Daqa'iq Uli al-Nuha li Sharh al-Muntaha
دقائق أولي النهى لشرح المنتهى
Editorial
عالم الكتب
Edición
الأولى
Año de publicación
1414 AH
Ubicación del editor
بيروت
[كِتَابُ الطَّهَارَةِ]
(كِتَابُ الطَّهَارَةِ): هُوَ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ هَذَا كِتَابُ، أَوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ مِمَّا يُذْكَرُ كِتَابُ وَيَجُوزُ نَصْبُهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، لَكِنْ لَا يُسَاعِدُهُ الرَّسْمُ إلَّا مَعَ الْإِضَافَةِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي نَظَائِرِهِ وَهُوَ مَصْدَرٌ كَالْكَتْبِ وَالْكِتَابَةِ، بِمَعْنَى الْجَمْعِ، وَمِنْهُ الْكَتِيبَةُ بِالْمُثَنَّاةِ لِلْجَيْشِ، وَالْكِتَابَةُ بِالْقَلَمِ لِجَمْعِ الْكَلِمَاتِ وَالْحُرُوفِ، وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ الْجَامِعِ لِمَسَائِلِ الطَّهَارَةِ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِهَا وَمَا تُوجِبُهَا، وَمَا يُتَطَهَّرُ بِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ قَالُوا: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْكَتْبِ.
وَبَدَأَ الْفُقَهَاءُ بِالطَّهَارَةِ لِأَنَّ آكَدَ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ الصَّلَاةُ: وَالطَّهَارَةُ شَرْطُهَا وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ، وَقَدَّمُوا الْعِبَادَاتِ اهْتِمَامًا بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، ثُمَّ الْمُعَامَلَاتِ لِأَنَّ مِنْ أَسْبَابِهَا الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَنَحْوَهُ مِنْ الضَّرُورِيِّ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ وَشَهْوَتُهُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى شَهْوَةِ النِّكَاحِ، وَقَدَّمُوهُ عَلَى الْجِنَايَاتِ وَالْحُدُودِ وَالْمُخَاصَمَاتِ لِأَنَّ وُقُوعَهَا فِي الْغَالِبِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ (الطَّهَارَةُ) مَصْدَرُ طَهُرَ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ، كَمَا فِي الصِّحَاحِ، وَالِاسْمُ الطُّهْرُ.
وَهِيَ لُغَةً: النَّظَافَةُ وَالنَّزَاهَةُ عَنْ الْأَقْذَارِ حَتَّى الْمَعْنَوِيَّةُ، وَشَرْعًا (ارْتِفَاعُ حَدَثٍ) أَيْ زَوَالُ الْوَصْفِ الْحَاصِلِ بِهِ الْمَانِعِ مِنْ نَحْوِ صَلَاةٍ وَطَوَافٍ، وَالِارْتِفَاعُ مَصْدَرُ ارْتَفَعَ، فَفِيهِ الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ الْمُفَسِّرِ وَالْمُفَسَّرِ فِي اللُّزُومِ بِخِلَافِ الرَّفْعِ، وَيَأْتِي مَعْنَى الْحَدَثِ (وَمَا فِي مَعْنَاهُ) أَيْ مَعْنَى ارْتِفَاعِ الْحَدَثِ، كَالْحَاصِلِ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ لَا عَنْ حَدَثٍ وَكَذَا غَسْلُ يَدَيْ الْقَائِمِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ.
وَمَا يَحْصُلُ بِالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ الْمُسْتَحَبَّيْنِ، وَمَا زَادَ عَلَى الْمَرَّةِ فِي وُضُوءٍ وَغُسْلٍ وَبِغَسْلِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ مِنْ الْمَذْيِ إنْ لَمْ يُصِبْهُمَا، وَكَوُضُوءِ نَحْوِ الْمُسْتَحَاضَةِ إنْ قِيلَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ (بِمَاءٍ) مُتَعَلِّقٌ بِارْتِفَاعِ (طَهُورٍ مُبَاحٍ) فَلَا يَرْتَفِعُ
1 / 13
حَدَثٌ بِغَيْرِ مَاءٍ طَهُورٍ مُبَاحٍ (وَزَوَالُ خَبَثٍ) أَيْ نَجَسٍ حُكْمِيٍّ (بِهِ) أَيْ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ.
(وَلَوْ لَمْ يُبَحْ) فَتَزُولُ النَّجَاسَةُ بِنَحْوِ مَغْصُوبٍ، لِأَنَّ إزَالَتَهَا مِنْ قِسْمِ التُّرُوكِ، بِخِلَافِ رَفْعِ الْحَدَثِ، وَتَزُولُ النَّجَاسَةُ بِالْمَاءِ وَحْدَهُ إنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ نَحْوِ كَلْبٍ (أَوْ) بِمَاءٍ طَهُورٍ (مَعَ تُرَابٍ طَهُورٍ أَوْ نَحْوِهِ) كَصَابُونٍ وَأُشْنَانٍ إنْ كَانَتْ مِنْهُ، فَلَا يَكْفِي فِيهَا الْمَاءُ وَحْدَهُ (أَوْ) زَوَالُ خَبَثٍ (بِنَفْسِهِ) أَيْ بِغَيْرِ شَيْءٍ يُفْعَلُ بِهِ، كَخَمْرَةٍ انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا خَلًّا، وَمَاءٍ كَثِيرٍ مُتَغَيِّرٍ بِنَجَاسَةٍ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ، فَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ (أَوْ ارْتِفَاعِ حُكْمِهِمَا) أَيْ الْحَدَثِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَالْخَبَثِ (بِمَا يَقُومُ مَقَامَهُ) أَيْ الْمَاءُ كَالتَّيَمُّمِ وَالِاسْتِجْمَارِ - وَهَذَا الْحَدُّ لِصَاحِبِ التَّنْقِيحِ، وَسَبَقَهُ إلَى قَرِيبٍ مِنْهُ الْمُوَفَّقُ، وَاعْتَرَضَهُ الْحَجَّاوِيُّ، كَمَا أَوْضَحْتُهُ فِي الْحَاشِيَةِ.
[بَابُ بَيَانِ أَنْوَاعِ الْمِيَاهِ وَأَحْكَامِهَا وَمَا يَتْبَعُهَا]
وَبَابُ الشَّيْءِ مَا تُوُصِّلَ إلَيْهِ مِنْهُ فَبَابُ الْمِيَاهِ مَا تُوُصِّلَ مِنْهُ إلَى الْوُقُوفِ عَلَى مَسَائِلِهَا (الْمِيَاهُ) جَمْعُ مَاءٍ بِاعْتِبَارِ مَا يَتَنَوَّعُ إلَيْهِ شَرْعًا (ثَلَاثَةٌ) بِالِاسْتِقْرَاءِ (طَهُورٌ) وَهُوَ أَشْرَفُهَا.
