ألفية ابن مالك منهجها وشروحها
ألفية ابن مالك منهجها وشروحها
Editorial
مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
ألْفِيَّةُ ابْن مَالِكٍ
مَنْهَجُهَا وَشرُوحُهَا
(١) للأستاذ الدكتور غريب عبد المجيد نافع
أستاذ اللغوّيات بالدّراسات العليا بالجامعة.
[ابن مالك]
في مدينة جَيّان بالأندلس، ولد الإمام العلامة أبو عبد الله جمال الدين، محمد بن عبد الله ابن محمد بن عبد الله الطائي سنة ثمانٍ وتسعين وخمسمائة من الهجرة (٥٩٨ هـ)، وفيها تلقى جانبا من دراسته الأولية، ثم هجرها في شبابه المبكر إلى بلاد الشام، وفي طريقه إليها عرَّج على مصر، فأقام بها مدة تحوَّل خلالها من مذهب الإمام مالك إلى مذهب الإمام الشافعي.
ثم ارتحل إلى الأراضي المقدسة؛ رغبةً في الحج، ومنها واصل المسيرة إلى دمشق، وحضر فيها دروسًا على بعض علمائها، ثم انتقل إلى حلب، فأطال بها المقام، باحثا، ومدرسا. ومن حلب رحل إلى حَماة، ومنها إلى دمشق، وفي دمشق ألقى عصا التَّسيار، بعد أن لمع نجمه، وارتفع قدره فتصدر للتدريس فيها صابرًا على متابعة البحث، محتسبًا أجره عند الله، حتى وافاه الأجل المحتوم يوم الأربعاء الثاني عشر من شعبان عام اثنين وسبعين وستمائة للهجرة (٦٧٢ هـ) .
وقد جمع الله لابن مالك من الأسباب ما يؤهله لأن يكون واحد عصره، وقدوةً لمن جاء بعده، فهيأ له البيئة التي تموج بالعلم، وتدفع إليه دفعا، كما منحه العقل المفكر، والذهن المتفتق، والحافظة الواعية، والرغبة المتدفقة في البحث والتقصي.
وكان لكثرة اطلاعه على أشعار القدامى، وسرعة حفظه لما يقع عليه بصره، أو يلتقطه سمعه- أثرٌ واضح في تأجيج الملكة الشعرية؛ فقد كان نظمُ الشعر عليه سهلًا حتى عالجه في أدق مسالكه، وهو نظم العلوم والفنون.
ولابن مالك في المكتبة العربية مؤلفات كثيرة متنوعة، ولكن أبرزها وأشهرها
65 - 66 / 184
"الخلاصة" المعروفة بـ "الألفية "، فقد سارت بذكرها الركبان، وتبارى العلماء على مرّ العصور في شرحها، أو اختصارها، أو محاكاتها، أو نقدها١.
و"الألفية": منظومة علمية تعليمية، اختصرها من منظومته الكبرى "الكافية الشافية"، وجعلها في أرجوزة لطيفة، جمعت خلاصة النحو، وأغلب مباحث الصرف، في إيجاز محكم، مع الإشارة أحيانًا إلى مذاهب العلماء، وبيان ما يختاره من آراء.
