Ojos de las Interpretaciones

عيون التفاسير للفضلاء السماسير للسيواسي

Regiones
Turquía
•
Imperios y Eras
Otomanos

[مقدمة المؤلف]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أنزل القرآن كلاما قيما، لا يحوم حوله عوج، وجعله كتابا محكما بنظم معجز ناطق بالبينات والحجج، والصلوة على رسوله المصطفى لقمع الضلال ورفع الهدى، محمد وآله وصحبه، مصابيح الدجى.

أما بعد:

فإن كتاب الله المجيد هو منبع الأصول الدينية ومجمع الأحكام الشرعية، هو المختص بوصف الفصاحة والبلاغة من بين سائر الكتب السماوية لانتهائه إلى حد الإعجاز وغاية الإيجاز، لا سبيل لأحد إلى درك ما فيه من الأسرار والمعاني إلا بتأييد إلهي أو بامداد نبوي.

وقد صنف كثير من العلماء الأعلام وأنصار ملة الإسلام تفاسير تكشف عن أسراره وتشرق عن أنواره بعبارات رائقة وتركيبات شائقة، ولكن كان الإطلاع لبعض طلاب العجم والعرب من أهل الفضل والأدب على تلك الأسرار والأنوار صعبا منها لدقة مسالكها وغموض مسابكها من الكشف الشافي والبيان الوافي، فالتجأت إلى الله الوهاب، ملهم الصواب مع قلة البضاعة وقصور الباع في هذه الصناعة أن أنتخب من تلك التفاسير تفسيرا مختصرا، قريبا من التناول، بعيدا من التفاضل، شافيا في كشف حقائقه، وافيا لدرك دقائقه تيسيرا لكل طالب فهيم أن يكون ذا حظ من علم القرآن العظيم، إذ به انتظام صلاح العباد واغتنام الفلاح في المعاد، من تحلى به فقد فاز بالقدح المعلى، ومن تخلى عنه يحشر يوم القيامة أعمى، متوكلا على واهب العقل السليم والهادي إلى الصراط المستقيم.

وسميته «عيون التفاسير للفضلاء السماسير»، فان تر فيه شيئا من الخلل والفتور فانسبه «1» إلى العجز والقصور، وإن تعثر على ما تقر به عينك فاعرفه من فيضان نور رب العالمين أو الإمداد من جناب «2» سيد المرسلين.

Página 19

مقدمة

يذكر فيها أشياء يحتاج المفسر إليها،

منها معرفة الإنزال والتنزيل، وكيفية النزول، قيل: للمحققين في الإنزال قولان:

الأول: أن مجموع القرآن أنزل من اللوح المحفوظ إلى ملك السماء الدنيا وهو العقل الفعال دفعة واحد.

والثاني: أنه أنزل من اللوح إلى العقل دفعة واحدة مقدار ما ينزل في سنة واحدة بحسب المصالح، فعلى القول الأول يكون الإنزال من العقل الأول إلى قلبه عليه السلام في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين على الاختلاف، وعلى الثاني يكون الإنزال من اللوح إلى قلبه عليه السلام في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين «1».

والتنزيل ظهور القرآن بحسب الاحتياج بواسطة جبرائيل على قلب النبي عليه السلام، وفيه طريقان:

أحدهما: أن النبي عليه السلام كان ينخلع من الصورة البشرية إلى الصورة الملكية، ويأخذه من جبرائيل بحسب المصالح، وهو الأصعب، وثانيهما: أن الملك كان ينخلع من صورته إلى صورة البشر حتى يأخذه الرسول صلى الله عليه وسلم منه عليه السلام، ففي التنزيل تدريج دون الإنزال.

واختلفوا في كيفية النزول، فبعضهم قال: إنه ظهور القرآن «2» على قلب الرسول من غير انتقال، من قولهم:

أنزل على فلان سرور ونزل بفلان غم إذا ظهر، وقال بعضهم: إن الله أفهم كلامه جبرائيل في السماء وهو متعال عن المكان، فتمثل فيه ثم جاء جبرائيل من السماء إلى الأرض، وعلم النبي عليه السلام قراءته، فلا انتقال في كلامه تعالى أصلا.