قَالَ ثَعْلَبُ: طَهُورٌ بِفَتْحِ الطَّاءِ: الطَّاهِرُ فِي ذَاتِهِ الْمُطَهِّرُ لِغَيْرِهِ انْتَهَى، فَهُوَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُتَعَدِّيَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] وَقَالَ ﷺ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا بِمَعْنَى الْمُطَهِّرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَوَابًا لِلْقَوْمِ حِينَ سَأَلُوهُ عَنْ الْوُضُوءِ بِهِ، إذْ لَيْسَ كُلُّ طَاهِرٍ مُطَهِّرًا، وَلَا يُنَافِيه: خُلِقَ الْمَاءُ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ.
فَقَدْ جَمَعَ الْوَصْفَيْنِ كَوْنُهُ نَزِهًا لَا يَتَنَجَّسُ بِغَيْرِهِ وَأَنَّهُ يُطَهِّرُ غَيْرَهُ (يَرْفَعُ الْحَدَثَ) أَيْ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ غَيْرُهُ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ (وَهُوَ) أَيْ الْحَدَثُ (مَا) أَيْ مَعْنَى يَقُومُ بِالْبَدَنِ (أَوْجَبَ وُضُوءًا) أَيْ جَعَلَهُ الشَّرْعُ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ، وَيُوصَفُ بِالْأَصْغَرِ (أَوْ) أَوْجَبَ غُسْلًا، وَيُوصَفُ بِالْأَكْبَرِ وَلَيْسَ نَجَاسَةً. فَلَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِحَمْلِ مُحْدِثٍ، وَالْمُحْدِثُ مَنْ لَزِمَهُ لِنَحْوِ صَلَاةٍ وُضُوءٌ، أَوْ غُسْلٌ أَوْ تَيَمُّمٌ.
فَالطَّاهِرُ ضِدُّ الْمُحْدِثِ وَالنَّجِسِ، وَالْمُحْدِثُ لَيْسَ نَجِسًا وَلَا طَاهِرًا (إلَّا حَدَثَ رَجُلٍ) إلَّا امْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ.
(وَ) إلَّا حَدَثَ (خُنْثَى) مُشْكِلٍ بَالِغٍ احْتِيَاطِيًّا فَلَا يَرْتَفِعُ (ب) مَاءٍ (قَلِيلٍ) لَا يَبْلُغُ قُلَّتَيْنِ (خَلَتْ بِهِ امْرَأَةٌ) مُكَلَّفَةٌ (وَلَوْ كَانَتْ) (كَافِرَةً) ; لِأَنَّهَا أَدْنَى مِنْ الْمُسْلِمَةِ وَأَبْعَدُ مِنْ
1 / 14
الطَّهَارَةِ وَلِعُمُومِ الْخَبَرِ الْآتِي (لِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ) لَا بَعْضِهَا (عَنْ حَدَثٍ) بِحَيْثُ تَكُونُ خَلْوَتُهَا بِاسْتِعْمَالٍ (كَخَلْوَةِ نِكَاحٍ) فَلَا أَثَرَ إذَا شَاهَدَهَا مُمَيِّزٌ أَوْ كَافِرٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ قِنٌّ (تَعَبُّدًا) أَيْ قُلْنَا ذَلِكَ تَعَبُّدًا، لِأَمْرِ الشَّارِعِ بِهِ، وَعَدَمِ عَقْلِ مَعْنَاهُ قَالَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ («نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ.») رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا أَنَّ النَّسَائِيّ وَابْنَ مَاجَهْ قَالَا: " وُضُوءِ الْمَرْأَةِ " وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ أَكْثَرُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُونَ ذَلِكَ، وَهُوَ لَا يَقْتَضِيه الْقِيَاسُ، فَيَكُونُ تَوْقِيفًا، وَمِمَّنْ كَرِهَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ، وَخُصِّصَ بِالْخَلْوَةِ لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ " تَوَضَّأْ أَنْتَ هَاهُنَا وَهِيَ هَاهُنَا فَإِذَا خَلَتْ بِهِ فَلَا تَقْرَبَنَّهُ " وَبِالْقَلِيلِ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْكَثِيرِ، فَهَذَا أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى النِّسَاءِ أَنْ يَتَطَهَّرْنَ مِنْ الْقَلِيلِ.
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِخَلْوَتِهَا بِالتُّرَابِ، وَلَا بِالْمَاءِ لِإِزَالَةِ خَبَثٍ، أَوْ طُهْرٍ مُسْتَحَبٍّ، وَلَا لِخَلْوَةِ خُنْثَى مُشْكِلٍ، وَلَا لِغَيْرِ بَالِغَةٍ، وَلَا لِبَعْضِ طَهَارَةٍ (وَيُزِيلُ) الْمَاءُ الطَّهُورُ، عَطَفَ عَلَى يَرْفَعُ، أَيْ وَيُزِيلُ (الْخَبَثَ الطَّارِئَ) عَلَى مَحَلٍّ طَاهِرٍ قَبْلَهُ غَيَّرَهُ، لِمَا يَأْتِي فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ نَجَسَ الْعَيْنِ لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ (وَهُوَ) أَيْ الْمَاءُ الطَّهُورُ الْمَاءُ (الْبَاقِي عَلَى خِلْقَتِهِ) أَيْ صِفَتِهِ، وَهِيَ الطَّهُورِيَّةُ، أَيْ هُوَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِوَصْفٍ دُونَ آخَرَ، وَهُوَ مَاءُ الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ، وَنَبْعِ الْأَرْضِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ بِئْرٍ، وَمَا نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَطَرٍ وَثَلْجٍ وَبَرَدٍ، عَذْبًا كَانَ أَوْ مَالِحًا بَارِدًا أَوْ حَارًّا.
