الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية
الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية
Editorial
دار الكتاب العربي
Año de publicación
1395 AH
Ubicación del editor
بيروت
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله الَّذِي رفع بفضله طَبَقَات الْعلمَاء وَجعل اصولهم ثَابِتَة وفروعهم فِي السَّمَاء وزين سَمَاء الشَّرِيعَة والاسلام بأنوار افكار الْفُضَلَاء وَأحكم مباني الاحكام بقواعد وَضعهَا بِاجْتِهَاد الْفُقَهَاء وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على نبيه سيد الرُّسُل وَخَاتم الانبياء من بَعثه الله تَعَالَى على فَتْرَة من الرُّسُل ليقيم بِهِ الْملَّة العوجاء وَهُوَ صَاحب الْملَّة الحنيفية السمحة اليضاء وَصَاحب ذيل الْعِزّ والشرف على الْقبَّة الخضراء وعَلى آله وَأَصْحَابه الَّذين هم نُجُوم الاهتداء وعَلى من تَبِعَهُمْ من الْمُسلمين الى يَوْم الْبَعْث وَالْجَزَاء وَبعد فَإِنِّي مُنْذُ مَا عرفت الْيَمين من الشمَال والمستقيم من الْمحَال كنت مشغوفا بتتبع مَنَاقِب الْعلمَاء وأخبارهم ومتهالكا على حفظ مآثرهم وآثارهم حَتَّى اجْتمع من ذَلِك شَيْء كثير فِي الخاطر الفاتر بِحَيْثُ يمتلئ بِهِ بطُون الْكتب والدفاتر وَلَقَد دون المؤرخون مَنَاقِب الْعلمَاء والاعيان مِمَّا ثَبت بِالنَّقْلِ اَوْ اثبته العيان وَلم يلْتَفت اُحْدُ الى جمع اخبار عُلَمَاء هَذِه الْبِلَاد وَكَاد لَا يبْقى اسمهم ورسمهم على السن كل حَاضر وباد وَلما شَاهد هَذِه الْحَال بعض من أَرْبَاب الْفضل والكمال التمس مني ان اجْمَعْ مَنَاقِب عُلَمَاء الرّوم فأجبت الى ملتمسه مستعينا بِالْملكِ الْحَيّ القيوم وأردفت ذكر عُلَمَاء الشَّرِيعَة بِبَيَان احوال مَشَايِخ الطَّرِيقَة زَاد الله أنوارهم وَقدس اسرارهم وَلَقَد ذكرت فِي هَذَا الْكتاب من بلغ مِنْهُم الى المناصب الجليلة وان كَانُوا متفاوتين فِي الْعلم والفضيلة وَمن لم يبلغ الى تِلْكَ
1 / 5
المناصب مَعَ مَالهم من الِاسْتِحْقَاق لتِلْك الْمَرَاتِب وَمَعَ ذَلِك فَلَعَلَّ مَا تركت اكثر مِمَّا ذكرت وَلما لم اطلع على تَارِيخ وفيات هَؤُلَاءِ الاعيان وضعت الرسَالَة على تَرْتِيب سلاطين آل عُثْمَان وَلِهَذَا سميت الرسَالَة ب
الشقائق النعمانية فِي عُلَمَاء الدولة العثمانية
وَقد وَقع هَذَا الْجمع والتأليف فِي ظلّ دولة من خصّه الله تَعَالَى بالألطاف السبحانية من سلاطين الدولة الْقَاهِرَة العثمانية الَّذِي تضعضع بسطوته مباني الاكاسرة وتطأطأ دون سرادقات عَظمته سوامد القياصرة وفوضت اليه السَّعَادَة مقاليدها وأنجزت بِهِ الايام للانام مواعيدها خُلَاصَة أَرْبَاب الْخلَافَة فِي الْعَالمين شرف الاسلام ملاذ الْمُسلمين اخص الخواقين الْعِظَام وقطب السلاطين الْكِرَام مُطَاع الْمُلُوك والسلاطين مُطِيع احكام الشَّرِيعَة