دراسات في علوم القرآن
دراسات في علوم القرآن
Editorial
دار المنار
Edición
الثانية ١٤١٩هـ
Año de publicación
١٩٩٩م
Géneros
•Occasions of Revelation
Characteristics of the Qur'an
Science of Quranic Readings
The Revelation of the Qur'an and its Circumstances
inimitability of the Quran
Compilation and Recording of the Quran
The Recitation
The Abrogating and Abrogated Verses of the Quran
Ambiguous Verses of the Quran
The Meccan and the Medinan
Regiones
Egipto
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، فإن القرآن الكريم هو المعجزة العقلية الباهرة التي أيَّدَ الله بها خير خلقه، وخاتم أنبيائه -صلوات الله وسلامه عليه.
وهو خالد في إعجازه لا يزيده التقدُّم العلميُّ إلا رسوخًا في الإعجاز، وهو حجة الله البالغة على خلقه، تعبدهم بتلاوته وتدبره، وفهمه والعمل به، وأطلعهم من خلاله على بعض أسراره في ملكه وملكوته.
وهو كتاب الهداية، ومنهج الحياة، بيَّنَ فيه لعباده ما يحلُّ لهم، وما يحرِّمُ عليهم، وما ينفعهم، وما يضرهم، بإسلوب واضح مشرق، لا عوج فيه ولا التواء.
وعبَّرَ عن واقعهم، ولبَّى رغباتهم على اختلاف أجناسهم وبيئاتهم، وأزمانهم.
فما من شيء يحتاجون إليه في شئونهم الخاصة والعامة إلَّا شمله تشريعه، ووسعه بيانه.
قال تعالى في سورة النحل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ١.
فكان بحقٍّ كتابًا جامعًا أفاض في شرح الحقوق والواجبات إفاضة واسعة، تضمنتها أحكام جامعة، وقواعد كلية، يندرج تحتها كل ما جَدَّ ويَجِدُّ في شئون الحياة، وأناط بالرسول ﵊ بيان ما قد يغمض على بعض
١ آية: ٨٩.
1 / 5
الناس فهمه، فكان بيانه للقرآن مستنبطًا من القرآن نفسه، وبقدرة خاصة منحها الله، وكيفية معينة علَّمه الله إياها.
قال تعالى في سورة القيامة:
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ١.
وهو الذكر الحكيم الذي علَّمَ الناس الحكمة -وبالحكمة يستطيعون أن يضعوا الأمور في موضعها، ويتعرَّفوا النهج القويم للحياة المطمئنة، والسعادة المرجوّة في داري الدنيا والآخرة.
قال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ٢.
وهو مأدبة الله التي لا ينفذ زادها، ولا ينضب معينها ولا يملها أهلها.
وهو للمؤمنين دواء وشفاء وغذاء، وروح وريحان، هو الحياة في أسمى صورها وأجلِّ معانيها، هو نعيم الدنيا ونعيم الآخرة.
لهذا جمع المسلمون الأوائل كل قواهم، وكرَّسُوا جُلَّ حياتهم لخدمة هذا الكتاب العظيم، ولم يدَّخِروا جهدًا في حفظة وتدوينه، وتفسيره، واستنباط أحكامه، والتنقيب عن لطائفه وأسراره، والعمل به والسير على نهجه في عباداتهم وعاداتهم ومعاملاتهم، فتركوا لنا تراثًا خالدًا غصَّت به المكتبات في مشارق الأرض ومغاربها.
وتتابه الغيث من بعدهم إلى يومنا هذا، يفتح للباحثين في كتاب الله تعالى أبوبًا واسعة من العلم والمعرفة، ويتيح لهم أن ينهلوا من معينه ما شاء الله أن ينهلوا في سهولة ويسر، ولا سيما بعد أن تقدَّمت أدوات الطباعة ووسائل النشر.
١ آية: ١٦-١٩.
٢ الجمعة: ٢.
1 / 6
وما على الباحثين إلّا أن يشمِّرُوا عن ساعد الجدِّ، ويخترقوا أسوار التقليد إلى الآفاق الرحبة يفتحها لهم القرآن بعباراته وإشاراته، فيستنبطوا منه ما ينفع أمتهم في دينها ودنياها، ويستلهموا منه الرشد في حلِّ المشكلات المعاصرة التي بلغت الغاية في التعقيد والتعجيز.
