الشرح الصوتي لزاد المستقنع
الشرح الصوتي لزاد المستقنع
Géneros
•Salafism and Wahhabism
Regiones
•Arabia Saudita
Imperios y Eras
Al Saúd (Najd, Hiyaz, Arabia Saudita moderna), 1148- / 1735-
ـ[الشرح الصوتي لزاد المستقنع]ـ
المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: ١٤٢١ هـ)
عدد الأجزاء: ٢
هذا الكتاب: تفريغ مكتوب لشرحين صوتيين للعلامة ابن عثيمين ﵀ على زاد المستقنع
١ - الشرح الأول/ الكتاب كاملا [٢٩٩ ملفًا]
٢ - الشرح الثاني/ ثلث الكتاب [١٣٢ ملفًا] أبواب/ صفة الصلاة، والمناسك، والبيع، والوقف والوصايا، والنكاح، والطلاق، والإيلاء والظهار واللعان والعِدَد والرضاع، والنفقات، والجنايات والديات، والحدود، والأطعمة، وجزء من الأيمان والقضاء، وجزء من الشهادات
مميزات ليست في (الشرح الممتع) المطبوع:
١ - إضافة مسائل كثيرة تعرّض لها الشيخ في الشرح، خلا منها الشرح المطبوع.
٢ - إيراد مناقشة الشيخ ﵀ للطلاب في الدورس، والتي تكون عادة قبل بداية الدرس، إضافة لأسئلة الطلاب للشيخ أثناء الشرح، وأسئلتهم بعد كل درسٍ، وإجابته عليها ﵀
٣ - إضافة شرح ثانٍ جديدٍ. (لثلث زاد المستقنع).
٤ - أنّ الرجوع للتفريغ فيه حل لبعض المواضع المُشْكِلة في الشرح المطبوع.
٥ - أنّ الشيخ ربما زاد في شرحه للكتاب ما ليس منه إما لإتمام الفائدة، أو لحاجة الطلاب، أو لأسباب أخرى، ومن ذلك:
• زياداته في الشرح من كتب أخرى كزياداته في بعض الأبواب من كتاب (الروض المربع) وغيره، بل إنه أحيانًا: يزيد فصولًا بالكامل، ومثال ذلك شرحه لفصل في الأمان والهدنة، في كتاب الجهاد.
• شرحه لمؤلفات خاصة به كشرحه لرسالته في زكاة الحلي، وذلك في كتاب الزكاة.
• شرحه خلال الشرح الثاني "لمذكرة الجامعة" وذلك للأبواب التالية: (النفقات، والجنايات، والديات، والحدود، والأطعمة، والأيمان والقضاء، وجزءًا من الشهادات).
• شرحه لفصول لا تعلق لها بالكتاب لحاجة الطلبة، كشرحه لفصل في فضل العلم وآداب طالبه في كتاب الفرائض.
أعده للشاملة: ملتقى أهل الحديث
[مصدر النص تطبيق مجاني للأجهزة الذكية برعاية مؤسسة وقف فهد بن عبد العزيز السعيد وإخوانه، وكرسي الشيخ ابن عثيمين للدراسات الشرعية، وقد التزموا فيه بالتفريغ الحرفي لكامل الشرح]
Página desconocida
كتاب الطهارة
مقدمة المؤلف
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
الحمدُ للهِ حَمْدًا لا يَنْفَدُ، أَفْضَلَ ما يَنبغِي أن يُحْمَدَ، وصلَّى اللهُ وسَلَّمَ على أَفْضَلِ الْمُصْطَفَيْنَ مُحَمَّدٍ، وعلى آلِهِ وأصحابِه ومَن تَعَبَّدَ.