ألا ترى إلى قوله في بيان حركة نون المثنى، وما جُمعَ على حَدِّه
ونُونَ مَجْمُوعٍ وَمَا بِهِ التحق
... فَافْتَحْ وَقَلَّ مَنْ بِكَسْرِهِ نَطَقْ
ونُونُ مَا ثنِّيَ وآْلمُلْحَقِ بِهْ ... بِعَكْسِ ذَاكَ اسْتَعْمَلُوهُ فآنْتَبِهْ ٢
أو إلى قوله في أحوال انفصال الضمير واتصاله:
وفي اخْتِيَارٍ لا يجيء المُنْفَصِلْ ... إِذَا تَأتَّى أنْ يَجِيءَ المُّتَّصِلْ
صِلْ أو افصل هَاء "سَلْنيِه"وَمَا ... أشْبَهَهُ في "كُنْتُهُ" الْخُلْفُ انْتَمَى
كَذَاكَ خِلْتَنِيهِ وَاتِّصَالا ... أخْتَارُ غَيْري اخْتَارَ الانفصالا ٣
أو إلى قوله في حكم "أنِ" المخففة:
وإنْ تُخَفَّفْ "أنَّ"فاسْمُهَا اسْتَكَنّ ... وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً منْ بَعْدِ "أنْ"
وَإِنْ يَكُنْ فِعْلًا وَلمْ يَكُنْ دُعَا ... وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مُمْتَنِعَا
فَالأحْسَنُ الْفَصْلُ بِ "قَدْ" أو نَفْيٍ أو ... تَنْفِيسٍ أو"لَوْ"وَقَلِيلٌ ذِكْرُ"لَوْ" ٤
١نفح الطيب ج٢ ص ٢٢٢- ٢٣٣، والأعلام ج٦ ص ٢٣٣، ومعجم المؤلفين ج١ ص ٢٣٤، وطبقات الشافعية للأسنوي ج اص ١٦٦، وج٢ ص ١٦٥، وتاريخ الإِسلام للذهبي، الجزء الأخير، وحدائق الأنام لابن عبد الرازق الدمشقي ص ٢٠٤- ٢٠٥، ودائرة المعارف الإسلامية ج١ ص ٢٧٢، ٢٧٤، وهدية العارفين ج ٦ ص١٣٠، والخضري على ابن عقيل ج اص ٧، وابن حمدون على المكودى ج١ ص ٩ـ١٠والصبان على الأشموني ج اص ٧-٨، ومقدمة الألفية ص١٣٥، طبعة مكتبة طيبة بالمدينة المنورة، وفهرس المؤلفين بالظاهرية، والوافي ج٣ ص ٣٥٩، والفوات ج ٢ ص ٤٥٢، وغاية النهايةج٢ ص ١٨٠، وبغية الوعاة ص ٥٣.
٢ الألفية ص ٢٢.
٣ الألفية ص ٢٦.
٤ الألفية ص ٣٦.
65 - 66 / 185
وقد اشْتَهَرت "الخلاصة" بين الناس باسم "الألفية"؛ لأن عددها ألفُ بيت من الرجز التام.
وتسمية "الألفية": مأخوذة من قوله في أولها:
وأسْتَعِنُ الله في ألْفِيَّهْ ... مَقَاصدُ النحْوِ بهَا مَحْوِيَّهْ ١
وتسمية (الخلاصة): مأخوذة من قوله في أخرها.
أحْصَى مِنَ الكافية الخلاصة ... كمَا اقتضَى غِنىً بِلاَ خَصَاصهْ ٢
و"الألفية" تسير وفق منهج تربوي، تسعى فيه الأحكام الإفرادية أمام الأحكام التركيبية، وتتصدر الجملة الاسمية فيه الجملة الفعلية، مع تقديم المرفوعات على المنصوبات، والمنصوبات على المجرورات.
فقد تناول ابن مالك في المقدمة الكلام وما يتألف منه، وأتبعه بالمعرب والمبني، والنكرة والمعرفة، ثم تكلم عن المبتدأ والخبر، والنواسخ، متمما الحديث عن المرفوعات بالحديث عن الفاعل ونائبه.
ولما كان "اشتغال العامل عن المعمول" جامعًا للمرفوعات والمنصوبات، وجوبًا، أو رجحانًا، أو تسويةً- أتى به بين نائب الفاعل والمفعول به - إلا أنه ترجم المفعول به في باب "تعدى الفعلِ ولزومه"، وأردفه بالحديث عن "التنازع في العمل"؛ لأنه مرتبط بالمفعول به ارتباطا وثيقًا، ثم تحدث عن بقية المفاعيل؛ فذكر"المفعول المطلق، والمفعول لأجله، والمفعول فيه، والمفعول معه"، وختم الحديث عن الفضلات بما يشبهها؛ فذكر "الإستثناء، والحال، والتمييز".
ولما فرغ من المنصوبات تناول المجروراتِ بشيء من التفصيل؛ فبدأ بحروف الجر، وأنواعها ومعانيها، وأحكامها، وثنى بالإضافة، مبينا أنواعها، وأحوالها، وأحكامها، مفردًا "المضاف إلى ياء المتكلم " بفصل خاص، لاختلاف أحكامه باختلاف أنواعه.
