معجم أعلام شعراء المدح النبوي
معجم أعلام شعراء المدح النبوي
Editorial
دار ومكتبة الهلال
Edición
الأولى
Regiones
Egipto
[تقديم]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) [التوبة ١٢٨- ١٢٩]
صدق الله العظيم
1 / 7
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
تقديم بقلم الدكتور ياسين الأيوبي من نعم الله على المرء، متاع فكري يزدهي به ويسمو على ما حوله من متع الحياة الدنيا وأطايبها البائدة..
وما من نعمة تفوق كتابا يضم بين دفتيه، خلاصة القرائح، وصفوة المعاناة الروحية، يعتصرها سدنة الكلمة، وأهل العرفان، وهم في نشوة العبادة، ومنتهى الشوق للثم العتبات، وارتشاف النفحات المحمدية.
والأمتع من ذلك كله، أن تتحقق المتعة في رمضان، شهر العبادة والابتهالات.. شهر البرّ والانعتاق، الذي عدله الله بكل الشهور، بل فضّله على كل الشهور..
وهكذا كان..
فقد رغب إليّ الأخ الدكتور محمد درنيقة، في مطلع هذا العام أن أقرأ كتابه الموسوم: «معجم أعلام شعراء المدح النبوي»، وأضع أوزان أشعاره وأضبطها ضبطا عروضيا سليما. فلم أتردد بالموافقة، ووعدته إنجازا خلال شهر رمضان.
وإذا بي أمام حصيلة نيّرة من عيون الشعر النبوي، جمعها الدكتور درنيقة من حدائق العصور وموائد الشعراء، منذ البردة الكعبية (نسبة إلى كعب
1 / 9
بن زهير) حتى بردة أحمد شوقي، وما تلاها من قصائد مماثلة إلى يومنا هذا، قاطعا بذلك أربعة عشر قرنا ونيّفا، وقرابة خمسمائة شاعر وعالم ومجاهد وكاتب.. وقفوا جميعا بباب الرحمن ملبّين وصاته الأزلية في الصلاة على النبي، والسلام عليه وعلى آله وصحبه..
كلمة «١» صدرت عن العزة الإلهية، تلقاها الإنسان.. فأقبل عليها واستجاب لصاحبها؛ وأضحى الكلام على النبي ﷺ ضربا من التبرّك والزلفى إلى الملك القدوس الذي أمر عباده المؤمنين بالصلاة عليه والتسليم.
كلمة واحدة: «صلّوا» .. وانطلقت الألسن والشفاه تصوغ أجمل الكلام، وتوقّع أعذب الألحان في مختلف المناسبات والمقامات، لتصلي على النبي المختار، وتنشر له أجمل الأشعار.
هل الصلاة على الرسول، كالصلاة لله العظيم؟ ..
حاشا لله ولرسوله! .. هنا عبادة، وخشوع، وتبتّل، وضراعة، وضمور، وانتهاء ... وهناك التحبّب، والتكريم، والتفاني، والمديح، والتقرب، بكل الصيغ والأساليب.. وليس كالشعر سبيلا لتجسيد هذه الصلاة، وتحقيق مضمونها وتشريف قائلها..
لم يعد مدح الرسول ﷺ صفة تحبّبية يسعى إليها الشاعر، والعابد، والمصلّي؛ بل هي فريضة منزّلة يجزى عليها صاحبها أجمل الجزاء وتحسب له في سجلّه الآخروي أضعاف أضعاف ما تجترح يداه من سيئات، ويرتكب من أخطاء.
فلا نعجبنّ من هذا الكمّ الهائل من قصائد المدح المحمّدي، يطالعنا عبر الحقب والأجيال. ولا سبيل إلى محاسبة أحد على ما سطّر قلمه، وجوّد لسانه، لأن المدح ههنا، دواء لقائله وصائغه، وبلسم لسامعه وقارئه؛
إن أحسن وأبدع، فله أجران: أجر الصلاة الامتداح، وأجر الإجادة
(١) إشارة صريحة إلى الآية ٥٦ من سورة الأحزاب: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
1 / 10
والتحسين، وإن اكتفى بالصلاة والامتداح المجرّد، فالأجر مضمون لا ينقص منه مثقال ذرّة.
