Arab Secularists and Their Position on Islam
العلمانيون العرب وموقفهم من الإسلام
Editorial
المكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع
Edición
الأولى
Año de publicación
١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م
Ubicación del editor
القاهرة - جمهورية مصر العربية
Géneros
•Islamic thought
Regiones
Argelia
سلسلة: بحوث في العلمانية
(٢)
العلمانيون العرب وموقفهم من الإسلام
مصطفى باحو
Página desconocida
تقديم
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
بعد الكتاب الأول من سلسلة بحوث في العلمانية: «العلمانية: المفهوم والمظاهر والأسباب». الذي طبع في الرباط، ونشرته جريدة «السبيل» المغربية غشت ٢٠١١.
هذا هو الكتاب الثاني، الذي خصصته للحديث عن حقيقة نظرة العلمانيين للإسلام وموقفهم منه، بعيدا عن التمويه الإيديولوجي والتزييف الإعلامي الذي يمارسه الخطاب العلماني. وأبين فيه أن الموقف العلماني من الإسلام مضمر برؤية استشراقية دونية، فهو في نظرهم يقوم على أسس خرافية أسطورية لا عقلانية، وهو مرحلة من مراحل تطور الفكر البشري نحو الفكر العقلاني الوضعي الذي يرى الأديان مجموعة من الأوهام التي صنعها البشر البدائيون لتبرير عجزهم أمام ظروف الطبيعة القاهرة، وأن الإسلام دين البداوة والخيمة والقبيلة (١). وبالتالي لم يعد صالحا لمجتمعات الطاقة النووية والخلايا الجذعية والانترنيت.
وتنطلق رؤيتهم تلك من أساس دهري، وهو أن الإسلام دين بشري أو لِنَقُل: محمدي، ويتغافلون عن كون صاحب الشرع هو من يعلم الطاقة النووية والخلايا الجذعية وغيرها. فالله شرع شرعا مع علمه بمتغيرات الأحوال والأزمان والأماكن، شرعا صالحا لحضارة الجمل وحضارة الانترنيت، وهو الذي خلق
(١) الحركات الإسلامية للربيعو (٨٣).
1 / 5
الإنسان ويعرف ما يصلح له وما لا يصلح.
لكن الخطاب العلماني يقف على أرض إلحادية لا تؤمن بوجود إله ولا تعترف بدين، ويتظاهر بكونه لا مشكلة له مع الدين، وأنه يكفل حرية الاعتقاد للجميع.
وهدفنا في هذا الكتاب تعرية تلك الأقنعة وهتك تلك الأستار التي يتمترس خلفها الخطاب العلماني، وتفكيكها وطحنها وسحقها إلى الأبد.
وأغلب رموز العلمانيين يصرحون بعلمانية صارخة لادينية، كأركون وعادل ضاهر وعزيز العظمة وهاشم صالح وطيب تيزيني ونصر أبي زيد، ويرفضون التمسح بالدين بأي شكل من الأشكال، بل ينتقدون علمانيين آخرين يحاولون البحث عن جذور إسلامية للعلمانية أو الاحتجاج بالنصوص الدينية، ويعتبرون هذا تنازلا خطيرا وانبطاحا لا مبرر له. بينما يفضل آخرون الهجوم مرة والتراجع أخرى في انتظار تهيؤ الأجواء للهجوم النهائي، يمثل هذا الاتجاه حسن حنفي وخليل عبد الكريم والعشماوي وآخرون.
ولا خلاف بين الطائفتين إلا في التكتيك، وهل حان نقد الدين الإسلامي ونقضه وتجاوزه؟، أم أن الجو العام والخشية من ردود أفعال جماهيرية غاضبة ترجع على المشروع العلماني بالضعف؟ تحتم اعتبار المرحلة وظروفها وملابساتها في الحسبان.
وعموما يستحيل وجود علماني يؤمن إيمانا حقيقيا بالدين أو الغيب أو المقدسات إلا إذا لم يكن علمانيا حقيقيا أو يفهم العلمانية فهما ساذجا طفوليا.
لأن الدين يقوم على اعتبارات ميتافيزيقية وأصول غيبية، والعلمانية ما جاءت إلا لمحاربة الغيبيات باعتبارها مقومات خرافية أسطورية تنتمي إلى عصر
1 / 6
سيطرة الخرافة واللاعقل (١).
فالعلمانية = سيادة العقل وحده.
والدين يقوم على مقومات غيبية لا عقلانية حسب النظرة العلمانية نفسها.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالعلمانية، لا تؤمن إلا بما دلت عليه التجربة والحواس.