ومنها معرفة التفسير والتأويل، والفرق بينهما، قالوا: التفسير في الأصل هو الكشف والإظهار، وحده:

توضيح معنى الآية وشأنها وقصتها والسبب الذي نزلت فيه بلفظ يدل عليه دلالة ظاهرة، والتأويل في الأصل:

الترجيع، وحده: صرف الآية من معناه الظاهر إلى معنى يحتمله إذا كان المحتمل الذي يراه موافقا بالكتاب والسنة، مثالهما ما يقال في قوله تعالى «يخرج الحي من الميت» «3»، إن أراد منه إخراج الطير من البيضة كان تفسيرا، وإن أراد إخراج المؤمن من الكافر أو العالم من الجاهل كان تأويلا، والأول يحتاج إلى السماع من الثقات لتعلقه بالرواية لئلا يقع في ورطة الهلاك لقول النبي عليه السلام «من فسر القرآن برأيه فقد كفر» «4»، وفي رواية، «من فسر القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» «5»، فيحمل الأول على من فسره ولم يصب، لقول أبي بكر رضي الله عنه حين سئل عن معنى «الأب» في قوله تعالى «وفاكهة وأبا» «6» لا أدري ما الأب، فقيل له: قل من

Página 21

ذات نفسك، فقال: «أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في القرآن بما لا أعلم» «1».

فالسماع شرط على من يفسره ولو كان واقفا على أحوال التنزيل ووجوه اللغة والإعراب، والثاني لا يحتاج إلى السماع بعد أن وقف على أحوال التنزيل ووجوهه لغة وإعرابا وطرق استعمال الألفاظ على المعاني المرادة حقيقة ومجازا وصراحة وكناية، ووفقه الله بنور البصيرة لأن يقف على أسرار القرآن وكيفية استنباط المعاني المكنونة تحت كلماته المصونة لتعلقه بالدراية لقول النبي عليه السلام لابن عباس رضي الله عنه: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» «2»، ولقول علي رضي الله عنه: «لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب» «3»، أشار به إلى كثرة معاني القرآن وأسراره، لا يطلع عليها إلا من وفقه الله بنور البصيرة الخاصة، قال أبو الليث رحمه الله في تفسيره: «إذا لم يعلم الرجل وجوه اللغة وأحوال التنزيل فتعلم التفسير وتكلف حفظه فلا بأس بأن يفسره كما سمع ويكون ذلك على سبيل الحكاية» «4»، ففيه إشارة إلى جواز نقل المسموع من التفسير إلى الغير من غير تبديل المعنى.

ومنها معرفة الناسخ والمنسوخ لما روي عن السلف: أن من تكلم في شيء من علم التنزيل ولم يعلم الناسخ من المنسوخ كان ناقصا، وقد روي المنع عن علي رضي الله عنه حين دخل في المسجد ورأى رجلا يفسر القرآن والناس حوله، فقال له: «أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، فقال: هلكت وأهلكت، لا تفسر بعد» «5»، ولأن النسخ بيان منتهى الحكم، والحكم قد يختلف بتبدل مصالح الخلق على اختلاف الأزمنة، فجاز ذلك.

ومنها معرفة المكي والمدني لجواز اختلاف الحكم باختلاف التاريخ والنسبة إلى مكة أو المدينة، وتحققها باعتبار إقامة النبي عليه السلام باحديهما سواء نزلت الآية فيها أو في الخارج عنها، حيث كان صلى الله عليه وسلم قريبا منها أو بعيدا، وقيل: باعتبار البلد وقربه «6».

ومنها معرفة نظم التركيب والترتيب بالأصول المعتبرة في فن البلاغة والفصاحة، فان من تصدى لتفسير القرآن وقد عري عنها احتجت عنه مستودعات حقائقه ومسترات دقائقه، وبالله أستعين على إتمام ما نويته، وأستعيذ من الزلق فيما نحوته، وأسأله أن يلهمني ما أراد من كتابه العزيز، ويهديني إلى تحقيقه من البارز والكنيز، أنه خير مسؤول وأكرم مأمول.

