El deseo de los críticos

بغية النقاد النقلة

Editor

أطروحة دكتوراة للمحقق

Editorial

مكتبة أضواء السلف

Edición

الأولى

Año de publicación

١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م

Ubicación del editor

الرياض - المملكة العربية السعودية

أصل هَذَا الْكتاب أطروحة قدمت لنيل دكتوراه الدولة فِي الدراسات الإسلامية "تخصص الحَدِيث وعلومه" بقسم الدراسات الإسلامية - كُلية الْآدَاب عين الشق - الدَّار الْبَيْضَاء
بإشراف د. زين العابدين بِلَا فريج
بتاريخ ٢٨ صفر الْخَيْر ١٤١٨ هـ الْمُوَافق ٤/ ٧/ ١٩٩٧
وأحرزت على تَقْدِير "حسن جدا"

الدراسة / 2

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تصدير
الحمد لله، والصلاة على رسول الله وآله وصحبه ومن اتبع هداه.
أما بعد: فقد شهد تاريخ العلم عند المغاربة ميلاد مدارس عنيت بنقد الحديث النبوي، ومدارسة ثبوته أو عدم ثبوته وفق الصناعة النقدية التي ابتكرها نقاد الحديث وصيارفته، وكانت من إملاء الفؤاد وجود المخاطر، وتكلفت بصيانة السنة ووصولها إلى الناس غضة طرية، وكانت مستجيبة لقاعد الحفظ ومحققة لما وعد الله به: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
إن قواعد النقد لدى المسلمين قامت على القابلية الساذجة للقبول، وعلمت الناس ما يقبلون وما يردون، ونبهت على أن القبول منوط بشروط وأوصاف لابد من توفرها، وكان تكامل المنهج النقدي واستقامته في الجمع بين ركنين أساسيين في الرواية: العدالة والضبط. فالعدالة: هي السيرة الذاتية من لزوم الفرائض وترك النواهي، وهي باطنة وظاهرة، والضبط: هو القدرة العلمية من صحة الذهن في حفظه وصحة كتبه، وندرة الغلط أو انعدامه.
إلى شروط اتصال السند: وهي تحقق الرواية بين الرواة على صفة مرضية للحديث أو الجزء المروي، وبراءة السند من التدليس؛ الذي هو ضرب من التعمية والإيهام، وخلوه من الشذوذ والنكارة، وهما المخالفة والإضطراب المؤذن بالضعف فتقديم الأوثق الأحفظ على من دونه، وتقدم الجماعة من الثقات على الواحد عند المخالفة هو الملحظ النقدي الذي يدل عليه العلم والعقل، فإن خالف الضعيف الثقة أدعى للرد.
لقد دخل الحديث إلى بلاد الأندلس بواسطة معاوية بن صالح الحضرمي (ت

الدراسة / 3

١٦٨ هـ) ﵀ في القرن الثاني الهجرىِ، وشهدت تلك البقاع نبوغ أساطين في نقد السنن، وأعلامًا في صناعهَ النقد الحديثي، برزوا وتميزوا في تاريخ العلم والسنة؛ ذكرهم محاط بالإجلال ويفتح علينا صرحًا من صروح العلم، ويدلنا على قلعة من قلاعه، منهم أبي عبد الرحمن بقي بن مخلد (ت ٢٧٦ هـ)، وابن وضاح (ت ٢٧٧ هـ) القرطبيين، وأبي عمر الطلمنكي (ت ٤٢٩ هـ) وابن أبي زمنين الإلبيري (ت ٣٩٩ هـ)، وابن عبد البر القرطبي (ت ٤٦٣ هـ) ..
إلى عبد الحق الإشبيلي الشهير بابن الخراط (ت ٥٨٢ هـ)؛ صاحب الأحكام الثلاثة: الكبرى والوسطى والصغرى، فقد ظهرت عنايته بأحاديث الأحكام واشتملت كتبه على صناعة واستدلال.
وكان ممنِ برز في نقد استدلالات ابن الخراط في أحكامه الناقد البصير علي بن الحسن ابن القطان الكتامي رأس طلحة العلم بمراكش - المراكشي الفاسي المتوفى سنة ٦٢٨ هـ. في كتاب حافل اشتمل على صناعة حديثية عالية ترجمت مستوى النقد في الغرب الإسلامي وحفلت بصنوف النقود ودراسه المنيفة، وأصبح عند المتأخرين ركنا يعولون عليه؛ وقد رد ابن القطان على ابن الخراط بعض ما صححه أو حسنه؛ فخطأه فيه وكلها دارت على مخالفاته له في أحكامه على الأحاديث تصحيحًا أو تحسينًا أو تضعيفًا.
فكان كتاب ابن القطان ديوان نقد عالي القدر عند المعاصرين واللاحقين، واعتمده كبار نقاد عصره من المتأخرين كالذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، والزيلعي (ت ٧٦٢ هـ)، وابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) وغيرهم.
ولم يقف الأمر عند هذا الحدُ بل تسلسل المسلسل؛ إذ أن حضور النقد وتمكنه من علماء الحديث لا يدعهم يسكنون على المساجلات العلمية والمطارحات النقدية ويلح عليهم دائمًا منهج الرد والتعقيب والإستدراك، مما يشير إلى حيوية العلم ومواكبات تطوراته ومناقشة مناهجه وطرائقه، وأن العلم كان ولا يزال عند المسلمين يتميز بحراسة أصوله وقواعده، فلا يمكن استمرار الجميع في خطأ لا

