Al-Wajiz fi Fiqh al-Imam al-Shafi'i

الوجيز في فقه الإمام الشافعي

Editor

علي معوض وعادل عبد الموجود

Editorial

شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم

Edición

الأولى

Año de publicación

1418 AH

Ubicación del editor

بيروت

Regiones
Irán
•
Imperios y Eras
Selyúcidas

الوجيزُ

في فِقْه الإِمَامِ الشَّافِعِيّ

لِلْعَلَّامَةِ الْفَقِيهِ أَبِي حَامِدٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ الْغَزَالِيّ

وُلِدَ سَنَةَ ٤٥٠ هِـ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ٥٠٥ هـ

رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى

تَحْقِيق

عَلِي مَعَوَّض

عَادِل عَبْد الْمَوْجُود

الجُزْءُ الأول

1

الوجيزُ

في فِقْه الإِمَامِ الشَّافِعِيّ

لِلْعَلَّامَةِ الْفَقِيهِ أَبِي حَامِدٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ الْغَزَالِيّ

وُلِدَ سَنَةَ ٤٥٠ هِـ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ٥٠٥ هـ

رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى

تَحْقِيق

عَلِي مَعَوَّض

عَادِل عَبْد الْمَوْجُود

الجزء الأول

2

الوجيز

في فقه الإمام الشافعي

3

جميع حقوق الطبع والصف والاخراج محفوظة لـ :

شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم للطباعة والنشر والتوزيع

بيروت - لبنان

الطبعة الأولى

١٤١٨ هـ - ١٩٩٧م

شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم للطباعة والنشر والتوزيع

هاتف: ٤/ ٨٣٤٩٧٣ - ص.ب ٨٧٤ ٣

فاكس: ٦٠٣٠١٣ كود بيروت ٠٠٩٦١١ -

4

بسم الله الرحمن الرحيم

«إِضَاءَةٌ عَلَى العَصْرِ الَّذِي عَاشَ

فِيهِ الإِمَامُ الغَزَالِيُّ»

مما لا شَكَّ فيه أن تكوين شَخْصِيَّةِ الإنْسَان ما هي إلا مَجْمُوعَةٌ من الرَّوَافِدِ البيئية، والحياتية، والفكرية، والاجتماعية، والسياسية للزمن والمكان اللذين يعيش فيهما ذلك الإنسان.

فمن المَعْرُوفِ أن الإِنْسَانَ يتأثَّر ويؤثِّر في المجتمع، أو في العصر الذي يعيشه، فما هو إلا نِتَاجُ فِكْر أو مُحَصِّلة فكر هذا المجتمع، وهو بدوره أي الإنسانُ يؤثرُ في المجتمع ويَلعبُ دَوْراً في تحديدِ فكره، لا سيما إذا كان عالماً أو إماماً مثل الغزالي.

فلقد كان الغَزَاليُّ صُورَةً لعصره الذي عَاشَ فيه ويلاحظ القارىء لترجمته، أو لسيرته - بوضوح - أنَّ الغزالي تأثر بعصره، وأثر فيه.

ودِرَاسَةُ هذه المُؤَثِّرَاتِ لها دَوْرٌ في تَحْدِيدِ شَخْصِيَّة الكاتب، أو العالم، وتبيين الأعمدة الأساسية التي تَرْتَكِزُ عليها، والتي كوَّنت وجهة نَظَرِهِ في الحياة، وفي الناس، وفي المبادىء والأفكار.

مِن أجل هذا سنتكلَّم بشَيْءٍ مِنَ الإيجاز عن العَصْرِ الذي عاش فيه الغَزاليُّ، ونكتفي بوضع صُورَةٍ قَريبة من الواقع للحالة العامَّةِ في عَصْرِهِ، ليتمثّل القارىء زمان الغزالي ومَكانه، وليعرف ما تمسُّ الحاجة إليه مما أثر بالفعل في حياته العقلية.

وحيث أنَّ الإمَامَ الغزاليَّ من أبناء القَرْنِ الخامس الهجري، فإننا سوف نتكلّم بإيجاز عن هذا القرن لِنُحَدِّدَ بعض مَلاَمِحِهِ العامّة، ليضيء لنا ذلك كثيراً من جَنَبَاتِ حَيَاتِهِ وشخصيتِهِ.