ولأدنى ملابسة، يتحدث ابن مالك عن "إعمال المصدر، واسم الفاعل" بعد حديثه عن الإضافة، ثم يُتْبعهما بالحديث عن "أبنية المصادر، وأسماء الفاعلين والمفعولين"، مجملا القول في صياغة "الصفة المشبهة باسم الفاعل" وعملها.
١ الألفية ص١٩.
٢الألفية ص ١١١.
65 - 66 / 186
وقبل أن يتحدث الناظم عن التوابع، يتحدث عن "التعجب، وأفعال المدح والذم! واسم التفضيل"، ثم يتناول النداء الحقيقي والمجازى، وأحكامهما في دقة تامة، وإحكام عجيب.
والاختصاص يشبه النداء في نصبه وبنائه على الضم، وفي الارتباط بالحاضر مع إفادة التوكيد؛ ومن ثمة يذكره بعد آخر مبحث من مباحث المنادى، وهو الترخيم، ثم يتحدث عن التحذير والإغراء للشبه بينهما وبين الاختصاص في إضمار العامل.
ولم يكتف ابن مالك بما أجمله في المقدمات من الحديث عن "اسم الفعل، ونون التوكيد، والممنوع من الصرف، والفعل المعرب"؛ بل عاد، فعقد لما أجمله أولًا أبوابًا مستقلة، فصّل فيها القول إلى حدٍّ ما، فتكلم عن "أسماء الأفعال" وما يشبهها من "أسماء الأصوات"، ثم تناول "مالا ينصرف" بشيء من التفصيل، وأسهب القول في أحوال الفعل المضارع، فتناوله في بابي "إعراب الفعل، وعوامل الجزم"، متمما الحديث عن أدوات الشرط بعقده فصْلًا عن "لو" وآخر عن "أمّا، ولولا، ولوما".
وقبل أن ينتهي ابن مالك من الأحكام النحويّة، يضع نظامًا للتطبيق عليها فيعقد بابًا في "الإخبار بالذي والألف واللام"، ثم يختتم حديثه عن النحو بـ"العدد، وكناياته"، مشيرًا في النهاية إلى " الحكاية" ب "أيٍّ، ومَن" الاستفهاميتين.
وأما "الصرف" فقد أغفل قدرًا كبيرًا من "تصريف الأفعال"، فضلًا عن التقاء الساكنين وتخفيف الهمزة؛ فلم يتحدث عن "الجامد والمتصرف"، ولا عن "الصحيح والمعتل"، ولا عن "إسناد الأفعال إلى الضمائر"؛ اعتمادًا على منظومته "لاميّة الأفعال". ولنجاح ابن مالك في منهجه بحرصه على تيسير العربية، لغة القرآن، أقبل العلماء والمتعلمون على ألفيته - من بين كتبه بنوع خاص - إقبالًا منقطع النظير، وعكف عليها المتخصصون في جميع الأزمان والأمصار، يدرسونها، ويعلقون عليها نظمًا أو نثرًا بالعربية وبغيرها، حتى طُويت مصنّفات من قبله من أئمة النحو، ولم ينتفع من جاء بعده بمحاكاته، أو الانتقاص منه. ولو لم يشر في ألفيته إلى ألفية الإِمام العلاّمة زين الدين يحي بن عبد النور الزواوي الجزائري المعروف ب "ابن معطى" المتوفى سنة ٦٢٧ هـ " ذكره الناسُ، ولا عرفوه ١.
١ مقدمة تحقيق شرح ابن عقيل للشيخ محمد محي الدين عبد الحميد، جـ ١ ص٥ - ٦.
65 - 66 / 187
فابن معطى، لم ينتفع في منظومته "الدُّرَّة الألفية في علم العربية" بسبقه الزمني، ولا بتقدمه المنهجي، على الرغم من إقرار ابن مالك بفضله، واعترافه بعلمه.
وأبو حيان النحوي، المتوفي سنة ٧٤٥ هـ، لم ينتفع بمنظومته "نهاية الإعراب في علمي التصريف والإعراب" على الرغم من حملته الضارية على ابن مالك، وألفَيته ١.
