الأساس في التفسير

الأساس في التفسير

Editorial

دار السلام

Edición

السادسة

Año de publicación

١٤٢٤ هـ

Ubicación del editor

القاهرة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه
ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

1 / 4

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الناشر
الحمد لله ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما، وملء ما شئت- يا رب- من شيء بعد. والصلاة والسلام على حبيبنا محمد وآله وأصحابه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد ...
إنني وأنا أكتب هذه الكلمات تقديما لهذا التفسير الجليل، أزداد إيمانا على إيمان، وثقة على ثقة، بقول الصادق المصدوق- ﷺ لابن عباس- ﵁: «... واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك ...». ذلك لأنني منذ أسست (دار السلام) عام ١٣٩٣ هـ وأنا أطمع وأطمح ... أطمع- من قرارة نفسي- في أن أقدم عملا قيما، أخدم به كتاب الله- ﵎ وأنفع به أمتي التي أنتمي إليها ... وأطمح- في نفس الوقت- إلى أن يكون هذا العمل جديدا كل الجدة، لم يسبقني أحد إليه؛ فإني أكره منافسة الناس في أرزاقهم فأحب أن أنشر ما لم أسبق إليه.
وفي عام ١٣٩٨ هـ أرسل إلي المؤلف الكريم هذا المصنف التفسيري الضخم الذي بين أيديكم.
وأحسست- ساعتها- أن العمل أكبر من إمكانياتي، إلا أنني استعنت بالله وهو خير معين، وأعددت العدة النفسية لهذا العمل الذي كنت أطمح لمثله.
وبعد بضعة أشهر حضر إلي ناشر كريم من بيروت، أقدر مني في هذا المجال وأطول باعا. حضر إلي وهو يحمل رغبة الشيخ المؤلف- أعزه الله- في أن يشار كني جهدي في هذا العمل، رغبة من فضيلته في أن يخرج هذا الكتاب مخدوما خدمة تامة تليق بمقام كتاب الله تعالى. فتنازلت عن حقي كاملا للأخ الناشر متمنيا له- من كل قلبي- التوفيق والسداد.
ودارت الأيام دورتها، وقدر الله أن يحدث ببيروت ما حدث، بحيث أصبح متعذرا على الأخ الناشر إتمام هذا العمل بعد أن قطع شوطا كبيرا في تنضيد حرفه. فاعتذر الأخ الناشر عن إتمام العمل لظروف خارجة عن إرادته- ومرة أخرى- أدبا ولطفا من فضيلة الشيخ المؤلف- يرسل إلي مستشيرا، ماذا يفعل؟ وكأنه يرشحني من جديد لهذا العمل. وشاءت أقدار الله أن يصيبني هذا الخير بعد أن أخطأني في المرة الأولى، وعاد إلي هذا التفسير لكي أقوم بطبعه، ويكون أول عمل لي في مجال خدمة كتاب الله العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
ولعل من حكمة الله العزيز في هذا العمل أن أخطأني في المرة الأولى؛ لأنني لم أكن على مستوى

