القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية
القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية
Editorial
دار الفكر
Edición
الأولى
Año de publicación
١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م
Ubicación del editor
دمشق
مقدمة بقلم فضيلة الدكتور وهبة الزحيلي
رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بجامعة دمشق
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله منزل الكتاب، ومجري السحاب، ومعلّم العلوم والآداب، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على رسولنا المصطفى محمد بن عبد الله، أمين وحي الله، والمستنير بخزائن علم الله، ومبلّغه للأمة والناس كافة، وعلى آله وصحبه الهادين المهتدين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
فإن العلم النافع والباقي الأثر، فتح وفتوح وتحصيل، وعلم الشريعة الإسلامية يحتاج لكل هذا، ليتحقق النضج، وتنمو المعارف وتترسخ، ويتحقق الهدف المنشود من العلم، ألا وهو القدوة الحسنة، وإعداد الأمة الإسلامية إعدادا كريما، حضاريا وثقافيا، دنيا وآخرة، ومصدر العلوم النافعة كلها هو كلام الله تعالى، لمن استطاع الاستنارة به، وإدراك معانيه ومقاصده، والإفادة من معينه.
ولا تتحقق الإفادة من كتاب الله ﷿ على الوجه الأمثل إلا بفتح متجدد يغترفه المؤمن من الكلام الإلهي الأزلي الموجّه لبني الإنسان، والفتح لا يكون إلا بفتوح وتوفيق من الله تعالى العلي الأعلى، فبه يتم الفتح وإنارة القلب والعقل، وكل من الفتح والفتوح لا يحصل إلا بتحصيل علوم الشريعة، وإتقانها، للتمكن من الإفادة من كلام الله الذي هو في قمة البلاغة والفصاحة والبيان، والطريق الوحيد لإنقاذ الإنسان.
ولقد كثرت التصانيف حول القرآن الكريم بالمئات لدى علمائنا من السلف الصالح والخلف المعتدل، ولكل عصر أسلوبه وتطلعاته، بحسب المستوى الثقافي والعلمي، وعصرنا يتطلب سهولة الأسلوب وإشراق العبارة، والإيجاز والبعد عن الاستطراد، وتبيان المعاني تبيانا مباشرا وقريب التناول، وشاملا للمطلوب.
والدراسات المعاصرة حول القرآن العظيم مفيدة جدا إذا تميزت بالدقة والشمول وعقد
1 / 11
الموازنات، وتقريب المعاني ضمن إطار علمي سديد، ومن أجل تحقيق غرض مفيد، مع التزام ضوابط اللغة ومقاصد الشريعة.
وهذه الرسالة التي أشرفت عليها، ونال بها من جامعة القرآن الكريم بالسودان الأخ الدكتور محمد الحبش درجة الدكتوراة بامتياز، أسهمت إسهاما طيبا وبارزا في إغناء الدراسات القرآنية، ولا سيما ما تفردت به من تحقيق وتدقيق في مقدماتها، ومن بيان أثر القراءات المتواترة في الأحكام الشرعية، العقدية والفقهية، بل وفي نطاق الجوانب الأربعة التي وفّاها بحثا الأخ الحبش: وهي الرسم القرآني، واللغة العربية، والأحكام الاعتقادية والفقهية، التي تم إحصاؤها إحصاء دقيقا، مع بيان منشئها من دلالة القراءة المعتمدة للآية القرآنية، في حالات محصورة.
وسبب النجاح البارز في هذه الرسالة: هو ما قدمته من توافر الأوصاف الثلاثة التي ذكرتها للعلم الصحيح، فالدكتور محمد توصل إلى فتح علمي واضح المعالم فيما تعرض له، وانضم إليه الفتوح الإلهي على بصيرته وقلبه بسبب إخلاصه في رفع راية كتاب الله تعالى، وتوّج الفتح والفتوح بتحصيله المكتمل من دراسة الشريعة والآداب في رحاب جامعة دمشق، وازداد شرفا ومعرفة بحفظه لكتاب الله ﷿، وإتقانه القراءات ترتيلا، وإجادة، وتجويدا، وجمعا وتصنيفا، فحاز بذلك الفضل والتفوق، وأدت رسالته ما يصبو إليه كل مسلم غير متخصص أو بعيد الصلة عن قراءات القرآن الكريم، القراءات العشر المتواترة، وأفادت المتخصص أيضا بهذا التصنيف والجمع المفيد.