Página 22

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الفاتحة

[سورة الفاتحة (1): آية 1]

بسم الله الرحمن الرحيم (1)

سميت بها، لأن القرآن افتتح بها لكونها أول سورة نزلت بكمالها على أكثر الأقوال، وهي لم تنزل على من قبل هذه الأمة من الأمم، وسميت مثاني أيضا، لأنها نزلت مرتين أو لأنها تثنى في الصلوة، والصحيح أنها مكية، نزلت على النبي عليه السلام بحراء لأجل صلوة علمه جبريل عليه السلام إياها بشرائطها ليعبد الله تعالى بها.

واختلفوا في البسملة، منهم من قال: إنها ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها، وإنما كتبت للفصل والتبرك بالابتداء بها، وعليه أبو حنيفة رضي الله عنه ومن تابعه، ولذا لا يجهر بها في الصلوة عندهم، ومنهم من قال:

إنها آية من الفاتحة ومن كل سورة، وعليه الشافعي رضي الله عنه وأصحابه، ولذا يجهرون بها في الصلوة الجهرية «1»، روي عن ابن عباس رضي الله: «من تركها فقد ترك مائة وأربع آية من كتاب الله» «2».

والباء فيها يتعلق بفعل مقدر بعدها لاهتمام ذكر الله تعالى بالابتداء ردا للكفار عن إرادة الاهتمام بذكر أسماء أصنامهم، حيث كانوا يقولون: باسم اللات، باسم العزى، وأما تقديم الفعل في «اقرأ باسم ربك» «3» فلأن الاهتمام فيه الأمر بالقرآءة.

ومعنى (بسم الله) بسم الإله الذي تحير الناظرون في عظمته وجلالته، من أله إذا تحير من الولاهة أو من أله إذا عبد من الألوهة، والحق أنه ليس بمشتق، بل اسم غير صفة، علم للذات القديم المستجمع لجميع الصفات الحميدة، وإلا لكان كليا تعالى عنه، ولأنه لو كان صفة لم يبق للصفات موصوف تجري هي عليه وهو مما لا بد منه لفظا أو تقديرا لئلا يلزم الخروج عن استعمال العرب، ولا يفخم لامه إذا كان ما قبله مكسورا للثقل.

(الرحمن) أي الذي يرحم كافة الخلق بايصال الرزق والنفع إليهم في الدنيا، من الرحمة، وهي في الأصل التعطف، واستعملت للأنعام مجازا هنا، وقال ابن الحاجب: «الرحمن مجاز لا حقيقة له» «4».

(الرحيم) [1] أي الذي يرحم المؤمنين خاصة يوم القيامة بترك عقوبة من يستحقها وإيصال الثواب لهم في الجنة، وإنما ترك رعابة الترقي من الأدنى إلى الأعلى تعظيما لله تعالى بالوصف الأبلغ وتتميما بالوصف الألطف.

Página 23

والفرق بينهما أن الرحمن عام معنى وخاص لفظا، لا يطلق على غيره تعالى، والرحيم خاص معنى وعام لفظا، يطلق على غيره ويسمى به.

[سورة الفاتحة (1): آية 2]

الحمد لله رب العالمين (2)

(الحمد) أي جميع المحامد والأثنية (لله) معبود الخلق بالحق عينية كانت أو عرضية، فاللام فيه للاستغراق عند أهل السنة، والحملة مبتدأ وخبر، محلها نصب، مفعول أمر مقدر من القول لتعليم عباده «1» كيف يحمدونه؟

تقديره: قولوا «الحمد لله»، ولذا لم يقل «الحمد لي»، وفيه معنى الشكور والمدح، لكن الحمد أعم من الشكر، لأن الحمد يقال في مقابلة النعمة وغيرها، والشكر لا يقال إلا في مقابلة النعمة، وهو بالقلب واللسان والجوارح، والحمد باللسان وحده، قيل: «الحمد رأس الشكر» «2»، لأن عمل اللسان أوضح دلالة على الثناء بخلاف عمل القلب لخفائه، وبخلاف عمل الجوارح لاحتمال فيه، والمدح أعم من الحمد لاقتضاء الحمد صدق الحامد في المحمود، والمدح لا يقتضي صدق المادح في الممدوح، فكل حمد مدح، وليس كل مدح حمد.