1 / 5

القدرة الكاملة لإتمام مثل هذا العمل الكبير القيم، الذي هو جزء من أساس تبني أمتنا الحبيبة بناءها عليه صرحا شامخا عاليا، هذا الأساس هو الفهم الدقيق لكتاب الله والوعي العميق بأبعاده ومتطلباته، حتى يكون ثمرة ذلك الفهم الإيمان العميق بالله تعالى والالتزام بما أوجب بعد ذلك.
وهذا المصنف التفسيري غني عن القول بأن فيه من الجديد الكثير، فإنه قد تفرد بأشياء لم يسبق إليها، خاصة مسألة تقديم أول نظرية متكاملة عن الوحدة القرآنية في القرآن الكريم. كما أنه استفاد من القديم وأعمل فيه بعض التهذيب بما يناسب حاجة عصرنا، فلكل عصر حاجته ومشاكله التي يواجهها. ولن أطيل الحديث عن هذا التفسير، وأترك الحكم للقارئ الكريم ولأولي العلم بخاصة.
وأما عن المؤلف فلن أعرف أو أمتدح الرجل، فهو غني عن التعريف على مستوى العالم الإسلامي وغيره، وما أقول إلا دعاء من كل قلبي له بالتوفيق والسداد والرشاد في كل أمر من أموره.
وأود أن أوجه الكلمة لكل من يقرأ أو يطالع هذا التفسير ألا يألو جهدا في النصيحة. فإن وجد تقصيرا أو نقصا في أي جانب من جوانب التفسير فليتصل بالناشر مباشرة، فإن النقص يعتري كل البشر، وقد جعل رسولنا الكريم- ﷺ النصيحة هي الدين، وليثق القارئ الكريم في أن أي ملاحظة مهما كان حجمها ومهما كانت لهجتها، ستؤخذ في الاعتبار وستكون محط عناية وتقدير؛ ذلك أن المؤمن مرآة أخيه فكونوا لنا مرآة حتى نصل- إن شاء الله- بهذا العمل وبغيره من الأعمال إلى أقصى ما يصل إليه البشر من الدقة والإحكام.
ولا أنسى في هذا المقام أن أقدم شكري وتقديري ومحبتي لأسرة دار السلام من مصححين وإلى أقسام المونتاج والتصوير والجمع وإلى مندوبي المبيعات والمحاسبين، لما قدموا، فهم نعم الإخوة، حاولوا جهدهم إخراج هذا التفسير على أفضل ما يستطيعون، جزاهم الله خيرا وأحسن إليهم.
وأخيرا وليس آخرا .. أقول: اللهم إن أحسنت فمن فضلك وكرمك، وإن كانت الأخرى فمن نفسي. أرجوك حسن العاقبة وأن ألقاك وأنت راض عني، فاجعل اللهم هذا
العمل ذخرا لي إلى يوم ألقاك، يوم لا ينفع مال ولا بنون. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الناشر
عبد القادر البكار

1 / 6

مقدمة سلسلة الأساس في المنهج
هذه السلسلة تتألف من ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الأساس في التفسير
القسم الثاني: الأساس في السنة وفقهها
القسم الثالث: الأساس في قواعد المعرفة وضوابط الفهم للنصوص
وهذا القسم الأخير بمثابة المفاتيح لأمهات القضايا، التي تلزم دارس الكتاب والسنة، أو تصلح كمقدمات لدراسة الكتاب والسنة، سواء كانت هذه القضايا مرتبطة بأصول الفقه، وكيفية انبثاق الأحكام عن الكتاب والسنة، أو كانت مرتبطة بقضايا اختلاف الفقهاء، وأسباب اختلاف الفرق الإسلامية، فضلا عن الكلام في قضايا الحكم العقلي والعادي والشرعي، ومحل كل «وصلة كل» من الثلاثة بالآخر، إلى غير ذلك.
ولا يظنن ظان أن تسميتي لهذه السلسلة باسم الأساس في المنهج، وكذلك في استعمالي كلمة الأساس في كل من أقسامها الثلاثة أن ذلك تزكية لها وإشعار بإحاطتها، فالأمر ليس كذلك، بل كل ما أحلم به هو أن أقدم لإخواني المسلمين أساسا يبنون عليه، ولكن حرصت على أن يكون أساسا غاية في القوة والمتانة.

