Cuqud Luluiyya
العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية
Editor
محمد بن علي الأكوع الحوالي
Editorial
مركز الدراسات والبحوث اليمني،صنعاء،دار الآداب
Edición
الأولى
Año de publicación
١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م
Ubicación del editor
بيروت - لبنان
الباب الأول
ذكر انتساب الملوك بني الرسول
وكيف كان السبب في دخولهم اليمن واستقلالهم بالملك فيها
قال علي بن الحسن الخزرجي. أعرق ملوك اليمن في الملك في الجاهلية والإسلام ملوك حمير وملوك غسان: ولهذا يقال حمير أرباب العرب وغسان أرباب الملوك. وذلك أن سبأ الأكبر لما حضرته الوفاة طلب أبنيه حمير وكهلان وكان الأكبر وأقعده عن يمينه وأقعد كهلان عن شماله ثم طلب سائر بنيه وبني عمه وجوه قومه وقال لهم: اعلموا أن ولديّ هذين هذا عن يميني وأشار إلى حمير وهذا عن شمالي وأشار إلى كهلان فأعطوا حمير من ملكي ما يصلح لليمين وأعطوا كهلان من ملكي ما يصلح للشمال. فقالوا يصلح لليمين السيف والسوط والقلم ويصلح للشمال العنان والترس والقوس. وحكموا أن صاحب السيف والقلم والسوط لا يكون إلا أمرًا ناهيا فاتقًا راتقًا وإن هذه صفات الملك الأعظم وإن صاحب العنان يكون مصرفا لهوادي الخيل في الذبّ عن المملكة وإن الترس يرد به الناس عند اللقاء وإن القوس ينال بها المناوي والمغازي وإن كانا على البعد. ولا يصلح ذلك إلا لحفاظ الدولة القائم بحروبها وسد ثغورها. فتقلد حمير الملك فلم يزل في ولده وولد ولده
1 / 17
يلي ذلك منهم خالف عن سالف إلى أن قام الحارث الرائش. وتقلد كهلان وولده حفظ الممالك والذب عنها وسد ثغورها. يلي ذلك منهم كابر عن كابر إلى أيام عامر بن حارثة الأزدي المسمى ماء السماء وكان في عصر الحارث الرائش قائما بحفظ المملكة وسد ثغورها على سنن آبائه من كهلان. وكان الحارث الرائش محدثا. والمتحدث بفتح الدال المشددة هو الذي يتحدث على مستقبلات الزمان ويخبر بما سيكون من الحوادث قبل كونها فيأتي الأمر بتصديق ما يقوله. وكان الحارث الرائش كذلك وله في هذا الشأن عدّة قصائد. منها القصيدة التي أولها:
أنا الملك المتوج ذو العطايا ... جلبت الخيل من أوطان سام
لأغزو أعبدا جهلوا مكاني ... سلالة يافث وقبيل حام
بني قحطان فانتجعوا وسيروا ... وحجوا البيت في البلد الحرام
بإذن الله حجوا فهو بيت ... توارثه الهُمامُ عن الهمام
وكونوا مثل ملطاط بن عمرو ... وذي إنس الغطارفة الكرام
فنحن الأغلبون إذا بطشنا ... ونحن المتقون لكل ذام
وإنا يوم نغضبُ أو نسامي ... تكاد الأرض ترجف بالأنام
وإن نرضى تقر بمن عليها ... ويشرق وجهها بعد الظلام
وفينا الملك والأملاك حقًا ... ونحن الأكرمون بنو الكرام
أبونا يعرب وسبا أبونا ... ونفخر من يفاخر أو يسامي
فان أهلك فقد أثّلت ملكًا ... لكم يبقى إلى زمن التّهامي
ويملك بعدنا منّا ملوك ... بنو عزّ كعالية الغمام