(رب العالمين) [2] أي مربي جميع الخلق ومالكهم، وال «رب» مصدر بمعنى الفاعل، يستعمل للسيد، إذا دخل فيه لام التعريف اختص بالله، وإضافته تعم، يقال: رب العرش ورب الدار، وكذا تنكيره، والعالم كالخاتم اسم ما سوى الله من الجواهر والأعراض، وإنما سمي به لأنه يعلم به الخالق القديم، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، وجمع بجمع العقلاء تغليبا لهم على غير العقلاء، لأن كل شيء دال على وحدانية الله، فكأنه عالم يتعلم منه ذلك ويستدل.

[سورة الفاتحة (1): آية 3]

الرحمن الرحيم (3)

(الرحمن الرحيم) [3] صفة بعد صفة، كررهما لتأكيد رحمته على خلقه وبيان سبقها على غضبه.

[سورة الفاتحة (1): آية 4]

مالك يوم الدين (4)

(مالك يوم الدين) [4] صفة أخرى لبيان جبورته واختصاص الحكم به ثمه، أي حاكم يوم الحساب والجزاء، يعني لا ينازعه أحد في ملكه وحكمه كالمتنازعين في الملك والحكم في الدنيا، وقريء «ملك» «3» بمعنى المالك، قيل: الملك من الملك بالضم عام من جهة المعنى، وفيه معنى التسلط، والمالك من الملك بالكسر خاص «4»، وفيه معنى الاستحقاق، فكل مالك ملك وليس كل ملك مالكا - وإضافة اسم الفاعل إلى الظرف اتساع، وهو جعل المفعول فيه بمنزلة المفعول به، كقولهم: يا سارق الليل، والمعنى على الظرفية، أي مالك الأمر كله في يوم الدين، وهي إضافة حقيقية بمعنى الاستمرار، فجاز وقوعه صفة للمعرفة، وخص ذكر «يوم الدين» مع أنه مالك يومه وغيره ليدل على أنه لا مالك لأحد في ذلك اليوم، والمراد منه الوقت المطلق من النهار والليل، وهو يوم اللغوي لا يوم العرفي وهو مدة من طلوع الشمس إلى غروبها ولا الشرعي وهو من طلوع الفجر الثاني إلى غروبها، إذ لا شمس يوم الدين.

[سورة الفاتحة (1): آية 5]

إياك نعبد وإياك نستعين (5)

(إياك نعبد) أي نخصك بالتوحيد والعبادة، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب ليكون تفرقة بين حالتي

Página 24

الحامد، وهما المدح للغائب بسبب استحقاقه كل الحمد، والحكاية عن نفسه ببيان أحواله على وجه التذلل والخضوع بين يدي الغائب بالخطاب إليه مبالغة في استحصال مقصوده منه.

(وإياك نستعين) [5] أي ونخصك بطلب المعونة منك على جميع أمورنا، وتكرير «إياك» لنفي احتمال، ونستعين بغيرك، وقدمت العبادة على الاستعانة، لأن الوسيلة تقدم على الطلب، وإنما قرنت بها جمعا بين ما يتقرب به إلى الله وبين ما يطلب للحاجة.

[سورة الفاتحة (1): آية 6]

اهدنا الصراط المستقيم (6)

قوله (اهدنا الصراط المستقيم) [6] استئناف، كأنه قيل: كيف أعينكم، فقالوا: اهدنا، أي ثبتنا على صراطك الموصل إلى المطلوب، وهو الطريق الواضح الذي لا عوج فيه، وهو الإسلام أو القرآن وما فيه من الأدب والأحكام، وقيل: «أمتنا على الهداية» «1»، لأنهم كانوا مهتدين.

[سورة الفاتحة (1): آية 7]

صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7)

وتبدل من الصراط (صراط الذين أنعمت عليهم) أي طريق أحبائك الذين اصطفيتهم بالإيمان ومننت عليهم بعبادتك على «2» الاستقامة والمشاهدة، وهي العبارة عن الإحسان في الحديث «3» وهم الأنبياء والأولياء.

قرئ في ال «صراط» «4» بالسين وبالصاد الخالصة وباشمام الصاد الزاي.