فمن لم يؤت ملكة التصوير الفني الشعري الرفيع.. عمد إلى طاقتي التعبير اللغوي- ومشاعر التبجيل، اللتين نشأ عليهما فمارسهما وأتقنهما بصورة أو بأخرى، سواء بالنظم- وما أكثر الناظمين في هذا الباب- أم بالتقليد والعدوى اللذين يشبّ عليهما الكتاب والعلماء في شتى الحقول..
وإذا نحن أمام قائمتين من المدّاحين: قائمة الشعراء الملهمين، وقائمة الكتّاب الناظمين: كلتاهما مادحة (مصلّية)، مؤمنة محسنة، تنتزع منا التأييد والإشادة مهما قلّ الكلام وانقبض المعنى.
وهو ما استشعرته طوال قراءتي لهذا الشعر النفيس مما كتبه الأخ درنيقة وجمعه، ورتّبه.. فلم يصدمني مدح نبوي واحد من بين المئات والألوف من المدائح التي اشتمل عليها كتابه.. لا لشيء، إلّا لأنها ضمّخت بألطاف رمضان وإشراقاته، وترجيع أنواره المباركة التي تشبه المرتاض في حديقة مترامية الأطراف، فيها من كل الأزهار، والأطيار، والثمار.. كيفما التفتّ لفحك النّور، وشنّفك الغناء، وطابت الثمار.. من غير أن تميّز فيها الكزّ، والناشز، والباهت..
ولو كانت القراءة في غير هذا الشهر، لأمكن تمييز الغثّ من الثمين، والكزّ من الرطيب وإن بنسبة ضئيلة.
تلك هي النعمة السّنيّة التي أنعم الله بها عليّ في شهر التوبة والطهارة، نعمت بها على مدى الثلاثين يوما؛ لا ضجر، ولا ضيق، ولا نفور.. لأن قلم الدكتور محمد سلس، بعيد عن تكلف المحبّرين، وتقعّر اللغويين.
ونهجه واضح يقتصر على التعريف بالعلم وباثاره.. بسطور لا تضطر معها إلى المراجعة إلّا للاستزادة.. منتهيا إلى زبدة التعريف وهي: المدحة النبوية التي اختصرها الكاتب، واكتفى منها بما يؤكد الصلاة المحمدية، ويسلط ضوآ على معاني الشاعر وطريقته ومنحاه.
ولئن فات زميلنا الباحث، الغوص على جماليّات الشعر المدحي،
1 / 11
واستخراج لآلئه النورانية- على غرار ما عرفناه في بعض كتبه، ولا سيما الصوفية- فقد عوض ذلك بالإكثار من الشواهد، وذيّل- لمن يرغب- بكثير من المصادر والمراجع.
وقد يؤخذ على الكتاب الكثير من الاختصار في إثبات النماذج المدحية لدى طائفة من الشعراء، والإسهاب لدى طائفة أخرى.. والسبب هو اكتفاء صاحبه باعتماد قواميس التراجم والمؤلّفات، التي تعرّف بالعلم وباثاره ولا تعنى بإيراد الشواهد..
ولو بذل الدكتور درنيقة جهودا إضافية في البحث والتنقيب، لسدّ هذه الثغرة.. وربما أجابنا، بأن كتابه يتناول أعلام المدح النبوي، لا شعرهم وهذا صحيح.
ومع ذلك، فسيكون صنيعه أتمّ، وجهده أعظم، لو عزّز التعريف بشيء من الشواهد..
ولكن طبيعة الموضوع الذي ندب محمد درنيقة نفسه له، محفوف بالنقص، والقصور، لأن مدّاحي الرسول ﷺ لا يحصيهم قلم، ولا يحبسهم لسان، ولا تحتويهم ذاكرة..
كذلك هي المدائح والصلوات الشعرية. ناهيك بأن كاتبنا، عني بالأعلام، لا الأقلام، والنوع لا الكمّ..
فهل يتسع المجال لعمل موسوعي، أكبر وأشمل؟ ..