1 / 7

إن القارئ سيرى بإذن الله كيف أن هذه السلسلة تعطيه أساسا في فهم القرآن، وأساسا في السنة وفقهها، بل ستعطيه كذلك أساسا في أشياء كثيرة من توحيد إلى فقه إلى سلوك ... إلى غير ذلك، بل ستعطيه أساسا لفقه الدعوة الإسلامية، وأساسا لنظرة المسلم إلى القضايا المعاصرة؛ ولكن نرجو ألا يطالبنا المسلم بأكثر من الأساس، وإن كنا قد نقدم أكثر من ذلك أحيانا. ولقد حرصنا فيما حرصنا عليه في هذه السلسلة بأقسامها الثلاثة على أن ندل المسلم على أسباب اختلاف الأمة الإسلامية في فرقها الاعتقادية مبرهنين على الاعتقاد الحق بأدلته الساطعة، كما حاولنا أن نبرز أسباب اختلاف الأئمة المجتهدين، وكيف أن الاجتهاد كان ضرورة لا بد منها، وكيف أن من أهم ميزات المجتهد استشرافه الشامل لمجموع النصوص، وقدرته على أن يضع كل نص في محله بالنسبة لمجموع النصوص، ولقد حاولنا في هذه السلسلة أن نبرز منطلقات الأئمة المجتهدين وحججها، وما ترتب على الاختلاف في المنطلقات من آثار، وكما حرصنا على إبراز ذلك كله، فقد حرصنا على أمور كثيرة أخرى ستضح في هذه المقدمة، وكلها تقتضيها احتياجات عصرنا إذ كانت هذه الاحتياجات في الحقيقة هي الدافع الأول نحو العمل في هذه السلسلة، فهي خدمة تضاف إلى خدمات هذه الأمة لكتاب ربها تعالى، ولسنة نبيها ﵊، إنه لم تخدم نصوص في تاريخ هذا العلم كما خدمت نصوص القرآن الكريم، ونصوص السنة النبوية المطهرة، حتى إن مجموعة العلوم التي وجدت لأنواع من هذه الخدمة تبلغ العشرات بل المئات، ومجموعة الكتب التي ألفت لهذه الخدمة لا يمكن حصرها ولا إحصاؤها فضلا عن الكتب التي تعتبر انبثاقا عن علوم انبثقت من الكتاب والسنة، ومع هذا كله فإن لكل عصر احتياجاته التي تختلف عن احتياجات عصر سبقه، ومن ثم فلا بد من ملاحظة احتياجات عصرنا، لمعرفة ما ينبغي أن يضاف إلى المكتبة القرآنية والحديثية مستفادا مما قدمه المؤلفون في عصور سابقة، مع ملاحظة أن ما قدمه السابقون يكاد ألا يكون عليه مزيد، ولا في شأنه مستزيد، ومن ثم فإن المؤلف المعاصر ليس عليه في الغالب إلا أن يتخير من تحقيقات السابقين في كثير من الأمور، وأن يكون تخيره ملاحظا فيه احتياجات العصر.
[بعض احتياجات عصرنا]
إذا اتضح هذا الأمر، فلنر بعض احتياجات عصرنا بالنسبة للقرآن الكريم ثم بالنسبة للسنة المطهرة، وبعض جوانب الخدمة التي نرغب أن نقدمها نتيجة لذلك في بعض أقسام هذه السلسلة:

1 / 8

(الأساس في التفسير) و(الأساس في السنة وفقهها) و(الأساس في قواعد المعرفة وضوابط الفهم للنصوص)
أولا: بالنسبة للقرآن:
أ- دندن علماؤنا حول الصلة بين آيات السورة الواحدة وحول الصلة بين سور القرآن وحول السياق القرآني؛ وجاءت نصوص تتحدث عن أقسام القرآن: قسم الطوال، وقسم المئين، وقسم المثاني، وقسم المفصل. ولم يستوعب أحد من المؤلفين الحديث عن هذه القضايا- في علمي- بما يغطيها تغطية مستوعبة. وفي عصرنا- الذي كثر فيه السؤال عن كل شئ- أخذ كثيرون من الناس يتساءلون عن الصلة بين آيات القرآن الكريم وسوره، وعن السر في تسلسل سور القرآن على هذه الشاكلة المعروفة. فأصبح الكلام في هذا الموضوع من فروض العصر الذي نحن فيه. ولقد من الله علي في أن أسد هذه الثغرة مصححا الكثير من الغلط في هذا الشأن، ومضيفا أشياء كثيرة لم يسبق أن طرقها أحد.
ب- في عصرنا وجدت علوم كثيرة، هذه العلوم قدمت فهوما جديدة للنصوص، أو أنها رجحت فهوما قديمة، وبسبب من هذه العلوم وبسبب من الوقائع التي انبثقت عنها،
طرحت تساؤلات حول كثير من معاني القرآن، وكأثر عن ذلك كله كان لا بد من عرض للقرآن الكريم يغطي ذلك كله .. ولقد حاولت في قسم التفسير أن أقدم جوابا لتساؤلات وتبيانا لنصوص، وإقامة حجة في شأنها بالنسبة لقضايا العلوم والدراسات الحديثة بحسب الإمكان.
ج- وفي عصرنا كثرت الشبه والاعتراضات على القرآن، وعلى إمكانية انبثاق الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عنه، ووجدت مفاهيم واتجاهات مزخرفة ومعاكسة، محليا وعالميا، ضد بناء الحياة المعاصرة على أساس قرآني، والمسلمون الحقيقيون يتحركون حركتهم الصعبة في البيان والتبيين، لإقناع هذا العالم بأن القرآن هو الكتاب الرباني الوحيد، الذي تكلف به البشرية بحق، وهذا يقتضي عملا وجهدا يكافئان ذلك. ونرجو أن يكون قسم التفسير من هذه السلسلة قد أعطى هذا الموضوع حقه.

