شاورني سليمان بن أسود وأنا أحفظ المدونة والمستخرجة الحفظ المتقن، ومن تفقد هذا المعنى من نفسه ممن جعله الله إمامًا لجأ إليه ويعول الناس في مسائلهم عليه وجد ذلك حقًا وألغاه ظاهرًا وصدق ووقف عليه عيانًا وعلمه خبرًا
1 / 25
والتجربة أصل في كل فن، ومعنى مفتقر إليه في العلم. ثم أني رأيت الآن ضم تلك النوازل إلى نظام وجمع تلك المسائل إلى ترسيم والتئام وجمع أشكالها بعضها إلى بعض لتكون فائدتها أمكن وأيسر ومنفعتها أقرب وأيسر وأكثر، وإن كان الذهن كليلًا والنشاط قليلًا والجسم عليلا مما أطلنا مما يشيب الوليد ويذهب الرأي السديد من بلايا ومحن تتوالى إلى الله منها المفزع والشكوى وهو حسبنا وكفى، ولكن رجوت باشتغالي بهذا بعض السكن في أوان يكون فيه الأنس للنفس، وربما ألفت إلى ذلك في شكله وجمعت معه من فرعه وأصله مما يكمل به المعنى وتكون به الفائدة معه أقوى لو لم يفد إلا معرفة نهج الكلام وسنن الكلام والحكام في مشاورة الفقهاء وكيفية المعتاد في ذلك بينهم بقرطبة حيث كان جمهور العلماء والقدوة هم والوقوف على هيبة فتوى المغنين لهم لكان أكبر مستفادًا لمن طلب في تعلمه الازدياد، لأنها طريقة لا تؤخذ إلا عنهم ولا توجد بالإتقان الذي هي عليه إلا عندهم فكيف وقد ظننته مسائل لا توجد إلا فيه ومعانين لا غنى للمستبصر فيها عنه، ولم أخله من رواية تكون حجة، ولا من تنبيه على نكتة أو غفلة بحسب الإمكان، ومعونة الرحمن الذي كل شيء بيده وهو المتفضل بتوفيقه وتسديده والمتطول بأن يجعله لوجهه وفي سبيله لا الله غيره ولا رب سواه ولا حول ولا قوة إلا به وهو حسبنا ونعم الوكيل وكان ابتدائي به يوم السبت لعشر خلون من المحرم سنة اثنين وسبعين وأربع مائة.
1 / 26
باب في القضاء والأحكام
وما يتفرد به القضاة دون غيرهم من الحكام
قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجر منكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ (المائدة:٨) وقال ﷿: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتهم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعًا بصيرًا﴾ (النساء: ٥٨) وقال في غير المسلمين: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين﴾ (المائدة:٤٢).
وقال رسول الله ﷺ: «القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة حكم جهل فخسر فأهلك أموال الناس وأهلك نفسه ففي النار، وحكم علم فعدل أي فجار فأهلك أموال الناس وأهلك نفسه ففي النار وحكم عدل فأحرز أموال الناس وأحرز نفسه ففي الجنة (١).
وروي عن حذيفة بن اليمان أنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أعتى الناس على الله وأبغض الناس إلى الله وأبعد الناس من الله يوم القيامة رجل ولاه الله من أمة محمد شئيًا ثم لم يعدل فيهم (٢»).
وقال طاووس اليماني: خير الناس منزلة يوم القيامة إمام مقسطٌ، وشر الناس منزلةً يوم القيامة عند الله رجل أشركه الله في حكمه فأدخل عليه الجور في عدله.
واعلم أن للحكام الذين تجري على أيديهم الأحكام ست خطط: أولها: القضاء، وجعلها قضاء الجماعة، والشرطة الكبرى، والشرطة الصغرى، وصاحب مظالم، وصاحب رد بما رد إليه من الأحكام، وصاحب مدينة، وصاحب سوق، وهكذا نص عليه بعض
(١) الحديث أخرجه الحاكم في مستدركه ج٤، ص١٠١برقم ٧٠١٢، وقال: صحيح إلإسناد ولم يخرجاه، والترمذي ج٣، ص٦١٣برقم ١٣٢٢، والبيهقي في الكبرى ج١٠، ص١١٦، وأبو داود ج٣، ص ٢٩٩ برقم ٣٥٧٣، والنسائي في الكبرى ج٣، ص٤٦١، برقم ٥٩٢٢، وابن ماجة ج٢، ص٧٧٦ برقم ٢٣١٥.