وَالدّين السُّلْطَان ابْن السُّلْطَان والخاقان ابْن الخاقان ابو الْفَتْح والنصر السُّلْطَان سُلَيْمَان خَان ابْن السُّلْطَان سليم خَان ادام الله أَيَّام سلطنته الزهراء الى آخر الزَّمَان وخلد اعوام دولته الغراء الى انْقِرَاض الدوران وَلَا زَالَت دولته الابدية محفوفة بالعواطف الرحمانية وَمَا بَرحت غرته السرمدية مقرونة باللطائف الربانية وَهَا أَنا اشرع فِي الْمَقْصُود متوكلا على الصَّمد المعبود وَمَا توفيقي الا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت واليه انيب وَهُوَ السَّمِيع الْقَرِيب
الطَّبَقَة الاولى
فِي عُلَمَاء دولة السُّلْطَان عُثْمَان الْغَازِي روح الله تَعَالَى روحه الْعَزِيز بُويِعَ لَهُ بالسلطنة فِي سنة تسع وَتِسْعين وسِتمِائَة وَمن الْعلمَاء فِي زَمَانه الْمولى اده بالي ولد بالبلاد القرامانية وَقَرَأَ هُنَاكَ بَعْضًا من الْعُلُوم ثمَّ ارتحل الى الْبِلَاد الشامية وتفقه بهَا على مَشَايِخ الشَّام وَقَرَأَ التَّفْسِير والْحَدِيث والاصول عَلَيْهِم ثمَّ ارتحل الى بِلَاده واتصل بِخِدْمَة السُّلْطَان عُثْمَان الْغَازِي ونال عِنْده الْقبُول التَّام وَكَانُوا يرجعُونَ اليه بالمسائل الشَّرْعِيَّة ويتشاورون مَعَه فِي أُمُور السلطنة وَكَانَ عَالما عَاملا عابدا زاهدا يرْوى انه كَانَ مَقْبُول الدعْوَة وَكَانُوا يتبركون بأنفاسه الشَّرِيفَة وَكَانَ ﵀ ذَا ثروة عَظِيمَة الا انه سلك مَسْلَك الصُّوفِيَّة وَبنى فِي الدولة
1 / 6
العثمانية زَاوِيَة ينزل فِيهَا المسافرون وَرُبمَا يبيت فِيهَا السُّلْطَان عُثْمَان الْغَازِي وَبَات لَيْلَة فِيهَا فَرَأى فِي الْمَنَام قمرا خرج من حضن الشَّيْخ اده بالي وَدخل فِي حضنه وَعند ذَلِك نَبتَت من سرته شَجَرَة عَظِيمَة سدت أَغْصَانهَا الافاق وتحتها جبال عَظِيمَة تتفجر مِنْهَا الانهار وَالنَّاس يَنْتَفِعُونَ بِتِلْكَ الانهار لأَنْفُسِهِمْ ودوابهم وبساتينهم فَقص هَذِه الرُّؤْيَا على الشَّيْخ فَقَالَ لَك الْبُشْرَى بهَا نلْت مرتبَة السلطنة وَينْتَفع بك وبأولادك الْمُسلمُونَ وَإِنِّي زوجت لَك بِنْتي هَذِه فولد لعُثْمَان الْغَازِي مِنْهَا اولاد وَكَانَ الشَّيْخ بلغ من السن مائَة وَعشْرين سنة وَمَات فِي سنة سِتّ وَعشْرين وَسَبْعمائة وَمَاتَتْ بعد شهر ابْنَته ويه زَوْجَة السُّلْطَان عُثْمَان الْغَازِي وَأم السُّلْطَان اورخان وَبعد مُضِيّ ثَلَاثَة اشهر من وفاتها مَاتَ السُّلْطَان عُثْمَان الْغَازِي روح الله أَرْوَاحهم
وَمِنْهُم الْمولى طورسون فَقِيه ختن الْمولى اده بالي
وَهُوَ ايضا من بِلَاد قرامان قَرَأَ على الْمولى الْمَذْكُور التَّفْسِير والْحَدِيث والاصول وتفقه عِنْده وَبعد وَفَاته قَامَ مقَامه فِي أَمر الْفَتْوَى وتدبير امور السلطنة وتدريس الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَكَانَ عَالما عَاملا مجاب الدعْوَة
