436

السيرة النبوية

السيرة النبوية

Editor

طه عبد الرؤوف سعد

Editorial

شركة الطباعة الفنية المتحدة

فَانْفَجَرَتْ لَهُمْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشَرَةَ عَيْنًا، لِكُلِّ سِبْط١ عَيْنٌ يَشْرَبُونَ مِنْهَا، قَدْ عَلم كُلُّ سِبْط عينَه الَّتِي مِنْهَا يَشْرَبُ، وَقَوْلَهُمْ لِمُوسَى ﵇: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا﴾ [البقرة: ٦٠] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْفُوَمُ: الْحِنْطَةُ. قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلت الثَّقَفِيُّ:
فوقَ شِيزَى مِثْلِ الْجَوَابِي عَلَيْهَا ... قِطَعٌ كالوَذِيلِ فِي نِقْي فُومِ٢
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْوَذِيلُ: قِطَعُ الْفِضَّةِ، وَالْفُوَمُ: الْقَمْحُ، وَاحِدَتُهُ: فُومَةٌ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
﴿وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمْ يَفْعَلُوا، ورفْعه الطُّورَ فوقَهم لِيَأْخُذُوا مَا أُوتُوا، وَالْمَسْخَ الَّذِي كَانَ فِيهِمْ، إذْ جَعَلَهُمْ قِرَدَةً بإحْداثهم، وَالْبَقَرَةَ الَّتِي أَرَاهُمْ اللَّهُ ﷿ بِهَا الْعِبْرَةَ فِي الْقَتِيلِ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، حَتَّى بيَّن اللَّهُ لَهُمْ أَمْرَهُ، بَعْدَ التَّرَدُّدِ عَلَى مُوسَى ﵇ فِي صِفَّةِ الْبَقَرَةِ، وَقَسْوَةَ قُلُوبِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى كَانَتْ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدَّ قَسْوَةً، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أَيْ: وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَأَلْيَنُ مِنْ قُلُوبِكُمْ عَمَّا تَدْعُونَ إلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ. ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ .
ثُمَّ قَالَ لِمُحَمَّدِ ﵊ وَلِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يؤْيسهم مِنْهُمْ ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] وَلَيْسَ قَوْلُهُ "يَسْمَعُونَ التوراةَ" أَنَّ كُلَّهُمْ قَدْ سَمِعَهَا، وَلَكِنَّهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ، أَيْ خَاصَّةٌ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ: قَالُوا لِمُوسَى: يَا مُوسَى، قَدْ حِيلَ بينَنا وَبَيْنَ رُؤْيَةِ اللَّهِ، فَأَسْمِعْنَا كلامَه حَيْنَ يُكَلِّمُكَ، فَطَلَبَ ذَلِكَ مُوسَى ﵇ مِنْ رَبِّهِ، فَقَالَ لَهُ: نَعَمْ مُرْهُم فليطَّهروا، أَوْ لِيُطَهِّرُوا ثيابَهم، وَلْيَصُومُوا، فَفَعَلُوا، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمْ حَتَّى أَتَى بِهِمْ الطورَ فَلَمَّا غَشِيَهُمْ الغمامُ أَمَرَهُمْ مُوسَى فَوَقَعُوا سُجّدًا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ، فَسَمِعُوا كلامه ﵎، يأمرهم

١ السبط الجماعة، وهي كالقبيلة في أولاد إسماعيل من العرب.
٢ الشيزى: خشب أسود صلب تصنع منه الأمشاط والقطاع وغيرها يقال هو الأبنوس والجوابي: الحياض يجبى إليها الماء، أي يجمع.

2 / 132