(٢) هذا الحديث لم أعثر عليه.
1 / 27
المتأخرين من أهل قرطبة في تأليف له.
وتلخيصها: القضاة، والشرطة، والمظالم، والرد والمدينة، والسوق، وإنما كان يحكم صاحب الرد فيما استرابه القضاة وردوه عن أنفسهم، هكذا سمعت من بعض من أدركته، وصاحب السوق كان يعرف صاحب الحسبة لأن أكثر نظره إنما كان فيما يجري في الأسواق من غش وخديعة ودين وتفقد مكيال وميزان وشبهه، وقد سألت بعض من لقيته عن صاحب السوق هل يجوز أن يحكم في عيوب الدور وشبهها وأن يخاطب حكام البلاد «في الأحكام» قال: ليس ذلك له إلا أن يجعل إليه تقديمه، وقال بعض الناس خطة القضاء في أعظم الخطط قدرًا وأجلها نظرًا لاسيما إذا جمعت إليه الصلاة، وعلى القاضي مدار الأحكام وإليه النظر في جميع وجوه القضاء.
وسألت الشيخ أبا عبد الله بن عتاب عن الحكم يرفع إلى خطة القضاء هل يستأنف ما كان بين يديه من الأحكام لم يكملها بعد بالتسجيل فيها أم يصل نظره فيها بما تقدم منه في ذلك تمام الحكم قال بل يبني على ما قد مضى بين يديه من الحكومة ولا يبتريها من أولها؟ قال: وبذلك أفتيت أبا علي الحسن بن ذكوان حين ارتفع من أحكام الشرطة والسوق إلى أحكام القضاء، قلت له: بلغني أن بعضكم أفتى بابتداء النظر فيما قد جرى بعضه بين يديه في السوق ولم يكن كمل نظره فيه بعد. فقال ل: قاله من لم يحمل بقوله ولا اشتغل بخلافه، ووافقني أبو المطرف بن فرج وغيره على جوابي، وكان ابن القطان لا يستفتي حينئذ لخمول كان أدركه. وفي المدونة في كتاب المديان قلت أرأيت صاحب الشرطة وما أشبهه أيجوز حجره.
قلت: فرأيك؟ قال: القاضي أحب إلي، قال مالك: ومن أراد أن يحجر على وليه فليأت السلطان حتى يوقفه ويدار به الأسواق والمواضع والمساجد. قال ابن وهب: وسمعت مالكًا يقول فيمن أراد أن يحجر على وليه فليأت به السلطان حتى يوقفه للناس ويسمع به في مجلسه ويشهد على ذلك فمن باعه أو ابتاع منه فهو مردود (١)، وفي هذه المسألة دليل على أن فعل السفيه في بيع وغيره أنفذ عليه قبل الضرب على يديه كما روى ابن كنانة
(١) انظر المدونة ج١٣، ص ٢٥٠.
1 / 28
وابن نافع وغيرهما في ذلك في نوازل عيسى، وفي كتاب الجدار بخلاف رواية ابن القاسم في سماع سحنون وسيأتي هذا الأصل في بابه إن شاء الله.
وفي كتاب القسمة قال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول لا يقسم بين الأصاغر أحد إلا القاضي. وفي الواضحة خلافه. وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن أبي زمنين في الأقضية في كتاب المغرب له: وكذلك ما كان من أحكام الأيتام من تسفيه أو إطلاق أو توكيل عليهم للنظر لهم، وكذلك الأحباس المعقبة لا يكون النظر فيها إلا للقضاة، وفي دواوينهم توضع أموال الغيب والوصايا والأنساب، وعلى هذا جرى الأمر عندنا بالأندلس وبه أفتى مشايخنا رحمنا الله وإياهم.