ويخاف بعدهم منّا ملوك ... يدينون العباد بغير ذام
وتنتشر الأساود بعد هذا ... عقاب الله في الآثام
ويملك بعدهم رجل عظيم ... نبيّ لا يرخّص في الحرام
1 / 18
يفارق أهله وله كتاب ... يوافق خطه رجع الكلام
يسمى أحمدا يا ليت أني ... أُؤخّرُ بعد مخرجه بعام
ويملك بعده خلفاء برّ ... ويملك بعدهم أولاد عام
ويظهر راية المنصور فيهم ... على خاء إذا نطقوا
ويملك بعده رجل نجيل ... على آبائه أزكى السلام
وربما إنها أكثر من هذا. فإنه أخبر في هذه القصيدة بمن يملك اليمن من حمير وبنيهم بقوله
فإن أهلك فقد أثّلت ملكا ... لكم يبقى إلى زمن التهامي
فكان كما قال ولم تزل ملوك قحطان يتوارثون ملك اليمن إلى أن قامت دولة الإسلام. ويعني بالتّهامي النبي ﷺ. وقوله:
ويملك بعدنا منا ملوك ... بنو عزّ كعالية الغمام
فكان كما قال يعني الملوك الذين ملكوا اليمن بعد الحارث الرائش وقبل ظهور الحبشة. وقوله:
وتنتشر الأساود بعد هذا ... عقاب الله في القوم الآثام
فكان كما قال من انتشار الحبشة في اليمن والملك هنالك وكان ملك الحبشة في اليمن على ما قيل إثنتين وسبعين سنة. تداولها منهم أربعة رجال وهم أرياط ثم أبرهة ثم يكسوم بن أبرهة ثم مسروقا بن أبرهة. وقوله:
ويملك بعدهم منا ملوك ... ضعيف أمرهم ثقل المرام
فكان كما قال. وذلك أن الملوك الذين ملكوا اليمن بعد دولة الحبشة ليسوا كمن تقدمهم من ملوك حمير في العصر الأول. وقوله:
ويملك بعدهم رجل عظيم ... نبيّ لا يرخّص في الحرام
يفارق أهله وله كتاب ... يوافق خطه رجع الكلام
1 / 19
يسمى أحمدا يا ليت أني ... أُعمر بعد مخرجه بعام
فكان كما قال من ظهور النبي ﷺ وخروجه من مكة إلى المدينة مفارقا لأهله وإقامته في المدينة بين الأنصار إلى أن توفيّ ﷺ. وقوله: " وله كتاب يوافق خطّه رجع الكلام " أي ينزل عليه كتاب باللسان العربي ويكتب بالخط العربي يعني القرآن العزيز قال الله تعالى) إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا (. قال الله تعالى) لسان عربيّ مبين (. وقوله. ويملك بعده خلفاءُ برّ. فكان كما قال من قيام الخلفاء الراشدين بعد رسول الله ﷺ وقيام الخلفاء من بني أُميّة وبني العباس وبملكهم اليمن بعد رسول الله ﷺ. ثم أخير بظهور ملوك غسان في اليمن وتملكهم عليها. فقال: ويملك بعدهم أولاد عام. يريد أولاد عامر فرخّمهُ للضرورة يعني عامر بن حارثة بن امرؤ القيس بن ثعلبة بن مأرب بن الأزد ابن الغوث. وإنما أشار إليه دون غيره ممن سلف أو خلف لأنه كان معاصرًا له إذ هو قائم معه من ولد كهلان لحفظ الأطراف وسد الثغور وجباية الأموال. فخصه بالإشارة والبشارة. ثم حقق ذلك وأوضحه بقوله:
ويظهر راية المنصور فيهم ... على خاء إذا نطقوا ولام
فكان كما قال من ظهور الملك المنصور واستقلاله بالملك في اليمن وتواتر ذريته من بعده إلى يومنا هذا وهو عُمر بن علي ابن الرسول.