يمتد القرن الخامس الهجري من سنة ١٠١٠ م، إلى سنة ١١٠٦ م، وفي هذا القرن ذهبت دول إسلامية وقامت دول إسلامية أخرى بدلها بحكم القوة، فقامت الدولة السلجوقية بالمَشْرِقِ سنة ٤٣١ هـ - ١٠٣٩ م، إذ توطد فيها ملك طغريل بك وأخيه داود ابنى ميكائيل بن سلجوق بخراسان، وقامت بين الدولة الغزنوية وهذه الدولةِ النَّاشِئَةِ حُرُوبٌ انتهت بِفَوْزِهَا عليها، ثم أَخَذ مُلْكُهَا يمتد إلى العراق إلى أن استولى طغريل بك على بغداد سنة ٤٤٧ هـ - ١٠٥٥ م، وأزال منها دولة بنى بُوَيه، وكان هذا في عهد القائم العَبَّاسي، وقد بلغت هذه الدولة غاية عظمتها في عَهْدِ ملك شاه بن ألب أرسلان، فبلغت من حدود الصين إلى آخر الشام، ومن أقاصي بلاد الإسْلام في الشمال إلى آخر بلاد اليمن، وكان له إتاوة على دولة الروم الشرقية. وقد توفي سنة ٤٨٥ هـ - ١٠٩٢ م، ولكن حصل بعد وفاته انقسام بين ابنيه محمود وبركيارق على الملك، وقامت بينهما حروب كان لها أثر سيء في هذه الدولة.

5

فلم يَأْتِ آخر هذا القَرْن إلا وكانت دُوَلاً منقسمةً على نفسها، حتى أَمْكَنَ الصَّليبيين المستعمرين من أمم الفرنجة أن ينتزعوا منها كثيراً من بلاد الشام، ويستولوا على ((بيت المقدس)) وكان مسيرهم إلى الشام سنة ٤٩٠ هـ - ١٠٩٦ م.

وكان السلجوقيون أتراكاً يأخذون بمذهب أهل السُّنَّةِ على عادة غيرهم من الأَتْرَاكِ، وكانوا يدينون بالطَّاعَةِ لبني العباس، وإن لم يتركوا لهم شيئاً من السلطة الفعلية ولكن عَلَاقاتهم بهم كانت أحسن من علاقتهم بني بُويَه، لاتفاق العباسيين والسلجوقيين في الأَخْذِ بمذهبِ أهلِ السُّنة.

ومن الدول الإِسْلاَمِيَّةِ التي قامت بالمَشْرِقِ في هذا القَزْنِ الدولة الخوارزمية، وهي دولة تركية كالدولة السلجوقية، وكان بدء ظهورها سنة ٤٩٠ هـ - ١٠٩٦ م، وهي تنسب إلى مدينة خوارزم، لأنها كانت قَاعِدَة ملكها، وكانت أول أمرها تابعة لدولة بركيارق من ملوك السّلجوقيين، ثم انفصلت عنها بعد ذلك، وأخذت تقوى بالتدريج إلى أن استولت على بلاد خراسان وما وراء النهر.

وكذلك اضطرب أَمْرُ المُسْلمين بالمَغْرِبِ في هذا القَرْنِ، فانتهتِ دَوْلَةُ بني أمية بالأندلس سنة ٤٠٧ هـ - ١٠١٦ م، وقامت فيه دُوَلُ متفرقةَ يسمى مُلُوكها ((ملوك الطَّوَائِفِ)) وكان بعضها يُحَارِبُ بعضاً، حتى ضَعُفَ أَمْرُ المسلمين في ((الأندلس)) بهذه الحروب، وطَمِعَ فيهم أعداؤهم من الفرنجة بعد ضعفهم.