وَمِنْهُم الْمولى خطاب بن ابي الْقَاسِم القره حصاري ﵀
قَرَأَ ببلاده على عُلَمَاء عصره ثمَّ ارتحل الى الْبِلَاد الشامية وقرا على علمائها وَأخذ مِنْهُم الْفِقْه والْحَدِيث وَالتَّفْسِير ثمَّ عَاد الى بِلَاده وَتُوفِّي بهَا ﵀ وَله شرح نَافِع على منظومة الشَّيْخ الْعَالم عمر النَّسَفِيّ فِي الخلافيات فرغ من تصنيفه فِي صفر سنة سبع عشرَة وَسَبْعمائة
وَمِنْهُم الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه مخلص بَابا
توطن فِي بِلَاد قرامان وَحضر مَعَ السُّلْطَان عُثْمَان الْغَازِي فِي فتوحاته وَكَانَ ﵀ مجاب الدعْوَة سالكا واصلا الى الله تَعَالَى وَكَانَ صَاحب كرامات علية ومقامات سنية قدس الله تَعَالَى سره الْعَزِيز
وَمِنْهُم الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى عاشق باشا ابْن الشَّيْخ مخلص بَابا الْمَذْكُور
توطن ﵀ فِي مَوضِع يُقَال لَهُ قر شَهْري من بِلَاد قرامان وَتُوفِّي بهَا
1 / 7
وقبره مَشْهُور هُنَاكَ تستجاب عِنْده الدَّعْوَات وَالنَّاس يتبركون بِهِ كَانَ قدس سره عابدا زاهدا عَارِفًا بِاللَّه وَصِفَاته وعالما بأطوار السلوك ومقامات السالكين وَله كتاب منظوم بالتركية مُشْتَمل على أَحْوَال السلوك واطواره
وَمِنْهُم الشَّيْخ علوان جلبي ابْن الشَّيْخ عاشق باشا الْمَذْكُور
توطن ﵀ فِي مَوضِع قريب من بَلْدَة اماسيه وَمَات هُنَاكَ وَدفن فِيهِ وَقد زرت مرقده الْمُقَدّس فِي عنفوان الشَّبَاب وتبركت بِهِ كَانَ ﵀ عابدا زاهدا عَارِفًا بِاللَّه تَعَالَى وَكَانَ صَاحب جذبة عَظِيمَة وَله نظم ايضا فِي أطوار السلوك
وَمِنْهُم الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه الشَّيْخ حسن
كَانَ عابدا زاهدا مجاب الدعْوَة ومظهر الكرامات ومعدن البركات وَكَانَ لَهُ زَاوِيَة قريبَة من دَار السَّعَادَة ببلدة بروسه وَكَانَ يلقب بأخي حسن قدس تَعَالَى سره الْعَزِيز
الطَّبَقَة الثَّانِيَة
فِي عُلَمَاء دولة السُّلْطَان اورخان بن عُثْمَان الْغَازِي طيب الله ثراه
بُويِعَ لَهُ بالسلطنة بعد وَفَاة ابيه سنة سِتّ وَعشْرين وَسَبْعمائة وَمن الْعلمَاء فِي زَمَانه
الْعَالم الْعَامِل والفاضل الْكَامِل الْمولى دَاوُد القيصري القراماني
اشْتغل فِي بِلَاده ثمَّ ارتحل الى مصر وقرا على علمائه التَّفْسِير والْحَدِيث والاصول وبرع فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة وَحصل علم التصوف وَشرح فصوص ابْن الْعَرَبِيّ وَوضع لشرحه مُقَدّمَة بَين فِيهَا اصول علم التصوف وَيفهم من كَلَامه فِي تِلْكَ الْمُقدمَة مهارته فِي الْعُلُوم النقلية ايضا وَبنى السُّلْطَان اورخان مدرسة فِي بَلْدَة ازنيق وَهِي على مَا سمعته من الثِّقَات اول مدرسة بنيت فِي الدولة العثمانية وَعين تدريسها للشَّيْخ دَاوُد القيصري فدرس هُنَاكَ وَأفَاد وصنف وأجاد وَكَانَ عابدا زاهدا متورعا صَاحب اخلاق حميدة روح الله روحه