(وَلَوْ تَصَاعَدَ) الْمَاءُ (ثُمَّ قَطَرَ كَبُخَارِ الْحَمَّامَاتِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مَا يُزِيلُ طَهُورِيَّتَهُ (أَوْ اُسْتُهْلِكَ فِيهِ) أَيْ الطَّهُورِ مَاءٌ (يَسِيرٌ مُسْتَعْمَلٌ، أَوْ) اُسْتُهْلِكَ فِيهِ (مَائِعٌ طَاهِرٌ) كَلَبَنٍ (وَلَوْ) كَانَ اسْتِهْلَاكُهُ فِيهِ (لِعَدَمِ كِفَايَةِ) الطَّهُورِ لِلطَّهَارَةِ قَبْلَهُ (وَلَمْ يُغَيِّرْهُ) مَا اُسْتُهْلِكَ فِيهِ إنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ فِي الصِّفَةِ أَوْ الْفَرْضِ، فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ وَتَصِحُّ الطَّهَارَةُ بِهِ.
وَالْخِلَافُ الْمُشَارُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ، لَا فِي سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ قُنْدُسٍ، خِلَافًا لِلرِّعَايَتَيْنِ وَالْفُرُوعِ، وَتَبِعَهُمْ فِي شَرْحِهِ، فَإِنْ غَيَّرَهُ سَلَبَ الطَّهُورِيَّةَ، وَيَأْتِي تَوْضِيحُهُ (أَوْ اُسْتُعْمِلَ) الطَّهُورُ (فِي طَهَارَةٍ لَمْ تَجِبْ) كَتَجْدِيدٍ وَغُسْلِ جُمُعَةٍ (أَوْ) اُسْتُعْمِلَ فِي (غُسْلِ كَافِرٍ) وَلَوْ ذِمِّيَّةٍ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ لِحِلِّ وَطْءٍ لِمُسْلِمٍ، فَلَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ حَدَثًا، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ النِّيَّةِ (أَوْ
1 / 15
غُسِلَ بِهِ) أَيْ الطَّهُورِ وَلَوْ يَسِيرًا (رَأْسٌ بَدَلًا عَنْ مَسْحٍ) فِي وُضُوءٍ فَلَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ لِعَدَمِ وُجُوبِ غَسْلِهِ فِي الْوُضُوءِ (وَالْمُتَغَيِّرُ بِمَحَلِّ تَطْهِيرٍ) عُطِفَ عَلَى الْبَاقِي عَلَى خِلْقَته، ذَكَرَهُ الْحَجَّاوِيُّ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ.
فَإِذَا كَانَ عَلَى الْعُضْوِ طَاهِرٌ، كَزَعْفَرَانٍ وَعَجِينٍ وَتَغَيَّرَ بِهِ الْمَاءُ وَقْتَ غَسْلِهِ لَمْ يَمْنَعْ حُصُولَ الطَّهَارَةِ بِهِ، لِأَنَّهُ فِي مَحَلِّ التَّطْهِيرِ كَتَغْيِيرِ الْمَاءِ الَّذِي تُزَالُ بِهِ النَّجَاسَةُ فِي مَحَلِّهَا.
(وَ) الْمُتَغَيِّرُ (بِمَا يَأْتِي) ذِكْرُهُ (فِيمَا كُرِهَ) مِنْ الْمَاءِ.
(وَ) فِي (مَا لَا يُكْرَهُ) مِنْهُ ثُمَّ بَيَّنَ الْمَكْرُوهَ بِقَوْلِهِ (وَكُرِهَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الطَّهُورِ (مَاءُ زَمْزَمَ فِي إزَالَةِ خَبَثٍ) تَعْظِيمًا لَهُ.
وَلَا يُكْرَهُ الْوُضُوءُ مِنْهُ وَلَا الْغُسْلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيَأْتِي فِي الْوَقْفِ: لَوْ سُبِّلَ مَاءٌ لِلشُّرْبِ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ، وَلَا يُكْرَهُ مَا جَرَى عَلَى الْكَعْبَةِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ.
(وَ) كُرِهَ مِنْهُ أَيْضًا (مَاءُ بِئْرٍ بِمَقْبَرَةٍ) بِتَثْلِيثِ الْبَاءِ مَعَ فَتْحِ الْمِيمِ، وَبِفَتْحِ الْبَاءِ مَعَ كَسْرِ الْمِيمِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي الْأَطْعِمَةِ: وَكَرِهَ أَحْمَدُ مَاءَ بِئْرٍ بَيْنَ الْقُبُورِ، وَشَوْكُهَا وَبَقْلُهَا، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: كَمَاءٍ سُمِّدَ بِنَجِسٍ وَالْجَلَّالَةِ انْتَهَى.
فَظَاهِرُهُ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ مَائِهَا فِي أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَطَهَارَةٍ وَغَيْرِهَا.
(وَ) كُرِهَ مِنْهُ أَيْضًا (مَا اشْتَدَّ حَرُّهُ وَاشْتَدَّ بَرْدُهُ) لِأَذَاهُ وَمَنْعِهِ كَمَالَ الطَّهَارَةِ.
(وَ) كُرِهَ مِنْهُ أَيْضًا (مُسَخَّنٌ بِنَجَاسَةٍ) مُطْلَقًا ظُنَّ وُصُولُهَا إلَيْهِ أَوْ اُحْتُمِلَ أَوْ لَا، حَصِينًا كَانَ الْحَائِلُ أَوْ غَيْرَ حَصِينٍ وَلَوْ بُرِّدَ.
وَيُكْرَهُ إيقَادُ النَّجَسِ وَإِنْ عُلِمَ وُصُولُ النَّجَاسَةِ إلَيْهِ، وَكَانَ يَسِيرًا فَنَجِسٌ (إنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ) فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ تَعَيَّنَ، وَكَذَا يُقَالُ فِي كُلِّ مَكْرُوهٍ، إذْ لَا يُتْرَكُ وَاجِبٌ لِشُبْهَةٍ (أَوْ) مُسَخَّنٌ (بِمَغْصُوبٍ) وَنَحْوِهِ، وَكَذَا مَاءُ بِئْرٍ فِي مَوْضِعِ غَصْبٍ، أَوْ حَفْرُهَا أَوْ أُجْرَتُهُ غَصْبٌ. فَيُكْرَهُ الْمَاءُ لِأَنَّهُ أَثَرٌ مُحَرَّمٌ.
(وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (مُتَغَيِّرٌ بِمَا لَا يُخَالِطُهُ) أَيْ الْمَاءَ (مِنْ عُودٍ قَمَارِيٍّ) بِفَتْحِ الْقَافِ، نِسْبَةً إلَى بَلْدَةِ قِمَارَ قَالَهُ فِي شَرْحِهِ.