وإنا لقادورن -إن شاء الله تعالى، إذا ما تمسَّكْنَا بهذا الكتاب المبين، وتدبَّرْنَاه بحرية وأمانة وفق المقاييس التي رسمها لنا فيه -على تحقيق ما نصبو إليه في حاضرنا ومستقبلنا.
وإني أحاول أن أضرب في كتابي هذا بسهم متواضع في تبصير الناس ببعض ما يتعلَّق بهذا القرآن العظيم من البحوث المهمة التي تعينهم على تدبره، وفهم معانيه ومراميه، والعمل بما جاء فيه، عسى أن أُحْشَر يوم القيامة مع خدمته فأفوز فوزًا عظيمًا، وهو رجاء عبد ليس له من العمل الصالح ما يجعله أهلًا له إلّا أن رحمة الله واسعة، وفضله عظيم.
وقد التزمت في تأليف هذا الكتاب أمورًا ثلاثة:
الأول: تهذيب الأسلوب وتيسيره بحيث يكون -بفضل الله تعالى- مناسبًا لأهل العصر على اختلاف درجاتهم في الثقافة والفهم، مبينًا كل لفظ أراه غامضًا، وموضحًا كل قول أراه يحتاج إلى مزيد بيان.
وهذا الإلتزام جعلني أتحاشى النصوص الوعِرَة التي تكثر فيها الصناعة اللفظية المتكلفة، أو الألفاظ المعقدة أو الغريبة، واختار النصوص السهلة الجزلة التي تخلو من الركاكة والتعقيد.
فإن كان النص لا يتمشَّى مع سهولة الأسلوب وعذوبته، وفيه من العلم ما نحن في حاجة إليه نقلته بالمعنى، وقلت في نهايته: أفاده فلان أو ذكره فلان بمعناه.
أو قلت في أوله: ذكر فلان ما حاصله، أو ما فحواه كذا وكذا.
أو كتبت في هامش الصفحة: راجع كتاب كذا وكذا أو انتهي بتصرف، وما أشبه ذلك.
1 / 7
فإن كان النص سهلًا في أسلوبه نقلته بين علامتي تنصيص، وأشرت إلى مصدره في هامش الصفحة فقلت: كتاب كذا ج كذا ص كذا.
فإذا غيَّرت فيه ضميرًا أو حرفًا ليناسب الكلام قلت في هامش الصفحة:
انظر كتاب كذا.
وإذا حذفت منه شيئًا، وضعت مكان المحذوف ثلاث نقط كما هو مُتَّبَعٌ في كتابة البحوث والرسائل، وبذلك يكون أسلوب الكتاب متشابهًا متماسكًا كالبنيان يَشُدُّ بعضه بعضًا، لا يجد القاريء فيه ما يعكِّر صفو الفهم عليه من تغاير الأساليب، وتباعد المعاني، وتفكُّك الجمل، وتنافر الألفاظ.
الثاني: توخي الإيجار في العبارة، والاختصار على المقيَّد من المسائل، وتحري الدقة والأمانة العلمية في البحث والدراسة بقدر الطاقة البشرية.
الثالث: ترتيب الموضوعات بحسب أهميتها، وبحسب صلة بعضها ببعض، أو تقارُب بعضها من بعض، مع الاقتصار على ما تكون إليه الحاجة ماسَّة والضرورة إليه ملحة.
فعلوم القرآن بحر زخار لا يستطيع أحد أن يجمعها في كتاب، مهما اتسع جهده، وطال عمره.
هذا وقد بذلت وسعي في التحليل والتعليل والتحقيق والتنقيح والاستنباط، والكشف عن الجديد من المسائل العلمية المتعلقة بمعاني هذا الكتاب العزيز.
فإن أكن وفِّقْتُ في شيء من ذلك فإنما هو بحمد الله تعالى وتوفيقه.
والله المستعان، وله الفضل، وبه الثقة، وعليه المعتمد.
ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير.