لا أظن ذلك عسيرا على من وقف دراساته كلها تقريبا، على التصوف الإسلامي، وتبيان معالم السنّة النبوية الشريفة..
سدّد الله خطاه.. وأجزل له العطاء وأحسن إليه.. وأثابه..
طرابلس- لبنان.
الثاني من شوال سنة ١٤١٤ هـ
الموافق ١٤ آذار سنة ١٩٩٤ م.
ياسين الأيوبي
1 / 12
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
لقد بعث الله تعالى الأنبياء والرسل لهداية بني البشر، ولإخراجهم من الظلمات إلى النور ولتزكية نفوسهم، وإرشادهم لما فيه خيرهم في الدنيا والآخرة. ولقد كان هؤلاء المبعوثون على مستوى رفيع من الخلق القويم، لأنه على المرء أن يقتدي بهم في أعمالهم وسلوكهم؛ لذلك فهم أكمل أفراد النوع الإنساني، ولكنهم، في الوقت نفسه، يتفاوتون فيما بينهم في الكمال «فمنهم الكامل والأكمل. ولم يتعين أحد منهم بما تعين به ﷺ في هذا الوجود من الكمال الذي قطع له بانفراده فيه. شهدت له بذلك أخلاقه وأحواله وأفعاله وبعض أقواله. فهو الإنسان الكامل، والباقون من الأنبياء والأولياء الكمل ملحقون به لحوق الكامل بالأكمل، ومنتسبون إليه انتساب الفاضل إلى الأفضل» «١» . فالرسول ﷺ أفضل الأنبياء والمرسلين، والملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وكافة الخلق أجمعين، إفرادا وإجمالا؛ أي أنه أفضل من كل فرد منهم على حدته، وأفضل من مجموعهم لو اجتمعوا. و«لا سبيل إلى معرفة فضائله ﷺ ومزاياه، معرفة تحيط به من كل الوجوه، ولو اجتمع لذلك كل من عداه، إذ لا يعرف حقيقته ولا يحيط بفضائله ﵊ إلا الله. وما زال مهرة العلماء يغوصون في
(١) البيرنادر، التصوف الإسلامي (بيروت ١٩٦٠) ص ١٥٣.
1 / 13
لجج بحورها الزواخر، فيستخرجون منها روائع اللآلي وبدائع الجواهر، فمنهم من نظمها عقودا زيّن بها جيد الزمان، ومنهم من نثرها على بساط البسيطة فاستغنى بها أهل المعرفة والإيمان، ألّفوا فيها الكتب ودونوا الدواوين، ورووا أخبارها عن كل صادق أمين» «١» .
وقد تعرض مؤرخو السيرة النبوية لمسألة تفضيله ﷺ على سائر الأنبياء والمرسلين، فأشبعوها بحثا ودراسة، مستندين إلى البراهين الساطعة والحجج الدامغة المأخوذة من القرآن الكريم ومن أحاديث خاتم النبيين. وهذا ما فعله أبو نعيم الأصبهاني في كتابه دلائل النبوة «٢» . كما تباروا في رسم صورة واضحة عن خلقه وخلقه، وذكر نسبه، ووصف عبادته، وسرد بعض معجزاته ...
لقد اشتهر النبي ﷺ بحسن أخلاقه، وكمال أدبه، قبل الإسلام وبعده، واتصف منذ بداية حياته بالاستقامة والصدق والأمانة وثقة الجميع به. ثم بعد الرسالة، بقي مثالا للأدب الرفيع وللخلق الكامل. فكان ﷺ «أحلم الناس، وأعدلهم وأعفهم، وأشجعهم وأسخاهم. وكان يعود المرضى ويشهد الجنائز، ويجيب دعوة المظلوم، ويجالس الفقراء والمساكين، ويؤاكلهم، ولا يحتقرهم لفقرهم وزمانتهم «٣» . وكان يصل ذوي القربى، من غير إيثار على من هو أفضل منهم. ويكرم أهل الفضل في أخلاقهم، ويتألف أهل الشر بالبر إليهم، ولا يجفو على أحد. وكان أشد الناس أمانة وصبرا، وأكثرهم تواضعا وحياء ولينا وبشرا» «٤» .