وَقَالَ فِي الْمُطْلِعِ: بِكَسْرِ الْقَافِ، مَنْسُوبٌ إلَى قِمَارٍ مَوْضِعٍ بِبِلَادِ الْهِنْدِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْبَكْرِيِّ (أَوْ قِطَعِ كَافُورٍ أَوْ دُهْنٍ) كَزَيْتٍ وَسَمْنٍ لِأَنَّهُ لَا يُمَازِجُ الْمَاءَ، وَكَرَاهَتُهُ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَفِي مَعْنَاهُ مَا تَغَيَّرَ بِالْقَطِرَانِ وَالزِّفْتِ وَالشَّمْعِ، لِأَنَّ فِيهِ دُهْنِيَّةً يَتَغَيَّرُ بِهَا الْمَاءُ (أَوْ) أَيْ وَكُرِهَ أَيْضًا مُتَغَيِّرٌ (بِمُخَالِطٍ أَصْلُهُ الْمَاءُ) كَالْمِلْحِ الْمَائِيِّ، لِأَنَّهُ مُنْعَقِدٌ مِنْ الْمَاءِ، بِخِلَافِ الْمَعْدِنِيّ فَيَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ.
وَ(لَا) يُكْرَهُ مُتَغَيِّرٌ (بِمَا يَشُقُّ صَوْنُهُ) أَيْ الْمَاءَ (عَنْهُ، كَطُحْلُبٍ) بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِهَا، وَهُوَ خُضْرَةٌ تَعْلُو الْمَاءَ الْمُزْمِنَ، أَيْ الرَّاكِدَ بِسَبَبِ
1 / 16
الشَّمْسِ (وَوَرَقِ شَجَرٍ) سَقَطَ فِيهِ بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ، لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، وَكَذَا مَا بُعِثَ فِي الْمَاءِ، وَالسَّمَكُ وَنَحْوُهُ، وَالْجَرَادُ وَنَحْوُهُ، وَمَا تُلْقِيهِ الرِّيَاحُ وَالسُّيُولُ، وَمَا تَغَيَّرَ عُمْرُهُ أَوْ مَقَرُّهُ. فَكُلُّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ لِلْمَشَقَّةِ.
(وَ) كَذَا مَا تَغَيَّرَ بِطُولِ (مُكْثٍ) فِي أَرْضٍ وَآنِيَةٍ مِنْ أُدْمٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ ﷺ «تَوَضَّأَ مِنْ بِئْرٍ كَأَنَّ مَاءَهُ نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ» .
(وَ) لَا يُكْرَهُ أَيْضًا مُتَغَيِّرٌ ب (رِيحٍ) تَحْمِلُ الرَّائِحَةَ الْخَبِيثَةَ إلَى الطَّهُورِ، فَيَتَرَوَّحُ بِهَا لِلْمَشَقَّةِ (وَلَا) يُكْرَهُ (مَاءُ الْبَحْرِ) الْمِلْحُ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخَبَرِ.
(وَ) لَا مَاءُ (الْحَمَّامِ) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ دَخَلُوا الْحَمَّامَ وَرَخَّصُوا فِيهِ وَمَنْ نَقَلَ عَنْهُمْ الْكَرَاهَةَ عَلَّلَ بِخَوْفِ مُشَاهَدَةِ الْعَوْرَةِ، أَوْ قَصْدِ التَّنَعُّمِ بِهِ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ، وَ(لَا) يُكْرَهُ (مُسَخَّنٌ بِشَمْسٍ) وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ لِلْكَرَاهَةِ مِنْ النَّهْيِ لَمْ يَصِحَّ. كَمَا أَوْضَحْته فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ (أَوْ) أَيْ وَلَا يُكْرَهُ مُسَخَّنٌ (بِطَاهِرٍ) إنْ لَمْ يَشْتَدَّ حَرُّهُ.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ " أَنَّهُ كَانَ يُسَخَّنُ لَهُ مَاءٌ فِي قُمْقُمٍ فَيَغْتَسِلُ بِهِ " وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ بِالْحَمِيمِ " (وَلَا يُبَاحُ غَيْرُ بِئْرِ النَّاقَةِ مِنْ) آبَارِ دِيَارِ (ثَمُودَ) قَوْمُ صَالِحٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْحِجْرِ أَرْضَ ثَمُودَ، فَاسْتَقَوْا مِنْ آبَارِهَا وَعَجَنُوا بِهِ الْعَجِينَ، فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُهْرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ آبَارِهَا، وَيَعْلِفُوا الْإِبِلَ الْعَجِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَظَاهِرُهُ مَنْعُ الطَّهَارَةِ بِهِ كَالْمَغْصُوبِ، وَبِئْرُ النَّاقَةِ هِيَ الْبِئْرُ الْكَبِيرَةُ الَّتِي يَرِدُهَا الْحُجَّاجُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَمْ نَجِدْهَا.
النَّوْعُ (الثَّانِي) مِنْ الْمِيَاهِ (طَاهِرٌ) غَيْرُ مُطَهِّرٍ (كَمَاءِ وَرْدٍ) وَكُلِّ مُسْتَخْرَجٍ بِعِلَاجٍ لِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَاءِ بِلَا قَيْدٍ، وَلَا يَلْزَمُ مَنْ وَكَّلَ فِي شِرَاءِ مَاءٍ قَبُولُهُ.
(وَ) ك (طَهُورٍ تَغَيَّرَ كَثِيرٌ مِنْ لَوْنِهِ أَوْ طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ) بِمُخَالِطٍ طَاهِرٍ طُبِخَ فِيهِ، كَمَاءِ الْبَاقِلَاءِ وَالْحِمَّصِ، أَوْ لَا، كَزَعْفَرَانٍ سَقَطَ فِيهِ فَتَغَيَّرَ بِهِ كَذَلِكَ وَأَنَّهُ زَالَ إطْلَاقُ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ، وَزَالَ عَنْهُ أَيْضًا، مَعْنَى الْمَاءِ، فَلَا يُطْلَبُ بِشُرْبِهِ الْإِرْوَاءُ
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَا تَغَيَّرَ جَمِيعُ أَوْصَافِهِ أَوْ كُلُّ صِفَةٍ مِنْهَا بِطَاهِرٍ أَوْ غَلَبَ عَلَيْهِ طَاهِرٌ بِالْأَوْلَى، وَأَنَّ يَسِيرَ صِفَةٍ لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ، لِحَدِيثِ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ أَنَّهُ ﷺ «اغْتَسَلَ هُوَ وَزَوْجَتُهُ مَيْمُونَةُ مِنْ قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ» .