1 / 8
وَمِنْهُم الْمولى الْفَاضِل تَاج الدّين الكردري
قَرَأَ ﵀ على عُلَمَاء عصره مِنْهُم الْعَالم الْفَاضِل سراج الدّين الارموي صَاحب الْمطَالع وَبَيَان الْحِكْمَة وَحصل من الْعُلُوم شَيْئا كثيرا وبرع فِي جَمِيعهَا وتمهر فِي الْفِقْه واشتهرت فضائله فِي الافاق وَلما مَاتَ دَاوُد القيصري مدرسا بمدرسة ازنيق نَصبه السُّلْطَان اورخان مقَامه ودرس هُنَاكَ مُدَّة وَأفَاد طلبة زَمَانه وَكَانَ زوج احدى ابْنَتَيْهِ للشَّيْخ اده بالي الْمَذْكُور وَزوج ابْنَته الاخرى للْمولى خير الدّين القَاضِي ثمَّ صَار هُوَ وزيرا ولقب بِخَير الدّين باشا رُوِيَ عَن بعض الثِّقَات ان السُّلْطَان اورخان الْغَازِي لما حاصر بَلْدَة ازنيق ظهر عَسْكَر الْكفَّار من بعض الجوانب يقصدون السُّلْطَان الْمَذْكُور فتحير السُّلْطَان وشاور مَعَ الْأَمِير شاهين لَا لَا من عبيد السُّلْطَان الْمَذْكُور فَأَشَارَ اليه ان لَا يُؤَخر امْر الْحصار وَقَالَ ان وهبت لي الْغَنِيمَة الْحَاصِلَة من هَؤُلَاءِ الْكفَّار ذهبت اليهم فَقبله السُّلْطَان فَهزمَ الامير الْمَذْكُور عَسْكَر الْكفَّار وَحصل لَهُ مِنْهُم غنيمَة عَظِيمَة فندم السُّلْطَان على مَا فعله فاستفتى من الْمولى الْمَذْكُور وَحكى لَهُ مَا جرى بَينه وَبَين الامير شاهين من هبة الْغَنِيمَة الْمَذْكُورَة لَهُ فقالى الْمولى ان هَذَا عبد اَوْ مُعتق قَالَ السُّلْطَان انه مُعتق فَقَالَ الْمولى ان الْغَنِيمَة لَهُ وَلَا يجوز اخذها مِنْهُ وَبنى ذَلِك الامير بذلك المَال مدرسة بِمَدِينَة بروسا وجسرا ببلدة كرماستي وزاوية
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل الْفَاضِل الْكَامِل الْمولى عَلَاء الدّين الاسود
شَارِح الْمُغنِي فِي الاصول وشارح الْوِقَايَة اشْتهر عِنْد اهل الرّوم بقره خواجه وارتحل الى بِلَاد الْعَجم وَقَرَأَ على علمائها ثمَّ اتى بِلَاد الرّوم واعطاه السُّلْطَان اورخان مدرسة ازنيق بعد وَفَاة تَاج الدّين الكردري وصنف وَقت تدريسه بِتِلْكَ الْمدرسَة شرح الْوِقَايَة وَهُوَ كتاب حافل كافل لحل مشكلات الْوِقَايَة رَأَيْته فِي مجلدين فطالعته وانتفعت بِهِ شكر الله سَعْيه وَسمعت من بعض الثِّقَات ان الْمولى شمس الدّين الفناري قَرَأَ عَلَيْهِ لَكِن وَقع بَينهمَا مُخَالفَة ومنافرة وَلِهَذَا تَركه وَذهب الى خدمَة الْمولى جمال الدّين الاقسرائي روح الله أروحهم
1 / 9
وَمِنْهُم الْمولى الْعَالم الْفَاضِل مَوْلَانَا خَلِيل الجندري