(غير المغضوب عليهم) مجرور بكونه نعتا ل «الذين أنعمت» أو بدل منه وإنما جاز الوصف به هنا، لأن المضاف إليه ضد المنعم عليهم، فلم يبق في «غير» إبهام يأبى عن ذلك، أي صراط غير الذين غضب عليهم باللعنة والخذلان، فتركوا الإسلام، وغضب «5» الله إرادة الانتقام من العصاة والكفار، وهم اليهود لقوله تعالى «من لعنه الله وغضب عليه» «6»، قيل: «عليهم» بعد «أنعمت» مفعوله، وبعد «المغضوب» فاعله - «7»

(ولا الضالين) [7] أي وصراط غير الذين ضلوا عن طريق الهدى بمتابعة الهوى، وهم النصارى لقوله تعالى «ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا «8»» «9»، قيل: «لا» فيه بمعنى الغير أو في «غير» معنى النفي، فلذا جاز العطف مع «لا» مع انتفاء شرطه هنا، وهو أن يكون في المعطوف عليه لا مثلها - «10»

قوله (آمين) بالمد والقصر مع التخفيف «11»، اسم فعل مبني على الفتح، لأنه صوت بمعنى استجب «12» أو افعل يا رب مرويا عن النبي عليه السلام «13»، وروي أيضا أنه قال: «لقنني جبريل آمين عند فراغي من قراءة فاتحة الكتاب» وقال: «إنه كالختم على الكتاب» «14»، أي كالطابع على الصحيفة يمنع من اطلاع أحد على ما فيه،

Página 25

وهو ليس من الفاتحة ولا من القرآن، لأنه لم يكتب في مصحف الإمام «1»، ولم ينقل أحد من السلف أنه قرآن، ومن اعتقد بذلك فقد أخطأ وارتد بافتاء الخلف، ولذا يقرأ مفصولا عن الفاتحة، ونقل عن أبي حنيفة رحمه الله ومن تابعه أنه يخفى بعد قراءة الفاتحة، وعن الشافعي رحمه الله وأصحابه أنه يجهر به الإمام والمأموم لما روي عن وائل بن حجر: أن النبي عليه السلام كان إذا قرأ «ولا الضالين» قال آمين ورفع صوته بها «2»، فقراءته بعد الفاتحة سنة بالإجماع للخبر، وروي حذيفة بن اليمان أن النبي عليه السلام قال: «إن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتما مقضيا، فيقرأ صبي من صبيانهم في الكتاب «الحمد لله رب العالمين» فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم بذلك العذاب أربعين سنة» «3».

Página 26

سورة البقرة

مدنية، قيل يجوز أن يقال: «قرأت البقرة وسورة البقرة» لورود العبارتين في الأحاديث «1»، وقيل: إطلاق البقرة إذا ضم إليها ما لم يشكل به كالإنزال والقراءة دون المس والنظر «2».

بسم الله الرحمن الرحيم

[سورة البقرة (2): آية 1]

بسم الله الرحمن الرحيم

الم (1)

(الم) [1] قيل: هو سر بين الله ورسوله لا يعلم إلا بنور النبوة «3»، وقيل: من المكتوم الذي لا يفسر وفائدته الإيمان به «4»، وقيل: إنه قسم، أقسم الله به أن القرآن هو الكتاب الذي أنزل من عنده على محمد رسوله بجبرائيل «5»، يعني ليس من تلقاء نفسه، وقيل: كل حرف من الحروف المقطعة في أوائل السور مفتاح اسم من أسمائه الحسنى، فمعنى «الم» الله اللطيف المجيد أنزل عليك الكتاب الموعود في التورية والإنجيل «6».

وهي آية عند الكوفية بالعلم التوقيفي، وكذا سائر الفواتح خلافا للبصرية، وهي أسماء حقيقة، حروف مجازا، لأنه حكي عن الخليل أنه قال لأصحابه: كيف تلفظون بالكاف في لك «7» والباء في ضرب؟ فقالوا:

كاف، با، فقال: قلتم بالاسم لا بالحرف، وأنا أقول كه، به «8»، فدل ذلك على اسميتها، وإنما لم تعرب لعدم العامل فيها، ولا محل من الإعراب عند من لم يجعلها أسماء للسورة كالجملة المبتدأة، وعند غيره يجوز الرفع إما على الابتداء أو على الخبرية، والنصب على حذف حرف الجر وإعمال فعل القسم فيها، والجر لصحة القسم بها باضمار حرف الجر، وتقديره فيها كما قيل في قولهم الله لأفعلن بالنصب والجر على اللغتين «9»، وسكونها وقف وليس ببناء، وإلا لكان ككيف وأين، كأنه قال: أقسم بهذه السورة «10».