وَيَأْتِي حُكْمُ النَّبِيذِ فِي حَدِّ الْمُسْكِرِ (فِي غَيْرِ مَحَلِّ
1 / 17
التَّطْهِيرِ) فَإِنْ تَغَيَّرَ فِي مَحَلِّهِ لَمْ يُؤَثِّرْ، وَتَقَدَّمَ (وَلَوْ) كَانَ التَّغَيُّرُ (بِوَضْعِ) آدَمِيٍّ فِي الْمَاءِ (مَا يَشُقُّ صَوْنُهُ عَنْهُ) كَطُحْلُبٍ وَوَرَقِ شَجَرٍ وَضَعَهُ فِي الْمَاءِ قَصْدًا، فَيَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ إذَا تَغَيَّرَ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، كَسَائِرِ الطَّاهِرَاتِ الَّتِي لَا يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهَا (أَوْ بِخَلْطِ) أَيْ اخْتِلَاطِ الْمَاءِ ب (مَا لَا يَشُقُّ) صَوْنُهُ عَنْهُ، كَحِبْرٍ، سَوَاءٌ كَانَ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ أَوْ لَا.
وَإِنْ تَغَيَّرَ بَعْضُ الْمَاءِ دُونَ بَعْضٍ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ، وَمَتَى زَالَ تَغَيُّرُهُ عَادَتْ طَهُورِيَّتُهُ (غَيْرَ تُرَابٍ) طَهُورٍ، فَلَا يَسْلُبُ الْمَاءَ الطَّهُورِيَّةَ (وَلَوْ) وُضِعَ فِيهِ (قَصْدًا) لِأَنَّهُ أَحَدُ الطَّهُورَيْنِ.
(وَ) غَيْرُ (مَا مَرَّ) فِي قِسْمِ الطَّهُورِ، كَاَلَّذِي لَا يُخَالِطُ الْمَاءَ.
كَعُودٍ قَمَارِيٍّ، وَقِطَعِ كَافُورٍ، وَكَمِلْحٍ مَائِيٍّ سَوَاءٌ وُضِعَ قَصْدًا أَوْ لَا، وَمَا يَشُقُّ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ.
(وَ) كَطَهُورٍ (قَلِيلٌ اُسْتُعْمِلَ فِي رَفْعِ حَدَثٍ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا يَغْتَسِلَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» وَلِأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي عِبَادَةٍ عَلَى وَجْهِ الْإِتْلَافِ، فَلَمْ يُمْكِنْ اسْتِعْمَالُهُ فِيهَا ثَانِيًا، كَالرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ، " وَصَبَّ ﷺ عَلَى جَابِرٍ مِنْ وَضُوئِهِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، فَدَلَّ عَلَى طَهَارَتِهِ وَمِثْلُهُ مَاءٌ غُسِّلَ بِهِ مَيِّتٌ وَلَا فَرْقَ فِيمَا تَقَدَّمَ بَيْنَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ.
وَلَا بَيْنَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ الَّذِي تَصِحُّ طَهَارَتُهُ (وَلَوْ) كَانَ اسْتِعْمَالُهُ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ (بِغَمْسِ بَعْضِ عُضْوِ مَنْ عَلَيْهِ حَدَثٌ أَكْبَرُ) كَجَنَابَةٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ (بَعْدَ نِيَّةِ رَفْعِهِ) أَيْ الْحَدَثِ.
وَكَذَا لَوْ انْغَمَسَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ، ثُمَّ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ فِيهِ، فَيَتَسَالَبُ الطَّهُورِيَّةَ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ عَنْ ذَلِكَ الْمَغْمُوسِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: أَكْبَرُ: مَنْ عَلَيْهِ حَدَثٌ أَصْغَرُ فَلَا يَضُرُّ اغْتِرَافُ مُتَوَضِّئٍ وَلَوْ بَعْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ، إنْ لَمْ يَنْوِ غَسْلَهَا فِيهِ لِمَشَقَّةِ تَكَرُّرِهِ.
(وَلَا يَصِيرُ) الْمَاءُ (مُسْتَعْمَلًا) فِي الطَّهَارَتَيْنِ (إلَّا بِانْفِصَالِهِ) عَنْ الْمَغْسُولِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ، وَمَا دَامَ الْمَاءُ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْعُضْوِ فَطَهُورٌ، كَالْكَثِيرِ، لَكِنْ يُكْرَهُ الْغُسْلُ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ، وَيَرْتَفِعُ حَدَثُهُ قَبْلَ انْفِصَالِهِ (أَوْ) أَيْ وَكَقَلِيلِ طَهُورٍ اُسْتُعْمِلَ فِي (إزَالَةِ خَبَثٍ) طَارِئٍ عَلَى أَرْضٍ أَوْ غَيْرِهَا (وَانْفَصَلَ) فَإِنْ لَمْ يَنْفَصِلْ فَطَهُورٌ، وَإِنْ تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ مَا دَامَ فِي مَحَلِّ التَّطْهِيرِ (غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ) فَإِنْ انْفَصَلَ مُتَغَيِّرٌ بِالنَّجَاسَةِ فَنَجِسٌ (مَعَ زَوَالِهِ) أَيْ الْخَبَثِ فَإِنْ انْفَصَلَ وَالْخَبَثُ بَاقٍ فَنَجِسٌ مُطْلَقًا مُتَغَيِّرٌ أَوْ غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ (عَنْ مَحَلٍّ، طَهُرَ) أَيْ صَارَ طَاهِرًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَحِلُّ طَهُرَ، كَمَا قَبْلَ السَّابِعَةَ حَيْثُ اُعْتُبِرَ السَّبْعُ: فَنَجِسٌ مُطْلَقًا،
1 / 18
وَحَيْثُ وُجِدَتْ الْقُيُودُ الْمَذْكُورَةُ فَهُوَ طَاهِرٌ، لِأَنَّ الْمُنْفَصِلَ بَعْضُ الْمُتَّصِلِ.