وقامت في المغرب الأقصى دولة المرابطين سنة ٤٤٨ هـ - ١٠٥٦ م، ويقال للمرابطين: المُلَّمُونَ أيضاً، وهم من قَبَائِلِ البَرْبَرِ المَغْرِبية، ومن أَقْوَى ملوكهم يُوسُفُ بن تاشِفين، وقد تولى الملك سنة ٤٦٢ هـ - ١٠٦٩ م، وهو الذي بنى مدينة مراكش واتخذها مقراً لملكه، ثم أخذ يستولى على ما جاوره من بلاد المغرب حتى دان له أكثرها، وفي سنة - ٤٧٩ هـ - ١٠٨٦ م - استنجد به أهل الأندلس بسبب تغلب الفرنجة عليهم، فَسَارَ إليهم بِجَيْشٍ كبير أَنْقَذَ ((الأندلس)) منهم، ثم رأى أن يضمه إلى ملكه، ليقضي على حكم ملوك الطَّوَائف الذين فرقوا كلمة المسلمين فيه، وكان فية ميل لجمع كَلِمَةِ المسلمين في هذا القَزْنِ، ولهذا دَعَا للملوك العَبَّاسيين في دولته على المنابر، وكان يأخذ مثلهم بمذهب أهل السُّنَّةِ، ولا شك أن هذه نية صالحة تذكر له في هذا القرن، وتدخل إلى حد ما في دعوة التجديد فيه. لقد عاصر الإمام الغزالي أَكْثَرَ مُلُوكِ الدَّوْلَةِ السّلجوقية الكبرى) حيث شهد عَهْدُ عضد الدين أبي شجاع أَلْب أرسلان، وجلال الدين أبي الفَتْحِ ملك شاه، وناصر الدين محمود، ورُكْن الدين أبي المظفر بركيارق، وركن الدين ملك شاه الثاني، ومحمد بن ملك شاه.

وقد وُلِدَ الغَزاليُّ في آخر عَهْد طغرل بك، الذي ملك ((بغداد))، وتقرب من الخليفة حتى تَزَوَّجَ الخليفَةُ بِنْتَ أخيه، والذي تطلع إلى أن يتزوج من البيت العباسي.

أما أَلْب أرسلان، فكان وَاسِطَةَ عِقْد الدولة السّلجوقية، وفي عهده أُسِّسَتِ المَدَارِسُ النظامية، صَاحِبَةُ الفَضْلِ على الغزالي، حيث فتحت له أبوابها ورُبُوعَهَا ليدرِّس فيها، وينشر علمه.

أما مُحَمَّدُ بن ملك شاه، فهو الذي وَضَعَ له الغَزاليُّ كتاب ((التبر المسبوك في نصيحة الملوك)).

6

في ذلك العَصْرِ أيضاً شُغِلَ النَّاسُ بالحديث عن البَاطِنِيَّةِ ودورها الخطير في تغيير مُجْرَیَاتِ الحياة؛ حيث انتشرت في كثير من البقاع الإسلامية لظروف سياسية، ثم تحوّلت إلى مذهب ديني، وقد شغل الغزاليُّ بهذه الفرقة؛ وكتب في الرَّدِّ عليهم، ونَقْدِ آرائهم ومعتقداتهم.

ويرجع خَطَرُ هذه الفرقة لتلك الآراء الهَدَّامَةِ التي كانت تَدْعُو إليها، مما كان يَسْتَهْدِفُ الدين الإسلامي نفسه، وما انطوت عليه تلك الدعاوى من المكر والدهاء، في السيطرة على الرءوس وملئها بالخرافات والأساطير التي ليس لها أي أساس من الصواب.

من ناحية أخرى فقد شهد هذا العَصْرُ كَثِيراً من الهَجَمَاتِ الشَّرسة التي قادها الصليبيون للسَّيْطَرَةِ على الشرق العربي، وبالفعل قد استولوا - آنذاك - على كثير من بلدان المسلمين في آسيا الصغرى والشام، وكونوا لهم فيها إمارات، سميت بالإمارات اللاتينية، نسبة إلى الأَجْنَاسِ التي كان يتألّف منها حَمَلَةُ الصليب.

وبهذا كان المُسْلِمُونَ في هذا القَزْنَ أَسْوَأَ حالاً منهم في القرون السَّابقة، حتى أمكن الفرنجة أن يُهَاجموهم في عُقْر دارهم بالمشرق، ويستولوا على بيت المقدس وكثير من بلاد ((الشام))، وحتى أخذوا يهاجمون ((الأندلس)) بالمغرب كما قلنا، ولولا يوسف بن تاشفين ملك المرابطين لضاع هذا القُطْرُ من المُسْلِمِينَ في هذا القَرْنِ، وإذا كان الفرنجة لم يمكنهم الاستيلاء في المغرب على الأندلس، فقد أمكنهم أن يستولوا على جزيرة ((صقلية))، فدخلوها سنة ٣٤٤ هـ - ١٠٥٢ م، وتم لهم الاسْتِيلاَءُ عليها كلها سنة ٤٨٤ هـ - ١٠٩١ م، وبقي بها كَثِيرٌ من المسلمين بعد استيلائهم عليها، وكانوا أرقى من الفرنجة ثقافة ومدنية، فكانوا يرجعون في ذلك إليهم.