والدين تدور قواعده على الله والرسل والجنة والنار والشياطين، وكلها مفاهيم خرافية أسطورية لا يثبتها العلم التجريبي الحديث، وبالتالي فهي غير علمية ولا تتمتع بأية مصداقية.
وعليه فالعلمانية والدين الإسلامي نقيضان لا يجتمعان.
وأما مسألة أن العلمانية تكفل حرية الاعتقاد، نعم هي تكفل حرية اعتقاد أيّ شيء كان دينا أم إلحادا أم وثنية أم عبدة شياطين.
فهي لم تعط للدين امتيازا ما، فهي ترى أن الإنسان حر في اعتقاد ما يشاء ولو كان خرافيا وتافها في نظرها وتقديرها.
ولذلك فتحوير المسألة من الموقف من الدين إلى الموقف من التدين محاولة للفت الأنظار فقط، بمعنى ما هو موقف العلمانية من الدين نفسه؟ وما هي نظرتها إلى الغيبيات والماورائيات؟ بغض النظر عن سماحها بالتدين.
فهي ترى أن هذه خرافات تافهة لا عقلانية، تنتمي إلى حيز الأوهام التي
(١) سمى زكي نجيب محمود كتابه «خرافة الميتافيزيقا» الذي عدله فيما بعد إلى «موقف من الميتافيزيقا»، واعتبر أن كل ما لا يدخل تحت الحس فهو ميتافيزيقا مرفوضة (٣)، وأن العبارات الميتافيزيقية أقوال فارغة من المدلول والمعنى (١٢). أي: هي أشياء خرافية لا حقيقة لها. ويعني بها كل الغيب: الله الملائكة الروح الجن الجنة النار ...
وهي لا تنفع السامع شيئا لأنها لا تدل على شيء (١٠٤).
ولهذا دعا إلى حذف الميتافيزيقا من دائرة المعارف الإنسانية (
1 / 7
تكونت عبر الزمن.
وقد بيَّن العلماني محمد الشيخ أن المجتمع العلماني مجتمع مادي يلغي كل الأديان والقيم من اعتباراته.
قال: إن المجتمع الحداثي استحال مجتمعا ماديا، بمعنى أنه مجتمع صار لا يُحَكّم في مبادراته المتعددة الاعتبارات التقليدية روحية كانت أو خلقية، وإنما صار يحتكم إلى العوامل المادية وحدها دون سواها (١).
فالدين يتحول إلى شيء متجاوز وملغى، ثم بعد هذا، من شاء أن يتدين بشيء ما فله ذلك. يعني يتحول إلى مسألة شخصية مرتبطة بالضمير.
إن الإسلام هو صاحب الدار، فلا يعقل أن يستجدي العلمانية لتخصص له ركنا أو لتسمح هي له بأن يتحول من حضارة عظيمة ودين يحكم كل مفاصيل الحياة إلى مسألة شخصية يؤمن بها من شاء ويكفر من شاء.
والإسلام في داره (دار الإسلام) كما قال القرضاوي لا يكتفي بأن تكون عقيدته مجرد شيء مسموح به، وليس محظورا كالمخدرات والسموم البيضاء إنه يريد أن تكون عقيدته روح الحياة، وجوهر الوجود ومُلْهِم أبناء المجتمع، وأن تكون أساس التكوين النفسي والفكري لأفراد الأمة، وبعبارة أخرى تكون محور التربية والثقافة والفن والإعلام والتشريع والتقاليد في المجتمع كله (٢).
هل يمكن للمسلم المحافظة على دينه في ظل العلمانية؟
إذا كان يمكن للمسيحي المحافظة على دينه في ظل العلمانية، لأن المسيحية مجموعة وصايا وآداب تمارس داخل الكنيسة، فإن الإسلام بتشريعاته المتعددة
(١) ما معنى أن يكون المرء حداثيا (٣٨).
(٢) التطرف العلماني (٢٩).
1 / 8
والمتداخلة والشاملة لكافة مناحي الحياة يستحيل تطبيقه في ظل نظام علماني.
فالعلمانية تؤطر المجتمع وتوجهه بطريقة لا تمكن المسلم من ممارسة دينه في جو مطمئن.
فلا يستطيع المسلم أكل الحلال وفق مفهوم الشريعة، لأن الشريعة كما ترى العلمانية لا دخل لها في التحليل والتحريم، فذبح الحيوان هو طقوس دينية لا تلزم العلمانية، وتحريم الخنزير والميسر والربا فروض دينية لا ترى فيها العلمانية إلا كوابح دينية يجب تجاوزها وإلغاؤها، وبالتالي فلن يجد المسلم أين يضع ماله ولا حلالا يأكله.