وصفه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ض) بقوله: «كان النبي ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخّاب، ولا فحاش ولا عياب ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهيه، ولا يوئس منه. قد
(١) يوسف النبهاني، الأنوار المحمدية من المواهب اللدنية (بيروت ١٣١٢ هـ) ص ٢- ٤.
(٢) أبو نعيم الأصبهاني، دلائل النبوة (حيدر آباد ١٣٢٠ هـ) ص ١٤.
(٣) أي: عاهاتهم أو تعطل بعض القوى.
(٤) صبحي محمصاني، الدعائم الخلقية للقوانين الشرعية (بيروت ١٩٧٩) ص ١٠٠.
1 / 14
ترك نفسه من ثلاث: الرياء والإكثار وما لا يعنيه. وترك الناس من ثلاث:
كان لا يذم أحدا ولا يعيبه ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير» «١» .
«ومناقبه ﷺ ومحاسنه قد ملأت الوجود شهرة، ولو اجتمع الخلق على أن يحصوها كان وصفهم من بحرها قطرة. وإنه ما يهتدي أحد من خلق الله ﷿ إلى معرفة ما حوى خلقه الحسن من المحاسن الكريمة، وجميل الأخلاق الكاملة العظيمة، وقد أجمل الله تعالى من وصفه في محكم تنزيله ما لا يتسع الدفاتر لتفصيله فقال في الذكر الحكيم: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم/ ٤] «٢» .
ذلك أن أبرز سمة في شخصيته المتعددة الجوانب أخلاقيته التي لا نظير لها «فلو أنك جمعت كل خلق عظيم في العالم، وكل تصرف أخلاقي سليم تصرّفه في يوم من الأيام إنسان، فإن ما تجده في حياة رسول الله ﷺ يربو على هذا كله مجتمعا. مع انعدام التصرفات غير الأخلاقية في حياته ﵇، مما لا تستطيع معه أن تجد في حياته كلها تصرفا يمكن أن ترى أعظم منه في باب الأخلاق عند غيره ﷺ» «٣» . قال تعالى يثني على أخلاقه ﷺ: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم/ ٤] وليس بعد ذلك ثناء، فإن أعظم ما يمكن أن يتحلى به المرء هو الأخلاق الحسنة. ومع ما قيل في هذه الآية الكريمة من أنها تكريم وتمجيد ومدح وثناء «ومع إيماننا بأنها تتضمن كل المعاني الكريمة التي قيلت والمعاني الشريفة التي ستقال. فقد يتساءل بعض الناس عن هذا «الخلق العظيم» أكان يشارك رسول الله ﷺ فيه نبي مكرم؟ أكان يشاركه فيه رسول مجتبى؟ أكان يشاركه فيه ملك مقرب؟
يسعفنا القرآن الكريم بهذا التحديد إسعافا يرضي المتطلع إلى المعرفة،
(١) عبد الله اليافعي، مرآة الجنان وعبرة اليقظان (بيروت ١٩٧٠) ١/ ٢٨- ٢٩؛ محمد البتنوني، الرحلة الحجازية (القاهرة ١٣٢٩ هـ) ص ٢٦٧؛ محمد الكاندهلوي، حياة الصحابة (دمشق ط أولى) ١/ ٤٤ و٣/ ١٢٨- ١٢٩.
(٢) اليافعي، مرآة الجنان ١/ ١٩ و٢٦.
(٣) سعيد حوى، الرسول ﷺ (بيروت ١٩٦٩) ١/ ١٣٦.
1 / 15
ويشرح صدور المحبين لرسول الله ﷺ: إن القرآن يحسم الأمر حسما، لا يدع فيه مجالا للبس: يقول الله تعالى لرسوله الكريم: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام/ ١٦٢] هذه الآية الكريمة تحدد درجة الأخلاق القرآنية التي وصل إليها الرسول: إنها ذروتها وسنامها» «١» .