وفي أحكام الحبيب أحمد بن محمد بن زياد قاضي الجماعة بقرطبة – ﵀ – شورى في هذا المعنى خاطب بها الفقهاء فجاوبوه: فهمنا رحمك الله ما استفهمتنا عنه وما احتج به بعض أصحابنا من أن للقاضي حدًا للنظر في الأيتام من تسفيه وإطلاق ونظر في أموالهم والتوكيل بجمعها وحرزها، وتدوين أموالهم التي بأيدي وكلائهم وأيدي غيرهم في دواوين القضاة لا يكون لغيرهم وهو تحجير على القاضي في تضييع ذلك فالذي قال به واحتج هو كما احتج هو أن هذا من نظر القضاة حتى قال ابن القاسم في القسم على إليهم وتوضع في دواوينهم والوصايا والأنساب من هذا الباب، وأموال الغيب، ولا يجب للقاضي أن يرفع من عنده نظرًا إلى غيره من السلاطين كما يرفع غيره من السلاطين إليه حدود القضاة في القديم والحديث معروفة لا تعارض فيها ولا تكون إلى غيرهم من الحكام.
وللقاضي النظر في القليل والكثير ولا تحديد قال بذلك محمد بن عمر ابن لبابة وقال محمد بن وليد، وقال بذلك خالد بن وهب، وقال بذلك أحمد بي بيطر، وقال بذلك طاهر بن عبد العزيز، وقال بذلك سعيد بن خمي، وقال أحمد بن يحيي بن أبي عيسى: هذه الفتيا صحيحة التي لا يجب غيرها ولا نعرف سواها وإني لأرى مثل ذلك من الجراحات والترميمات وما أشبهها، وقال بذلك كله يحيى بن سليمان، وبه قال أحمد بن بقي بن مخلد.
وقال ابن لبابة: الذي أعرف وأقول به وأدركت الناس عليه من ترتيب أحكام القضاة والذي لا ينبغي لغيرهم النظر فيه الوصايا والأحباس والإطلاق والتحجير والقسم
1 / 29
والمواريث والنظر للأيتام.
قال القاضي أبو الصبغ أوردت هذه المسألة من أحكام بن زياد وإن كان فيها تكرار لأن ما ذكرناه عن أبي زمنين فيه ما يغني عنها إعلامًا بهذه الأحكام ولاسيما أولئك المفتين وبطريقة مساقيهم في فتياهم، وفي ذلك كله زيادة علم وإفادة فهم، وهذه الأحكام كان القاضي ابن زياد قد جمعها أيام نظره في القضاء وكتب أجوبة الفقهاء فيما سألهم عنه في الحكومات ومسائل الخصماء فاجتمع من ذلك نحو سبعة أجزاء عول عليها كثيرًا ممن أتى بعدهم وإليهم أشار بن أبي زمنين بقوله: جرت الفتيا من مشايخنا وسأذكر في كتابنا هذا إن شاء الله من تلك الأحكام ما يغني عما تركت عنها واختصرت من مسائلها ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وفي المدونة قال ابن أبي القاسم في والي الإسكندرية إن قضى أو ولي قاضيًا فقضى جاز إن لم يكن جورًا بينا كقول مالك فيما قضت به ولاة المياه يجوز أن لم يكن جورًا (١). وكذلك قال في النكاح في صاحب الشرطة يضرب للعنين أجلًا جاز (٢)، وإن ضرب صاحب المياه لزوجة المفقود أجلًا وأصاب مضى، وفي الأقضية والحدود في سماع عيسى وغيره وفي الواضحة وعيرها مخاطبة بعض القضاة بعضًا وإنفاذ كتبهم إذا ثبت عند المكتوب إليه وإن انكسر طابع الكتاب أو لم يطبعه المخاطب، وفي سماع يحيي إن لم يكن قاضي الكورة موثوقًا به وفي الكورة رجال يثقهم كتب إليهم سرًا ليسألوا له عمن شهد عنده من أهل تلك الكورة فإن كتب إليهم أنه عندهم مشهورٌ معروفٌ بالصلاح أجاز شهادته وإلا تركها حتى يعدل عنده بمن يرضى.