المشتهر بَين النَّاس بجندر لوقره خَلِيل كَانَ ﵀ من طلبة الْمولى عَلَاء الدّين الاسود وَكَانَ هُوَ أول قَاض من قُضَاة الْعَسْكَر وقصته ان السُّلْطَان اورخان ذهب يَوْمًا الى بَيت الْمولى عَلَاء الدّين الاسود لاجل زيارته وَلما دخل دَاره وجد الْمولى الْمَذْكُور يُصَلِّي فِي منزله فتوقف سَاعَة وَقَالَ لبَعض الطّلبَة الْحَاضِرين هُنَاكَ اريد ان اصلي ايضا فَتقدم مَوْلَانَا خَلِيل الْمَذْكُور وَصلى هُوَ والحاضرون خَلفه وَلما خرج الْمولى عَلَاء الدّين من بَيته قَالَ لَهُ السُّلْطَان الرعايا يتحاكمون الي وَأَنا على السّفر وَلَا علم لي بالاحكام الشَّرْعِيَّة فعين لي وَاحِدًا من طلبتك ليسافر معي وَيحكم بَين النَّاس عِنْد الْحَاجة فَقَالَ الْمولى خُذ مَعَك وَاحِدًا من الْحَاضِرين فتضرع الْكل اليه ليرد عَنْهُم هَذِه الْمصلحَة فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان عين وَاحِدًا مِنْهُم آخذه جبرا فعين مَوْلَانَا خَلِيلًا الْمَذْكُور فَذهب وَهُوَ يبكي وَمن نَسْله خَلِيل باشا وَزِير السُّلْطَان مرادخان وَالسُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَفِي رِوَايَة اخرى ان الْمولى الْمَذْكُور كَانَ قَاضِيا فِي أَوَاخِر سلطنة السُّلْطَان عُثْمَان الْغَازِي ببلدة بلاجوك وَلما فتح السُّلْطَان اورخان بَلْدَة ازنيق نَصبه قَاضِيا بهَا ثمَّ جعله قَاضِيا بِمَدِينَة بروسه وَلما جلس السُّلْطَان مُرَاد الْغَازِي على سَرِير السلطنة جعله قَاضِيا بالعسكر ثمَّ جعله وزيرا وأمير الامراء ولقب نجم الدّين باشا وَالله اعْلَم بِحَقِيقَة الْحَال وَكَانَ رجلا عَاقِلا مُدبرا لامور السلطنة وَكَانَ من اقرباء الشَّيْخ اده بالي الْمَذْكُور
وَمِنْهُم الْعَالم الْفَاضِل الْمولى محسن القيصري
قَرَأَ الْعُلُوم على الْمولى مجدالدين القيصري واطلع على فنون كَثِيرَة من أَقسَام الْفُنُون الادبية وانواع الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة ثمَّ ارتحل الى الْبِلَاد الشامية وقرا على علمائها التَّفْسِير والْحَدِيث ثمَّ عَاد الى بِلَاده وَتُوفِّي بهَا ونظم تَرْجَمَة كتاب فِي الْفِقْه وأجاد فِيهِ كل الاجادة ونظم ايضا علم الْفَرَائِض نظما حسنا بليغا جَامعا للمسائل ثمَّ شَرحه شرحا بَين فِيهِ دقائقه واسراره وَله شرح على مُخْتَصر الشَّيْخ الاندلسي فِي علم الْعرُوض احسن فِي ترتيبه وَضَمنَهُ فَوَائِد كَثِيرَة
1 / 10
وَمن مَشَايِخ زَمَانه الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه الشَّيْخ الْمَعْرُوف بِالنِّسْبَةِ الى الغزال
وَهُوَ الْمَشْهُور فِي لسانهم بكيكلوبابا وَلم يشْتَهر اسْمه وانما نسب الى الغزال لانه كَانَ يركب الغزال وَكَانَ الغزال مسخرا لَهُ ومولده ببلدة خوي من بلادالعجم ثمَّ ارتحل الى بلادالروم وَحضر فتح بروسا مَعَ السُّلْطَان اورخان رَاكِبًا الغزال وتوطن قَرِيبا من مَدِينَة بروسا وَمَات هُنَاكَ وَدفن بذلك الْموضع وَبنى السُّلْطَان اورخان على قَبره قبَّة وقبره مَشْهُور يزار ويتبرك بِهِ كَانَ قدس سره صَاحب جذبة عَظِيمَة وكرامات سنية متجردا عَن العلائق الدُّنْيَوِيَّة مُنْقَطِعًا الى