وَالْمُتَّصِلُ طَاهِرٌ، فَكَذَلِكَ الْمُنْفَصِلُ (أَوْ) أَيْ وَكَطَهُورٍ قَلِيلٍ (غَسَلَ بِهِ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ لِخُرُوجِ مَذْيٍ دُونَهُ) أَيْ الْمَذْيِ لِتَنَجُّسِهِ بِهِ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى غَسْلِ يَدَيْ الْقَائِمِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ (أَوْ) أَيْ وَكَطَهُورٍ قَلِيلٍ (غُمِسَ فِيهِ كُلُّ يَدِ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ نَاقِضٌ لِوُضُوءٍ) لَوْ كَانَ (أَوْ حَصَلَ) الْمَاءُ الْقَلِيلُ (فِي كُلِّهَا) أَيْ الْيَدِ، بِأَنْ صَبَّ عَلَى جَمِيعِ يَدِهِ مِنْ الْكُوعِ إلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ (وَلَوْ بَاتَتْ) أَيْ الْيَدُ الْمَذْكُورَةُ (مَكْتُوفَةً أَوْ بِجِرَابٍ) بِكَسْرِ الْجِيمِ (وَنَحْوَهُ) كَكِيسِ صَفِيقٍ (قَبْلَ غَسْلِهَا) أَيْ الْيَدِ (ثَلَاثًا) فَلَا يَكْفِي غَسْلُهَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ (نَوَاهُ) أَيْ الْغَسْلَ (بِذَلِكَ) الْغَمْسِ أَوْ الْحُصُولُ (أَوْ لَا) أَيْ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ.
لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا. فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَكَذَا الْبُخَارِيُّ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ثَلَاثًا فَلَوْلَا أَنَّهُ يُفِيدُ مَعْنًى لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِغَمْسِ بَعْضِ الْيَدِ وَلَا يَدِ كَافِرٍ، وَلَا غَيْرِ مُكَلَّفٍ، وَلَا غَيْرِ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، كَنَوْمِ النَّهَارِ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ الْمُكَلَّفِينَ هُمْ الْمُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ، وَالْمَبِيتُ إنَّمَا يَكُونُ بِاللَّيْلِ وَالْخَبَرُ إنَّمَا وَرَدَ فِي كُلِّ الْيَدِ، وَهُوَ تَعَبُّدِيٌّ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ بَعْضُهَا.
وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْمُطْلَقَةِ وَالْمَشْدُودَةِ بِنَحْوِ جِرَابٍ، لِعُمُومِ الْخَبَرِ. وَلِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا عُلِّقَ عَلَى الْمَظِنَّةِ لَمْ تُعْتَبَرْ حَقِيقَةُ الْحِكْمَةِ، كَالْعِدَّةِ لِاسْتِبْرَاءِ الرَّحِمِ مِنْ الصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ (وَيُسْتَعْمَلُ ذَا) الْمَاءُ الَّذِي غَمَسَ فِيهِ كُلَّ الْيَدِ أَوْ حَصَلَ فِي كُلِّهَا: فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَكَذَا مَا غَسَلَ بِهِ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ لِخُرُوجِ مَذْيٍ دُونَهُ (إنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ) لِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِيهِ، وَالْقَائِلُونَ بِطَهُورِيَّتِهِ أَكْثَرُ مِنْ الْقَائِلِينَ بِسَلْبِهَا (مَعَ تَيَمُّمٍ) أَيْ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ وُجُوبًا حَيْثُ شَرَعَ، لِأَنَّ الْحَدَثَ لَمْ يَرْتَفِعْ لِكَوْنِ الْمَاءِ غَيْرَ طَهُورٍ فَإِنْ تَرَكَ اسْتِعْمَالَهُ أَوْ التَّيَمُّمَ بِلَا عُذْرٍ، أَعَادَ مَا صَلَّى بِهِ، لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ فَلَا، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِيمَا يَأْتِي، وَلَا أَثَرَ لِغَمْسِهَا فِي مَائِعٍ طَاهِرٍ، لَكِنْ يُكْرَهُ غَمْسُهَا فِي مَائِعٍ وَأَكْلُ شَيْءٍ رَطْبٍ بِهَا، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَطَهُورٍ مُنِعَ مِنْهُ لِخَلْوَةِ الْمَرْأَةِ) الْمُكَلَّفَةِ بِهِ لِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ عَنْ حَدَثٍ (أَوْلَى) بِالِاسْتِعْمَالِ، مَعَ عَدَمِ غَيْرِهِ مِنْ هَذَا الْمَاءِ، لِبَقَاءِ طَهُورِيَّتِهِ، وَيَتَيَمَّمُ فِي مَحَلِّهِ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ وَجَدَ هَذَيْنِ الْمَاءَيْنِ وَعَدِمَ غَيْرَهُمَا فَالطَّهُورُ الْمَذْكُورُ أَوْلَى مَعَ التَّيَمُّمِ (أَوْ) أَيْ وَكَطَهُورٍ قَلِيلٍ (خُلِطَ بِمُسْتَعْمَلٍ) فِي رَفْعِ
1 / 19
حَدَثٍ أَوْ إزَالَةِ خَبَثٍ، وَانْفَصَلَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ مَعَ زَوَالِهِ عَنْ مَحَلِّ طُهْرٍ، أَوْ غَسَلَ بِهِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَيَيْنِ لِخُرُوجِ مَذْيٍ دُونَهُ، أَوْ غَسَلَ كُلَّ يَدِ الْقَائِمِ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ نَاقِضٌ لِوُضُوءٍ، أَوْ غَمَسَ فِيهِ، أَوْ غُسِّلَ بِهِ مَيِّتٌ وَكَانَ الْمُسْتَعْمَلُ بِحَيْثُ (لَوْ خَالَفَهُ) أَيْ الطَّهُورُ (صِفَةً) أَيْ فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، بِأَنْ يُفْرَضَ الْمُسْتَعْمَلُ مَثَلًا أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ أَوْ أَسْوَدَ (غَيْرَهُ) أَيْ الطَّهُورِ الْقَلِيلِ، فَيَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ (وَلَوْ بَلَغَا) أَيْ الطَّهُورُ وَالْمُسْتَعْمَلُ إذَنْ (قُلَّتَيْنِ) كَالطَّاهِرِ غَيْرِ الْمَاءِ، وَكَخَلْطِ مُسْتَعْمَلٍ بِمُسْتَعْمَلٍ يَبْلُغَانِ قُلَّتَيْنِ، فَلَا يَصِيرُ طَهُورًا، وَنَصُّهُ: فِيمَنْ انْتَضَحَ مِنْ وُضُوئِهِ فِي إنَائِهِ لَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ الطَّهُورُ قُلَّتَيْنِ وَخُلِطَ مُسْتَعْمَلٌ لَمْ يُؤَثِّرْ مُطْلَقًا.
