El Mundo y el Visitante
العالم والوافد
العالم والوافد
[امتحان للوافد]
بسم الله الرحمن الرحيم
روي بالإسناد الصحيح أن وافدا (وهو محمد بن الإمام القاسم) وفد على عالم من علماء آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (وهو الإمام القاسم)، فلما نظر الوافد إليه رأى رجلا جسمه لا يشبه اسمه: فسلم عليه، فرد السلام، فأطال الوافد الوقوف، وأطال العالم السكوت.
فقال الوافد: إن لكل طالب حاجة.
فقال العالم: ولكل حديث جواب.
فقال الوافد: صدقت، لأن الله تعالى يقول :{ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } [النحل: 43، الأنبياء: 7]. فعلم العالم أن الوافد يريد منه علما.
فقال: إن العلم بحر عميق.
فقال: ولكل بحر سفينة ينجو بها راكبها.
قال العالم: وما سفينة بحر العلوم ؟
فقال الوافد: المعرفة.
فقال العالم: المعرفة اسم أم رسوم ؟
فقال الوافد: اسم ورسوم.
Página 253
[النفس]
فقال العالم: كم رسوم المعرفة ؟
قال الوافد: تعرف نفسك، وتعرف ربك، وتعرف دينك، وتعرف دنياك، وتعرف آخرتك، فإذا عرفت ذلك فلا حاجة لك إلى غيرك.
قال العالم : كيف تعرف نفسك ؟
فقال الوافد : أعرف حدثها، وأعرف ضعفها، وأعرف فاقتها، وأعرف عجزها، فأجهدها في طاعة ربها، وأحملها على الخوف لخالقها، كي أرى خوفها، واحتمال الأذى، وأروضها وأحثها على الطلب لما فيه نجاتها، وأصرفها من الكذب إلى الصدق، ومن الطمع إلى الورع، ومن الشك إلى اليقين، ومن الشرك إلى الإخلاص، وأخرجها من محبوبها في الدنيا، وأريضها في السفر حتى تنال كرامة الله تعالى في الآخرة.
Página 254
[معرفة الله]
قال العالم: وكيف تعرف ربك ؟
قال الوافد: أعرفه بما عرف به نفسه من الوحدانية، ولا أشبهه بشيء من البرية، لا يحد بالحدود، ولا يوصف بالصفات، إذ هو سبحانه وتعالى خالق كل صفة وموصوف.
Página 255
[الدين]
قال العالم: وكيف تعرف دينك ؟
قال: الوافد أعرفه بالشريعة التي سنها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وصدقها المحكم من التنزيل، وشهدت لها قرائن العقول. وهي على ثلاثة وجوه: قول وعمل واعتقاد، وسبيلها واضح، وطالبها رابح، قد بهر دليلها، وشهد لها بالصدق من ذوي العلم عقولها، فقد كفونا مؤنة الطلب بهذا الإحتجاج ، وقطعوا عنا علائق الإعوجاج، حتى ما بقي في ذلك شك ولا اختلاج. فقصدت عند ذلك بينة صحيحة حتى عرفت الأصل والفرع، وبحثت بغائص عقلي، فوجدت ذلك واضحا مبينا، وفي كتبهم مشروحا معينا، كلاما مبرهنا، قد حملوا صلوات الله عليهم عبء ذلك وثقله، وأوضحوا فرع ذلك وأصله، حافظين فيه الأمانة، مجتنبين الغش والخيانة، قد شيدوا بنيانه، وعظموا سلطانه، وأثبتوا في العقول برهانه، فليس لأحد من بعدهم مطلب، ولا لمسترشد من دونهم مذهب، ولا عاقل في غير مذهبهم يرغب.
Página 256
[الدنيا]
قال العالم : فيكف عرفت دنياك ؟
قال الوافد: عرفت فناها وتقلبها، وغدرها وخدائعها فحذرتها، ونظرت وميزت، فإذا الدنيا تغر طالبها، وتقتل صاحبها، تفرق ما جمع، وتغير ما صنع، فعرفت أنها تفعل بي مثل ما فعلت بالأولين.