1 / 9

د- ولقد ابتعدت الشخصية المسلمة كثيرا عن التحقق بمعاني القرآن، وابتعدت الأمة الإسلامية كثيرا عن تمثل كتاب الله، ولا بد من بذل جهد لإعادة المطابقة بحيث تعود الشخصية الإسلامية إلى أن يكون القرآن خلقها، وبحيث يعود القرآن إلى الظهور في حياة الأمة المسلمة، فتكون تجسيدا لمعانيه. وذلك موضوع متشعب الجوانب ولعل هذا التفسير يؤدي دورا فيه فإنه من أهم ما ينبغي أن يشتغل به ذهن المسلم المعاصر.
هـ- والمسلم المعاصر يعجبه أن يأخذ خلاصة التحقيق بأدلته المباشرة في أمر ما، أما التحقيق نفسه فإنه يولع به طبقة من الناس. ومن ثم فحتى أمهات كتب التفسير كثيرا ما يضيق المسلم العادي ذرعا وهو يقرؤها، وكثيرا ما يضيع وهو يرى أقوالا متعددة، وروايات كثيرة ومناقشات لا حصر لها، وهذا كله ينبغي أن يختصر للمسلم غير المختص ليكون فهم كتاب الله متيسرا للجميع. ولقد راعيت في قسم التفسير هذه الضرورة بحيث لم أقدم فيه إلا ما له مساس مباشر في فهم القرآن دون مخالط كثير.
و- وفي عصرنا هناك قضايا إسلامية مطروحة، ومناقشات تدور بين المسلمين أنفسهم، بعض هذه القضايا استمرار لمناقشات قديمة، سببها الاختلاف المذهبي أو الخلاف الاعتقادي، وبعضها وليد عصرنا، وهذا موضوع لا بد من الاستقرار فيه على شئ، وقد حاولت في هذه السلسلة كلها أن أغطي هذا الموضوع في كل مناسبة ذات صلة بشيء من ذلك. هذه أبرز النقاط التي تعتبر احتياجات عصر، والتي استهدفتها في قسم التفسير وبعضها مستهدف في السلسلة كلها.
وهناك نقاط أخرى لم تكن هدفا في حد ذاتها بل جاءت بسبب ظروفي التي بدأت فيها العمل في التفسير:
إنه من الواضح أن كل من يرغب في أن يشتغل بالتفسير سيجد نفسه بين أمرين:- الأول: أن قسما من التفسير الذي يريده سيجده في أي تفسير معتمد، وهو بالتالي لا يحتاج إلا إلى نقله وأحيانا إلى تبسيطه.