أمَّا بعدُ، فهذا مُخْتَصَرٌ في الفِقهِ من مُقْنِعِ الإمامِ الْمُوَفَّقِ أبي مُحَمَّدٍ، على قولٍ واحدٍ، وهو الراجِحُ في مَذهَبِ أحمدَ، ورُبَّمَا حَذَفْتُ منه مَسائلَ نادرةَ الوُقوعِ وزِدْتُ ما على مِثْلِه يُعْتَمَدُ، إذ الْهِمَمُ قد قَصُرَتْ، والأسبابُ الْمُثَبِّطَةُ عن نَيْلِ الْمُرَادِ قد كَثُرَتْ، ومع صِغَرِ حَجْمِه حَوَى ما يُغْنِي عن التطويلِ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ، وهو حَسْبُنا ونِعْمَ الوَكيلُ.
(كتابُ الطهارةِ)
وهي ارتفاعُ الْحَدَثِ وما في معناه وزوالُ الْخَبَثِ.
المياهُ ثلاثةٌ: طَهورٌ لا يَرْفَعُ الحدَثَ ولا يُزِيلُ النَّجَسَ الطارئَ، غيرُه، وهو الباقي علي خِلْقَتِه، فإن تَغَيَّرَ بغيرِ مُمَازِجٍ كقِطَعِ كافورٍ أو دُهْنٍ
[مقدمة المؤلف]
قال رحمه الله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم)
البسملة تقدم الكلام عليها مبسوطًا، وقلنا: إن الجار والمجرور في (باسم الله) متعلق بمحذوف فعليٍّ مؤخر مناسب للمقام، فعندما تريد أن تقرأ تقول؛ التقدير: باسم الله أقرأ، عندما تريد أن تتوضأ: باسم الله أتوضأ، تذبح: باسم الله أذبح، وإنما قدَّرناه فعلًا؛ لأن الأصل في العمل الأفعال، وقدَّرناه مؤخَّرًا لفائدتين:
الفائدة الأولى: التبرك في البداءة باسم الله ﷾.
والثاني: إفادة الحصر؛ لأن تقديم المتعلق يفيد الحصر.
وقدَّرناه مناسبًا؛ لأنه أدل على المراد، فلو قلنا مثلًا عندما نريد أن نقرأ كتابًا: باسم الله أبتدئ، ما يدرى بماذا تبتدئ؟ لكن: باسم الله أقرأ، يكون أدل على المراد الذي ابتدئ به.
1 / 2
وأما لفظ (الله) فهو علم على الباري جل وعلا، وهو الاسم الذي تتبعه جميع الأسماء، حتى إنه في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١، ٢]، ما نقول: إن (الله) صفة، بل نقول: هي عطف بيان؛ لأن هذا الاسم تتبعه بقية الأسماء، فهو موصوف بها دائمًا
وأما (الرحمن) فهو أيضًا من الأسماء المختصة بالله ﷿، ما يطلق على غيره، و(الرحمن) معناه: المتصف بالرحمة الواسعة.
وأما قوله: (الرحيم) فإنه قد يطلق على غير الله، والمراد به: ذو الرحمة الواصلة، الأول: ذو الرحمة الواسعة، والثاني: ذو الرحمة الواصلة، فإذا جمع مع الرحمن صار المراد بالرحيم: الموصل رحمته إلى من يشاء من عباده، كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت: ٢].
وابتدأ المؤلف كتابه بالبسملة اقتداء بكتاب الله ﷿؛ فإنه مبدوءٌ بالبسملة، واتباعًا لحديث: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأ فِيهِ بِبِاسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» (١)، واقتداء بالرسول ﵊؛ فإنه يبدأ كتبه بالبسملة.
قال المؤلف: (الحمد لله) هذه جملة اسمية مكونة من مبتدأ وخبر.
فالحمد، ويش معنى الحمد؟ حمدت الله؛ يعني: ذكرته بأوصاف الكمال، فالحمد وصف المحمود بالكمال، سواء كان ذلك كمالًا في العظمة، أو كمالًا في الإحسان والنعمة، فالله تعالى محمود على أوصافه كلها.
