Los Semejantes y Pares en Poesías de los Antecesores, de los Tiempos de Ignorancia, y de Aquellos Entre Dos Épocas
حماسة الخالديين = بالأشباه والنظائر من أشعار المتقدمين والجاهليين والمخضرمين
Editor
الدكتور محمد علي دقة
Editorial
وزارة الثقافة
Ubicación del editor
الجمهورية العربية السورية
Regiones
•Siria
Imperios y Eras
Hamdaníes (Jazira, norte de Siria), 293-394 / 906-1004
ـ[حماسة الخالديين المعروف بالأشباه والنظائر من أشعار المتقدمين والجاهليين والمخضرمين]ـ
المؤلف: الخالديان أبو بكر محمد بن هاشم الخالدي، (المتوفى: نحو ٣٨٠هـ)، وأبو عثمان سعيد بن هاشم الخالدي (المتوفى: ٣٧١هـ)
المحقق: الدكتور محمد علي دقة
الناشر: وزارة الثقافة، الجمهورية العربية السورية
عام النشر: ١٩٩٥
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(تنبيه هام): الكتاب الإلكتروني هو الأصل (مكتمل)، بينما المطبوع هو منتخب من اختيار د محمد علي دقة
Página desconocida
الجزء الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
الحمد لله الواحد بلا كيفية تقع بها الإحاطة، والأزليّ بلا وقت تنسب الصفات إليه، حمدًا يورد من جليل نعمه، وجزيل قسمه، مشربًا عذبًا ومَسحبًا رحبًا، وصلى الله على سيدنا محمد ما أورق شجر، وأينع ثمر، وعلى الطاهرين من عترته وسلم تسليما.
وبعد فسح الله لنا في مدّتك، ووفقنا لما نؤثره من خدمتك، فإنَّا رأيناك بأشعار المحدثين كلِفًا، وعن القدماء والمخضرمين منحرفًا، وهذان الشريجان هما اللذان فتحا للمحدثين باب المعاني فدخلوه، وأنهجوا لهم طرق الإبداع فسلكوه، أمَا سمعتَ، زاد الله قدرك علوا ورفعةً وسموًّا، قول الشاعر:
فلو قبل مبكاها بكيتُ صبابةً ... إليها شفيتُ النَّفس قبلَ التندُّمِ
ولكن بكتْ قبلي فهيَّج لي البكا ... بُكاها فقلتُ الفضلُ للمتقدِّمِ
ومن أمثالهم السائرة: ما ترك الأوَّل للآخر شيئًا، إلاَّ أنَّ أبا تمام لم يرض بهذا المثل حتَّى قال يصف قصيدةً له:
لا زلت من شكريَ في حلة ... لابسُها ذو سلب فاخرِ
يقول من تقرعُ أسماعَه ... كم ترك الأوَّلُ للآخرِ
ومن المعنى الأول قول عنترة: " هل غادر الشعراء من متردّم؟ "
1 / 15
أي ما تركوا كلامًا لمتكلّم. فإذا كان عنترة - وهو في الجاهلية الجهلاء، وإمام الفصاحة الفصحاء - يقول مثل هذا القول فما ظنك بهذا العصر وقبله بمائتي سنة؟ فلسنا بقولنا هذا، أيدك الله، نطعن على المحدثين ولا نبخسهم تجويدهم ولطف تدقيقهم وطريف معانيهم وإصابة تشبيههم وصحة استعاراتهم. إلاَّ أنَّا نعلم أن الأوائل من الشعراء رسموا رسومًا تبعها من بعدهم، وعوَّل عليها مَن قفا أثرهم، وقلَّ شعرٌ من أشعارهم يخلو من معانٍ صحيحة، وألفاظ فصيحة، وتشبيهات مصيبة، واستعارات عجيبة، ونحن - أطالَ اللهُ في العزّ بقاءك، وكبت بالذل أعداءك - نضمّن رسالتنا هذه مختار ما وقع إلينا من أشعار الجاهلية ومَن تبعهم من المخضرمين، ونجتنب أشعار المشاهير لكثرتها في أيدي النَّاس فلا نذكر منها إلاَّ الشيء اليسير ولا نُخليها من غرر ما رويناه للمحدثين، ونذكر أشياء من النظائر إذا وردت، والإجازات إذا عنّت، ونتكلم عن المعاني المخترعة والمتبعة ولا نجمع نظائر البيت في مكان واحد ولا المعنى المسروق في موضع، بل نجعل ذلك في موضع ذكره، وإن كنا نعلم أنك - أدام الله تأييدك - أعلمُ بما نحمله إليك، ونعرضه عليك، منّا. ومن أين لنا قرائح تنتج ما لا تزال تُريناه، وتسألنا عنه، من دقيق المعاني وطرائف السرقات. ولقد تأتَّى لك - أيدك الله - في بيتَي أبي تمام والبحتري على غموض المعنى وبُعده في النوعين من دقة النظر ولطيف الفكر ما لا يتوهم أنَّه يطَّرِد لسواك ولا يعنُّ لغيرك، وهو أنك - أيد الله عزّك - قلت لنا: من أين أخذ البحتري قوله:
رَكِبا القَنا من بعد ما حملا القنا ... في عسكر متحامل في عسكرِ
فلم يكن عندنا فيه شيء غير الاستحسان والتقريظ، فعرّفتنا - أيدك الله - أنَّه مأخوذ من قول أبي تمام:
رعَته الفيافي بعد ما كانَ حِقبة ... رَعَاها وماءُ الرَّوض ينهلُّ ساكِبُهْ
ولا نعرف في النظر أدقّ من هذا ولا ألطف إلاَّ أنَّا نوفّي الخدمة حقَّها بما نتكلّفه من الاختيار والكلام على ما ذكرناه، وبالله التوفيق.
1 / 16
قال المهلْهِل بن ربيعة:
بكُرهِ قلوبنا يا آل بكرٍ ... نُغاديكم بمُرهفةِ النِّصالِ
لها لونٌ من الهاماتِ جَونٌ ... وإن كانت تُغادَى بالصّقالِ
ونبكي حين نذكركم عليكم ... ونقتلُكُم كأنَّا لا نُبالي
أبيات المهلهل هذه هي الأصل في هذا المعنى، ومثله قول الحُصَين بن الحُمَام المرّي:
نفلِّقُ هامًا من رجالٍ أعزَّةٍ ... علينا وهُم كانوا أعقَّ وأظلَما
وأخذه بعضهم فقال:
قوْمي همُ قتلوا أُميمَ أخي ... فإذا رمَيتُ أصابني سهمِي
فلئن عفوتُ لأعفوَنْ جَللًا ... ولئن قتلتُ لأُوهِنَنْ عظمِي
وأخذه مالك بن مطفوق السعديّ فقال:
قتلْنا بني الأعمام يوم أوارَة ... وعزَّ علينا أن نكون كذلِكا
هُم أحرَجونا يوم ذاك وجرَّدوا ... علينا سُيوفًا لم يكنَّ بواتِكا
وأخذه حرب بن مِسعر فقال:
ولمَّا دعاني لم أُجِبْه لأنَّني ... خشيتُ عليه وقعةً من مُصمِّم
فلمَّا أعاد الصَّوت لم أكُ عاجزًا ... ولا وكِلًا في كلّ دَهْياءَ صَيْلَم
عطفتْ عليه المُهْر عطفةَ مُحرج ... صؤولٍ ومن لا يغشِم النَّاسَ يُغشَم
وأوجرتُهُ لَدْن الكسوب مقوّمًا ... فخرَّ صريعًا لليدَين وللفَم
وغادرتُهُ والدَّمعُ يجري لقتله ... وأوداجُهُ تجري على النحر بالدَّمِ
فأخذا هذا المعنى ديك الجن فقال في جارية كان يحبها فقتلها:
قمرٌ أنا استخْرجتُهُ من دُجْنة ... لبليَّتي وجلوتُهُ من خِدرِهِ
فقتلتُهُ وله عليَّ كرامةٌ ... ملء الحشا وله الفؤادُ بأسرِهِ
عهدي به مَيْتًا كأحسنِ نائمٍ ... والحزنُ ينحرُ عَبرتي في نحرِهِ
وإلى المعنى الأول نظر أبو تمام في قوله:
قدِ انْثَنى بالمنايا في أسنَّتِهِ ... وقد أقامَ حياراكم على اللَّقَمِ
جذلانُ من ظفر حرَّانُ أن رجعتْ ... أظفارُهُ منكمُ مخضوبةً بدَمِ
ومن هذا المعنى أخذ البحتري قوله:
إذا احْتربَتْ يومًا ففاضت دماؤها ... تذكَّرتِ القربى ففاضت دموعُها
بيت البحتري أطرف وأبدع من بيت المهلهل إلاَّ أنَّه أرشده إلى المعنى ودلَّ عليه. ومثله القتَّال الكلابي:
فلمَّا رأيتُ أنَّه غيرُ منتهٍ ... أمَلْتُ له كفّي بلَدْن مقوّمِ
فلمَّا رأيتُ أنَّني قد قتلتهُ ... ندِمتُ عليه أيَّ ساعة مندَمِ
ولبعضهم:
أتتْني آية من أُمّ عمرو ... فكدتُ أغَصّ بالماء القراحِ
فما أنسَى رسالتها ولكن ... ذليلٌ من ينوءُ بلا جناحِ
قوله: " ذليلٌ من ينوء بلا جناح " من الأمثال الجياد المختارة.
