كما لا يخفى وكلاهما جسم، إلا أنه لم يقصد بالتشبيه لون النبات وخضرته، ولا طعمه ولا رائحته، ولا شكله وصورته ولا ما شاكل ذلك ولا ما يسمّى طبعا كالحرارة والبرودة المنسوبتين في العادة إلى العقاقير وغيرها مما يسخّن بدن الحيوان ويبرد بحصوله فيها، ولا شيء من هذا الباب بل القصد شبه عقليّ بين المرأة الحسناء في
المنبت السوء، وبين تلك النابتة على الدّمنة، وهو حسن الظاهر في رأى العين مع فساد الباطن، وطيب الفرع مع خبث الأصل.
وكما أنهم إذا قالوا:
هو عسل إذا ياسرته ... وإن عاسرته فهو صاب» (١)
كما قال: [من الرمل]
عسل الأخلاق ما ياسرته ... فإذا عاسرت ذقت السّلعا (٢)
فالتشبيه عقليّ، إذ ليس الغرض الحلاوة والمرارة اللتين تصفهما لك المذاقة ويحسّهما الفم واللسان، وإنما المعنى أنك تجد منه في حالة الرّضى والموافقة ما يملؤك سرورا وبهجة، حسب ما يجد ذائق العسل من لذّة الحلاوة ويهجم عليك في حالة السّخط والإباء ما يشدّد كراهتك ويكسبك كربا، ويجعلك في حال من يذوق المرّ الشديد المرارة. وهذا أظهر من أن يخفى.
ومن هذا الأصل استعارة «الشمس» للرجل تصفه بالنباهة والرّفعة والشّرف والشهرة وما شاكل ذلك من الأوصاف العقلية المحضة التي لا تلابسها إلّا بغريزة العقل، ولا تعقلها إلا بنظر القلب.
ويظهر من هاهنا (أصل آخر) وهو أنّ اللفظة الواحدة تستعار على طريقين مختلفين، ويذهب بها في القياس والتشبيه مذهبين، أحدهما يفضي إلى ما تناله العيون، والآخر يومئ إلى ما تمثّله الظنون.
(١) الصاب: هو عصارة شجر مر، وقيل: هو شجر إذا اعتصر خرج منه كهيئة اللبن، وربما نزت منه نزيّة، أي: قطرة، فنقع في العين كأنها شهاب نار، وربما أضعف البصر، قال أبو ذؤيب الهذلي:
إني أرقت فبتّ الليل مشتجرا ... كأن عيني فيها الصّاب مذبوح
(٢) البيت لا نعرف قائله. السّلع: شجر مثل السّنعبق إلا أنه يرتقي حبالا خضرا لا ورق لها، ولكن لها قضبان تلتف على الغصون وتتشبك، وله ثمر مثل عناقيد العنب صغار، فإذا أينع اسود فتأكله القرود فقط. لسان العرب، مادة: سلع.
1 / 56
مقدمة السيد محمد رشيد رضا
[مقدمة المؤلف]
القول في التجنيس
فصل في قسمة التجنيس وتنويعه
المقصد
تعريف الاستعارة
تقسيم الاستعارة
القول في الاستعارة المفيدة
فصل
فصل
فصل
فصل
فصل
فصل في مواقع التمثيل وتأثيره
فصل
فصل هذا فن آخر من القول يجمع التشبيه والتمثيل جميعا
فصل
فصل في التشبيه المتعدد والفرق بينه وبين المركب
فصل هذا فن غير ما تقدم في الموازنة بين التشبيه والتمثيل
فصل في الفرق بين الاستعارة والتمثيل
فصل
فصل نوع آخر في التعليل
فصل في تخييل بغير تعليل
فصل في الفرق بين التشبيه والاستعارة
فصل «في الاتفاق في الأخذ والسرقة والاستمداد والاستعانة»
فصل «في حدي الحقيقة والمجاز»
فصل «في المجاز العقلي والمجاز اللغوي والفرق بينهما»