وجلال الدين السيوطى المتوفي سنة ٩١١ هـ، لم ينتفع بقوله في مطلع ألفيته:
أقول بعد الحمد والسلام ... على النبيِّ أفِصح الأنامِ
النَّحُو خَيْرُ ما به المرء عُنِي ... إذْ ليس علمٌ عنه حقَّا يغتني
وهذه ألفيةٌ فيها حَوَتْ ... أصولَه، ونفعَ طُلاَب نَوَتْ
فائقةً ألفيّة ابْنِ مالِك ... لكونها واضحة المسالك
وجَمْعِها من الأصول ما خلتْ ... عنه، وضَبْطِ مُرسَلات أهمِلتْ
ترتيبُها لم يَحْو غيري صنْعهْ ... مقدماتٌ، ثم كُتْبٌ سبْعَهْ
وأسأل الله وفاء الملتَزمْ ... فيها مع النفع، وحُسْنَ المختتمْ ٢
ولم يكتف العلماء بقراءة الألفية، أو التعليق عليها وإنما نظروا في بعض الأمهات المخالفة لمنهجها، فأعادوا ترتيبها على نظامها، كما فعل الشيخ أحمد بن عبد الفتاح الملوي المتوفى سنة ١٨١ هـ في كتابه "الأنوار البهيّة، في ترتيب الرضي على الألفية" ٣.
ولجأ بعض المحققين في العصر الحاضر، إلى وضع فهارس لكتب القوم على نظام الألفية؛ تيسيرًا لفهمها، كما فعل الأستاذ الشيخ محمد عبد الخالق عُضيمة، المتوفى سنة ١٤٠٤ هـ في تحقيقه لكتاب "المقتضب" الذي ألفه أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، المتوفى سنة ٢٨٥ هـ، ونشره في أربعة أجزاء المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر سنة ١٣٨٨ هـ فقد رتب الشيخ عضيمة فهرس الموضوعات ترتيب ابن مالك في الألفية لشهرته، وأخرجه في ٢٢٥ صفحة من القطع الكبير، وألحقه بالجزء الرابع.
وزاد من أهمية الألفية في ميدان الدراسات اللغوية- إحكام صياغتها، وخِفة لفظها، ودقة أفكارها، وسرعة جوابها، وسداد منهجها، فضلًا عن إخلاص صاحبها؛ ألا ترى إلى
١ نفح الطيب للمقري، ج ٢ ص ٢٢٩- ٢٣١.
٢المطالع السعيدة في شرح الدرة الفريدة للسيوطي، بتحقيق الدكتور نبهان ياسين حسين جـ١ص ٣٥ـ٣٦، وص ٧٩ - ٨١.
٣ المكتبة الأزهرية بالقاهرة، وبها نسخة في ٦٣٤ ورقة.
65 - 66 / 188
قوله في بيان مجيء الحال من المضاف إليه:
وَلاَ تُجِزْ حَالا مِن المضاف لَهْ ... إِلا إذَا اقْتَضى المضاف عَمَلَهْ
أوْ كَانَ جُزْءَ مَالَهُ أضِيفَا ... أوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلا تَحِيفَا١
أو إلى قوله في كيفية العطف على ضمير الرفع المتصل:
وَإن عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصلْ ... عَطَفْتَ، فَافْصِلْ بِالضَّمِير المُنْفَصِلْ
أو فَاصِلٍ مَّا، وَبِلاَ فَصْلٍ يَرِدْ ... في الْنَّظْمِ فَاِشيًا وَضَعْفَهُ اعْتَقِدْ ٢
أو إلى قوله في تذكير العدد وتأنيثه، مع بيان تمييزه:
ثلاثَةً بِالتَّاء قُلْ لِلْعَشَرَهْ ... في عَدِّ مَا آحَادُهُ مُذَكَّرَهْ
في الضدِّ جَرِّدْ وَالمُمَيِّزَ اجْرُرِ ... جَمْعًا بِلفْظِ قلَّةٍ في الأكْثرِ
وَمِائَةً وَاْلألْفَ لِلْفَرد أضفْ ... ومِائَةٌ بِالْجَمْعِ نَزْرًا قَدْ رُدِفْ٣
أو إلى قوله في ضبط أوزان ألف التأنيث المقصورة والممدودة:
وَألِفُ الْتَّأنِيثِ ذَاتُ قَصْرِ ... وَذَاتُ مَدٍّ نَحْوُ أنْثَى الْغُرِّ
والاشْتِهَارُ في مَبَاني الأولَى ... يُبْدِيهِ وَزْنُ "أرَبَى وَالطُّولَى"
وَ"مَرَطَى" وَوَزْن "فَعْلَى" جَمْعا ... أوْ مَصْدَرًا أو صِفَةً"شَبْعَى"
وَكـ "حُبَارَى سُمَّهى سِبَطْرَى ... ذكْرَى وَحِثيثى مَعَ آلْكُفُرّى "
كَذَاكَ "خُلَّيْطَى مَعَ الشّقَّارَى ... واْعْزُ لِغَيْرِ هذِهِ آسْتنْدَاراَ"
لمِدِّها " فعْلاء أفْعِلاء ... مُثلَّثَ الْعَين وَفَعْلَلاَء"
ثُمَّ "فِعَالا فُعْلُلاَ فَاعُولاَ ... وَفَاعِلاء فِعْلِيَا مَفْعُولاَ
١ الألفية ص٥٠.