الحضرة الالهية وَلَقَد زرت مرقده الشريف وَحصل لي عِنْد زيارته انس عَظِيم وَرَأَيْت عِنْده قبر آخر وَسَأَلت حَافظ قُبَّته عَن صَاحب هَذَا الْقَبْر قَالَ لقد سَمِعت انه من اولاد الامير كرميان وَلَقَد ترك الامارة واتصل بِخِدْمَة الشَّيْخ ونال عِنْده الْمَرَاتِب السّنيَّة وَكَانَ من جملَة احباء الشَّيْخ الْمَذْكُور رجل مُسَمّى بطور غوداب من أُمَرَاء السُّلْطَان الْغَازِي وَلما اسن الامير الْمَذْكُور وَضعف عَن الْحَرَكَة توطن فِي مَوضِع قريب من مقَام الشَّيْخ كيكلو بَابا وَذَلِكَ الْمَكَان مُسَمّى الان بطورغودابلي وَكَانَ الامير الْمَذْكُور مداوما لخدمة الشَّيْخ الْمَذْكُور الى ان مَاتَ وَقد أحب السُّلْطَان اورخان الشَّيْخ الْمَزْبُور واعطى لَهُ موضعا قَرِيبا من مقَامه يُقَال لَهُ اينه كول مَعَ مَا حوله من الْقرى وَلم يقبلهَا الشَّيْخ وَقَالَ الْملك وَالْمَال يَنْبَغِي لِلْأُمَرَاءِ والسلاطين وَلَا يحْتَاج اليه الْفُقَرَاء وَلما أبرم عَلَيْهِ السُّلْطَان قَالَ عين لي من مقَامي هَذَا الى هَذَا التل للْفُقَرَاء لاجل الاحتطاب وَسُئِلَ الشَّيْخ الْمَزْبُور عَن شَيْخه فَقَالَ انا من جملَة مريدي بَابا الياس وَمن طَريقَة الشَّيْخ ابي الْوَفَاء الْبَغْدَادِيّ قدس سره وَرُوِيَ ان السُّلْطَان اورخان سَأَلَ مِنْهُ الدُّعَاء لنَفسِهِ فَقَالَ الشَّيْخ اني لَا أغفل عَنْك وَإِذا وَقعت حَاجَة ادعو لَك وَبعد مُدَّة قلع الشَّيْخ شَجَرَة غَرِيبَة وَحملهَا الى مَدِينَة بروسا وَدخل دَار السلطنة بذلك وغرسها فِي دَاخل الْبَاب قَرِيبا من اُحْدُ جانبيه ثمَّ ذهب فَأخْبر السُّلْطَان بذلك ففرح فَرحا شَدِيدا ثمَّ ربى تِلْكَ الشَّجَرَة فعظمت وَهِي بَاقِيَة الى الان
1 / 11
وَمِنْهُم الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه قره جه احْمَد
كَانَ ﵀ من بلادالعجم من أَبنَاء بعض الْمُلُوك وَلما حصلت لَهُ الجذبة ترك بِلَاده وأتى بلادالروم وتوطن فِي مَوضِع قريب من اقحصار وقبره هُنَاكَ مَشْهُور يتبرك بِهِ ويزار ويستجاب عِنْده الدُّعَاء ويستشفي بِهِ الْمَرِيض وَذَلِكَ مَشْهُور فِي بِلَادنَا عندالخواص والعوام قدس الله سره الْعَزِيز
وَمِنْهُم الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه أخي اوران
كَانَ ﵀ صَاحب دعوات مستجابة وأنفاس مستطابة وَظَهَرت مِنْهُ كرامات سنية قدس الله سره الْعَزِيز
وَمِنْهُم الشَّيْخ المجذوب مُوسَى ابدال
حضر مَعَ السُّلْطَان اورخان فتح بروسا وقبره مَشْهُور هُنَاكَ وَمن كراماته انه اخذ جَمْرَة ولفها فِي قطنه وأرسلها مَعَ وَاحِد من أحبائه الى الشَّيْخ الْمَزْبُور كيكلوبابا وَلما رَآهَا الشَّيْخ ارسل مَعَه قَصْعَة فِيهَا لبن فَلَمَّا أَتَى بِهِ الى الشَّيْخ مُوسَى تعجب من ذَلِك وَقَالَ الرجل الْمَذْكُور اللَّبن كثير فَأَي فَائِدَة فِي ارساله فَقَالَ الشَّيْخ مُوسَى انه غلب عَليّ لانه لبن الغزال وتسخير الْحَيَوَان اصعب من تسخير النَّبَات