[سورة البقرة (2): آية 2]

ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2)

(ذلك) أي هذا (الكتاب) أي الكامل الذي وعدته بانزاله، وانما أشار بذلك إلى ما ليس ببعيد، لإن الكتاب من حيث كونه موعودا، قيل: يجوز أن يكون «الم» مبتدأ عند من جعله اسما و«ذلك» «11» مبتدأ ثانيا، و«الكتاب» خبره، والجملة خبر المبتدا الأول وأن يكون «الم» خبر «12» مبتدأ محذوف، أي هذه الم، و«ذلك» «13» خبرا ثانيا، و«الكتاب» صفته، وأن يكون «الم» جملة بمعنى هذه الم ويكون «14» «ذلك» مبتدأ،

Página 27

خبره «الكتاب»، وهو صفته والخبر (لا ريب فيه) أي لا شك في «1» أنه من عند الله، وهو خبر في معنى النهي «2»، أي لا ترتابوا أو لا شك عند أهل العقل والإيمان به، والشك: هو التردد بين النقيضين لا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك، لم يقدم الظرف على الريب لئلا يذهب الفهم إلى أن كتابا آخر فيه الريب لا فيه.

قوله (هدى) خبر مبتدأ محذوف، أي هو هدي، أي رشد وبيان، والمراد ما يهتدى به أو متبدأ خبره محذوف، أي فيه هدى أو حال من «الكتاب»، والعامل فيها ما في اسم الإشارة من معنى الفعل، يعني أشير أو أنبه إليه هاديا (للمتقين) [2] أي للضالين الصائرين إلى التقي بعد الضلال، فاختصر الكلام اعتبارا للتسمية بما يؤول إليه، ولو قال للضالين لدخل فيهم الفريق الباقون على الضلالة وهم المطبوع على قلوبهم، وليس الكتاب هدى لهم، وقيل: خص المتقون بالذكر لأنهم هم المنتفعون بالهدى «3»، والتقوى: صيانة النفس عما تستحق به العقوبة من فعل أو ترك، قيل: لا يدخل في التقوى اجتناب الصغائر إذا تاب عن الكبائر، لأنها مكفرة عن مجتنب الكبائر «4»، وقيل يدخل فيه لقوله عليه السلام: «لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس» «5».

[سورة البقرة (2): آية 3]

الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3)

ثم وصف المتقين على طريق الكشف والبيان بقوله (الذين يؤمنون بالغيب) أي يصدقون في حال الغيبة بخبر البعث والجنة والنار وغير ذلك من أخبار النبي عليه السلام، فيكون «الغيب» مصدرا، والباء متعلقا بمحذوف، محله نصب على الحال، أي يؤمنون ملتبسين بالخفاء والغيبة كالتباسهم بالحضور لا كالمنافقين، وقيل: الغيب فيعل «6»، خفف كالميت، وهو الخفي عن العيون، لا يعلمه ابتداء إلا اللطيف الخبير، وقيل: الغيب بمعنى الغائب «7»، والباء صلة الإيمان، وهو الله أو القرآن، يعني يقرون بأن الله إله واحد لا شريك له أو بأن القرآن حق نازل من عند الله، والإيمان التصديق بالقلب لغة، وفي الشرع هو الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان على ما هو الحق، والتصديق بالعمل وهو المنقول من السلف، والإسلام هو الخضوع والانقياد بما أخبره الرسول صلى الله عليه وسلم، فكل إيمان إسلام دون العكس، قيل: من شهد وعمل ولم يعتقد فهو منافق، ومن شهد ولم يعمل واعتقد فهو فاسق، ومن أخل بالشهادة فهو كافر «8».

(ويقيمون الصلاة) أي يؤتونها «9» بحقوقها، من أقام الأمر إذا أتي به مع إعطاء حقوقه، والصلوة بمعنى الدعاء لغة، وفي الشرع: أفعال مخصوصة كالطهارة وستر العورة واستقبال القبلة ورعاية الوقت، وأركان معلومة كتكبيرة الافتتاح والقيام والقراءة والركوع والسجود والقعدة الأخيرة «10» وغير ذلك مع «11» النية، والمراد الصلوات الخمس أو أعم منها، قيل: إن العبد إذا صلى صلوة تقبل منه خلق الله منها ملكا يقوم ويصلي لله تعالى إلى يوم القيامة وثوابه لصاحب الصلوة «12»، والمراد من إقامتها تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها.