ولكن المسلمين مع ما وصلوا إليه في هذا القرن كانوا لا يزالون بهم قوة تضاهي قوة الطامعين فيهم، وبها أمكنهم أن يصمدوا في المشرق للفرنجة في الشام، وأن يصمدوا في المغرب للفرنجة بالأَنْدُلِسِ، وأن يقابلوا هذا الهجوم عليهم بالهجوم على أعدائهم في نواحي ضعفهم. أما إذا تكلَّمنا عن الناحية التعليمية، فقد انْتَشَرَتْ بصورة ملحوظة المَدَارِسُ النِّظَامِيَّةُ، نسبة إلى نظام الملك، وكانت مهمته نشر التعليم والفكر واحتضان أئمة العلم ونابغيه، وقد أكثر نظام الملك من هذه المدارس، ووقف عليها الأوقاف، ورتب للطالب المسكن والمأكل، وظلت مدارسه بأوقافها زمناً ليس بالقليل، وتخرج منها كثير من العلماء والأدباء.

ولهذه المدارس النِّظامية فَضْلٌ على الغزالي، فقد تَلَّقى العلم في مدرسة نيسابور، وتولى التدريس في مدرسة بغداد.

بالإضافة إلى نبوغ الغزالي في هذا القرن، نجد أن هناك كثيراً من أئمة العلم قد نبغ فذكر بعضهم فيما يلي: إسحاق الإسفرائيني الشافعي.

وأبو عمر الطلمنكي المالكي.

7

وأبو زيد الدبوسي الحنفي.

وابن حزم الذي كان شافعي المذهب، ثم انتقل إلى مذهب الظاهرية.

وأبو الوليد الباجي المالكي.

وأبو إسحاق الشيرازي الشافعي وإمام الحرمين الجويني الشافعي.

وعلي بن محمد البزدوي الحنفي.

ومن مطالعة تَرَاجِمِ هؤلاء الأصوليين تتبيَّنُ لنا مَرَاكِزُ النشاط العلمي في هذا القَزْن.

وأما أبو إسحاق الإسفرائيني الشَّافعي فقد كان نَشَاطُهُ في ((إسفرائين)) و ((نيسابور)) ببلاد الفرس.

وأما أبو عمر الطّلمنكي المالكي. فقد نشأ بـ ((طلمنكة)) بالأندلس وانتقل منها إلى ((قُرطبة)) ثم إلى ((مصر)). ثم إلى ((المريَّة))، و((مرسية))، و((سرقسطة)).

وأما أبو زيد الدبوسي: فقد نشأ بقرية بجوار ((بخارى)). وكان له نشاط علمي في ((سمرقند)) و ((بخاری)).

ونشأ ابن حزم في ((قرطبة)) عاصمة بلاد ((الأندلس))، ونشر مذهبه وعلمه في تلك الأصقاع.

وظهر أبو الوليد البَاجِيُّ بـ ((بطليوس))، إحدى مدن ((الأندلس))، ورحل إلى ((باجه))، ثم إلى (الحجاز)، و(بغداد))، وإلى ((دمشق))، و((الموصل))، و((مصر)). ثم عاد إلى ((بَاجه))، وكان في كل هذه الرحلات يتلقَّى، وينشر العلم.

ونشأ أبو إسْحَاقَ الشيرازي في ((شيراز))، وانتقل إلى ((بغداد))، حيث نشر علمه وألف كتبه. و توفی بها.

وإمام الحرمين الجويني ظهر بجهة ((نيسابور))، وسافر إلى الحجاز وجاوز ((مكة)) و ((المدينة)). وذاع صِيتُهُ بهما، كما انتقل إلى بغداد. وقضى آخر حياته بـ ((نيسابور).