قال الحكم بن عبدل الأسديّ:
إذا كنتَ جارًا خائفًا ومُحوِّلا ... لاقيتَ عمرانَ بن ورقاءَ فانْزلِ
هو الغيث والشَّهر الحرام وضامن ... لك الدَّهر إن أخنى عليك بكلكلِ
قال عمرو بن برَّاقة الهَمْداني:
تقول سُليمى لا تعرّضْ لتَلْفَة ... وليلُك عن ليل الصَّعاليك نائمُ
وكيف ينام الليل مَن جُلَّ مالِهِ ... حُسام كلون الملح أبيضَ صارِمُ
كذَبتم وبيتِ الله لا تأخذونها ... مُراغمة ما دام للسَّيف قائمُ
متى تجمع القلبَ الذكيّ وصارما ... وأنفًا حمِيّا تجتنبْكَ المظالمُ
ومَن يطلبِ المال الممنّع بالقنا ... يعشْ ماجدًا أو تخترِمْه الخوارِمُ
مثله:
ومن يطلبِ المالَ الممنّع بالقنا ... يعشْ مُثرِيًا أو يُودِ فيما يمارسُ
إذا جرَّ مولانا علينا جريرةً ... صبَرنا لها إنَّا كرامٌ دعائمُ
وننصرُ مولانا ونعلمُ أنَّه ... كما النَّاسُ مجرومٌ عليه وجارِمُ
وكنتُ إذا قوم غزوني غزوتُهم ... فهلْ أنا في ذا يالَ هَمْدان ظالمُ
قال يزيد خذَّاق العبدي:
فَلَت عينَها عنِّي سَفاهًا وراقَها ... فتى دون أضيافِ الشتاءِ شروبُ
دهينُ القفا يُدني تبيعةَ سيفه ... وما كلُّ أصحابِ السُّيوفِ نجيبُ
قوله: " فتى دون أضيافِ الشتاءِ شروبُ " نهاية في الهجاء، وإنَّما خصَّ بقوله أضياف الشتاء للكِنّ والصلاء وما يضيف في الشتاء من العرب إلاَّ المبرّز في السماحة لكَلَب البرد وصفر البيوت لأنه يريد أن يحصر عياله ويخرج من بيته ماشيته ليتَّسع المكان على ضيفه. وأخرى إن الزاد عندهم في الشتاء قليل وفي الصيف كثير.
قال الغطَمَّش الضبّي:
إنِّي وإن كانَ ابنُ عمِّيَ عاتبا ... لمقاذِفٌ من دونِهِ وورائِهِ
1 / 17
ومفيدُه نصري وإن كانَ امرأ ... متزَحزِحًا في أرضِهِ وسمائِهِ
وإذا اكْتَسى ثوبًا جميلًا لم أقلْ ... يا ليت أنَّ عليَّ مثلَ ردائِهِ
قال كِنار بن صُريم الجرميّ:
أرد الكتيبة مفلولةً ... وقد تركت ليَ أحسابَها
ولستُ إذا كنت في جانب ... أذُمُّ العشيرة مُغتابَها
قوله: " وقد تركت لي أحسابَها " معنى جيد، ذكَر أنَّه هزم أعداءه فصارت مفاخرهم له بهزيمته إياهم.