المؤلف
1 / 8
المبحث الأول: معنى علوم القرآن
علوم القرآن مركَّب إضافي، مؤلَّف من كلمتين، يقتضينا منهج البحث البحث التحليلي أن نعرِّفَ كل كلمة على حدة أولًا، ثم نبيِّنُ معنى كلمة علوم مضافة إلى القرآن الكريم، فنقول:
١- أما العلوم فجمع علم، والعلم مصدر "علم - يعلم" وهو مرادف للفهم والمعرفة واليقين، والجزم على الجملة، وبينها فروق دقيقة تُطْلَبُ من كتب فقة اللغة، مثل كتاب "الفروق اللغوية" لأبي هلال العسكري.
والعلم مصدر -كما قلنا- يصح إطلاقه على المفرد والجمع، تقول: تلقيت العلم في الجامع الأزهر، تعني: علم التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والصرف، وغير ذلك من أنواع العلم.
وإن أريد الكثرة، جمع على علوم، ولهذا سميت المباحث القرآنية: "علوم القرآن" لكثرتها وتشعُّب مسائلها.
كما يقول الفقهاء في كتبهم: "باب البيع"، فإن أرادوا الكثرة قالوا: "باب البيوع".
ويطلق العلم في لسان الشرع العام على معرفة الله تعالى وآياته، وأفعاله في عباده وخلقه.
ومعناه عند علماء التدوين: المعلومات المنضبطة بجهة واحدة، أي: موضوع معين.
فمسائل النحو مثلًا تُسَمَّى: علم النحو.
ومسائل الفقة تُسَمَّى: علم الفقه.
أو هو إدراك المسائل المنضبطة تحت موضوع معين.
أو هو الملكة التي تحصل بها تلك المعارف.
والتعريف الأول هو الأَوْلَى بالقبول، وهو الأشهر عند العلماء.
1 / 9
أما القرآن في اللغة فهو مصدر "قرأ".
يُقَال: قرأ يقرأ قراءة، وقرآنًا.
قال تعالى في سورة القيامة:
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ﴾ ١.
ثم نقل من هذا المعنى المصدري، وجُعِلَ اسمًا للكلام المعجِزِ المنزَّلِ على النبي ﷺ، من باب إطلاق المصدر على مفعوله.
فالقرآن على هذا يكون بمعنى المقروء.
هذا ما اختاره أكثر العلماء استنادًا إلى موارد اللغة وقوانين الاشتقاق.
"أما القول بأنه وصف من القرء -بسكون الراء- بمعنى الجمع، فهو قولٌ ليس براجح، وكذلك قول من قال: إنه مشتق من قرنت الشيء، أو أنه مرتجل، أي: موضوع من أول الأمر علمًا على الكلام المعجِز المنزَّل، فكل ذلك -كما يقول الزرقاني- لا يظهر له وجه وجيه، ولا يخلو توجيه بعضه من كلفة"٢.
هذا هو مفهوم لفظ "قرآن" في اللغة.
واما مفهومه في اصطلاح علماء العقيدة والشريعة واللغة، فهو منتَزَعٌ من خصائصه ومقاصده الكبرى.
وأشهر تعريف له قولهم:
القرآن كلام الله المعجِز، المنزَّل على محمد ﷺ، المكتوب في المصاحف، المنقول بالتواتر، المُتعبَّد بتلاوته.
بهذا عرَّفه اكثر أهل العلم.
وتوضيحه:
إن الكلام البشري نفسي ولفظي، فالنفسي هو المعاني التي تجول بالفؤاد
١ آية: ١٦-١٨.
٢ انظر مناهل العرفان ج١ ص٧.
1 / 10
قبل أن تخرج بها الأصوات، واللفظ هو قالب تلك المعاني، وهي التي نسمعها من الأصوات.
فقولنا: القرآن كلام الله، قد يُرَاد به الكلام النفسيّ، وقد يُرَادُ به الكلام اللفظي -ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم- فالمتكلمون يطلقون كلام الله على الكلام النفسي فقط، ويقررون أنه كلام قديم غير مخلوق، فيجب تنزهه عن الحوادث وأعراض الحوادث، وتجرده عن الحروف اللفظية المتعاقبة المستلزمة لتجدد الزمان والحدوث.