الدراسة / 4

يتأهل أو لا يهتدي أحد إلى كشفه وبيانه، بل عيون النقاد جاحظة وقلوبهم واعية .. يقظة. لم تقف السلسلة الثنائية حتى انبرى تلميذ أبي الحسن ابن القطان: أبو عبد الله ابن المواق المتوفى سنة (٦٤٢ هـ) عصري الجماعة المتأخرين الذين تكلموا على أحاديث لم يسبق لمن تقدمهم فيها كلام؛ وهم الزكي المنذري (ت ٦٥٦ هـ) والضياء المقدسي (ت ٦٤٣ هـ) وابن القطان الكتامي، والدمياطي المصري (ت ٧٠٥).
برز التلميذ أيضًا آخذًا بالإمام، لاحقًا بالركب، فأخرج من بنيانه علومًا نقدية، ومعايير صناعية، واضعًا نفسه بين شيوخه ضاربًا لنفسه بحظه من العلم والنقد، على قاعدة: كم أبقى الأول للآخر. فخرج ديوان نقد على شيخه ابن القطان فيصلا بين المتخاصمين، وحكما بين المتجادلين، قطع فيه بأمور خطأ فيها شيخه وصوب ابن الخراط.
وقد أشاد بعلوم هذا الناقد المغمور (١) جماعة من كبار علماء المتأخرين كالزين العراقي (ت ٨٠٤ هـ) وابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) والسخاوي (ت ٩٠٢ هـ)، والسيوطى (ت ٩١١ هـ)؛ فنقولهم عنه في الإتصال والتدليس وغيره من أعز النقول في علم ومصطح الحديث وأغزرها فائدة، وغلب على منهج ابن المواق الإستقراء لتقرير النتائج النقدية المتوخاة. وديوان النقد الذي فتح به الناقد ابن المواق بين ابن الخراط وابن القطان هو كتاب: «بغية النقاد النقلة، فيما أخل به كتاب "البيان" وأغفله، أو ألم؛ به فما تممه ولا كمله».
ولا توجد منه إلا قطعة معروفة في خزانة الأسكوريال بمدريد.
وقد انتدب لخدمة هذا الكتاب وتحقيقه ودراسته زميلنا الفاضل الأستاذ الوقور

(١) إنما كان كذلك لأنه على بروزه في نقد السنة وتركه هذه القطعة من رده على شيخه، إلا أنه لم تحظ ترجمته بالمكانة اللائقة بها حتى خلط بعض المترجمين بينه ويين آخر من شراح خليل في فروع المالكية من وفيات (ت ٨٩٧ هـ).

الدراسة / 5

محمد خرشافي الذي عرف بجده وهمته العالية في خدمة حديث رسول الله ﷺ فما إن أريته النسخة من كتاب بغية النقاد حتى وجدت الإستعداد والترحاب يعلو محياه، وأشرقت أسارير وجهه فرحًا بهذا الكتاب، كما هي أخلاق طلبة العلم.
فبذل وسعه في تخريج أحاديثه وتتبع الطرق والروايات وإرجاعها إلى مظانها وكان قيمتها من قبول ورد، وأخرج النص سليمًا من النسخة الفريدة، وقدم بمقدمة دراسية للمؤلف وعصره وللكتاب؛ فجاء عملًا جيدًا مشرفًا وأظهر لنا كنزًا من كنوز العلم، وميراثًا من مواريث الحديث النبوي، أجزل الله له المثوبة وبارك فيه. وفي ختام هذه الكلمة نشكر صاحب مكتبة أضواء السلف بالرياض الأخ الفاضل الدؤوب علي صنهات الحربي على تتبعه نفائس التراث الإسلامي وسعيه في إخراجه وطباعته، بارك الله في جهوده وأكثر من أمثاله.
والله من وراء القصد.
وكتبه
زين العابدين بن محمد بلافريج
أستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني
كلية الآداب والعلوم الإنسانية
الدار البيضاء - المغرب