وكان استقلاله بالملك في اليمن في سنة ثلاثين وستمائة من تاريخ الهجرة. وهو معنى قوله على خاء إذا نطقوا ولام. فإن الخاء على حساب الجمّل ستمائة واللام ثلاثون. وكان ملك الحارث الرائش قبل ظهور النبي ﷺ نحو ستمائة سنة على ما قيل والله أعلم قال علي بن الحسن الخزرجي تجاوز الله عنه. وقد كنت شرحت هذه
1 / 20
القصيدة التي قالها الحارث الرائش في جزء لطيف وسميته المحصول في انتساب بني الرسول. وذلك لما شهدت به من صحة انتسابهم. وقل أن يوجد دليل على صحة نسب أحد من الناس كصحة هذا النسب.
فصل
فلما هلك عامر بن حارثة الأزدي وكان يسمى ماء السماء لجوده وكرمه وقام بالآمر بعده ولده عمرو بن عامر. وتقّل ما كان يتقلد آباؤه من القيام بحفظ المملكة وسد ثغورها واستخراج الإتاوات من أربابها وهو المُسمّى مُزيقياء وفيه وفي ابنه يقول بعض الأنصار
أنا ابن مُزيقيا عمرو وجدّي ... أبوه عامر ماء السماء
إنما سُمي عامر بن حارثة ماء السماء لأنه مان قومه سنة وقد أخلفت السماء فأجدبت الأرض جدبا شديدا فلم يزل يمون قومه حتى مطروا وأخصبوا فسموه ماء السماء لذلك لكونه خلف ماء السماء ومانهم سنة كاملة. وإنما سُمي عمرو بن عامر مزيقياء لأنه كان يلبس كل يوم حلتين ثم يمزقها آيومه يأنف أن يعود فيهما ويكره أن يلبسها غيره. وعُمّر عمرا طويلا يقال أنه بلغ من العمر ثمانمائة سنة. والله أعلم. وفي أيامه كان خراب السُدّ. وكان أوّل من أسس السُّدّ سبأ الأكبر وأسمه عامر وقيل عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان. ثم بناه حمير بن سبأ بعد موت أبيه ثم أتمه بعد ذلك الحميري وهو الصعب بن أبي مرائد. وكان
السّد من جبل مأرب إلى الجبل الأبلق وهما جبلان منفيان على الجبال الشامخة الممتدة من يمين السّد وشماله. وكان ينصب إلى السدّ من أعلى اليمن سبعون واديًا سوى ما يأتيه من الأنهر الصغار وكان ما فوق السّد بستة أشهر يصل إلى ذلك السد. وكان ماء السد يسقي شهرين في شهرين. وكان ما يلي مأرب من شمال السد لبني كهلان وما يلي الأبلق من جنوبي السد لأولاد حمير. وكان ماؤه يقيم من الحول إلى الحول
1 / 21
إلى سعة الأرض وعموم السقي. وكان للسد ثلاثة ثقوب وكان السد بركة عظيمة فإذا احتاجوا إلى السقي فتحوا الثقب الأعلى فينصبّ الماء في تلك البركة فيسقوا به. فإذا نزل الماء عن الثقب الأعلى فتحوا الثقب الأوسط فينصب الماء منه إلى تلك البركة ثم يسقون منها. فإذا نزل الماء عن الثقب الأوسط فتحوا الثقب الثلث فينصب الماء إلى البركة كما هو. وكانت بلقيس قد جعلت في البركة اثنتي عشرة عينًا. فكانوا يسقون جنانهم وزراعاتهم وما حاولوا من شيء على حسب ما يريدون وأفضل. وكان الخادم يمشي بين الشجر والمكتل على رأسه فيمتلأ من الفواكه من غير إن يتناول شيء بيده ولا يلقط شيئًا من الأرض. وكانت الشمس لا تصل إلى أحد يمشي في تلك الجنان من تراكب الشجر. وكانوا يتعاطوا يتعاطون النيران فيما بينهم مسيرة شهرين في شهرين وقيل مسيرة ستة أشهر في مثلها) آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور (. قالوا: وكان الرجل يسير من بلده الثانية فيقيل بها ويمسي في الثالثة من القرى التي بارك الله فيها وهي قرى بيت الله المقدس) فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا (. فلما كفروا نعمة الله أرسل إليهم رسله. فيقال الله أرسل إليهم اثنتي عشر نبيا. وقيل ثلاثة عشر نبيا. فكذّبوا رسل الله وأعرضوا عن طاعة الله. فأرسل الله عليهم سيل العرم والعرمُ المطر الشديد قاله صاحب التّيجان. ثم أخرب الله السُّدّ.