وإني لأترقب للأخ الدكتور محمد الحبش مستقبلا زاهيا إذا تابع نشاطه العلمي، وثابر على اكتناه مدلولات كتاب الله سبحانه، ليستفيد منه إخوانه ومحبّوه، فهو ذكي ألمعي، ومتحدث جيد.
ولا أنسى أن ما توّج به هذا الكتاب من تقديم فضيلة العلامة أستاذنا الجليل الشيخ محمد صادق حبنكة، يعدّ تزكية كافية، تعلو كل ما سواها، وفضيلته يتميز بالحسّ المرهف، والأدب العالي والتواضع الجم، ودقة العلم، والإخلاص لدين الله وشرعه تعليما وتدريسا، وممارسة، وتوجيها، فإن أثنى علي، فأنا تلميذه وثمرته، أحسن بي الظن، فجزاه الله عني وعن الأمة الإسلامية خير الجزاء بما علّم وأرشد، ووجّه وأفاد، والله يتولى الصالحين.
أ. د: وهبة الزحيلي رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بجامعة دمشق- كلية الشريعة
1 / 12
مقدمة بقلم فضيلة الشيخ صادق حبنكة رئيس مجلس قراء دمشق
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر باسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا. والصلاة والسلام على من أنزل عليه يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا، وعلى آله وصحبه الذين هم: رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ. فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا وعلى أتباعهم ومن سلك سبيلهم إلى يوم الدين.
وبعد فقد ترك عندي الأخ الكريم. الصالح المستقيم. رسالته التي قدمها لحيازة الشهادة العالمية العالية التي تسمى (الدكتوراة) لأطلع عليها، فأنا شاكر له على حسن ظنه بي وحسن اختياره لموضوع الرسالة، فإنه موضوع جدير بأن ينشر بيد أمينة تقية نقية. تخشى الله، ولا يستهويها ما سواه، لأن النشر الإعلامي والكتابي أصبح في متناول الأيدي المختلفة: ومن الناس من يدس الدسائس، ويتلقط الشبه فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ، ومنهم من يتحامل على حملة القرآن. وهم أهل الله وأشراف أهل رسوله، فينكر عليهم التزامهم بما أخذوه بالسند الصحيح المتصل، وتقيدهم بما تلقوه من الشيوخ الثقات، ويعد ذلك من إضاعة الوقت، والتفريط بالجهود والملكات، ذاهلا عن أن الله شرفهم بخدمة كتابه المجيد، تحقيقا لقوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ زاعما أن هذه الخدمة من الأشياء التقليدية الموروثة. وليس لها أصل ثابت، ناسيا قوله تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، وقوله سبحانه: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ
تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
، وقوله ﷻ: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ* وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، ويرى هذا القائل أن الاشتغال بغير ما أقامهم الله به واختاره لهم أجدى وأولى جهلا منه بالحقيقة. ومن جهل شيئا عاداه كما أن من لم يدرس الفقه الإسلامي ويطلع على تمحيص مسائله، ودعم أحكامه بالأدلة الصحيحة، يعيب على الفقهاء دراستهم للفقه، وعنايتهم بفهم الأحكام الثابتة، متناسيا حاجة بل اضطرار المجتمع الإسلامي بل
1 / 13
الإنساني إلى الأحكام الفقهية المدروسة، ولو درس المعرضون عن دراسة الأحكام الشرعية، فقه الفقهاء لقدروا الجهود، واعترفوا بقيمة الإنتاج أي إني لا أتهم المنكر على أهل القرآن بضعف الإيمان ولا بالشك في رواية القرآن فقد يكون حديثه المشبوه. واتجاهه الخاطئ بسبب التحرر الفكري فهو في حاجة إلى الإيضاح، وحسن البيان.
وإن في هذا الكتاب القيم الذي أصدره الأستاذ الفاضل الشيخ محمد الحبش، ما ينبه الغافلين، ويرشد المسترشدين.
هذا، وقد تميز التشريع الإسلامي بحفظ قرآنه من التبديل والتحريف وأحكامه من الابتداع والتحريف، كما تميز بصحة الأسانيد وضبط الروايات فليس لأحد أن يبدل حرفا من كتاب الله.
حتى ولا رسول الله. وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي* وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا، وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا* ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ* قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ. إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، وقال سبحانه: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى، وقال تعالت قدرته وتقدست أسماؤه: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ. لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ، فالقرآن الكريم، ألفاظه توقيفية، ورسمه توقيفي، وتأويله توقيفي، فقد ورد: «من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ وإن أصاب»، وورد أيضا: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار».