واشتهر البَزْدَوِيُّ في ((سمرقند)) و((نسف))، وما حواليهما تلك بعض المَلَامِحِ العَامَّةِ للعصر الذي عَاشَ فيه الغزاليُّ لعلَّها تضيء لنا جَانِبَ البَحْثِ عن سيرته، وسرِّ نبوغه وعبقريته، وتكشف لنا عما انطوت عليه شخصيَّتُهُ من مبادىء وأفكار، والعوامل التي أسهمت بطريق مباشر أو غير مباشر في تكوين هذه الشخصية، وما تَهَيَّأْ له من ظروف، ومُلاَبَسَاتٍ حَدَّدت وَوَجَّهَتْ مَسَارَهُ العلمي، كما هو واضح في سيرة حياته.

8

التعريف بالإمام الغزالي(١)

اسْمُهُ ونَسَبُهُ:

هو الإمام الفقيه الحُجَّةُ الثَّبْتُ الأصوليُّ المتكلِّم أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغَزَّالِيُّ.

وكان لقبه حجة الإسلام.

وقد وافق عَمَّهُ في النِّسْبَةِ، والكُنْيَةِ، واسْمِ الأبِ؛ حيثُ كان اسمُ عمِّه: أحمد بن محمد الشيخ أبا حامد الغزالي الكبير القديم.

وقيل: إن هذا عَمُّ أبيه.

نِسْبَةُ الإمام الغَزَّالِيِّ:

هناك قولان للمحقّقين في نِسْبَةِ الإمامِ الغزَّالِيِّ:

أولاً: يرى بعضهم أنه يُنْسَبُ إلى قرية من قرى ((طُوس)) تُدْعَى: ((غَزَالَةَ))، وعليه فتكون نسبتُهُ: الغَزَاليّ، بتخفيف الزاي، جاء في ((شرح القاموس المسمَّى بـ ((تاج العَرُوسِ»، أن ((غَزَالَةَ)) كـ ((سَحَابَةَ)) قرية من قرى ((طُوس))، وإليها يُنْسَبُ أبو حامِدٍ.

ونقل أيضاً هذه النِّسبة الفيوميُّ في ((المِصْبَاح))، وخطَّأ من شدَّد حرف ((الزَّاي)).

وصرح بذلك الإمامُ النوويُّ في ((التبيان)).

وفي ((الوَافِي بالوَفَيَّات)): أنه قال في بعض مصنّفاته: ونسبني قَوْمٌ إلى الغَزَّال، وإنما أنا الغَزَالِيُّ؛ نِسْبَةً إلى قريةٍ يقال لها: ((غَزَالَة))؛ بتخفيف الزَّاي.

ثانياً: وذهب البعضُ الآخر إلى أن الإمام الغَزَّالِيّ يُنْسَبُ إلى ((غَزَّال))؛ بتشديد الزاي، فيقال له: الغَزَّالِيُّ، وهذه نسبة أبيه؛ لأن صنعته كانت غَزْلَ الصوفِ؛ فنسب إليها.

وأيضاً جرت هذه النّسبة على وَفْق ما يَنْسُبُ أهلُ ((خُوَارَزْم))، و ((جُرْجَان))؛ حيثُ كانوا ينسبون إلى الحِرْفَة والصَّنْعَة، فيقولونَ مثلاً: القَصَّارِيّ؛ نِسْبةً إلى القَصَّار، والعَطَّارِيّ، نسبةً إلى العَطَّار.

(١) انظر ترجمته في الأعلام ٢٤٧/٧ ووفيات الأعيان ٣٥٣/٣ وطبقات الشافعية للسبكي ١١٠/٤ والبداية والنهاية ١٧٣/١٢ واللباب ١٧٠/٢ وتبيين كذب المفتري ٢٩١ -٣٠٦ والنجوم الزاهرة ٢٠٣/٥ وآداب اللغة ٩٧/٣ وشذرات الذهب ١٠/٤ ومفتاح السعادة ١٩١/٢ - ٢١٠ ومراة الزمان ٢٥/٨ ومراة الجنان ١٧٧/٣ وكتاب العبر للذهبي ٤ / ١٠.

9

وحكى السُّبْكِيُّ نسبة ((الغَزَّالِيِّ)) بالتشديد، أي: تشديد الزاي في ((الطبقات الوسطى)).