٢ الألفية ص٧٠.
٣ الألفية ص ٨٦-٨٧.
65 - 66 / 189
ومُطْلَقَ العين " فَعَالا" وَكَذَا ... مُطْلَقَ فَاء "فَعَلاَءُ" أخذا ١
وذاعت شهرة الألفية في الأوساط العلمية الدولية؛ فنشرها بالعربية، ومعها ترجمة بالفرنسية المستشرق الفرنسي البارون أنطوان إيزاك سلفستر دى ساسى، المتوفى سنة ١٢٥٢هـ (١٨٣٨م)، وطبعت في باريس سنة ١٨٣٤م، وفى القسطنطينية سنة ١٨٨٧م٢.
ونُشرت موسوعة ب "الخلاصة" في النحو، ومعها شروح وتعليقات باللغة الفرنسية للمستشرق الفرنسي جوجويه، A) Goguyet) . وطبعت بالمطبعة الأدبية ببيروت سنة ١٨٨٨م في ٣٥٣صفحة ٣.
وترجمها إلى الألمانية، مع نشرها بالعربية المستشرق الألماني فردريخ ديتر يشي «Friedrich.Dietrici) المتوفى سنة ١٩٠٣م، وطبعت في برلين سنة ١٨٥٢م ٤.
ونشرها بالعربية مع ترجمة بالإيطالية المستشرق الإيطالي فيتو (Vitt، Enrico) قنصل إيطاليا في بيروت سابقا والمتوفى سنة ١٩٥٤م، وطبعت في بيروت سنة ١٨٩٨م ٥.
وإلى العدد القادم مع الحلقة الثانية إن شاء الله تعالى
١ الألفية ص ٩٠.
٢ المستشرقون للأستاذ نجيب العقيقي، ج١ ص١٨٢، دار المعارف بمصر سنة ١٩٦٤م - الطبعة الثالثة.
ومعجم المطبوعات العربية حتى ١٣٣٩ هـ (١٩١٩م) للأستاذ يوسف إليان سركيس بمصر ١٣٤٦ هـ (١٩٢٨م) ٢٣٤.
٣ المستشرقون جـ ١ ص٢٠٢. ومعجم المطبوعات ص ٨٩٧، والمستشرقون جـ ٢ ص٧١٦.
٤ الأعلام للزركلي جـ ٢ص١٤٥، ومعجم المطبوعات ص ٨٩٧، والمستشرقون جـ ٢ ص ٧١٦.
٥ المستشرقون جـ ٢ ص ٧١٦، ومعجم المطبوعات ص ٢٣٤.
65 - 66 / 190
ألفية ابن ماللك منهجها وشروحها
...
ألفية ابن مالك منهجها وشروحها٢
للأستاذ الدكتور غريب عبد المجيد نافع أستاذ اللغويات بالدراسات العليا بالجامعة
ولتجاوب الناس مع "الألفية" بأثرها الواضح في سرعة استحضار القواعد أكثروا من مدحها، وبيان فضلها؛ ألا ترى إلى قول ابن المجراد:
خُلاصةُ النحو لا أبغي بها بدلا ... مستغرقًا درسها في كلِّ أوقاتي
قد جمّعت لُبَّ علم النحو مختصرا ... نظما بديعًا حوى جُلَّ المهماتِ
قُلْ لابن مالكٍ إني قد شُغِفْتُ بها ... لم يأت مثل لها يوما، ولا ياتي
وها أنا أسأل الرحمن مغفرةً ... له تُبَوِّئه في خير جنّاتِ i
i الأبيات من البسيط لأبي عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن عمران، الشهير بـ"ابن المجراد" السلاوي المتوفى سنة
٨١٩هـ.