واللام في قوله: (لله) قال أهل العلم: إنها للاختصاص والاستحقاق.
1 / 3
فالمستحق للحمد المطلق من هو؟ الله، هو المحمود على كل حال، له الحمد المطلق؛ ولهذا كان النبي ﵊ إذا أصابته السَّراء قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ»، وإن أصابته الضراء قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» (٢).
فالذي له الحمد المطلق هو الله ﷿، لا يستحقه أحد سواه، أما غيره فيحمد على أشياء خاصة معينة، ما هو على كل حال.
وأيضًا هي للاختصاص؛ يعني أن الذي يختص بالحمد المطلق الكامل هو الله، فهو المستحق له، المختصُّ به.
(حمدًا لا ينفد) (حمدًا) مصدر، والعامل فيه المصدر قبله، فهو مصدر معمول لمصدر، وقد سبق لنا: أن المصدر المحلى بـ (أل) يعمل مطلقًا، (حمدًا) هذه مصدر مؤكد لعامله، من أين عرفنا أنه مؤكد؟ لأنه إذا جاء المصدر بلفظ الفعل أو معناه فهو مؤكد، مثل ﴿كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤].
لكنه مع ذلك كلمة (حمدًا) مع كونه مؤكدًا وُصِفَ بقوله: (لا ينفد)، فيكون أيضًا بصفته مبينًا لنوع الحمد، وأنه حمد لا ينفد، بل هو دائم، والرب ﷿ ﷾ مستحق للحمد الذي لا ينفد؛ لأن كمالاته لا تنفد، فكذلك الحمد -الذي هو وصفه بالكمالات- لا ينفد.
وليس المعنى: لا ينفد مني قولًا، لا؛ لأنه ينفد منه قولًا، كيف ذلك؟ يموت، أو يتشاغل بغيره، لكن المعنى: أن الله مستحقٌ للحمد الذي لا ينفد، باعتبار ذلك منسوبًا إلى الله ﷿ فهو لا ينفد.
(أفضل ما ينبغي أن يحمد) أفضل ما ينبغي صفة لـ (حمدًا)، فيكون وَصَفَ الحمدَ ﵀ بوصفين:
الاستمرارية في قوله: (لا ينفد).
وكمال النوعية في قوله: (أفضل ما ينبغي أن يحمد) أي: ما يستحق أن يحمد؛ يعني: أفضل حمد يستحق أن يحمده، وعلى هذا فتكون (ما) نكرة موصوفة؛ يعني: أفضل حمد ينبغي أن يُحمدَه ﷾، فوصف الحمد هنا بالاستمرارية وبكمال النوعية.
1 / 4
ولما أثنى على الله ﷿ بما ينبغي أن يثنى عليه، ثنَّى بالصلاة والسلام على أفضل الخلق فقال: (وصلى الله وسلَّم) (صلى الله) ما معنى: صلى الله على محمد؟ كلنا نقرأ (صلى الله على محمد) في صلاتنا، لكن ما معناها؟
قال بعض أهل العلم: الصلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الآدميين: الدعاء.
ولكن هذا ليس بصواب، والصواب ما قاله أبو العالية: إنَّ الصَّلاة من الله ثناؤه على المُصَلَّى عليه في الملأ الأعلى (٣)، عند الملائكة المقربين، وهذا أخص من الرحمة المطلقة.
وعلى هذا، فـ (صلى الله على محمد) أي: أثنى عليه، وهذه الجملة خبرية لفظًا، إنشائية معنًى؛ لأنه ليس المراد: أني أخبر بأن الله صلَّى، ولكنني أدعو الله ﷿ أن يصلي، فهي خبرية لفظًا، إنشائية معنًى، بمعنى الدعاء، وعلى هذا فيصح أن أقول: فلانٌ ﵀ أو لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يعني: أسأل الله أن يرحمه.