الدراسة / 6

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مُقَدِّمَةٌ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي نه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).
إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد: فإن من منة الله على عباده المؤمنين أن أنزل كتابه الكريم هداية مبينة تنير لهم سبيل السعادة في دنياهم وأخراهم، وجعله أعظم رسالة سماوية وأعلاها مكانة، كما جعله معجزة خالدة إلى يوم الدين، فكان هو المصدر الأول للتشريع الإسلامي، وقد خصه بمميزات، منها أنه ﷾ تكفل بحفظه، قال ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٤)، في حين أوكل حفظ كتبه

(١) سورة آل عمران: ١٠٢.
(٢) سورة النساء: ١.
(٣) سورة الأحزاب: ٧٠، ٧١.
(٤) سورة الحجر، الآية ٩.

الدراسة / 7

اِلسماوية السالفة للعلماء والمؤمنين بها من أتباع الرسل السابقين؛ قال تِعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾. (١)
ومن تمام منة الله على هذه الأمة أن جعل السنة النبوية مبينة للقرآن الكريم، مفصِلة لمجمل أحكامه شارحة لما يحتاج للشرح منه، وفي ذِلك يقول ﷿: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) كما يقول سبحانه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣) وهذا المعنى الذي ذكرته الآيتان هو ما نص عليه ﷺ في كثير من أحاديثه، منها قوله ﷺ: (ألا إنِّي أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ..) الحديث. (٤)
وجاء في حديث أبي رافع -وغيره- مرفوعًا: (لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته؛ يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) (٥).
فالسنة النبوية قسم من أقسام الوحي الموحى به للنبي ﷺ ولا يجوز مخالفتها؛

(١) سورة المائدة، الآية ٤٤.
(٢) سورة النحل، الآية ٤٤.
(٣) سورة النحل، الآية ٦٤.
(٤) الحديث رواه أبو داود في سننه عن القدام بن معد يكرب: كتاب السنة. باب لزوم السنة (٥/ ١٠ ح: ٤٦٠٤)، ورواه الإمام أحمد في مسنده بنحره (٤/ ١٣١). أما رواية الترمذي في آخره وهي: (وأن ما حرم رسول الله ﷺ -كما حرم الله) وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب من هذا الرجه. (كتاب العلم. باب ما نهي عنه أين يقال عند حديث النبي ﷺ (٥/ ٣٨ ح: ٢٦٦٤).
(٥) الحديث رواه الترمذي في جامعه، وعقب عليه بقوله: (حديث حسن صحيح). كتاب العلم. باب ما نهى عنه أن يقال عند حديث رسول الله ﷺ، كما رواه ابن ماجة في سننه بنحوه، المقدمة. باب تعظيم حديث رسول الله ﷺ والتغليظ على من عارضه (١/ ٦)، وأحمد في مسنده ٤/ ١٣٢.

الدراسة / 8

وقد أوجب الله على المؤمنين طاعة رسوله ﷺ، وأمر بذلك في آيات كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)، وجاء الِتحذِير من مخالفة أوامره ﷺ في قوله عز من قائل: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) بل إننا نجد الله ﷾ ينص على أن طاعته في طاعة رسوله ﷺ، وبالتالي فعصيان الرسول عصيان لله ﷿؛ قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ الآية (٣).
وجاء في حديث العرباض بن سارية ﵁: (صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فما تعهد إلينا؟ قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبدًا حبشيا، فإنّه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة") (٤).
وقد نص غير واحد من العلماء على أنه يستفاد من هذا الحديث -وغيره كثير- وجوب الأخذ بهديه ﷺ في كل شيء، واجتناب كل البدع المستحدثة.
ولا كان للسنة النبوية هذه المكانة السامقة، وكانت المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي وجدنا أن الأمة الإسلامية قد خصتها بالرعاية الفائقة والعناية التامة، واستعملت في المحافظة عليها أسلوبًا فريدًا لم يسبق لأمة من الأمم أن سلكته في سبيل الحفاظ على أحاديث رسولها؛ نلمس ذلك في خصيصة

(١) سورة الحشر، الآية ٧.
(٢) سورة النور، الآية ٦٣.
(٣) سورة النساء، الآية ٨٠.
(٤) الحديث أخرجه أبو داود: كتاب السنة. باب في لزوم السنة (٥/ ١٣ ح: ٤٦٠٧)، والترمذي بنحوه: كتاب العلم. باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع (٥/ ٤٥ ح: ٢٦٧٦).