وأنشد لبعض الأعراب:
أرى كلّ أرض دمَّنتها وإن مضت ... لها حججٌ يزداد طيبًا ترابُها
ألم تعلمنْ يا ربّ أن ربَّ دعوة ... دعوتُك فيها مُخلصًا لو أُجابُها
لعمر أبي ليلى لئن هي أصبحتْ ... بوادي القرى ما ضرَّ غيري اغترابُها
مثله للبحتري:
لعمرُ الرسومِ الدارساتِ لقد غدت ... بريّا سُعاد وهي طيبةُ العرفِ
مثله للنُّميري:
تضوَّعَ مِسكًا بطنُ نعمانَ أن مشت ... به زينبٌ في نسوةٍ عَطراتِ
مثله لأبي تمام:
لولا نسيم ترابها لم تُعرفِ
قوله: يزداد طيبًا ترابها مثل قول جميل:
1 / 18
ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلةً ... بأبطحَ فيّاحٍ بأسفله محلُ
يفوح علينا المسكُ منه وإنّما ... به المسكُ أن جرَّتْ به ذيلها جمْلُ
ولبعضهم:
واستودعتْ نشرها الديارَ فما ... تزدادُ إلاَّ طيبًا على القِدَمِ
ومن هنا أخذ العباس بن الأحنف قوله:
جرى السيلُ فاستبكانيّ السيلُ إذ جرى ... وفاضتْ له من مقلتيَّ غروبُ
وما ذاك إلاَّ حين خبِّرتُ أنّه ... يمرُّ بوادٍ أنت منه قريبُ
يكون أُجاجًا دونكم فإذا انتهى ... إليكم تلقَّى طيبكم فيطيبُ
أخذه ابن المعتز فقال:
فلما انتهى قول السلام وردُّه ... لفظن حديثًا عطَّرته الملافظُ
أبو العباس الأعمى:
ليت شعري أفاح رائحة المس ... ك وما إن إخالُ بالخيف إنْسي
أنشد ابن الأعرابي:
على الميْتِ من بطن الجزيرة كلما ... مررْنا به أو لم نمرَّ سلامي
وما ذاك إلاَّ أنَّ زينب جرَّرتْ ... به الذيلَ لم تنزل لدار مُقامِ
كأنَّ تِجَارًا تحمل الطيبَ عرَّسوا ... به ثمَّ فضوا ثَمَّ كلَّ خِتامِ
وهذا كثير في أشعارهم قديمًا ومحدثًا. وأحسنُ ما قيل في هذا المعنى قول الشاعر:
وأنتِ التي حبَّبتِ شغبًا إلى بَدى ... إليَّ وأوطاني بلادٌ سواهُما
حللتِ بهذا حلّة بعد حلّة ... بهذا فطاب الواديان كلاهُما
ومثله لأبي نواس:
لمن دِمنٌ تزداد حُسنَ رسوم ... على طول ما أقوتْ وطيبَ نسيمِ
1 / 19
عبد الله بن ثعلبة الأزدي:
فلئن عمرتُ لأشفيَ ... نَّ النفسَ من تلك المساعي
ولأعلمنَّ البطن أ ... نَّ الزادَ ليس بمُستطاعِ
أما النهارَ فرائيٌّ ... قومي بمرقبة يفاعِ
في قَرَّة هلكٍ وشو ... كٍ مثلِ أنياب الأفاعي
ترد السباعُ معي فتح ... سبني السباعُ من السباعِ
أخذ أبو تمام هذا المعنى فجوَّده وظرف كلامه بقوله:
أنقَّ مع السباع الماء حتَّى ... لَخالته السباعُ مع السِّباعِ
سُويد بن أبي كاهل:
ذريني أشب عمِّي براحٍ فإنني ... أرى الدهرَ فيه فرجة ومضيقُ
وما أنا إلاَّ كالزمان إذا صحا ... صحوتُ وإن ماق الزمانُ أموقُ
هذا مثل قول بعض الطالبيين:
إذا عقل الدهرُ لم تلقني ... جهولا وأجهلُ إما جَهِلْ
وما الحزم إلاَّ لدى نشوةٍ ... تباكر بالكأس قبل العذَلْ
أخذ هذا الشاعر معنى هذين البيتين في تفسير هذين.