وقال ابن وهب عن مالك لا يجاز كتاب قاض إلى قاض إلا بشاهدين أنه أشهدهما بمافيه. قال ابن القاسم في المجموعة وإن لم يكن فيه خاتمه أو كان فيه خاتمه أو كان طابعه قد انكسر. وقال ابن الماجشون: إن شهد أن هذه كتاب القاضي أمضاه. وقال أشهب: ليس هذا بشيء حتى يشهد أنه أشهدهما ولا يضر إن لم يختمه. وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: ولا ينفذ إن شهدا أن هذا كتاب القاضي أمضاه وقال أشهب
(١) انظر المدونة ج١٢، ص١٤٦، التاج والإكليل ج٤، ص ١٥٦، مواهب الجليل ج٦، ص١٣٧.
(٢) انظر المدونة ج٤، ص٢٦٦.
1 / 30
مطرف وابن الماجشون ولا ينفذ إن شهدا أن الكتاب خط القاضي بيده. وقال فضل وقال ابن القاسم: إن شهدا أن هذا كتاب القاضي جازت شهادتهما ولم يلتفت إلى الطابع وهو معنى المدونة. وقال ابن نافع عن مالك كان من الأمر القديم إجازة الخواتم حتى إن كان القاضي ليكتب للرجل الكتاب إلى القاضي فلا يزيد عن ختمه فيجاز له حتى أحدث عند اتهام الناس شهادة على خاتم القاضي أنه خاتمه. قال في سماع أشهب وابن نافع وأرى أول من أحدثه أمير المؤمنين وأهل بيته.
وفي كتاب ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: إذا كان للقاضي في نواحي عمله رجالٌ يكتب إليهم في أمور الرعية بتنفيذ الأقضية وشبهها فلا بأس أن يقبل الكتاب يأتيه عنهم بالشاهد الواحد، وفي الثقة يجعله ذلك إليهم وبمعرفة الخاتم لقرب المسافة واستدراك ما يخشى من التعدي، وإذا افترق العملان فلابد من البينة.
وقال أصبغ: ولسحنون نحون في أمنائه بخلاف كتاب قضاة، ورأيت قضاة بشرق الأندلس يجيزون كتب بعضهم إلى بعض في الأحكام بالخاتم ومعرفة الخط، وإن لم يكتب القاضي منه بخط يده إلا العنوان لا غير، وإن كان حامله هو المكتوب له المحكوم في قضيته وينعتون حامله المكتوب له في الكتاب ويسلمونه إليه مختومًا وهو عندي مما لا يجوز العمل به ولا إنفاذه، لاسيما إذا كان حامله صاحب الحكومة.
وقد ذكر ابن حبيب عن ابن القاسم وغيره إذا كان حامل الكتاب صاحب القصة لم يجز فيما هو أخف من هذا في تحمله من عند الأمين أو الفقيه أو شبهه فكيف في نفس الحكومة وفي قاضي بلدة أخرى هذا ما لا يجوز عند أحد والقضاء به مفسوخ والله أعلم. وأما إذا تحمل الكتاب شاهدان وشهد به عند المكتوب إليه وأثنى عليه عندهما بخير وإن لم يكن تعديلا بينا أو زكى أحدهما ولم يزك الآخر أو توسم فيهما صلاح وكان الخط والختم مشهورين معروفين عند المكتوب إليه فإني أستحسن إجازة مثل هذا وانفاذه لتعذر موافقة العدول ولما جرى به العمل في صدر السلف الصالح من إجازة الخاتم والله أعلم بالصواب.