وفي القرآن الكريم آيات كثيرة في شرف المصطفى ﷺ وفي ذكر خصائصه الطيبة وخلاله الحميدة ... فالنبي ﷺ مبشر ونذير، وداع إلى الله بإذنه والسراج المنير وهو رحمة للعالمين، بالمؤمنين رؤوف رحيم ...
قال تعالى: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح/ ٤] وفيها يقول الإمام الشافعي «إن معنى قول الله تعالى ورفعنا لك ذكرك: لا أذكر إلا ذكرت معي» «٢» . ففي كل يوم مليارات الشفاه تتلفظ باسمه ﷺ، وملايين القلوب تحن إليه، وملايين النفوس تطرب وتهتز لسماع اسمه.
وقد فرض الله سبحانه طاعته على العالم فرضا مطلقا لا شرط فيه ولا استثناء قال تعالى: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر/ ٧]» .
وقال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [آل عمران/ ١٣٢] . وقال أيضا: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ [آل عمران/ ٣٢] .
قال القاضي عياض في شرح هذه الآيات: «فجعل (الله تعالى) طاعته طاعة رسوله، وقرن طاعته بطاعته، ووعد على ذلك بجزيل الثواب، وأوعد على مخالفته بسوء العقاب. وقال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء/ ٨٠] يعني من أطاع الرسول لكونه رسولا مبلغا إلى الخلق أحكام الله
(١) الحافظ الذهبي، السيرة النبوية، تحقيق القدسي (بيروت ١٩٨١) ص ٣١٩- ٣٢٠؛ را: محمد رضا، محمد رسول الله (بيروت ١٩٧٥) ص ٤٠٠.
(٢) يوسف النبهاني، الأحاديث الأربعين في فضائل سيد المرسلين (بيروت ١٣١٥ هـ) ص ٦.
(٣) را: الأصبهاني، دلائل النبوة، ص ٨.
1 / 16
فهو في الحقيقة ما أطاع إلا الله. وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا [النساء/ ٨٠] فإن من أعماه الله عن الرشد، وأضله عن الطريق فإن أحدا من خلق الله لا يقدر على إرشاده. وهذه الآية من أقوى الأدلة على أن الرسول معصوم في جميع الأوامر والنواهي، وفي كل ما يبلغه عن الله؛ لأنه لو أخطأ في شيء منها لم تكن طاعته طاعة لله تعالى. وأيضا وجب أن يكون معصوما في جميع أفعاله؛ لأنه تعالى أمر بمتابعته في قوله تعالى: فَاتَّبِعُونِي [آل عمران/ ٣١] والمتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير، فثبت أن الانقياد له في جميع أقواله وأفعاله إلا ما خصه الدليل به طاعة له، وانقياد لحكم الله تعالى. قال تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء/ ٦٩] . فهذه الآية عامة في حق جميع المكلفين وهو أن كل من أطاع الله وأطاع الرسول فقد فاز بالدرجات العالية في المراتب الشريفة عنده تعالى» «١» .
عن ابن عباس (ض) أنه قال: «ما خلق الله ﷿ وما ذرأ نفسا أكرم عليه من محمد ﷺ، وما سمعت الله ﷿ أقسم بحياة أحد إلا بحياته فقال: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر/ ٧٢] «٢» .
كذلك لم يصل إلينا أن الله تعالى قد دافع عن نبي، وفنّد مزاعم أعدائه كما فعل مع النبي محمد ﷺ: فلما قال المشركون للرسول «إنك لمجنون» أجاب الله تعالى عنه الأعداء قائلا: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم/ ١] . وهكذا سنة الأحباب، فإن الحبيب إذا سمع من يسب حبيبه تولى بنفسه جوابه.
ولما نعته قومه بالأبتر جاء قول الله: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر/ ٣] أي عدوك ومبغضك هو المقطوع الذليل الحقير.
ولما قالوا: «إفترى على الله كذبا» . قال تعالى: بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
(١) النبهاني، الأنوار المحمدية، ص ٣٩١- ٣٩٣.
(٢) ابن منصور، مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر، تحقيق روحية النحاس (دمشق ١٩٨٤) ٢/ ١٠١، الأصبهاني، دلائل النبوة، ص ١٢.
1 / 17