أعرابي:
فلو كنتُ في الدَّار التي تعرفانها ... مرِضتُ إذًا ما غاب عنّي معلِّلي
هنالك لو أنِّي اعتللتُ لعادني ... عوائدُ من لم يأتِ منهن يُرسلِ
هذا مثل قول مالك بن الرَّيب:
وبالرمل منِّي نسوةٌ لو شهدنَني ... بكين وفدَّين الطبيب المداويا
ومثل قول جرير أيضًا:
إن لا يكن لك بالمصرَين باكية ... فرُبَّ باكية بالرَّملِ معوالِ
القتَّال الكلابي:
إذا هبَّتِ الأرواحُ كانَ أحبُّها ... إليَّ التي من نحو نجدٍ هبوبُها
وإنِّي ليدعوني إلى طاعة الهوَى ... كواعبُ أترابٌ مِراض قلوبُها
كأنَّ الشفاه الحوّ منهن حُمِّلتْ ... ذرَى بَرَد ينهلّ عنها غروبُها
بهنَّ من الداء الَّذي أنا عارف ... وما يعرف الأدواء إلاَّ طبيبُها
طُرَيح الثقفيّ:
أصلحتَني بالجود بل أفسدتَني ... وتركتَني أتسخَّطُ الإحسانا
من جاد بعدك كانَ جودُك فوقه ... لا كانَ بعدك كائنًا من كانا
أبو محجن الثقفي:
نعاهدُ أطرافَ القنا فنَفِي لها ... إذا لم تُضرَّج من دمٍ أن تُحطَّما
حرامٌ علينا أن نشيمَ سيوفَنا ... ولم تروَ من أعناقِ أعدائنا دَمَا
ومن البيت الأول أخذ بشار قوله:
إذا أُكرهَ الخطّي فينا وفيهم ... جرى ماؤه في لامنا وتحطَّما
وهذا معنى حسن غير متسع في الشعر. والأصل فيه قول الأسعر الجعفي:
وإذا حملتُ حملت غير مهلِّل ... وإذا طعنتُ كسرت رمحي أو مضَى
وأخذه البحتري فجوّد في قوله:
ألْوَى إذا طعنَ المدجّجَ تلَّهُ لي ... ديه أو نثر القناةَ كُعوبَا
وردّه في موضع آخر في صفة السيف فقال:
وكنتَ متى تجمعْ يمينَك تهتِكِ ال ... ضّريبة أو لا تُبق للسيف مضرِبَا
وأخذه أيضًا المَرْيَميُّ في استعارة فقال:
إذا غمزا قناةَ البغي قامتْ ... بأدْنَى الغمزِ أو طارت شظَايا
أُحَيحة بن الجَلاَح الأوسي:
وقد علِمتْ سراةُ الأوسِ أنِّي ... من الفتيانِ أعدلُ لا أميلُ
وقد أعددتُ للحدثان حِصنًا ... لو أنَّ المرءَ تنفعُهُ العقولُ
لعمرُ أبيك ما يُغني مكاني ... من الفتيان زِمّيل كسُولُ
فهل من كاهل أودِيْ إليه ... إذا ما كانَ من قدَر نزولُ
يراهنُني فيرْهَنُني بَنيهِ ... وأرهنُهُ بنيَّ بما أقولُ
لما يَدري الفقيرُ متى غناه ... وما يدري الغنيُّ متى يَعيلُ
1 / 20
وما تَدري إذا أجمعْتَ أمرًا ... بأيِّ الأرض يُدركك المقيلُ
وما تَدري إذا أنتجتَ سقبا ... لأيِّ النَّاس ينتقلُ الفصيلُ
وما تدري إذا أنتجتَ شَولًا ... أتلقَح بعد ذلك أم تُحيلُ
أما قوله: " بأي الأرض يُدركك المقيلُ " فأخذه من قول الله ﷿:) وما تدري نفسٌ ماذا تكسبُ غدًا وما تدري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموتُ (. وأما قوله: " وما تدري إذا أنتجت سقبًا " البيت قريب من قول الحارث ابن حلزة اليشكري:
لا تكسَعِ الشَّولَ بأغبارِها ... إنَّك لا تَدري من الناتِجُ
مالك بن كعب الأوسيّ:
مَعاذَ إلهي أن تقولَ حليلتي ... ألا فرَّ عنِّي مالكُ بنُ أبي كعبِ
أُقاتلُ حتَّى لا أرى لي مُقاتِلًا ... وأنجُو إذا غُمَّ الجبانُ من الكربِ