أما إخواننا بل أشرافنا الذين حفظوا كتاب الله، وجمعوا القراءات حسب الأصول فهم على قسمين:
القسم الأعلى هم العلماء الذين درسوا وحققوا، وعرفوا ودققوا، ولهم باللغة العربية معرفة دقيقة، وبعلوم الشريعة صلة وثيقة، وقد أخذوا القراءات وبحثوا عن توجيهها، وتدبروا الآيات واطلعوا على ما يستنبط منها من الحكم والأحكام، والعبر والمواعظ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
والقسم الثاني من الحفظة لم يحيطوا بما أحاط به الأولون السابقون، ولكنهم أتقنوا الأداء بالتلقي، فإذا تعرض لهم مشكك بما أخذوا أو مضلل عما سلكوا، تحيروا في الصواب، ولم يحوروا
1 / 14
بجواب. لهذا كله كان لموضوع هذا الكتاب الصادر الأهمية الضرورية، ليكون تبصرة للمستبصرين، وهداية للمنصفين التائهين، ومسرة للمؤمنين، وقرة عين للعلماء المخلصين.
ولئن قال قائل إن التآليف المستحدثة الصحيحة، لم تأت بجديد، فذلك من المدح الذي يشبه الذم، فإن التقيد بصحيح النقول، من أمانة العلم وترك الفضول، وهو أرجح من الاعتماد على وحي الأفكار المتحررة، التي لم تتقيد بالأصول، ولا بما جاء عن الرسول، ويكفي لنتاج المستمسكين جدة وضاءة، وعملا صالحا متقبلا، حسن العرض وإحكام الترتيب والتنسيق، ومخاطبة العصر بأساليبه، وإن كسوة العروس وحليتها حين تجلى تميزها عن بقية المتجمعين والمتفرجين، والطعام الطيب يزيد طيبا ويشتهى بحسن اختيار أوانيه وترتيبه على الخوان.
وليس في الخدمات الدينية أشرف من خدمة كتاب الله الكريم.
على أني لم اقرأ الكتاب المعروض بحليته الجديدة إلّا تصفحا لبعض أقسامه واطلاعا على فهارسه، ولكن ثقتي الوثيقة بمخرجه ومنتجه الأستاذ الفاضل محمد الحبش، الذي عرفته من خلال استماعي لكلماته في المناسبات وسلوكه الديني واستقامته وانضباطه على قواعد الشرع: أولا، وشهادة العالم الجليل فضيلة الشيخ وهبة الزحيلي .. الذي أحصى ما فيه واطلع على مبانيه ومعانيه ثانيا، جعلني هذا وذاك أشهد بصحة ما يحتوي، وأكبر هذا الإنتاج المفيد.
ولا أخفي بهذه المناسبة أن الشيخ وهبة الزحيلي حفظه الله، وزاده بالشكر من خير ما أعطاه، له في قلبي مكانة مكينة، ملكه إياها وهو أحق بها تواضعه بلا مذلة، واستقامته بغير انحراف، ودأبه على العلم الناصح والعمل الصالح، وما عملت يداه من الكتب المجيدة، في المواضيع المفيدة، فشهادته لكتاب الأستاذ الفاضل الشيخ محمد الحبش سندى، وهي حسبي على أنني لو أردت أن أباشر التمحيص قبل الحكم لم أصل إلى ما يصل إليه الأستاذ الزحيلي من النتيجة، ولست من أهل الاختصاص، وبضاعتي مزجاة، فأرجو الله لهذا الكتاب الخير واليمن وأن يجعل هذه الباكورة فاتحة لأمثالها وأحسن منها كما أسأله تعالى أن ينفعنا جميعا بالعلم، ويزيننا بالحلم، ويكرمنا بالتقوى، ويمنحنا صفاء المعرفة، وصدق التوكل ويرزقنا حفظ كتابه الكريم وفهم معانيه، والعمل بما فيه، والإخلاص بالأعمال، وأن يمن علينا بحسن الختام، والتلاقي بالجنان، إنه كريم منان.
طالب العلم صادق حبنكة الميداني
1 / 15
المقدمة
بسم الله الرّحمن الرّحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على خاتم النّبيّين، وإمام المرسلين، ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراط مستقيم سيدنا محمد وعلى
آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فقد كتب الله سبحانه لي شرف المشاركة في خدمة القرآن العظيم، فأكرمني بحفظه طفلا حيث أجزت بقراءته من شيوخ قراء بلاد الشام، ثم شرفت بالعناية به وخدمة أهله الذين سمّاهم النّبي ﷺ أشراف الأمة، وأثنى عليهم المولى سبحانه في صريح التّنزيل: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا [فاطر: ٣٥/ ٣٢].