النَّوْعُ (الثَّالِثُ) مِنْ الْمَاءِ (نَجِسٌ) بِتَثْلِيثِ الْجِيمِ وَسُكُونِهَا، وَهُوَ ضِدُّ الطَّاهِرِ. وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ، كَلُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا وَلَا طَاهِرَ، أَوْ عَطَشٍ مَعَ صَوْمٍ، أَوْ طَفْيِ حَرِيقٍ مُتْلِفٍ وَيَجُوزُ بَلُّ التُّرَابِ بِهِ وَجَعْلُهُ طِينًا يُطَيَّنُ بِهِ مَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، لَا نَحْوَ مَسْجِدٍ (وَهُوَ) قِسْمَانِ:
الْأُوَلُ: (مَا تَغَيَّرَ) بِمُخَالَطَةِ (نَجَاسَةٍ) قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى نَجَاسَةِ الْمُتَغَيِّرِ بِالنَّجَاسَةِ وَ(لَا) يَنْجُسُ مَا تَغَيَّرَ بِنَجَاسَةٍ (بِمَحَلِّ تَطْهِيرٍ) مَا دَامَ مُتَّصِلًا لِبَقَاءِ عَمَلِهِ عَلَيْهِ.
الثَّانِي: ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَكَذَا قَلِيلٌ لَاقَاهَا) أَيْ النَّجَاسَةَ بِلَا تَغَيُّرٍ (وَلَوْ) كَانَ الْقَلِيلُ (جَارِيًا، أَوْ) كَانَتْ النَّجَاسَةُ الَّتِي لَاقَتْهُ (لَمْ يُدْرِكْهَا طَرْفٌ) أَيْ بَصَرُ النَّاظِرِ إلَيْهَا لِقِلَّتِهَا (أَوْ) لَمْ (يَمْضِ زَمَنٌ تَسْرِي فِيهِ) النَّجَاسَةُ لِمَفْهُومِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الْفَلَاةِ، وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ؟ فَقَالَ: إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» .
وَفِي رِوَايَةٍ «لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَفْظُهُ لِأَحْمَدَ، وَسُئِلَ ابْنُ مَعِينٍ عَنْهُ فَقَالَ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَصَحَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ قَالَ الْخَطَّابِيِّ: وَيَكْفِي شَاهِدًا عَلَى صِحَّتِهِ: أَنَّ نُجُومَ أَهْلِ الْحَدِيثِ صَحَّحُوهُ.
وَلِأَنَّهُ ﷺ «أَمَرَ بِإِرَاقَةِ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ» وَلَمْ يُعْتَبَرْ التَّغَيُّرُ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قِيلَ " يَا رَسُولَ اللَّهِ، «أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِئْرٌ تُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَلُحُومُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ؟ قَالَ: إنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ أَبُو دَاوُد فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَاءَهَا كَانَ يَزِيدُ عَلَى الْقُلَّتَيْنِ وَحَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا
1 / 20
غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ مُطْلَقٌ وَحَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ مُقَيَّدٌ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ.
وَبَاءُ بِضَاعَةٍ: تُضَمُّ وَتُكْسَرُ (كَمَائِعٍ) مِنْ نَحْوِ زَيْتٍ وَخَلٍّ وَلَبَنٍ (وَ) مَاءٌ (طَاهِرٌ) غَيْرُ مُطَهِّرٌ، كَمُسْتَعْمَلٍ، فَيُنَجَّسَانِ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ (وَلَوْ كَثُرَا) لِحَدِيثِ «الْفَارَةُ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ، فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» وَلِأَنَّهُمَا لَا يَدْفَعَانِ النَّجَاسَةَ عَنْ غَيْرِهِمَا، فَكَذَا عَنْ نَفْسِهِمَا.
وَمَا ذُكِرَ مِنْ نَجَاسَةِ الطَّاهِرِ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ وَلَوْ كَثُرَ جَزَمَ بِهِ فِي التَّنْقِيحِ وَصَحَّحَ فِي الْإِنْصَافِ أَنَّهُ إذَا كَانَ كَثِيرًا لَا يُنَجَّسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ، كَالطَّهُورِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ، وَتَبِعَهُ فِي الْإِقْنَاعِ (وَ) الطَّهُورُ (الْوَارِدُ بِمَحَلِّ تَطْهِيرٍ) مِنْ بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ بُقْعَةٍ، أَوْ نَحْوِهَا: نَجِسَةٍ (طَهُورٌ) وَلَوْ تَغَيَّرَ لِبَقَاءِ عَمَلِهِ (كَمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ) أَيْ الْوَارِدُ بِمَحَلِّ التَّطْهِيرِ (إنْ كَثُرَ) بِأَنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَحَلَّ التَّطْهِيرِ إنْ وَرَدَ عَلَى الْقَلِيلِ نَجَّسَهُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ وَأَنَّ الرَّاكِدَ وَالْجَارِيَ سَوَاءٌ فِيمَا تَقَدَّمَ (وَعَنْهُ) أَيْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ (كُلُّ جَرْيَةٍ مِنْ) مَاءٍ (جَارٍ) تُعْتَبَرُ مُفْرَدَةً (ك) مَاءٍ (مُنْفَرِدٍ) إنْ كَانَتْ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، فَنَجِسَةٌ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ.
قَالَ فِي الْكَافِي: وَجَعَلَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ كُلَّ جَرْيَةٍ كَالْمَاءِ الْمُنْفَرِدِ قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ قَالَ الْأَصْحَابُ: فَيُفْضِي إلَى تَنْجِيسِ نَهْرٍ كَبِيرٍ بِنَجَاسَةٍ قَلِيلَةٍ لَا كَثِيرَةٍ، لِقِلَّةِ مَا تُحَاذِي الْقَلِيلَةَ ; إذْ لَوْ فَرَضْنَا كَلْبًا فِي جَانِبِ نَهْرٍ وَشَعْرَةً مِنْهُ فِي جَانِبِهِ الْآخَرِ لَكَانَ مَا يُحَاذِيهَا لَا يَبْلُغُ قُلَّتَيْنِ، لِقِلَّتِهِ وَالْمُحَاذِي لِلْكَلْبِ يَبْلُغُ قِلَالًا كَثِيرَةً.