فصل
ذكر خراب السد
قال صاحب التيجان: بينما طريفة بنت لجبر الحجورية زوجة عمرو بن عامر المزيقياء نائمة إلى جانب عمرو في ليلة من الليالي إذ رأت في منامها كأن سحابة سوداء غشيت أرض اليمن
فبرقت وأردعت وأصعقت فلم تمر على شيء إلاّ
1 / 22
أحرقته. ففزعت من منامها وقامت وهي مرعوبة وقد ذرعت ذعرا شديدا. فسكن عمرو روعتها وسأل عن قصتها. فقالت: والنور والظلماء ليهلكن الشجر ويتلف اليمن ويخرب البلاد ويتشتت العباد. قال: وكيف يكون ذلك. قالت سبع سنين شداد تأتي بالزلزال والأوابد يقطع فيها الولد الوالد. قال لها عمرو: قد نصحت وصدقت فما وجه الرأي قالت سرْ إلى السدّ فإذا رأيت البرق والرعد وطلع النحس وغاب السعد فعند ذلك الجرذ الجرذ إذا رأيته يكثر الحفر ويقلّب بيديه عظام الصخر فقد أزف الأمر فعليك بالصبر ولا تجزع للدهر. قال لها: فمتى ترين ذلك يكون. قالت له: لا أدري غير أنه أمر من الله نزل وحكم منه سبق في الأزل لا ينصرف عن سهل ولا جبل حيثما أراد وصل فليكن منك الحذر الوجل. فانطلق عمرو إلى السد فلم يزل يتعاهده حتى رأى يوما جرذا يحفر السد بيديه ورجليه فكان يقلب الصخرة التي لا يقلبها إلا أربعون رجلا: وكان الجرذ أعمى فلما رأى ذلك رجع إلى طريفة وقال لها رأيت تصديق مقالتك يا طريفة. فقالت له يا عمرو الأسفار دارا بدار وجارا من جار عند ما ينزل الأقدار ويستأثر الليل والنهار. قالت ومتى ذلك. قالت: لسبع سنين ينزل الأمر بيقين بتفريق اليدين ويكثر الرين. وقال قوم أنها السبع الشداد التي رآها عزيز مصر وفسر له روياه يوسف الصدّيق ﵇. ففعل عمرو ما أمرته طريفة وكتم الأمر وأجمع أن يرتحل في ولده وقومه وكتم ذلك لئلا ينكره الناس عليه. ثم أنه يوما أمر بعمل مائدة فنحر مائة من الإبل وذبح من الغنم شيئا كثيرا ونادى في العرب أن هلموا إلى مجد مزيقياء. فتأتي له الناس من كل جانب ولم يتخلف عنه شريف ولا وضيع. ثم أمر أكبر أولاده وهو ثعلبة العنقاء جدّ الأوس والخزرج أبو أبيهم حارثة بن ثعلبة العنقاء. وقال له: إذا أمرتك بأمر فلا تأتمر. فإني سأضربك بعنزتي هذه فإذا ضربتك فالطم وجهي. فقال له ثعلبة: والله يا أبت ما أستطيع دفع يدي إلى وجهك ولا تطاوعني نفسي على ذلك. قال: يا بني أن لي عليك حقا فلا تخالف أباك فإذا في ذلك مصلحة لي ولك. فقال له ثعلبة: سمعا وطاعة. فلما طعم
1 / 23