1 / 10

- الثاني: أن الأغراض الخاصة التي يحب المفسر أن يحققها في تفسيره عليه أن يبذل جهدا خاصا من أجلها، حتى إنه ليحتاج أن يقرأ مئات الصفحات، من أجل أن يغطي نقطة صغيرة جدا. ولم يكن باختياري أنني لتحقيق النوع الأول اعتمدت في الابتداء على تفسيرين فقط هما: تفسير ابن كثير وتفسير النسفي، إذ لم يتوفر لي في سجني في المرحلة التي ابتدأت فيها العمل إلا هذان التفسيران، وهما تفسيران مشهوران يغلب على الأول التفسير بالمأثور، ويغلب على الثاني قضايا التحقيق المختصر لأمور اعتقادية أو مذهبية، مع محاولة كل من التفسيرين أن يغطي المعنى الحرفي لآيات القرآن الكريم، فأقبلت على هذين التفسيرين محاولا من خلالهما أن أغطي المعاني الحرفية لكتاب الله تعالى، وأحيانا المعاني الإجمالية، ومحققا خلال ذلك ما أستطيع تحقيقه من أغراض هذا التفسير، على أن أكمل فيما بعد- إذا تغيرت ظروفي- كل ما استهدفته من هذا التفسير. ولقد حاولت في المرحلة الأولى من العمل أن أضمن هذا التفسير خلاصة التفسيرين ومجمل الفوائد الموجودة فيهما تاركا ما لا يتفق وأهداف هذا التفسير، وكنت أرى حرص الكثيرين من المسلمين على استيعاب تفسير ابن كثير، ولم أزل أرى فشل الكثيرين في استيعاب هذا التفسير، بسبب هو ميزة في حق العالم، ومتعب في حق الرجل العادي، وهو ذكر ابن كثير للأسانيد والروايات المتعددة والأقوال الكثيرة في الموضوع الواحد، ومن ثم فقد حاولت أن أريح القارئ العادي من مثل هذا فأخذت خلاصة ما في هذا التفسير من معان إجمالية، أو معان حرفية، أو فوائد مذكورة فيه؛ حتى إنه ليستطيع قارئ تفسيري هذا أن يطمئن إلى أنه أخذ تفسير ابن كثير دون ما يمله الرجل العادي منه، مضافا إليه تحقيقات وفوائد كثيرة مبثوثة في تفسير النسفي، حتى ليكاد أن يكون هذا التفسير كذلك مستوعبا الكثير مما هو موجود في تفسير النسفي، تاركا نقل أمور كثيرة لا تتمشى مع أهداف هذا التفسير؛ فكانت هذه القضايا ميزة لهذا التفسير، ولكنها ميزة لم تكن مستهدفة في الأصل، ومن خلال هذين التفسيرين وضعت الأساس الذي بنيت عليه هذا التفسير، ثم بعد ذلك بدأ العمل الذي تم به هذا التفسير كما يراه القارئ.
وسيرى القارئ أنني كعادتي في كل ما أجمعه، لا أكلف نفسي عناء صياغة شئ يحتاجه كتابي، إذا كان غيري قد صاغه الصياغة التي أرضاها، أو التي تقصر عنها صياغتي أصلا. فليس الهدف إلا وجه الله ﷿، وما سوى ذلك فإنني أرجو أن أتجاوزه. ولم يزل علماؤنا ينقلون في كتبهم الفصول الطويلة، وأحيانا لا ينسبونها إلى أصحابها، معتمدين فكرة أن أي تجديد في علم أو فن تعطي صاحبه حق النقل دون

1 / 11

العزو؛ على أنني لا أفعل ذلك بل أنقل وأعزو؛ وإنما ذكرت هذا من باب الاعتذار، ومن باب الاعتذار كذلك أقول:
إنه من الظلم لهذا التفسير أن يقول قائل: إن هذا التفسير هو خلاصة لكتابين، كما أنه من الظلم أن يقول قائل: إن إحياء علوم الدين للغزالي هو مجرد دمج لكتابي: قوت القلوب، والرعاية. على أنني لا أدعي أن لهذا التفسير ميزة على تفسير ابن كثير أو تفسير النسفي بل أريد أن أقول: إن في هذا التفسير شيئا آخر، هو من الكثرة بمكان مما يحقق أهداف هذا التفسير ولم يكن هدفا أصلا لابن كثير أو للنسفي رحمهما الله.
وبعد هذا الاستطراد الذي اضطرنا إليه استكمال ميزات هذا التفسير، في سياق الكلام عن بعض احتياجات عصرنا في شأن عرض القرآن في هذا العصر؛ نرجع إلى ذكر
الأسباب الموجبة، التي أدت إلى إيجاد هذه السلسلة والتي هي احتياجات العصر كما ذكرنا، فنذكر بالنسبة للسنة بعض ما نراه احتياجات عصر.
ثانيا: بالنسبة للسنة:
أما بالنسبة للسنة، فإنني أرى أن احتياجات عصرنا في شأنها مجموعة أمور:
١ - المسلم المعاصر عنده رغبة في أن يتعرف على السنة المتواترة والصحيحة والحسنة السند، ويحتاج إلى كتاب جامع لذلك كله، على أن يكون هذا الكتاب مضبوطا شكله مشروحا غريبه.
٢ - والمسلم غير المتخصص بالحديث يهمه كذلك أن يأخذ الجوهر- دون ما احتاجه هذا الجوهر لحمايته- أي هو يحرص على أن يقرأ متون السنة دون أسانيدها.
٣ - والمسلم المعاصر بحاجة إلى أن يفهم السنة فهما صحيحا وأن يأخذ الجواب الشافي على كثير من الإشكالات، وأن يعرف كثيرا من الأمور التي يتلجلج في قلبه سؤال عنها.
٤ - وهناك شبهات حول السنة يثيرها أعداء الله ﷿، وهناك مناقشات حادة حول الكثير من الأمور بين المسلمين أنفسهم في شأن فهم الكثير من متون السنة، وكل ذلك يحتاج المسلم المعاصر إلى أن يرتاح قلبه في شأنه.