والأصوليون والفقهاء اهتمُّوا بإطلاق القرآن على الكلام اللفظي؛ لأن غرضهم الاستدلال على الأحكام، وهو لا يكون إلّا بألفاظ، وكذلك علماء اللغة العربية يهتمون بالكلام اللفظي؛ لأن عنايتهم بالإعجاز، وطريقة الألفاظ"١.
وهذا التعريف جمع أشهر خصائص القرآن وأهم مقاصده.
وكان بعضها كافيًا في التعريف، فلو قالوا: القرآن كلام الله المعجز.
أو قالوا: هو كلام الله المُتعبَّد بتلاوته.
أو قالوا: هو كلام الله المكتوب في المصاحف، لكان وافيًا بالمقصود في تحديد ما هو قرآن من غيره، لكنهم أطنبوا في التعريف مبالغة في التوضيح، ورغبةً في ذكر أهم خصائصه ومقاصده، فهو ليس تعريفًا بالمعنى الاصطلاحي الذي يُرَاعَى فيه الاختصار، والاقتصار على ما هو جامع مانع.
ومن هذا التعريق يُعْرَفُ الفرق بين القرآن والحديث القدسي والحديث النبوي، على ما سيأتي بيانه قريبًا -إن شاء الله تعالى.
ومن خلال هذا التعريق أيضًا يُعْرَفُ الفرق بين القراءة المتواترة وغير المتواترة، فما تواتر منها فهو قرآن يُتْلَى ويتعبَّد بتلاوته.
وما هو غير متواتر لا يُتْلَى ولا يُتَعَبَّد بتلاوته، ولا يُسَمَّى قرآنًا، وإن جاز الاحتجاج بها في تصحيح لغة على لغة، وترجيح مذهب فقهي على آخر، بالشروط التي ذكرها الفقهاء في كتهبم.
هذا -ويطلق لفظ القرآن على الكتاب المُنزَّل كله وعلى بعضه.
١ انظر "اللآليء" للدكتور موسى شاهين لاشين ص٩.
1 / 11
فيُقَال لمن قرأ منه ولو آية إنه قرأ قرآنًا.
٣- وأما تعريف علوم القرآن بالمعنى الإضافي، أي: باعتبار إضافة العلوم إلى هذا الكتاب المنزَّل، فهو عبارة عن طوائف المعارف المتصلة بالقرآن.
وهذا التعريف يشمل بعمومه جميع العلوم الشرعية من التفسير والحديث والفقه، وأصول الفقه، وجميع العلوم التي تعين على فهم معانيه ومقاصده، كالعلوم اللغوية والتاريخية، وغيرها، فكل ما يتصل بالقرآن من قريب أو من بعيد داخل تحت هذا التعريف.
غير أن المشتغِلِين بدراسة القرآن الكريم -فيما يبدو لنا- يقتصرون في بحوثهم على العلوم الوثيقة الصلة بالقرآن الكريم، والتي تعين على فهمه بطريق مباشر، مثل البحوث التي تضمَّنها كتاب "البرهان" للزركشي، وكتاب "الإتقان" للسيوطي.
وانفرد التفسير عن هذه العلوم بالتأليف والتصنيف، مع أنه داخل فيها لمسيس الحاجة إليه من غيره عند جميع المكلَّفين بلا استثناء.
أما غيره من علوم القرآن، فلا يكاد يحتاج إليه إلّا المتخصصون في دراسة كتاب الله تعالى، على نحو من تفسيره للناس، تفسيرًا صحيحًا، وفق هذه العلوم التي يعنون بدراستها.
فعلوم القرآن سوى التفسير، من شأن أولي العلم والنُّهَى، ورجال التفسير والتأويل الذي يُنَاطُ بهم فهم القرآن أولًا، وبيان معانيه للناس ثانيًا.
وأما التفسير، فالأمر فيه ما قد علمت، فلا تغفل عن ذلك، وقد كانت علوم القرآن قبل عصر التدوين وبعده بزمن غير يسير متصلة بسائر العلوم الشرعية، بل والعلوم العربية أيضًا، ثم انفصلت عنها.