Página 257
[الآخرة]
قال [العالم]: فكيف عرفت آخرتك ؟
قال الوافد: عرفت أنها دار باقية فيها الحساب والعقاب، والمجازاة والثواب، يبلغ أمدها، ويطول أبدها، فريق في الجنة وفريق في السعير، فمن كان في أصحاب الجنة فشآب لا يكبر، وغني لا يفتقر، وقادر لا يعجز، وعزيز لا يذل، وحي لا يموت، في دار قرار ونعيم مقيم، وسرور وقصور، وأبكار راضية، وقطوف دانية، وأنهار جارية، وملك لا تحد سعته، ونعيم لا تحصى صفته. ومن كان من أهل النار فحمل ثقيل، ومقام طويل، وبكاء وعويل، وخشوع ضفيف، وقلب حفيف، في دار جهد وبلية، وغم ورزية، وضيق لا يتسع، وعذاب لا ينقطع، حيث السلاسل والأغلال، والقيود والأكبال، والضرب والنكال، والصياح والأعوال، وأكل الزقوم، وشراب الحميم، ولفحات السموم، وظهور المكتوم، ولباس القطران، وزفرات النيران، والخزي والهوان، داخلها محسور، وواردها مضرور، وساكنها مدحور، وصاحبها مقهور، واللابث فيها مهجور.
Página 258
[الجنة والنار]
قال العالم: كيف يصنع من وعد بهذين الدارين ؟
قال الوافد: ينبغي لمن وعد بهذين الدارين أن ينظر إليهما، ويتصور ما وعد الله فيهما لأهلهما، ثم ينظر إلى الجنة وقصورها، وما وصف الله فيها من النعيم المقيم، والفواكه والأزواج من الحور الحسان، والأكاليل والتيجان، والأنهار الجارية، والأثمار الدانية، والسرر المصفوفة، والزرابي المبثوثة، وأسبابها ولباسها، وفراشها وحجراتها، وطعامها وشرابها، ونعيمها ودوام ذلك فيها، فيخاف أن لا يكون من أهلها، فهنالك تتتابع زفراته، وتكثر حسراته، وتفيض عبراته، ويطيع ربه ويعصي هواه، ويترك دنياه، ويطلب آخرته، ويعلم يقينا أن إلى الله مصيره.
Página 259
[معارف الحكماء]
قال: فلما انتهى الكلام منهما إلى هذا الحد، وعلم العالم أنه ذو فطنة ونباهة ونبالة، ونظر وتمييز، ورغبة في طلب العلم سأله لينظر معرفته.
قال العالم: من أين ؟
قال الوافد: من فوق الأرض ومن تحت السماء.
قال العالم: كم لك ؟
قال: كذا وكذا سنة.
قال له العالم: ما ترى ؟
قال: أرى أرضا وسماء، وما بينهما.
قال: فما ترى في السماء ؟
قال: أرى شمسا تحرق، وقمرا يشرق، ونجوما تزهر، وماء يمطر، ورياحا تذري، وسحابا يجري، وطيرا يهوي، وليلا ونهارا، وأياما مختلفة.
قال العالم: فما ترى في الأرض ؟
قال الوافد: أرى برا وبحارا، وسهولا وأوعارا، وترابا وأحجارا، وأثمارا وأشجارا، وأنهارا وقرارا.
قال العالم: فكم الدنيا ؟
قال الوافد: ليل ونهار.
قال العالم: فكم الخلق ؟
قال: ذكر وأنثى.
قال العالم: فكم الناس ؟
قال الوافد: الناس أربعة: واحد فيه خير وشر، والثاني شر بلا خير، والثالث خير بلا شر، والرابع لا خير فيه ولا شر.
قال العالم: فكم الناس وما هم بعد ذلك ؟
قال الوافد: نبل وسفل، فلا النبل لهم قدر عند السفل، ولا السفل لهم قدر عند النبل.
قال العالم: فكم الكلام ؟
قال الوافد: أربعة: خطاب، وجواب، وخطأ، وصواب.
قال العالم: ففيم العجب ؟
قال الوافد: في سبعة.
