وفي يدك السّيف الّذي امتنعت به ... صفاة الهدى من أن ترقّ فتخرقا (١)
وذلك أن أصل «الخرق» أن يكون في الثوب، وهو في الصفاة استعارة، لأنه لمّا قال «ترقّ»، قربت حالها من حال الثوب، وعلى ذلك فإنّا نعلم أن «الشق» و«الصدع» حقيقة في الصّفاة، ونعلم أن «الخرق» يجامعهما في الجنس، لأن الكلّ تفريق وقطع.
ولو لم يكن «الخرق» و«الشق» واحدا، لما قلت: «شققت الثوب»، و«الشقّ عيب في الثوب»، و«تشقّق الثوب» قول من لا يستعير.
ولكن لو قلت: «خرق الحشمة»، لم يكن من الحقيقة في شيء، وكان خارجا من هذا الفن الذي نحن فيه، لأنه ليس هناك شق. ولو جاء «شقّ الحشمة» أو «صدع» مثلا، كان كذلك أعني لا يكون له أصل في الحقيقة ولا شبه بها.
ومن هذا الضرب قوله تعالى: وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ [سبأ: ١٩] يعدّ استعارة من حيث إن «التمزيق» للثوب في أصل اللغة، إلا أنه على ذاك راجع إلى الحقيقة، من حيث إنه تفريق على كل حال، وليس بجنس غيره، إلّا أنهم خصّوا ما كان مثل الثوب بالتمزيق، كما خصّوه بالخرق، وإلا فأنت تعلم أن تمزيق الثوب تفريق بعضه من بعض.
ومثله أن «القطع» إذا أطلق، فهو لإزالة الاتصال من الأجسام التي تلتزق أجزاؤها. وإذا جاء في تفريق الجماعة وإبعاد بعضهم عن بعض، كقوله تعالى:
وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا [الأعراف: ١٦٨]، كان شبه الاستعارة، وإن كان المعنى في الموضعين على إزالة الاجتماع ونفيه.
فإن قلت: «قطع عليه كلامه»، أو قلت: «نقطع الوقت بكذا»، كان نوعا آخر.
ومن الاستعارة القريبة في الحقيقة قولهم: «أثرى فلان من المجد»، و«أفلس من المروءة»، وكقوله: [من الكامل]
إن كان أغناها السلوّ، فإنّني ... أمسيت من كبدي ومنها معدما (٢)
(١) البيت للبحتري في ديوانه.
(٢) البيت للمتنبي في ديوانه. السلو: البغض والسآمة، والمعدم: الفقير، وروى ابن جني مصرما وهو بمعنى واحد، والمصرم والمعدم والممحق والمبلط والمعسر والمقتر والمفلس الذي لا مال له ولا شيء له، ومن كلام العرب: كلأ ييجع له كبد المصرم، وهو الذي لا مال له، فيرعاه فأوجعته كبده. ومعنى البيت: إن كان السلو تركها غنية عن وصالي ولا تحتاج إلى وصلي فأنا محتاج إليها، قد عدمتها وعدمت كبدي، يريد أنها غنية عني وأنا فقير إليها. التبيان ٢/ ٣٢٩.
1 / 50
مقدمة السيد محمد رشيد رضا
[مقدمة المؤلف]
القول في التجنيس
فصل في قسمة التجنيس وتنويعه
المقصد
تعريف الاستعارة
تقسيم الاستعارة
القول في الاستعارة المفيدة
فصل
فصل
فصل
فصل
فصل
فصل في مواقع التمثيل وتأثيره
فصل
فصل هذا فن آخر من القول يجمع التشبيه والتمثيل جميعا
فصل
فصل في التشبيه المتعدد والفرق بينه وبين المركب
فصل هذا فن غير ما تقدم في الموازنة بين التشبيه والتمثيل
فصل في الفرق بين الاستعارة والتمثيل
فصل
فصل نوع آخر في التعليل
فصل في تخييل بغير تعليل
فصل في الفرق بين التشبيه والاستعارة
فصل «في الاتفاق في الأخذ والسرقة والاستمداد والاستعانة»
فصل «في حدي الحقيقة والمجاز»
فصل «في المجاز العقلي والمجاز اللغوي والفرق بينهما»