ومن هذا الأصل أن محمد بن شماخ قاضي غافق خاطب صاحب الأحكام بقرطبة محمد بن الليث بخطاب أدرج إليه فيه كتاب عيسى بن عتبة فقيه مكناسة وعقد استدعاء
1 / 31
بملك بغل نعت فيه استحقاقه عند ابن عتبة بحصن مكناسة على عين الغل وعين مستحقة، وقال ابن شماخ في خطابه إلى صاحب الأحكام: ثبت عندي كتاب الفقيه بن عتبة مستخلف قاضي الجوف المدرج طي كتابي إليه ولم يسم القاضي الذي استخلفه ولا سمى ابن عتبة ولا كناه ولا أن ثبوته عنده كان على عين البغل ومستحقه وشاور صاحب الأحكام في ذلك: فأفتى ابن عتاب وابن القطان وابن مالك أن أعمال خطاب ابن شماخ هذا واجب وأن الحكم به جائز لفضل ابن شماخ وعلمه وأن ما جرى على يديه نظره فيه محمول على الكمال ولعافية ابن عتبة، وفي اتفاقهم على هذا الجواب نظر عجب وفيه من الضعف ما فيه وقد كانوا يختلفون فيما هو أصح من هذا في النظر وما جوابهم هذا إلا مسامحة والله أعلم بها.
1 / 32
احتلال القاضي بغير عمله
في كتاب آداب القضاة لمحمد بن عبد الحكم: وإذا حج القاضي فنزل مصر أو غيرها فأتاه قوم من أهل عمله يسألونه أن يسمع بينتهم على رجل في عمله أو كان قد شهد شهود في عمله فأرادوا منه أن يكتب إلى والي العراق أو يشهد على كتابه بذلك إلى والي مكة أو يحكم لهم بحكم قد شهد عنده عليه قبل ذلك فليس له ذلك، لأنه ليس والي ذلك البلد فليس له أن يسمع من بينته فيها ولا ينظر في بينة أحد ولا يشهد عنده أحد إلا في بلده، وإن كان قد شهد عنده قوم في بلده فأراد أن يسأل عنهم حيث هو فذلك له فإما أن يسمع من بينته أو يشهد على كتابه إلى قاض ببلد آخر، أو يشهد على كتاب إلى قاضي مصر، وقد حج قاضي مصر فرجع إليه بمكة وشهد عليه بذلك شهود فلا أرى أن يقبل الشهادة ببلد غير بلده الذي ولي فيها فيما أرى والله أعلم. ألا ترى: أنه لو ولاه الخليفة ببغداد قضاء مصر وأمره بالخروج إليها لم يكن له أن يسمع من بينة أحد في دعوى على من بمصر حتى يصير إليها.
وفي كتاب منهاج القضاة لابن حبيب: وسألت أصبغ عن القاضي يبعثه الإمام إلى بعض الأمصار في شيء نابه من أمر العامة فيأتيه رجل في ذلك المصر ببينة ويسأله أن يسمع منهم ويذكر أن له حقا قبل رجل من أهل عمله وهو غائب بعمله، ويذكر أن شهوده بهذا المصر ويسأله أن يسمع منهم أيجيبه إلى ذلك ولا ترى به بأسًا؟ قال: نعم يسمع من بينته ويرفع شهادتهم ويسأله تعديلهم، وإن شاء سأل قاضي ذلك المصر عنهم فإن أخبره عنهم بعدالة اجتزئ بذلك، لأنهم من أهل عمله، ولو اجتمع الخصمان عنده بذلك المصر فأراد المخاصمة عنده في الشيء الذي يختصمان فيه في بلد ذلك القاضي الغائب عن نظره لم ينظر بينهما لأنهما حين اجتمعا في ذلك المصر قد صار أمرهما إلى قاضيه، ولو كان الحق بعمل ذلك القاضي الغائب عن عمله إلا أن يتراضيا عليه كتراضيهما بقوله من يحكم بينهما، ويلزمهما إن قضى بالحق، وبعض جوانب أصبغ في هذا مخالف لما تقدم عن محمد بن عبد الحكم.
ونزلت من هذا المعنى مسألة سألت عنها ابن عتاب شيخنا وذلك أن القاضي يحتل بغير بلده وقد كان ثبت عنده ببلده حق لرجل فسأله الذي له الحق يخاطب له في موضع احتلاله قاضي موضوع مطلوبة بما كان أثبت عنده ببلده، فقال لي: لا يجوز له ذلك.
1 / 33