وقوله: (وسلم) هذه أيضًا جملة خبرية لفظًا، إنشائية معنًى؛ أي: تدعو الله تعالى بأن يسلم على محمد ﷺ؛ أي: يلقي ﵇، والسلام هو: الانتفاء من الآفات والنقائص، فإذا ضم السلام إلى الصلاة حصل به المطلوب، وزال به المرهوب، فبالسلام يزول المرهوب وتنتفي النقائص، وبالصلاة يحصل المطلوب وتثبت الكمالات.
وقوله (على أفضل المصطفَين) أفضل المصطفَيْنَ أو المصطفَيْنِ؟
الطلبة: (...).
الشيخ: بالفتح.
الطلبة: مصطفينَ.
الشيخ: كيف مثنى يكون مفتوح النون؟
الطلبة: (...).
الشيخ: كيف يكون جمعًا وهو مفتوح ما قبل الياء، والجمع (المسلمِين) مكسور ما قبل الياء؟
الطلبة: (...).
1 / 5
الشيخ: الجواب: لأن ما قبل الياء محذوف، والفاء هذه ما كانت الياء تباشرها، فأصلها (المصطفَيَيْنِ) أصلها: المصطفى، هذا المفرد، المثنى: المصطفيان، الجمع: المصطفيون، فإذا نصبت أبدل الواو ياءً، فيكون (المصطفَيِينَ)، هذا أصلها، لكن حصل فيها إعلال بحذف الياء، فصارت (المصطفَيْن)، و(المصطفَين) أصلها (المصتَفين) بالتاء، من الصفوة، وهي خلاصة الشيء، ومنهم المصطفين من الخلق؛ البشر لا شك أن المصطفى منهم الأنبياء، ثم الرسل، ثم أولو العزم.
الخلاصة أو خلاصة الخلاصة أو خلاصة خلاصة الخلاصة هم أولو العزم، وهم مذكورون في القرآن الكريم في موضعين؛ في سورة الأحزاب، وفي سورة الشورى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]، وفي سورة الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: ١٣].
هذه خمسة هم أولو العزم، فمحمد ﷺ هو أفضلهم، ويدل لذلك أنه خاتمهم، ويدل لذلك أيضًا أنه إمامهم ليلة المعراج، ولا يقدم إلا الأفضل، ويدل لذلك أنه صاحب الشفاعة يوم القيامة الشفاعة العظمى، فهذه ثلاثة أشياء تدل، وهناك أشياء أخرى، لكن هذه ذكرناها كأمثلة نماذج، خاتم النبيين هذا في عالم الحس، إمامهم في المعراج في عالم الغيب، كونه هو الشافع يوم القيامة في عالم الغيب، لكنه في عالم الآخرة.
1 / 6
وقوله: (محمد) ويش إعراب محمد؟ هذه عطف بيان؛ لأن أفضل المصطفين ما يعرف من هو، فإذا قيل: (محمد) صار عطف بيان يبين من هذا الأفضل؛ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي ﵊، وهو كما قال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» (٤)، فكان ﵊ خيارًا من خيار.
قال: (وعلى آله وأصحابه ومن تعبَّد) ثلاثة هؤلاء، نحن نقول في التحيات: اللهم صل على محمد وعلى آل، بس، لكن هنا المؤلف يقول: (آله وأصحابه ومن تعبَّد) فاعلم أنه إذا ذكر (الآل) وحده، فالمراد: كل أتباعه على دينه، ويدخل فيهم بالأولوية أتباعه على دينه من قرابته، أو لا؟ لأنهم آل من وجهين؛ من جهة الاتباع، ومن جهة القرابة، وأما إذا ذكر معه غيره فإنه بحسب السياق، فهنا ذكر (آل) و(أصحاب) و(من تعبَّد).
(آله) نفسرها هنا بأنهم المؤمنون من قرابته، مثل: علي بن أبي طالب، فاطمة، عبد الله بن عباس، حمزة، العباس، وما أشبه ذلك.