وتبيح العلمانية للمرأة كشف مفاتنها وعورتها، وتبيح لها ممارسة الفاحشة برغبتها، فيتعرض المسلم للتحريش والإغواء والفتنة.
ولا يسمح في ظل النظام العلماني للمسلم منع ابنته من الاختلاط والتبرج، بل والعري التام، واتخاذ صديق لها تدخله معها منزل والدها المسلم، والويل للأب المسلم المسكين إن اعترض، فقوانين العلمانية صارمة في ردعه وتركه عبرة لأمثاله.
وللابن في ظل العلمانية اتخاذ الخليلات ومشاهدة أفلام الإباحة في منزل والده، الذي هو ملزم بالنفقة عليه. وليس أمام المسلم إلا طاعة المبادئ العلمانية والانصياع لها.
فكيف يقال إن حرية التدين مكفولة في ظل العلمانية؟
وأما الإعلام فسواء عرض أفلام الجنس أم عروضا نسائية عارية تماما فلا يحق للمسلم أن يعترض أو ينكر، وللإعلام الدفاع عن الدعارة باعتبارها نشاطا اقتصاديا مربحا، أو عرض أصناف الخمور والتحريض على شربها أو بيان أصناف طهي الخنزير.
وما على المسلم إلا الإذعان والاستسلام، وكل ما يمكنه فعله أن يردد: لا حول ولا قوة إلا بالله، إن تركت له العلمانية إيمانا يستطيع به فعل ذلك.
وأما الحديث عن تغيير المنكر فأحد المستحيلات العشر في دين العلمانية.
1 / 9
هذا فضلا عن أن هناك أركانا وواجبات دينية شرعية لا يمكن القيام بها إلا في ظل دولة إسلامية تحمي هذه الواجبات، وإلا يستحيل القيام بهذه الشعائر دون وجود السلطة السياسية التي تحميها، بل وتقوم بها. كالزكاة، والجهاد، والشورى، والعدل الاجتماعي، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحريم الربا، وتحريم الخمر، وتحريم الخنزير، ومنع التبرج، وغيرها.
وهل السياسة العلمانية التي تحلل الحرام الشرعي مثل الزنا والخمر والربا والعري والتفسخ والأفلام الإباحية والشذوذ، وتدافع عنها وتنشرها بشتى الوسائل وتحرض عليها إعلاميا وإشهاريا، وتذوذ عنها أمنيا وتحميها عسكريا وقانونيا تعتبر محايدة ضد الدين ولا تسعى لتهميشه؟
لا حجة في الوحي
نصوص القرآن والسنة لا حجة فيها عند العلمانيين، وتَنازُل بعض العلمانيين للاحتجاج بها تنازل خطير في نظر عادل ضاهر.
وقد أخذ على إخوانه الاحتجاج بالنصوص الدينية لتسويغ وجهة نظرهم، وأنهم بذلك ينخرطون في حرب النصوص، واعتبره تنازلا خطيرا للخصم، لأن القضية الأساسية للعلماني هي قضية استقلالية العقل الإنساني (١).
وهكذا قال نصر أبو زيد، فقد لام صديق دربه زكي نجيب محمود كيف أنه أعطى لمعارضيه فرصة للنيل منه، بل ولاغتياله (أي: فكريا) من جانبين على حد تعبيره.
الجانب الأول هو تسليمه بحجية النصوص الدينية وخاصة القرآن، وهي في نظر أبي زيد لا تستحق ذلك، ولولا طول كلامه لنقلته برمته، لكن أكتفي بقوله
(١) الأسس الفلسفية للعلمانية (٣٩٩).
1 / 10
في آخره: وإذا كان زكي نجيب محمود بذلك الإقرار والإعلان قد كرس مرجعية النصوص الدينية، فإنه قد منح بذلك خصمه سلاحا فتاكا للنيل منه، هذا هو الجانب الأول، والجانب الثاني الذي مكن للخصم من اغتيال خطاب زكي نجيب محمود إقراره لا بالفروق النوعية بين الرجل والمرأة فقط، بل وتسليمه بالنتائج المترتبة على هذه الفروق اجتماعيا وثقافيا ونفسيا (١).
واعتبر بعد أن الخطاب الديني يزيف قضية المرأة حين يصر على مناقشتها من خلال مرجعية النصوص (٢).
وهو نفس ما أكده فرج فودة أنه لا حجة في القرآن والسنة بل الحجة في الدستور والقانون (٣).
وأكد القمني أن الأديان برمتها موضوع للبحث فقط لا وسيلة للمعرفة، قال: والأديان بالنسبة لمثلي هي موضوع درس ومعرفة، وليست وسيلة لأي نوع من أنواع المعرفة (٤).