1 / 12

وقد كنت أحس بضرورة وجود الكتاب الذي يخدم في هذه الشئون، وغيرها مما رأيناه وسنراه، ولكن ما العمل؟ ولم أكن أستطيع وخاصة في المراحل الأولى من سجني أن أصل إلى أي كتاب إلا بصعوبة شديدة، ومن ثم لم أكن أطمع في أن أقدم خدمة مستوعبة في شأن السنة تحقق كل الأمور التي أعتبرها احتياجات عصرنا، كما لم يكن بإمكاني أن أقدم التحقيق المناسب الذي يخدم أغراض هذه الاحتياجات، ومن ثم فقد رأيت أن أعمل بقدر المستطاع المتاح، مما سنرى حدوده في مقدمة الكلام عن القسم الثاني من هذه السلسلة، وهو بفضل الله كثير طيب. هذه مجمل أمور في شأن الكتاب والسنة أعتبرها من احتياجات عصرنا، وأرجو أن أكون قد قدمت خدمة لا بأس بها فيها ويأتي القسم الثالث ليضع الأساس في ضبط مسار الفهم.
ولئن كان المشتغلون قديما في خدمة الكتاب والسنة يفترضون في الغالب أنهم يخاطبون إيمانا كاملا، وبالتالي فإنهم لا يتكلفون كثيرا لما يخدم قضية الإيمان؛ فإنني أعتبر أن من واجبات العصر أن نلاحظ قضية الإيمان: إن في عرض المعاني، أو إبراز ما يلزم لذلك.
ففيما يتعلق بعرض السنة فإنه ينبغي على الباحث أن يلاحظ هذا الموضوع حتى في عملية ترتيب أبحاث السنة.
وأما بالنسبة للتفسير فإذا لم تخدم قضية الإيمان فيه في عصرنا المادي والشهواني فكأن المفسر لم يفعل شيئا، إن الله ﷿ يقول: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا. فالأصل الأصيل هو أن يتعمق الإيمان بتلاوة الآيات، وعلى المفسر أن يساعد في ذلك.
إن كثيرا من التفاسير- كما قلنا- يفترض سلامة الإيمان وكماله، ومن ثم يركز على النكت والشروح والفوائد ومناقشة الخصوم، وكل ذلك له فوائده، ولكن هذا التفسير يريد صاحبه أن يكون أداة لرفع درجات اليقين، بحيث لا يخلص القارئ من صفحة إلى صفحة إلا وقد ارتقى يقينه، هذا مع تصحيح التصورات وزيادة العلم.
إن من أهداف هذه السلسلة خدمة قضية زيادة الإيمان، وإصلاح الاعتقاد والعمل
ولقد حرصت على أن أربط بين أقسام هذه السلسلة برباط، مع أنه جرت عادة المؤلفين أن يخصوا الكتاب بالتأليف وكذلك السنة وكذلك الأصول دون أن يتكلف

1 / 13