لذلك فإنني لم أتردد في اختيار جهة البحث الذي سأطرقه في حقل الدراسات القرآنية، وكان أن أكرمني الله سبحانه بزيارة جمهورية السودان، وعرفت فيها جامعة القرآن الكريم، وهي من أهم المراكز العلمية المتخصصة في خدمة القرآن العظيم، حيث تضم اثنتي عشرة كلية علمية، تنتشر على ضفاف النيل، في عاصمة السودان، تتعاون جميعا في خدمة القرآن الكريم، إضافة إلى عدد من المراكز العلمية والمكتبات المتصلة بهذه الجامعة الكريمة.
وقد كنت منذ أن اشتغلت بالقراءات القرآنية أقلّب الفكر في مسألة واحدة هي: ما الحكمة من تعدد القراءات المتواترة على الرغم من أن مصدرها واحد؟ ولماذا كتبت في المصاحف بوجه واحد؟ ولماذا غابت عن الرسم الوجوه المتواترة الأخرى؟ مع أن الشاهد منها ليس أوثق إسنادا من الغائب؛ ولا هو أثبت في الاستدلال من أخيه، إذ سائر المتواتر في الثبوت والدلالة سواء، فقد حسم الأئمة القرّاء هذه المسألة قديما، واستقرّ الإجماع على المتواتر، واعتقدته الأمّة قرآنا، وأصبح ما أثر عن الأوّل من ردّ متواتر أو الإنكار عليه، محمولا على سبب واحد وهو عدم ثبوت التواتر لديه لا غير.
وقد كتب كثير من العلماء في حكمة القراءات المتواترة وأثرها في الرسم واللغة والفقه، ولكن بقي هذا الجهد في إطار العرض العام للمسألة، من غير أن يتناولها باحث بقلم الإحاطة والحصر،
1 / 17
وهو بحث لا بدّ منه ليتبين للناس ما غاب عنهم من دلالات المصحف الشريف الذي هو ولا ريب أساس التّشريع والأحكام لهذه الأمة عبر تاريخها التّشريعي.
وهكذا فقد تبدّت لي معالم البحث الذي تخيّرته، ووافقت عليه الجامعة الكريمة، وعيّنت مديرها العلامة الدكتور أحمد علي الإمام مشرفا على الرسالة، ثم التمست الجامعة الكريمة من الأستاذ الدكتور المفسّر وهبة الزحيلي أن يتكرّم بمتابعة الإشراف العلمي على الرّسالة (١). ولدى موافقته الكريمة فإنني أكون استوفيت أسباب هذه الدراسة، والتي أعدّ نفسي قد شرعت فيها منذ وقت طويل.
وعقب جلسات متواصلة خصّني بها أستاذي الدكتور وهبة، وجلّى لي فيها أصول البحث العلمي ووسائله، وحدّد لي منهج البحث وخطوطه العريضة استعنت بالله تعالى وشرعت بالمقصود. ويمكن تحديد أغراض الرّسالة في المقاصد التالية (٢):
أولا: تقديم الأدلة العلمية الواضحة على أن الوحي هو المصدر الوحيد للقراءات المتواترة على اختلاف وجوهها، وبيان أنه ليس لأئمة القرّاء أدنى اجتهاد في اختراع أي وجه، أو ترجيح متواتر على متواتر.
ثانيا: مناقشة الفكرة الشائعة حول التصنيف الثلاثي للقراءات: متواتر وآحاد وشاذ، وتقديم الأدلة والحجج على وجوب المصير إلى تسمية ثنائية وهي: متواتر وشاذ فقط.
ثالثا: دفع توهم التناقض بين الرسم القرآني العثماني وبين الفرشيات المختلفة (وهي الكلمات التي قرئت على غير مثال، ولا تنمى إلى أصول قواعدية) الواردة بالتواتر، والتي يلزم التسليم بثبوتها عن المعصوم ﷺ.
(١) وذلك لما له من خبرة واسعة ومعرفة محيطة بعلوم القرآن الكريم، لعل أقرب دلالاتها ذلك التفسير الجليل الذي أصدره بعنوان التفسير المنير في ست عشرة مجلدة ضخمة، واستحق عليه جائزة أفضل تفسير قرآني معاصر قدمتها له الجمهورية الإسلامية في إيران، ثم أعقبه بالتفسير الوجيز ثم التفسير الوسيط. إضافة إلى مجموعة عظيمة من الإصدارات الفكرية المتلاحقة، نعدّ منها:
الفقه الإسلامي وأدلّته: في أحد عشر مجلدا مع فهارسه- أصول الفقه الإسلامي: في مجلدين كبيرين- آثار الحرب في الفقه الإسلامي في مجلد كبير. إضافة إلى عشرات من الكتب المختلفة في المعارف الإسلامية، وتدريسه في الجامعات العربية والإسلامية لأكثر من ثلاثين عاما، وإشرافه على عشرات رسائل الدكتوراة والماجستير وحلقات البحث العلمي.