الدراسة / 9

الإسناد وما صاحبه من متابعة أحوال الرواة والكشف عن عدالتهم أو تجريحهم، وكذا ضبطهم أو غفلتهم، بل قد يسلم الحديث من سائر القوادح الظاهرة، ولكن فحول هذه الصناعة الحديثية يستطعون الكشف عما خفي على غيرهم من علل مؤثرة في صحته والإحتجاج به.
بدأت بذور الإهتمام بالسند في عهد رسول الله ﷺ -كما يبدو ذلك في حديث ضمام بن ثعلبة حينما بلغته دعوة الإسلام، فلم يقنع بما وصله حتى جاء عند رسول الله ﷺ؛ ليسمع منه بنفسه؛ فيتحقق له السند العالي في هذا الحديث:
روى البخاري بسنده إلى أنس بن مالك؛ قال: (بينما نحن جلوس مع النبي ﷺ في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد - والنبي ﷺ -متكئ بين ظهرانيهم- فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: ابن عبد المطلب، فقال له النبي ﷺ: قد أجبتك. فقال الرجل للنبي ﷺ: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك. فقال: سل عما بدا لك. فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: اللهم نعم. فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم. قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: اللهم نعم. قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا، فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي ﷺ: اللهم نعم. فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة ..) الحديث. (١)
ثم صارت بوادر التثبت في الرواية تظهر في عهد الخليفة أبي بكر ﵁، ثم من جاء بعده من الخلفاء الراشدين، ولما ظهرت الفتنة وما صاحبها من الكذب على رسول الله ﷺ انبرى نقاد المحدثين للوضاعين يفضحونهم،

(١) صحيح البخاري: كتاب العلم، باب ما جاء في العلم وقوله تعالى: (وقل رب زدني علمًا) (طه ١١٤). الفتح ١/ ١٤٨ ح: ٦٣.

الدراسة / 10

ويتابعون كذبهم لكشفه وتبرئة ساحة السنة من بهتانهم. روى الإمام مسلم عن محمد بن سيرين ﵀ أنه قال: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم) (١). وقيل للإمام عبد الله بن المبارك: (هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: يعيش لها الجهابذة) (٢).
وهكذا بارك الله في جهود علماء الحديث حتى غدوا سدًا منيعًا وصخرة صلبة تكسرت عليها نصال الفتن وسهام الأهواء فرد كيد الكائدين وتم للبشرية لأول مرة في تاريخها إحصاء الكلمات والعبارات والأفعال والإشارات وأسماء الصغار والكبار والكذبة والأخيار، ومن حل ومن ارتحل؛ كل هذا -وغيره كثير- دُوِّنَ وصُنّفَ وضُبِطَ بقواعد دقيقة لم تعرفها أمة قبل، حتى أصبح لكل راو من الرواة سجل تفصيلي يحدد مرتبته بين الرواة وطبقاتهم؛ سواء من حيث العدالة والضبط، أو الجرح والوهم أو الغفلة.
ولم يفت كبار أعلام الحديث أن الثقة العدل مهما علت مكانته وسمت مرتبته فإنّه معرض للخطأ والوهم، وأن هذا وإن كان نادرًا إلا أنه من الثقة العدل خطر؛ لأن روايته مقبولة عند الناس، وهو حجة عندهم في جميع منقولاته، ولمثل هذا أوجد علم العلل.
يقول الدكتور محمد مصطفى السباعي، ﵀، في وصف جهود العلماء في مجال النقد: (لا يستطع من يدرس موقف العلماء -منذ عصر الصحابة إلى أن تم تدوين السنة- من الوضع والوضاعين وجهودهم في سبيل السنة، وتمييز صحيحها من فاسدها، إلا أن يحكم بأن الجهد الذي بذلوه في ذلك لا مزيد عليه، وأن الطرق التي سلكوها هي أقوم الطرق العلمية للنقد والتمحيص، حتى لنستطيع أن نجزم بأن علماءنا، ﵏، هم أول من

(١) مقدمة صحيح مسلم: ١/ ١٥.
(٢) الكفاية في علم الرواية، للخطب البغدادي، ص: ٨٠.

الدراسة / 11