قال العالم: من هم ؟
قال الوافد: عبد عرف الله وعصاه، وعرف الشيطان وأطاعه، وعرف الدنيا فجمع لها، وذكر الموت فطابت نفسه، وعرف الآخرة فبغضها، وعرف الجنة فلم يرغب إليها، وعرف النار فلم يرهبها.
Página 260
[الإيمان]
قال العالم: فما خير الأشياء ؟
قال الوافد: خير الأشياء الإيمان بالله، والملائكة، والكتاب، والنبيين.
قال العالم: كم شهود الإيمان ؟
قال الوافد: أربعة شهود: محكم الكتاب، ومحكم السنة، وحجة العقول، وإجماع الأمة.
قال العالم: وما هو ؟
قال الوافد: عمل، وقول، واعتقاد.
قال العالم: وكيف ذلك ؟
فقال الوافد: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان.
قال العالم: فما ضد الصدق ؟
قال: ضده الكذب.
قال: فما ضد العمل ؟
قال: ضده النفاق.
قال: فما ضد الإعتقاد ؟
قال: ضده التشبيه.
قال العالم: فما أعظم الأشياء ؟
قال: معرفة الله على الحقيقة، وهي: التوحيد والتعديل، والتصديق، وذكر الله على كل حال، في الليل والنهار.
قال العالم: فما أفضل الأشياء ؟
قال الوافد: أفضل الأشياء: طلب العلم من العلماء، حتى يعرف الطالب الحق فيعمل به، فمن زهر مصباح الهدى في قلبه أخلص العمل والنية الصادقة لربه، وأنطقه الله بالحكمة.
قال العالم: فما أخبث الأشياء ؟
قال الوافد: الجهل. لأن بالجهل الهلاك والعطب، وأن الجاهل إذا أراد أن يصلح شيئا أفسده بجهله وقلة علمه، وهو يجلب جميع الآفات، ويتولد منه الكبر والطمع والحسد، والحرص والشهوة والبخل والسخرية.
قال العالم: فما أقبح الأشياء ؟
قال الوافد: اللهو، والغيبة، والنميمة، والخيانة، والكذب، والزنا، والرياء، وحب المدح، وحب الفاسق، وصحبة المنافق، والتهمة وسوء الظن.
قال العالم: فما أدنس الأشياء ؟
قال الوافد: السؤال للناس، ومقاربة الأنجاس، والثقة بكل الناس، ومفارقة الأكياس.
قال العالم: فما أنفع الأشياء ؟
قال الوافد: حسنة تكون بعشر أمثالها.
قال العالم: وما هي هذه الحسنة ؟
Página 261
قال الوافد: تطعم أخاك المؤمن من جوع، أو تكسوه من عري، أو تقضي عنه دينا، أو تفرج عنه غما، أو تكشف عنه هما، فمن فعل هذا لأخيه المؤمن جاء يوم القيامة ولوجهه نور يضيء كنور القمر، وتتلقاه الملائكة بالبشارة، وتدخله الجنة آمنا، وأعطاه الله من الثواب ما لا يصفه واصف، ولا يحيط بمعرفته عارف.
قال العالم: فما أضر الأشياء ؟
قال الوافد: سيئة تتبعها سيئة، ولا يكون عليها ندامة، ولا يرجع صاحبها إلى توبة.
قال العالم: فما أطيب الأشياء ؟
قال الوافد: العافية مع المعرفة، ووضع الأشياء في مواضعها، وفي مجالسة العلماء، ومدارسة الحكماء، وحضور مجالس الذكر، والتفكر في الصنع، والمبادرة في أعمال البر، وإصلاح ذات البين، والتجهيز للرحلة، والإستعداد للموت.
قال العالم: فما أهول الأشياء وأعظمها فزعا ؟
قال الوافد: إذا نفخ في الصور، وبعثر ما في القبور، واجتمعت الخلائق إلى الموقف المتضايق، فهنالك الفزع العظيم، والخطب الجسيم، كل إنسان يقول: نفسي نفسي، لا يسئل ذلك اليوم والد عن ولده، ولا أخ عن أخيه، كل نفس بما كسبت رهينة.
Página 262