(٢) تجد تفصيلا أوسع لمقاصد الدراسة في خاتمة البحث.
1 / 18
رابعا: إجراء مسح دقيق للمواضع التي اختلفت فيها المصاحف التي وزعها عثمان ﵁ في الأمصار، وتحقيق ضبط عددها، وإظهار أهمية معرفتها وحصرها.
خامسا: مناقشة الفكرة الشائعة بأن علم القراءات وقف على أهل الاختصاص؛ وهو توهم يدفع كثيرا من الباحثين إلى تجنّب الخوض في أي من مسائل علم القراءات على أساس أن هذا العلم ممنوع على غير أهله.
- ولأجل ذلك فقد عقدت عدة فصول تضع هذا العلم بين يدي الراغبين بالاطلاع عليه من الباحثين بأسلوب قريب يتيح للباحث الاطّلاع على الضروري من مسائل هذا العلم؛ مع تسليمنا بأن الاختصاص في هذا الفن والإحاطة بمسائله يحتاج إلى تفرّغ تام (١).
سادسا: بيان أثر القراءات المتواترة في المعارف الإسلامية من جوانب أربعة:
- الرسم القرآني، ودور هذه القراءات المتواترة في حفظ بعض الحروف التي لا نجدها في الرسم العثماني الشائع اليوم، وكذلك تحديد مسئولية القراء والحفاظ في ضبط ذلك.
- اللغة العربية، ودور هذه القراءات المتواترة في حفظ بعض اللهجات العربية التي توشك أن تندثر.
- الأحكام الاعتقادية، وفائدة هذه القراءات المتواترة في كشف بعض مجملات التنزيل، والمساعدة على توضيح مراد المولى سبحانه فيها.
- الأحكام الفقهية، وفائدة هذه القراءات المتواترة في تقرير بعض الأحكام الشرعية التي لا يمكن الاستدلال لها بالقراءة الواحدة.
وقد تقدمت في أعقاب هذه الدراسة بجملة من الملاحق والاقتراحات التي تتصل بهذه المقاصد، وتضعها في موضع التحقيق بإذن الله.
كما ألحقت بالبحث صورا هامة لمجموعة من المخطوطات القرآنية النادرة التي اعتمدت عليها في تقرير ما وصلت إليه، خاصة فيما يتصل بأثر القراءات في حفظ الرسم القرآني.
(١) قمت بإفراد هذا البحث والإضافة عليه وأصدرته في كتاب مستقل بعنوان (الشامل في القراءات المتواترة) وقامت بطبعه ونشره دار ابن كثير والكلم الطيب مشكورتين.
1 / 19
ولن يفوتني هنا أن أتوجّه بالشكر إلى معالي فضيلة الدكتور الشيخ أحمد علي الإمام مدير جامعة القرآن الكريم، لما وجدته لديه من علم وحلم، وسعة اطّلاع في مدار البحث الذي طرقته، إضافة إلى ما لمسته فيه من أخلاق العلماء وتواضعهم.
وأكرّر الشكر للأستاذ الكبير، الفقيه المفسّر، الدكتور وهبة الزحيلي لتفضّله بالإشراف على هذه الرسالة، ولا شك أن ذلك مدعاة شرف وافتخار لأي باحث يجتهد في خدمة علوم الشريعة المطهرة.
وكذلك أخصّ بالشكر الأستاذ الدكتور عباس المحجوب عميد كلية الدراسات العليا والبحث العلمي، والداعية الإسلامي المؤثر، لما كان يرعاني به من تشجيع وتوجيه، ولما رأيته فيه من فطرة واعية رائدة لطموحات شباب الصحوة الإسلامية.
والله أسأل أن يلهمني فيما قدمته الرشد، ويجنبني الزلل، ويكتب لي التوفيق فيما أرتجي، وما توفيقي إلا بالله ...
ربّنا تقبّل منا إنك أنت السميع العليم.
محمد الحبش دمشق في ١/ شعبان/ ١٤١٦ الموافق ٢٠/ ١٢/ ١٩٩٥
1 / 20
الباب الأول علم القراءات
1 / 21