(ومما رزقناهم) أي مما أعطيناهم من الرزق، وهو اسم ما ينتفع به ذو حيوة من الخلق، وإسناده إلى نفسه تعالى إيذان بأن يكون حلالا صرفا، وأدخل فيه «من» للتبعيض دفعا للإسراف والتبذير المنهي عنهما

Página 28

(ينفقون) [3] أي يخرجون عن أيديهم في سبيل الله، والإنفاق: هو الإخراج عن اليد، وهو يتناول صدقة الفريضة والتطوع، قيل: نزلت هذه الآيات فيمن آمن من العرب - «1»

[سورة البقرة (2): آية 4]

والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (4)

ونزل فيمن آمن من أهل الكتاب اليهود والنصارى «2» (والذين يؤمنون بما أنزل إليك) أي بالقرآن كله، وفيه تغليب للموجود على ما لم يوجد بعد من الآيات (وما أنزل من قبلك) أي ويؤمنون بالذي أنزل قبلك من التورية والإنجيل وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء (وبالآخرة هم يوقنون) [4] أي وبالدار الآخرة من دار الدنيا، هم يعلمون بغير شك، فلا يغفلون عنها ولا يعملون بما يعاتبون أو يعاقبون عليه، وفي تقديم الآخرة وبناء «يوقنون» على «هم» تعريض لليهود والنصارى حيث قالوا: «لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى»، وقالوا: «لن تمسنا النار إلا أياما معدودات»، فانهم أثبتوا أمر الآخرة على خلاف حقيقته، لأن قولهم ليس بصادر عن إيقان، فدل التقديم على التخصيص بأن إيقان من آمن بما أنزل إليك وبما أنزل من قبلك مقصور على الآخرة الحقيقية لا يتجاوز إلى ما أثبته الكفار بالإقرار من أهل الكتاب، والإيقان علم بلا شك بعد أن لم يكن، ولذا لا يطلق على علم الله يقين.

[سورة البقرة (2): آية 5]

أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5)

(أولئك) أي أهل هذه الصفة (على هدى) أي على بصيرة ورشد (من ربهم) في الدنيا، يعني بين لهم طريق الفلاح قبل الموت (وأولئك هم المفلحون) [5] أي الفائزون بالجنة والناجون من النار يوم القيامة، وتكرير «أولئك» للدلالة على أن كل واحد من الحكمين مستبد في تميزهم به عن غيرهم، فكيف بهما، وتوسط العطف بينهما تنبيه على تغايرهما في الحقيقة، وفائدة الفصل بين المبتدأ والخبر الدلالة على أن ما بعده خبر لا صفة، وأن المسند ثابت للمسند إليه دون غيره.

[سورة البقرة (2): آية 6]

إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6)

ثم ابتدأ بقصة الكفار بعد قصة المؤمنين بترك العطف للتباين الكلي بينهما فقال (إن الذين كفروا) أي ستروا الحق وجحدوه وهو القرآن ونبوة محمد عليه السلام (سواء عليهم) أي مستو لديهم (أأنذرتهم أم لم تنذرهم) أي الإنذار وعدم الإنذار، والهمزة فيه لمجرد الاستواء لا للاستفهام، وهذا المعنى صير الفعل في تقدير الاسم، فوقع مبتدأ و «سواء» خبره مقدما عليه، والجملة خبر «إن»، قرئ «3» بهمزتين محققتين وبتسهيل الثانية فقط، وبتسهيلهما مع إدخال ألف بينهما وبابدالها ألفا، المعنى: خوفتهم أم لم تخوفهم (لا يؤمنون) [6] جملة مؤكدة لخبر «إن»، أي لا يصدقون بك وبما جئت به من القرآن، قيل: «هم المصرون على الكفر مثل كعب بن الأشرف وحي بن أخطب وأبي ياسر بن أخطب من رؤساء اليهود» «4»، وقيل: هم مشركو العرب «5»، فعلى هذا عام مخصوص باسلام من أسلم ومن لم يسلم إلى انتهاء الدنيا.

Página 29