(وأصحابه) هم جمع (صحب)، و(صحب) اسم جمع (صاحب)، فأصحابه: كل من اجتمع به مؤمنًا به ومات على ذلك، ها دول أصحابه، كل من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك، ولو لم يره؟
الطلبة: (...).
الشيخ: نعم، ولو لم يره، ولو لم تطل الصحبة؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ولو لم تطل الصحبة، وهذا من خصائصه: أن كل من اجتمع به مؤمنًا به فهو من أصحابه، وإن لم يره، وإن لم يجتمع به، أما غيره من الناس ما يكون صاحبًا له إلا من لازمه مدة يستحق أن ينطبق عليه وصفُ صاحب.
وقوله: (ومن تعبَّد) كلمة (من) اسم موصول، ومعناها، أيش معناها؟ الذي تعبَّد، فهي للعموم.
وقوله: (تعبَّد) لمن؟ لله ﷿؛ أي: تذلل له بالطاعة، والعبادة مبنية على أمرين هما: الحب، والتعظيم.
1 / 7
فبالحب يكون طلب الوصول إلى مرضاة المعبود، وبالتعظيم يكون الهرب من الوقوع في معصيته، أو لا؟ لأنك تعظمه فتخافه، تحبه فتطلبه.
فالعبادة مبنية على هذين الأساسين: الحب، والتعظيم، وأما شرط قبولها فهما: الإخلاص، والمتابعة.
كلمة (من تعبَّد) عامة في كل من تعبد لله ﷿ من هذه الأمة ومن غيرها، أو بس من هذه الأمة؟ من هذه الأمة ومن غيرها؛ ولهذا قال النبي ﵊ في قولنا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين قال: «إِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» (٥)، حتى الملائكة، حتى الجن، حتى أتباع الأنبياء السابقين يدخلون في هذا، فهي من أعم ما يكون؛ كلمة (ومن تعبَّد).
لكن هل يدخل فيها الأصحاب -أصحاب النبي ﷺ وآله المؤمنون؟
الطلبة: (...).
الشيخ: يدخلون؟
الطلبة: (...).
الشيخ: هذا مبني على خلاف بين العلماء؛ هل إذا عطفنا العام على الخاص يكون الخاص داخلًا في العام أو خارجًا منه بالتخصيص؟ في هذا قولان لأهل العلم؛ فمنهم من يقول: إنه داخل فيه -يعني: العموم- يشمله، ومنهم من قال: إن ذكره بخاصته يدل على أنه غير مراد.
وهذا الخلاف قد يترتب عليه بعض المسائل الحكمية، لكن من قال: إنه يدخل في العموم قال: إنه يكون الخاص مذكورًا كم مرة؟ مرتين؛ مرة بالخصوص، ومرة بالعموم.
طالب: قلنا: وأصحابه كل من اجتمع به، وقلنا: ولو لم يجتمع به ولو مرة؟
الشيخ: لا، قلنا: وإن لم يره، ما قلنا: وإن لم يجتمع به، قلنا: إن اجتمع به ولم يره هل يكون صحابيًّا؟
الطالب: (...).
الشيخ: (...).
ثم قال المؤلف: (أما بعد: فهذا مختصر في الفقه) (أما بعد) هذه كلمة يؤتى بها عند الدخول في الموضوع الذي يقصد يؤتى بـ (أما بعد).
1 / 8
وأما قول بعضهم: كلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر، فهذا غير صحيح؛ لأنه دائمًا الأساليب تتنقل؛ ينتقل العلماء من أسلوب إلى آخر، ولا يأتون بـ (أما بعد)، ولكن نقول: يؤتى بها عند الدخول في صلب الموضوع الذي من أجله قدمت الخطبة مثلًا.