وفيما يلي نبذة تاريخية يتبين لك فيها المراحل التي مرَّ بها هذا العلم، حتى انتهى إلى ما هو عليه الآن.
1 / 12
المبحث الثاني: نشأة علوم القرآن وتطورها
١- كان الرسول ﷺ، وأصحابه يعرفون عن القرآن وعلومه، ما عرف العلماء، وفوق ما عرف العلماء من بعد.
أما الرسول ﷺ، فقد كان يعلم من القرآن ظاهره وباطنه، ومحكمه ومتشابهه، وعامَّه وخاصَّه، ومطلقه ومقيده، وغير ذلك من الأمور الجلية والخفية، التي اشتملها هذا الكتاب العظيم.
فقد كتب الله على نفسه الرحمة ليجمعنَّه له في صدره، وليطلق لسانه بقراءته وترتيله، وليميطنَّ اللثام عن معانيه وأسراره.
قال جل شأنه في سورة القيامة: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ١.
وأما أصحابه، فقد نهلوا من معينه، فعلموا منه بقدر طاقتهم ما أعانهم على فهم ما يتعلق بشئون دينهم ودنياهم، وعرفوا من أقواله وأفعاله ﷺ مراد الله تعالى من كلامه المنَزَّل، أعان بعضهم بعضًا على ذلك، بعد أن لقي الرسول ﷺ ربه، فكان منهم يسأل الآخر عَمَّا غمض عليه فهمه، أو جهل حكمه.
وكان منهم من دعا له الرسول ﷺ بالعلم والفقه؛ كابن عباس ﵄، والخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وأُبَيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم.
وكان الصحابة عربًا خُلَّصًا، متمتعين بجميع خصائص العروبة ومزاياها الكاملة من قوة في الحافظة، وذكاء في القريحة، وتذوق للبيان، وتقدير
١ آية: ١٦-١٩.
1 / 13
للأساليب، ووزن لما يسمعون بأدق المعايير، حتى أدركوا من علوم القرآن ومن إعجازه بسليقتهم، وصفاء فطرتهم، ما لا نستطيع نحن أن ندركه مع زحمة العلوم، وكثرة الفنون.
وكان الصحابة -رضوان الله عليهم- مع هذه الخصائص أمِّيين، وأدوات الكتابة لم تكن ميسورة لديهم، والرسول ﷺ نهاهم أن يكتبوا عنه شيئًا غير القرآن، وقال لهم أول العهد بنزول القرآن فيما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري ﵁: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدِّثُوا عني فلا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".
وذلك مخافة أن يلتبس القرآن بغيره، أو يختلط بالقرآن ما ليس منه.
فلتلك الأسباب المتضافرة لم تكتب علوم القرآن، كما لم يكتب الحديث الشريف، ومضى الرعيل الأول على ذلك في عهد الشيخين أبي بكر وعمر.
ولكن الصحابة كانوا مضرب الأمثال في نشر الإسلام وتعاليمه، والقرآن وعلومه، والسنة وتحريرها تتلقينًا لا تدوينًا، ومشافهة لا كتابة" أ. هـ١.
٢- ولما اتسعت رقعة الإسلام في عهد عثمان بن عفان ﵁، واختلط العرب الفاتحون بالأمم التي لا تعرف العربية، خاف بعض المسلمين على القرآن أن يختلف المسملون في قراءته إن لم يجتمعوا على مصحف واحد، فأشاروا على عثمان بكتابة القرآن الكريم في مصحف واحد، وتنسخ منه عدة مصاحف يُبْعَثُ بها إلى أقطار الإسلام، وأن يحرق الناس ما عداها، على ما سيأتي بيانه مفصَّلًا عند الكلام على جمع القرآن.
فاستجاب ﵁ لهذه النصيحة الغالية؛ فجمع المسلمين على مصحف واحد عُرِفَ بمصحف الإمام، وبهذا العمل وضع عثمان ﵁ الأساس لما نسميه علم رسم القرآن، أو علم الرسم العثماني.
١ انتهى بتصرف يسير من مناهل العرفان ج١ ص٢٢، ٢٣.
1 / 14