الناس وفرغوا وقد اجتمعت أشراف العرب أمر الملك ابنه ثعلبة بأمر فعصاه فضربه بالعنزة فوثب ثعلبة عليه فلطمه. فقال الملك: وأذلاّه يُلطم وجهي يوم مجدي. فوثب سائر أولاده وبنو عمه على ثعلبة ليقتلوه. فقال: لا تفعلوا فإن الرحمة سبقت له في قلبي قبل السخط ومع العجلة الندم ولكني سأعاقبه بما يكون لي نصفة منه. أبيع مالي وعقاري ولا أدع له شيئا ينقلب إليه وأنتقل من مأرب إلى غيرها. فقال أهل البلاد: اغتنموا غضبة عمرو فاشتروا منه جميع أموال. فلما أحرز أثمان أمواله أنتقل في ولده وولد ولده وسائر قومه وعشيرته. ثم أخرب الله السد بعد ذلك فأقلع الصخور والقصور الشجار والأنهار فرمى فيها الرمل. فلما رأى من كان تحت السد خرابه وإنهم لا يقدرون على شيء منه هربوا إلى قنن الجبال بالأهليين والأموال. وفاض الماء على السد لكثرة المطر. وخرج الماء من الخلل التي حفرها الفأر. وقد ذكر ذلك الأعشى حيث يقول:
وفي ذاك للمؤُتسي أسوة ... ومأرب عفّى عليها العرم
رجام بنته لهم حمير ... إذا جاء مؤازر لم يزم
فأروى الزروع وأعنابها ... على سعة ماؤهم إذ قُسم
فصاروا أيادي ما يقدرو ... ن منه على شرب طفل فُطم
كانوا كما قال الله تعالى وتبارك) وبدّلْناهُم بجنّتيهم جنّتين ذواتيْ أُكل خمْط وأثل وشيء من سدر قليل جزيناهم بما كفروا وهل نُجازي إلاّ الكفور (ويروى أن سيل العرم كان قبل الإسلام بأربعمائة سنة. قاله حمزة بن الحسن الأصفهاني. وفي رواية غيره أكثر من ذلك وهي الرواية الصحيحة. والله أعلم.
فصل
ولما خرب السد وخرج عمرو بن عامر مزيقياء في ولده وولد ولد وعدة من
1 / 24
قبائل قومه من مأرب متوجهين إلى البلاد يرتادون أرضا تحملهم أو بلدا يمنعهم فنزلوا بلاد عكّ مجتازين. وكان رئيس عكّ يومئذ شملقة بن الجباب. فسألوهم أن يأذنوا لهم في المقام عنده حتى يأمروا من يرتاد لهم منزلًا ينزلونه. ووجّه عمرو بن عامر ثلاثة من ولده وهم الحرث بن عمرو بن عامر ومالك بن عمرو وحارثة بن عمرو بأرض عكّ قبل أن يرجع إليه أحد روّاده فاستخلف ابنه ثعلبه العنقاء وهو جد الأوس والخزرج ابني حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو بن عامر. فتقلد ما كان يتقلده آباؤه من حفظ المملكة وسد الثغور. ولما توفي عمرو بن عامر كما ذكرنا وقع الوباء في قومه بعده واشتد عليهم الأمر فأرسلوا إلى عكّ وقالوا لهم أن هذا الموضع الذي انتم فيه لمقامنا عندكم ونحن سائرون عنكم عن قريب. فكرهت عكّ ذلك فهاجت الحرب بينهم فاقتتلوا قتالا شديدا واستمرّ القتل في عكّ وقتل شملقة ابن الجُباب غيلة وكان الذي تولى حربهم وقتالهم جذع بن سنان وكان شجاعا مقداما فتّاكًا. وكان أعور أصم كثير الكيد عظيم المكر شيطانا من شياطين العرب. وكان ثعلبة العنقاء كارها لذلك من فعله فحلف أن لا يقيم هنالك. فلم يزالوا سائرين حتى صاروا قريبا من مكة. وكان سكان مكة يومئذ جُرهم. فأرسل ثعلبة العنقاء رسلا إلى جرهم فسألهم أن يأذنوا لهم في المقام عندهم فأبوا عليهم فاقتتلوا وظفرت بهم الأزد فأجلوهم عن مكة ووليت خزاعة البيت دهرا طويلا نحو من ثلاثمائة سنة.