و"الخلاصة": زبدة الشيء، وخلاصة الكلام: ما استخلص فيه معنى العبارة، مجردا عن الزوائد والفضول.
و"الاستغراق": الاستيعاب: والتضعيف في "جمَّعتْ " للتكثير في الفعل.
و"اختصار الكلام": حذف الفضول منه. و"اللب" من كل شيء: خالصه، وخياره.
و"جُل المهمات": أكثرها، و"المهمات": الأمور التي تدعو إلى اليقظة والتدبير، والواحد: مُهمّة أما "المهامّ "، فواحدها: مُهِمّ. و"مالك" في "لابن مالك": مضاف إليه، ووصلت همزة "إني" للضرورة. و"شُغِفت بها": أحببتها وأولعت بها؟ يقال: "شُغف به أو بحبه شَغَفًا، فهو مشغوف. والأصل في "لا ياتي: لا يأتي" فخففت الهمزة للضرورة.
وثبتت ألف "أنا" في الوصل على لغة تميم. و"تبوّئه": تنزله وتسكنه.
حاشية ابن حمدون على شرح المكوّدي للألفية ج ١ ص ١٠، ومغني اللبيب بحاشية الأمير ج١ ص ٢٦.
73 - 74 / 171
أو إلى قول بعض المغاربة:.
لقد مَزَّقتْ قلبي سِهامُ جُفونها ... كما مَزَّق اللخميُّ مذهبَ مالكِ
وصال على الأوصال بالقَدِّ قَدُّها ... فأضحت كأبيات بتقطيع مالكِ
وقُلِّدْتُ إذْ ذاك الهوى لمرادها ... كتقليد أعلام النحاة ابْنِ مالك
وملكتها رقّي لرقّة لفظِها ... وإن كنت لا أَرضاه مِلْكا لمالك
وناديتها: يا مُنْيتي، بَذْل مُهْجتي ... ومالي قليلٌ في بديع جمالكِ i
ولا يمكن أن يكون هذا الإِعجاب وليد التعصب، أو الجهل؛ فالرجل قد مات، ولا نسب بينهم ولا خُلّة، ولكن كما قيل:
والناسُ أكيسُ من أن يمدحوا رجُلًا ... ما لم يَرَوْا عنده آثار إحسان ii
وآثار الجودة في الألفية واضحةٌ جليّة؛ فهي التي حركت همة الصفوة إلى شرحها، وأذكت في المخلصين منهم روح التنافس والوفاء؛ فكثرت بذلك شروحها، وتنوعت حواشيها، فقد تخطت شروحها المائة بكثير، وقلما تجرد شرح من حاشية أو تعليق، ومغنم الجميع من تلك الجهود، إنما هو إعلاء كلمة الله؛ فحيث تكون العربية يكون الإِسلام، وحيث يكون الإسلام، يكون الأمن والسلام!.
i الأبيات من الطويل، واللام في "لقد": واقعة في جواب قسم محذوف. و"مَرّقت" بالتشديد شقّقت. و"السهام" جمع سهم، وهو عود من الخشب يسوّى في طرفه نَصْلُ يرمى به عن القوس و"الجفون" جمع جَفْن، وهو غطاء العين من أعلاها وأسفلها.
والمراد ب "اللخمي" هنا: أبو الحسن على بن محمد الربعي القيرواني، المتوفى سنة ٤٩٨ هـ، وكان ﵀ فقيها دينا فاضلا مفننا، ذا حظ من الأدب، وله تعليق كبير على "المدونة" في الفقه المالكي، سماه "التبصرة"، وهو مفيد حسن إلا أنه اختار فيه وخرَّج، فخرجت اختياراته عن المذهب؟ ومن ثمة نسبة إليه تمزيقه.