فالأديان موضوع للبحث، لا وسيلة للمعرفة.
الذئب الوديع:
يظهر أغلب العلمانيين أنفسهم بمثابة الناصح الأمين الذي يريد فهما أوسع للدين وأشمل وأكثر حضارية وعقلانية على حد تعبير بعضهم.
ونص آخرون على أن العلمانية مرادها وضع الدين في موضعه الذي وضعه الله
(١) دوائر الخوف (١١٣).
(٢) دوائر الخوف (١٢٣).
(٣) حوار حول العلمانية (٢٢ - ٢٣ - ٢٤).
(٤) شكرا ابن لادن.
1 / 11
فيه، فالدين مكانه المسجد ودوره تهذيب الأخلاق والقيم الروحية التي ينحصر أثرها داخل المسجد.
وادعى آخرون أن هدفهم هو الوفاء للإسلام وإعطاء ديناميكية جديدة وحقنة حيوية جديدة في شرايينه.
وحاول العلمانيون المغاربة وغيرهم أصحاب «المفاهيم الملتبسة» و«قدر العلمانية في العالم العربي» جاهدين إيهام قرائهم بأن علمانيتهم ليست ضد الدين، بل هي في خدمة الدين. بل أكد أحد كُتابهم -وهو محمد سبيلا- بأن العلمانية هي أحسن حاضن للدين (١). وعند عبد العلي بنعمور: العلمانية تكريم للدين.
هكذا بكل صفاقة وجه!!!.
وكتابي هذا إن شاء الله لطحن هذه التفاهات وذرها في الهواء.
وزعم عبد المجيد الشرفي أنه يهدف لمصالحة المسلم المعاصر مع دينه (٢).
وكأن المسلم في خصام مع دينه، لكن كما يقال: كل إناء بما فيه ينضح.
ونصحنا بعدم التمسك بحرفية النص وأنه لا بد من البحث عن روح النص ومغزاه ومقصده حتى تكون العبادة لله وحده (٣).
هكذا قال.
لكن لا تلبث هذه الوداعة إلا أن تكشف عن حقيقتها وتسفر عن شراستها، فضرب لنا الشرفي مثلا، بأن ما ورد في القرآن عن آدم وحواء وإبليس والجن والشياطين والملائكة ومعجزات الأنبياء ليست إلا تماشيا مع الذهنية الميثية
(١) قدر العلمانية في العالم العربي (٤١).
(٢) الإسلام بين الرسالة والتاريخ (٥٩).
(٣) نفس المرجع (٦١).
1 / 12
الأسطورية، وأنها رموز وأمثال لا حقائق تاريخية (١).
إنما يتحاشى الشرفي ذكر الله مع ما تقدم، مع أن الباب واحد، تجنبا لردود الأفعال التي قد تؤثر سلبا على تقبل مشروعه.
فكل الغيب -الذي هو أس الدين والإيمان- خرافات وهمية في نظر الشرفي، آمن الناس بها في عصر سيادة الخرافة، أما وقد تحررنا من كل ذلك فلم نعد بحاجة إليها وأصبح تجاوزها أمرا لازما وحتميا.
استحالة اجتثاث الدين من المجتمع:
رغم الهجمة العلمانية الشرسة على الأديان، ورغم كونها مدججة بقوة الدولة وجبروتها، ورغم تسخيرها كافة الوسائل الأمنية والإعلامية والثقافية لتحقيق ذلك، لم تفلح في استئصال الدين من المجتمعات.
في ندوة لندن (يونيو ١٩٩٤) حول سقوط العلمانية والتحدي الإسلامي للغرب أكد البروفيسور جون كين أن الدين لا يمكن أن يجتث نهائيا من حياة الناس، وإنما الذي نجحت العلمنة (٢) في تحقيقه هو إخضاعها الدين لنظم مدنية أوجدها البشر صارت لها السلطة العليا والكلمة الأخيرة، غير أن ظهور الأصولية الدينية في الغرب اتخذ أشكالا عدة في مقدمتها: بروز الحديث عن «السباسة المسيحية» والجدل المتجدد حول الدين والإجهاض، ومطالبة ٨٠% من البريطانيين بتدريس الدين في المدارس، هذه المؤشرات وغيرها كثير تثير تساؤلات عدة حول مدى نجاح العلمنة في إقصاء الدين عن الحياة، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في المسألة برمتها. من زاوية مراجعة موقف العلمانية من
(١) نفس المرجع (٦١).
(٢) طبعا في الغرب.
1 / 13