أما «التجنيس» فإنك لا تستحسن تجانس اللفظتين إلا إذا كان وقع معنييهما من العقل موقعا حميدا، ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيدا، أتراك استضعفت تجنيس أبي تمام في قوله: [من الكامل]
ذهبت بمذهبه السّماحة فالتوت ... فيه الظّنون: أمذهب أم مذهب (١)
واستحسنت تجنيس القائل: [من الرجز] حتى نجا من خوفه وما نجا (٢) وقول المحدث: [من الخفيف]
ناظراه فيما جنى ناظراه ... أو دعاني أمت بما أو دعاني (٣)
لأمر يرجع إلى اللفظ؟ أم لأنك رأيت الفائدة ضعفت عن الأوّل وقويت في الثاني؟ ورأيتك لم يزدك «بمذهب ومذهب» على أن أسمعك حروفا مكررة، تروم فائدة فلا تجدها إلا مجهولة منكرة، ورأيت الآخر قد أعاد عليك اللفظة كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك كأنه لم يزدك وقد أحسن الزيادة ووفّاها، فبهذه السريرة
صار «التجنيس» - وخصوصا المستوفى منه المتّفق في الصورة- من حلى الشّعر، ومذكورا في أقسام البديع.
فقد تبين لك أن ما يعطي «التجنيس» من الفضيلة، أمر لم يتمّ إلا بنصرة المعنى، إذ لو كان باللفظ وحده لما كان فيه مستحسن، ولما وجد فيه معيب مستهجن. ولذلك ذمّ الاستكثار منه والولوع به.
وذلك أن المعاني لا تدين في كل موضع لما يجذبها التجنيس إليه، إذ الألفاظ
(١) البيت هو في ديوانه: ٤٣، من قصيدة يمدح بها الحسن بن وهب ويصف غلاما أهداه إليه، والبيت من دلائل الإعجاز: ٥٢٣.
(٢) البيت هو من إعجاز القرآن: ٥٢٣، والبيان والتبيين ١/ ١٥٠، والحيوان: ٣/ ٧٥، و«نجا» الأولى بمعنى أحدث، والثانية بمعنى خلص (رشيد). قلت: «نجا» الأولى من النجو وهو ما يخرج من البطن من الغائط، يريد أنه من خوفه أحدث، ثم لم ينج من النجاة.
(٣) البيت هو ثاني بيتين يرويان لشمسويه البصري، ولشداد بن إبراهيم الجزري، ولأبي الفتح البستي، وهو في دلائل الإعجاز: ٥٢٣. وقبله:
قيل للقلب ما دهاك؟ أجبني ... قال لي: بائع الفراني فراني
وكان حق المصنف أن يذكره كذلك فهو شاهد لما هو فيه من الجناس كذلك.
1 / 16
مقدمة السيد محمد رشيد رضا
[مقدمة المؤلف]
القول في التجنيس
فصل في قسمة التجنيس وتنويعه
المقصد
تعريف الاستعارة
تقسيم الاستعارة
القول في الاستعارة المفيدة
فصل
فصل
فصل
فصل
فصل
فصل في مواقع التمثيل وتأثيره
فصل
فصل هذا فن آخر من القول يجمع التشبيه والتمثيل جميعا
فصل
فصل في التشبيه المتعدد والفرق بينه وبين المركب
فصل هذا فن غير ما تقدم في الموازنة بين التشبيه والتمثيل
فصل في الفرق بين الاستعارة والتمثيل
فصل
فصل نوع آخر في التعليل
فصل في تخييل بغير تعليل
فصل في الفرق بين التشبيه والاستعارة
فصل «في الاتفاق في الأخذ والسرقة والاستمداد والاستعانة»
فصل «في حدي الحقيقة والمجاز»
فصل «في المجاز العقلي والمجاز اللغوي والفرق بينهما»