وللسيِّد مرتضى الزَّبِيدِيّ في هذه النسبة التي بالتشْدِيد استقصاءٌ طويلٌ في كتابه «إتْحَاف السَّادة المتَّقين»؛ حيث يقولُ فيه: ((قال صاحبُ ((تُحْفَةِ الإرشَاد))؛ نقلاً عن النوويِّ في ((دقائق الرَّوْضَة)): التشديد في الغَزَّاليِّ هو المعروفُ الذي ذكره ابن الأثير.

وإلى هذه النِّسْبة أيضاً ذهب الذَّهَبِيُّ في ((العِبَر))، وابنُ خَلْكَانَ في ((التاريخ))؛ حيثُ قالا: عادة أهل خُوَارَزْمَ وجُرْجَانَ يقولون: القَصَّارِيُّ والحَبَّاريُّ، بالياء فيهما، فنسبوه للغَزْلِ، وقالوا: الغَزَّالِيّ؛ ومثلُ ذلك الشَّخَامِيّ.

وأنكر ابنُ السَّمْعَانِيِّ التخفيفَ، وقال: سألتُ أهْلَ طُوس عن هذه القرية، فأنكَرُوها، وزيادةُ هذه الياء، قالوا: للتأكید.

أَصْلُ الإمام الغَزَاليِّ:

مثلما اختلف المحقّقون في نسبة الإمامِ الغَزَّالِيِّ، اختلفُوا أيْضاً في تحقيقِ أصْله إلى فريقَيْنِ:

الأوَّل: فريقٌ يرى أنه من أصلٍ عربيٍّ عريقٍ، ينتمي إلى السُّلَاَلَة العربيَّة التي دخلت بلادَ الفُرْسِ أيامَ الفتوحَاتِ الإسلاميَّة، وبالتحديد في بدايتها.

الثاني: فريقٌ يرى أنه من أصلٍ فارسيٍّ.

وتحقيقُ القوْلِ في هذه المسألة، سواءٌ كان عربيًّا أو فارسيًّا - لا يؤثِّر على قيمةِ الغَزَّالِيِّ، كإمامٍ ورائدٍ، ولا ينقصُ من قَدْرِهِ شيئاً؛ لأنَّ الشريعةَ الإسلاميَّة - كما هو مقرَّر في نصوصها - لا تتفاضَلُ بين النَّاسِ من هذه الزاوية، بل المقياسُ هو التقوَىُ والعَمَلُ الصَّالح.

ولاَدَتَهُ وَنَشْأَتُهُ:

وُلِدَ الإِمامِ الغَّالِيُّ - رضي الله عنه - في مدينة ((طُوس)) التابعةِ لولاية (خُرَاسَانَ)) في عامٍ خَمْسِينَ وأربعمائة هجريَّةً، وتسعةٍ وخمسينَ وألْفٍ ميلاديةً.

ولقد أثَّرِ أَبُوهُ - رضي الله عنه - في تَنْشِئَته.، وغَرْسِ القيم والمبادىء السليمة في نفْسِهِ منْذُ أن وَطِئَتْ قدمُهُ الأرْضَ. حكى السُّبْكِيُّ في ((طبقاته))، أن أباه كان فقيراً صالحاً، لا يأكل إلا من كَسْب يده في عمل غَزْلِ الصوفِ، ويطوف على المتفقِّهة، ويجالسهم، ويتوفَّر على خدمتهم، ويَجِدُّ في الإحسان إليهم، والنفقَةِ بما يمكنه، وأنه كان إذا سمع كلامهم، بكى، وتضرَّعَ، وسأل الله أن يرزقه ابناً، ويجعله فقيهاً، ويحضر مجالس الوَعْظِ، فإذا طاب وقْتُهُ، بكَى، وسأل الله أن يرزقَهُ أبناً واعظاً.

في هذا الجو الإيمانيِّ الصُّوفِيِّ نشأ الإمام الغَزَّالِيُّ، وهو يستنشق عَبِيرَ التصوُّف، وشذَا الفقْهِ، وأريجَ الإِيمَانِ، فتأثَّر بذلك تأثُّراً كبيراً، وأَنْعكَسَ على شخصيته العلميَّة والفقهيَّة فيما بعْدْ حتى صار إماماً لكل درب سلَكَهُ، ورائداً لكلِّ علم اختطَّهُ.

10

Al-Wajiz fi Fiqh al-Imam al-Shafi'i | Usul