قال ابن قتيبة: ومات ثعلبة العنقاء بمكة فاستُخلف على قومه أخوه جفنة بن عمرو بن عامر. فتقلد جفنة ما كان يتقلد آباؤه من حفظ المملكة والذب عنها. ولم يزل في مكة مقيما هو وقومه من الأزد حتى ضاقت عليهم مكة وأرادوا الشخوص عنها. وكانت فيهم كاهنة وهي طريفة زوجة عمرو بن عامر مزيقياء. فلما عزموا على الخروج من مكة قالت لهم كاهنتهم من كان ذا هّم بعيد وحمل جليد وبأس شديد فليقصد عُمان المشيد. فنزلوا عُمان فسار أليه بنو نضر بن الأزد فهم أزد عُمان. فنزلوا عُمان
1 / 25
والبحرين ولوا على ما هنالك فهي مساكنهم. إلى اليوم. ثم قالت: ومن كان منكم ذا جرأة وعزيمة وفتك وشهامة وصبر على أزمات الدهر فليقصد الوادي من مرّ. فنزلت هنالك خزاعة فهي مساكنهم في الجاهلية والإسلام. ثم قالت: ومن كان يريد الراسخات في الوحل المطعمات في المحل فليقصد يثرب ذات النخل. فسار إليها حارثة بن ثعلبة العنقاء في ولده من الأوس والخزرج فهي مساكنهم في الجاهلية والإسلام. فلما عزموا على الخروج إلى يثرب قالت لهم: يا أهل الوجوه المضيئة والأنفس الأبية والمناقب السنية انزلوا يثرب القصيّة قبل نزول المنية وطول القضية لتعلموا بعد الجهالة وتبصروا صاحب الرسالة. ثم قالت: ومن كان يريد الثياب الرقاق والخيول العتاق والكنوز والأرزاق فليقصد مناهج العراق. فسار إليها مالك بن فهم الأزدي في قبائل من قومه فغلبوا عليها وصاروا فيها ملوكا فيهم ملوك الحيرة قبل ملوك لخم. ثم قالت: ومن كان يريد الخمر والديباج والحرير والملك والمسامير فليلحق ببُصرى وحفير ولباب دمشق الشام ليملكها أعواما بعد أعوام ويريها فتوة الكرام. فسار إليها جفنة بن عمرو بن عامر في ولده وولد ولده وكان أكثرهم ولدا ويروى أنه كانت له مائة امرأة منكوحة ويار معه عدة من قبائل غسان قالوا: وإنما سمي جفنة لأنه ورث حفنة أبيه التي كان يطعم فيها الناس وكانت جفنة عظيمة يدور بها مائة فارس يأكل منها القاعد والقائم والراكب: وكانت مفصلة فإذا أتى العيد أُخرجت ورُكّبت وقيّر ظهرها كما يقير السفينة فإذا انقضى العيد فُصّلت وأعيدت إلى موضعها. قال ابن قتيبة: وسار جذع بن سنان قاتل شملقة بن الجباب فيمن سار إلى الشام وكان سيدا من سادات غسان. فلما اطمأنوا أتاهم عامل قيصر يطالبهم بجباية الملك. فقال له جذع بن سنان: نحن قوم غرقى وليس معنا ما نسوقه إلى الملك ولكن خذ هذا السيف وهنا عندك إلى أن يوجد عندنا ما نسوقه إلى الملك. فقال العامل: اجعله في كذا وكذا من أمك فضحك
1 / 26