عليَّ لجاري ما حيِيتُ ذِمامةٌ ... وأعرف ما حقُّ الرَّفيق على الصَّحبِ
ولا أُسمعُ الندمانَ شيئًا يُريبُهُ ... إذا الكأسُ دارت بالمدام على الشَّرْبِ
وكانَ أبي في المحْلِ يُطعمُ ضيفَه ... ويُرْوي نَدَاماه ويصبرُ في الحربِ
ويمنع مولاه ويُدرك تَبْلَه ... وإن كانَ ذاك التّبل في مطلَب صعبِ
وإذْ ما منعتُ المالَ منكم لضِنّةٍ ... فلا يَهْنِني مالي ولا ينمُ لي كسْبي
وله أيضًا:
ولا خيرَ في مولَى يظلّ كأنَّه ... إذا ضِيمَ مولاه أكبَّ على غُنمِ
حريصٍ على ظلم البَريّ مخالف ... عن القصدِ مأمونٍ ضعيفٍ عن الظلمِ
حسود لِذِي القربى كأنَّ ضلوعَه ... من الغِشّ للأدنينَ ضُمَّت على كَلْمِ
قريب إذا عضَّتْ به الحربُ عضة ... وأبعد شيء جانبًا منك في السِّلمِ
فذاك كغثِّ اللَّحمِ ليس بنافع ... ولا بدَّ يومًا أن يُعَدَّ من اللَّحمِ
عمرو بن الإطنابة:
أبَتْ لي عفَّتي وأبَى بلائي ... وأخْذِي الحمدَ بالثمن الرَّبيحِ
وإعطائي على المكروه مالِي ... وإقدامي على البطلِ المُشيحِ
وقولي كلَّما جشَأتْ وجاشتْ ... مكانكِ تُحمَدي أو تَسْتَريحي
لأدفعَ عن مآثِرَ صالحاتٍ ... وأَحمِي بعدُ عن عِرضٍ صحيحِ
أما قوله يخاطب نفسه: " وقولي كلَّما جشَأتْ وجاشتْ " فعليه فيه متعلّق لأنه ذكر نفسه بالجبن، وأنَّها تدعوه إلى الفرار، وأنَّه يقهرها بصبره، وفي الشعر مثل هذا كثير على العيب الَّذي قدمنا ذكره.
وله أيضًا:
ذُلُلٌ ركابي حيث شئتُ مشايعي ... لٌبِّي أَروعُ قطا المكان الغافلِ
أظليم ما يُدريك كم من خُلَّةٍ ... حسنٍ مدامعُها كظبيةِ حابلِ
قد بتُّ مالِكَها وشاربَ قهوةٍ ... دِرياقة أَروَيتُ منها واغِلي
صهباءَ صافيةٍ ترى ما دونها ... قعرَ الإناءِ تُضيءُ وجهَ الناهِلِ
إنِّي من القوم الذين إذا انْتَدَوا ... بَدَأوا بحقِّ اللهِ ثمَّ النائلِ
المانعين من الخنا جاراتِهم ... والحاشدين على طعام النازلِ
والخالطين فقيرَهم بغنيِّهم ... والباذِلين عطاءهم للسائلِ
والضاربين الكبشَ يَبْرُق بَيضُه ... ضربَ المُهَجهَج عن حِياضِ الناهلِ
قد أخذ في هذه الأبيات أشياء وأُخذ منه أشياء، فما أخَذ قوله: " ذلل
1 / 21
ركابي حيث شئت " البيت، وهذا البيت بأسره لعنترة إلاَّ أنَّا قد وجدنا مثل هذا في أشعارهم أشياء كثيرة، فمن ذلك قول امرئ القيس:
وقوفًا بها صحبي عليَّ مطيَّهم ... يقولون لا تهلِكْ أسًى وتجمَّلِ
ولطرفة بن العبد مثله حرفًا بحرف، إلاَّ أنَّه جعل مكان " تجمَّل " تجلّدِ ".
ومن تصفَّح أشعار العرب رأى من هذا عجائب. وهم يسمونه التوارد وهو عندنا سرقة لا محال. وممَّا أخذه أيضًا قوله: " قد بتُّ مالكها وشارب قهوة " البيت، وهذا بأسره للبيد، إلاَّ أنهما في عصر واحد، فلا ندري أيّهما أخذ من صاحبه. وأخذ أيضًا قوله: " صهباء صافية ترى ما دونها قعر الإناء "، وتمام البيت من قول الأعشى:
تُريكَ القذَى من دونِها وهْيَ دونَه
إلاَّ أنَّه لم يأتِ بمثل كلام الأعشى ولا قاربه.