(أما بعد) أما إعرابها، فإعرابها من أعجب ما يكون؛ قلنا لكم: إن إعرابها هو أن نقول: (أما) نائبة عن شرط وفعل شرط، والتقدير: مهما يكن من شيء بعد ذلك فهذا مختصر، فيكون هنا (أما) بمعنى: مهما يكن من شيء، و(بعد) ظرف متعلق بـ (يكن) المحذوفة مع شرطها، مبني على الضم في محل نصب؛ لأنه حذف المضاف إليه ونوي معناه، وهذه الظروف - (بعد) وأخواتها- إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه بنيت على الضم، كما في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤].
(أما بعد: فهذا مختصر في الفقه) (مختصر) مفتعل، فهو اسم مفعول.
والمختصر قال العلماء: ما قلَّ لفظه وكثُر معناه؛ أي: أن لفظه قليل، لكن معناه كثير.
وقوله: (في الفقه) الفقه لغةً: الفهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وهذا النفي صحيح؛ يعني: ما نفقه تسبيحهم؟ نعم.
﴿قَالُوا يا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١] يعني: ما نفهم، هذا النفي صحيح؟ يظهر أنه ليس بصحيح، ولكنه جحد.
إذن الفقه في اللغة: الفهم.
1 / 9
وفي الشرع بس (...) قال: أحسن نقول: في الاصطلاح، إن قلنا: في الشرع فنقول: إن الفقه: معرفة أحكام الله العقدية والعملية، هذا شرعًا؛ لأن الفقه في الشرع ما هو خاص بأفعال المكلفين أو بالأحكام العملية، بل يشمل حتى الأحكام العقدية؛ العقيدة، حتى إن أهل العلم يقولون: إن علم العقيدة هو الفقه الأكبر والأشرف، وهذا حق؛ لأنك لا تتعبد للمعبود إلا بعد معرفة توحيده بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وإلا كيف تتعبد لمجهول؟ ! هذا غير ممكن؛ ولذلك الأساس الأول هو التوحيد، وحقًّا أن يسمى بالفقه الأكبر.
لكن مراد المؤلف هنا في الفقه: الفقه الاصطلاحي، ما هو الفقه الاصطلاحي؟ يقول العلماء: إنه معرفة الأحكام العملية بأدلتها التفصيلية.
قولنا: (معرفة) أو نقول: علم الأحكام، أيهما أحسن؟
طالب: معرفة.
الشيخ: معرفة، السبب؟
طالب: لأننا قلنا: المعرفة يدخل فيها الظن والعلم.
الشيخ: نعم، والفقه إما علم، وإما ظن، ما كل مسائل الفقه علمية، قطعًا فيها كثير من المسائل ظنية، وهذا كثير في المسائل الاجتهادية ما وصل فيها الإنسان إلى درجة اليقين، لكن لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
ولهذا نعبِّر بـ (معرفة) ولا نعبر بـ (علم)؛ لكي يتناول أيش؟ العلم، ويش بعد؟ والظن؛ لأن مسائل الفقه علمية، أيش بعد؟ وظنية.
الفقه: معرفة الأحكام العملية، (العملية) احترازًا من الأحكام العقدية، فهذا لا يدخل في الاصطلاح، وإن كان يدخل في الشرع.
وقولنا: (بأدلتها التفصيلية) احترازًا من أيش؟ من أصول الفقه؛ لأن أصول الفقه ما تعرف الفقه بأدلته التفصيلية، ولكن تعرف قواعد عامة، وربما تأتي بالمسألة التفصيلية للتمثيل فقط.
وعلم من قولنا: (معرفة الأحكام العملية بأدلتها) أن المقلد ليس فقيهًا؛ لأيش؟ ما عرفها بأدلتها، غاية ما هنالك أنه يقلدها كما في الكتاب فقط، فالمقلد ليس فقيهًا، وقد نقل ابن عبد البر إجماع العلماء على أن المقلد ليس من العلماء.
1 / 10