و"صال": سطا، و"الأوصال": جمع وصل، وهو المفصل، أو مجتمع العظام. و"قلدت": ألزمت وكلفت. و"التقليد": التفويض والإلزام. و"لقد": القطع. و"قدها": قامتها أو قوامها. و"مالك" في الأول: إمام دار الهجرة وعالمها، المتوفى سنة ١٧٩هـ وفي الثاني: مالك بن المرحل السبتي المتوفى سنة ٦٩٩هـ وفي الثالث: جد الناظم ﵀، وفى الرابع: الحائز والمتفرد بالتصرف، فانتفى بذلك الإيطاء في هذه الأبيات.
و"المنية" البغية، وما يحرص عليه الإنسان. و"المهجة": الروح، ودم القلب. و"بديع جمالك": حسنك الفائق، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف. و"بذل مهجتي": مبتدأ حذف خبره جوازا، والتقدير: "بذل مهجتي لك "، والواو في "ومالي": حالية، و"مالي" مبتدأ. خبره "قليل"، و"في بديع جمالك" متعلق به.
الديباج المذهب في أعيان المذهب المالكي لابن فرحون المتوفى سنة ٧٩٩ م، ص ٢٠٣، الطبعة الأولى، والأعلام للزركلي ج٤ ٣٢٨، ونفح الطيب ج ٢ ص ٢٣٢-٢٣٣، ومقدمة الألفية ص ١٤.
ii البيت من البسيط، و"أكيس": اسم تفضيل من الكياسة، وهي تمكن النفس من استنباط ما هو أنفع. و"الإحسان" الإتقان، وفعل ما هو حسن. و"آثار الإحسان": علاماته- فتح المالك للسلطاني الجزائري ج١ ص ٣.
73 - 74 / 172
وفي ضوء الاستقراء التام لما تيسر لنا الاطلاع عليه من مطبوعات، أو مخطوطات، أو فهارس موثوق بنقولها، أو إشاراتٍ مقطوع بصحتها أثبتُّ هذه الشروح، وما كتب عليها من حواشٍ وتقريرات، مرتّبةً ترتيبًا زمنيا، مع وصفها وبيان منهجها، أو التنبيه على مصادرها لعل الله بمنه وكرمه يهيئ الأسباب لإنقاذ ما ضل الطريق، ونشر ما طواه النسيان. فنضيف بذلك إلى المكتبة جديدًا، وإلى العلم مفيدًا، وإليك البيان.
١- "بُلْغة ذَوِي الخَصاصة، في شرح الخلاصة" للإمام أبى عبد الله جمال الدين محمد ابن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن مالك، الطائي، الجياني، الأندلسي، الدمشقي، المتوفى سنة ٦٧٢هـ. فقد عدّها البغدادي في مؤلفات ابن مالك نفسه، كما أشار إلى ذلك حاجي خليفة، نقلًا عن الذهبي i
٢- "الدُّرّة المضية، في شرح الألفية" لابن الناظم، العلامة بدر الدين محمد بن محمد ابن عبد الله بن مالك الطائي، الدمشقي، النحوي ابن النحوي، المتوفى بدمشق في يوم الأحد الثامن من شهر المحرم سنة ٦٨٦هـ.
وقد فرغ ابن الناظم من شرحه في المحرم من سنة ٦٧٦هـii.
وشرح ابن الناظم شرح موجز منقح، سلك فيه منهج الحياد؟ فاعترض على والده في بعض المسائل، وأورد فيه كثيرا من الشواهد القرآنية، مع الاستشهاد بالحديث، وكلام العرب،، ومما يدل على ذلك أنّا نراه في باب التنازع، يقول: "وقد يتوهم من قول الشيخ ﵀:
بَلْ حَذْفَه الزمْ، إن يكن غير خبر ... وأخِّرنه، إن يكن هو الخبر
أن ضمير المتنازع فيه، إذا كان مفعولا في باب "ظنّ" يجب حذفُه، إن كان المفعول الأول، وتأخيره إن كان المفعول الثاني، وليس الأمر كذلك؟ بل لا فرق بين المفعولين في امتناع الحذف، ولزوم التأخير،، ولو قال بدله:
i هدية العارفين للبغدادي ج٦ ص١٢٠، وكشف الظنون لحاجي خليفة ج١ ص ١٥١.
ii كشف الظنون ج١ ص ا ١٥.
73 - 74 / 173