(فَ) عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة (مَتَى امْتَدَّتْ نَجَاسَةٌ ب) مَاءٍ (جَارٍ) وَكَانَتْ كُلُّ جَرْيَةٍ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ (فَكُلُّ جَرْيَةٌ نَجَاسَةٌ مُفْرَدَةٌ) وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ لِقُوَّتِهَا وَتَشْهِيرِهَا، وَذَكَرَ مَا بَنَى عَلَيْهَا لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَيْهَا لَا عَلَى الْمَذْهَبِ، كَمَا يُوهِمُهُ كَلَامُهُ فِي الْإِنْصَافِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ الْجَارِيَ كَالرَّاكِدِ، وَيُعْتَبَرُ مَجْمُوعُهُ، فَإِنْ بَلَغَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجَّسْ إلَّا بِالتَّغْيِيرِ، وَإِنْ كَانَتْ الْجَرْيَةُ دُونَهُمَا (وَالْجَرْيَةُ مَا أَحَاطَ بِالنَّجَاسَةِ) مِنْ الْمَاءِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً وَعُلُوًّا وَسُفْلًا إلَى قَرَارِ النَّهْرِ.
قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَمَا انْتَشَرَتْ إلَيْهِ عَادَةٌ أَمَامَهَا وَوَرَاءَهَا (سِوَى مَا وَرَاءَهَا) أَيْ النَّجَاسَةِ مِنْ الْمَاءِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا.
(وَ) سِوَى مَا (أَمَامَهَا) لِأَنَّهَا لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ (وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ) الطَّهُورُ (الْكَثِيرِ لَمْ يَنْجُسْ) بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ لِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ (إلَّا بِبَوْلِ آدَمِيٍّ) وَلَوْ صَغِيرًا (أَوْ عَذِرَةٍ) مِنْهُ (رَطْبَةٍ) مَائِعَةٍ
1 / 21
أَوْ لَا (أَوْ يَابِسَةٍ ذَابَتْ) فِيهِ فَيَنْجُسُ بِهِمَا، دُونَ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ (عِنْدَ أَكْثَر الْمُتَقَدِّمِينَ) مِنْ الْأَصْحَابِ (وَالْمُتَوَسِّطِينَ) .
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: كَالْقَاضِي وَالشَّرِيفِ وَابْنِ الْبَنَّاءِ وَابْنِ عَبْدُوسٍ وَغَيْرِهِمْ،.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ، وَخَاصٌّ بِالْبَوْلِ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ الْغَائِطُ، لِأَنَّهُ أَسْوَأُ مِنْهُ، وَقَيَّدَ بِهِ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ (إلَّا أَنْ تَعْظُمَ مَشَقَّةُ نَزْحِهِ) أَيْ مَا حَصَلَ فِيهِ الْبَوْلُ أَوْ الْعَذِرَةُ عَلَى مَا ذُكِرَ (كَمَصَانِعِ مَكَّةَ) وَطُرُقِهَا الَّتِي جُعِلَتْ مَوْرِدًا لِلْحُجَّاجِ يَصْدُرُونَ عَنْهَا وَلَا تَنْفُذُ، فَلَا تَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ الْبَوْلِ وَالْعَذِرَةِ وَكَثِيرِهِمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَمُقَابِلُ قَوْلِ أَكْثَرِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَوَسِّطِينَ: أَنَّ حُكْمَ الْبَوْلِ وَالْعَذِرَةِ حُكْمُ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ، فَلَا يَنْجُسُ الْكَثِيرُ بِهِمَا إلَّا بِالتَّغَيُّرِ. قَالَ فِي التَّنْقِيحِ: اخْتَارَهُ أَكْثَر الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ أَظْهَرُ اهـ.
قَالَ فِي شَرْحِهِ: لِأَنَّ نَجَاسَةَ بَوْلِ الْآدَمِيِّ لَا تَزِيدُ عَلَى نَجَاسَةِ بَوْلِ الْكَلْبِ، وَهُوَ لَا يُنَجِّسُ الْقُلَّتَيْنِ وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ لَا بُدَّ مِنْ تَخْصِيصِهِ، بِدَلِيلِ مَا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ إجْمَاعًا وَيَكُونُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ أَوْلَى مِنْ تَخْصِيصِهِ بِالرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ وَلَوْ تَعَارَضَا يُرَجَّحُ حَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ، لِمُوَافَقَتِهِ الْقِيَاسَ (فَ) عَلَى الْأَوَّلِ (مَا تَنَجَّسَ) مِنْ الْمَاءِ (بِمَا ذُكِرَ) مِنْ بَوْلِ الْآدَمِيِّ وَعَذِرَتِهِ (وَلَمْ يَتَغَيَّرْ) بِهِمَا (فَتَطْهِيرُهُ بِإِضَافَةِ مَا يَشُقُّ نَزْحُهُ) إضَافَةً (بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ) عُرْفًا بِالصَّبِّ وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ، أَوْ إجْرَاءِ سَاقِيَةٍ إلَيْهِ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّ هَذَا الْمُضَافَ يَدْفَعُ تِلْكَ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ لَوْ وَرَدَتْ عَلَيْهِ، فَأَوْلَى إذَا كَانَ وَارِدًا عَلَيْهَا، وَمِنْ ضَرُورَةِ الْحُكْمِ بِطَهُورِيَّتِهِ: طَهُورِيَّةُ مَا اخْتَلَطَ بِهِ
(وَإِنْ تَغَيَّرَ) مَا تَنَجَّسَ بِبَوْلِ الْآدَمِيِّ أَوْ عُذْرَتِهِ (فَإِنْ شَقَّ نَزْحُهُ فَ) تَطْهِيرُهُ (بِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ بِنَفْسِهِ، أَوْ) زَوَالِ تَغَيُّرِهِ (بِإِضَافَةِ مَا يَشُقُّ نَزْحُهُ) إلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) زَوَالِ تَغَيُّرِهِ (بِنَزْحٍ) مِنْهُ، وَلَوْ مُتَفَرِّقًا بِحَيْثُ (يَبْقَى بَعْدَهُ) أَيْ النَّزْحِ (مَا يَشُقُّ نَزْحُهُ) لِأَنَّهُ لَا عِلَّةَ لِتَنْجِيسِ مَا بَلَغَ هَذَا الْحَدَّ، إلَّا بِالتَّغَيُّرِ فَإِذَا زَالَ عَادَ إلَى أَصْلِهِ، كَالْخَمْرَةِ تَنْقَلِبُ بِنَفْسِهَا خَلًّا.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي النَّزْحِ كَثْرَةٌ، لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالطَّهُورِيَّةِ مِنْ حَيْثُ زَوَالُ التَّغَيُّرِ، وَأَنَّهُ لَوْ زَالَ التَّغَيُّرُ بِإِضَافَةِ غَيْرِ الْمَاءِ إلَيْهِ لَمْ يَطْهُرْ بِهِ بَلْ بِالْإِضَافَةِ، وَأَنَّ الْمُضَافَ إذَا لَمْ يَشُقَّ
1 / 22