وأما ما أُخذ منه فقوله: " والخالطين غنيَّهم بفقيرهم "، والبيت الآخر أخذه منه حسان بن ثابت مصالتة فقال:
والخالطين غنيّهم بفقيرهم ... والمنعمين على الفقيرِ المُرمِلِ
والضاربين الكبشَ يبرُق بَيضُهُ ... ضربًا يَطيحُ به بنان المَفْصِلِ
وهذا أقبح ما يكون من الأخذ، وليس هو من التوارد الَّذي يذكرونه
1 / 22
لأنَّ ابن الإطنابة من الأوس وحسان من الأنصار، وهما من قبيلة واحدة، وكان ابن الإطنابة أقدم من حسان، فلذلك قلنا أخذَه منه أخذًا.
قيس بن الخَطيم:
إذا المرءُ لم يُفضِلْ ولم يلقَ نجدةً ... مع القوم فليقعُدْ بصُغرٍ ويبعدِ
وَذِي شيمةٍ عَسراءَ يكرَه شيمتي ... فقلتُ له دعْني ونفسَك أرْشِدِ
فإنِّي لأغنَى الناسِ عن كلِّ واعظ ... يرى النَّاسَ ضُلاّلا وليس بمُهتدِي
وله أيضًا:
كأنَّا وقد أَجلَوا لنا عن نسائِهم ... أُسودٌ لها في غِيل خفّان أشبُلُ
كأنَّ رُؤوسَ الدارعين إذا التقتْ ... كتائبُنا تَتْرَى مع الليل حنظَلُ
أخذ مروان بن أبي حفصة المصراع الآخر من البيت الأول فقال:
بنو مَطَر يوم اللقاء كأنَّهم ... أسود لها في غيل خَفّانَ أشبُلُ
أبو قيس بن الأسْلَت:
رَقودُ الضّحى صِفرُ الحشَى منتَهَى المُنَى ... قَطوفُ الخُطى تمشي الهُوَينا فتُبهَرُ
خفيضة أعلَى الصَّوتِ ليست بسَلْفَع ... ولا نَمَّةٍ خرَّاجةٍ حين تظهَرُ
ويُكرمْنَها جاراتُها فيزرنَها ... وتعتلُّ عن إتيانهنَّ فتُعذَرُ
وليس بها أن تَستَهِينَ بجارةٍ ... ولكنَّها من ذاك تَحْيا وتَحصَرُ
قيس بن الخطيم:
وكنتُ امرءًا لا أسمعُ الدَّهرَ سُبَّةً ... أُسبُّ بها إلاَّ كشفتُ غطاءها
وكانت شجَى في الحَلْقِ ما لم أثَرْ بها ... فأُبتُ بنفس قد أُصيب دواؤُها
وإنِّي لدَى الحربِ العوانِ موكَّل ... بتَقْديم نفسٍ ما أُريدُ بقاءها
متَى يأتِ هذا الموتُ لا تُلفَ حاجةٌ ... لنفسيَ إلاَّ قد قضيتُ قضاءها
وله أيضًا:
فما روضةٌ من رياض القَطا ... كأنَّ المصابيحَ حَوذانُها
بأحسنَ منها ولا مُزنةٌ ... دَلوحٌ تكشَّفُ أَدْجانُها
وعَمرةُ من سَرَواتِ النِّسا ... ءِ تنفَحُ بالمِسكِ أرْدانُها
عَمرةُ التي ذكرها أُمُّ النعمان بن بشير الأنصاري، وكانت له صحبة. وروى بعضهم أنَّ النعمان بن بشير غاب عن المدينة غيبة طويلة، ثمَّ قدِمها، فقال: أسمعوني من أغانيكم، فجاءوه بمغنِّية فاندفعت تغنِّي:
أجَدَّ بعَمرة غُنْيانُها ... أتَهْجُرُ أم شأنُنا شانُها
وعمرةُ من سروات النِّسا ... ءِ تنفَحُ بالمسك أردانُها
فأَومى إليها جماعة من حضر المجلس أن تُخفي. وفطن النعمان لذلك، فقال: دعوها فما قالت إلاَّ جميلًا.
1 / 23