وَمِنْهُم الشَّيْخ المجذوب ابدال مُرَاد
حضر مَعَ السُّلْطَان اورخان فتح بروسا وقبره مَشْهُور هُنَاكَ فِي مَوضِع عَال
وَمِنْهُم الشَّيْخ المجذوب الْمَشْهُور بَدو غلوبابا
حضر مَعَ السُّلْطَان اورخان فتح بروسا وَكَانَ يهيء للغزاة لَبَنًا ممزوجا بِالْمَاءِ ويقسمه عَلَيْهِم وَقت عطشهم ودوغ عبارَة عَن ذَلِك فِي لسانهم وَله مَوضِع مَنْسُوب اليه على جبل قريب من مَدِينَة بروسا عَلَيْهِ الرَّحْمَة والرضوان
الطَّبَقَة الثَّالِثَة
فِي عُلَمَاء دولة السُّلْطَان مُرَاد بن اورخان الْغَازِي الْمَشْهُور عِنْد النَّاس بغازي خداوند كار روح الله روحه وَنور ضريحه بُويِعَ لَهُ بالسلطنة بعد وَفَاة ابيه فِي سنة احدى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَمن الْعلمَاء فِي زَمَانه الْمولى مَحْمُود القَاضِي بِمَدِينَة بروسا ولد رَحمَه
1 / 12
الله بِموضع يُقَال لَهُ سُلْطَان اوكي وَقَرَأَ على عُلَمَاء زَمَانه الْعُلُوم الْعَرَبيَّة والشرعية وَالتَّفْسِير والْحَدِيث وبرع فِي كل مِنْهَا ثمَّ استقضاه السُّلْطَان مُرَاد الْغَازِي بِمَدِينَة بروسا وَكَانَ قَاضِيا بهَا مُدَّة كَبِيرَة وَكَانَ رجلا عَالما صَالحا تقيا متورعا مرضِي السِّيرَة فِي قَضَائِهِ وَلِهَذَا كَانَ النَّاس يحبونه محبَّة شَدِيدَة وَكَانَ شَيخا هرما وَلِهَذَا سموهُ بقوجه افندي رُوِيَ انه لما زوج السُّلْطَان مُرَاد بنت ابْن الامير كرميان لِابْنِهِ السُّلْطَان بايزيد خَان ارسل الْمولى الْمَذْكُور مَعَ جمع كثير من الامراء الْكِرَام والخواقين الْعِظَام وَجعل الْمولى الْمَذْكُور رَئِيسا لهَؤُلَاء الْجَمَاعَة وارسله مَعَهم وَكَانَ للْمولى الْمَذْكُور ولد اسْمه مُحَمَّد وَكَانَ عَالما فَاضلا الا انه مَاتَ فِي سنّ الشَّبَاب وأعقب ولدا اسْمه مُوسَى باشا وَهُوَ حصل فِي بِلَاده بَعْضًا من الْعُلُوم وَلما سمع صيت الْعلم فِي بلادالعجم عزم ان يذهب اليها لتَحْصِيل الْعلم لكنه كتم الْعَزْم عَن اقاربه وفطنت لذَلِك اخته فَوضعت بَين كتبه شَيْئا كثيرا من حليها ليستعين فِي ديار الغربة فارتحل الى بِلَاد الْعَجم وَقَرَأَ على مَشَايِخ خُرَاسَان ثمَّ ارتحل الى مَا وَرَاء النَّهر وَقَرَأَ على علمائها ايضا وَحصل هُنَاكَ علوما كَثِيرَة وَبلغ من مَرَاتِب الْفضل اعلاها واشتهرت فضائله وَبعد صيته وَدَار على الالسنة ذكره ولقبوه بقاضي زَاده رومي واتصل بِخِدْمَة ملك سَمَرْقَنْد وَهُوَ الامير الاعظم الغ بك ابْن شاه بن الامير تيمور وَاقْبَلْ الامير الْمَذْكُور عَلَيْهِ اقبالا عَظِيما وقرا عَلَيْهِ بعض الْعُلُوم وَكَانَ الامير الْمَذْكُور محبا للعلوم الرياضية فَقَرَأَ عَلَيْهِ من الْعُلُوم الرياضية كتبا كَثِيرَة واعتنى هُوَ بالرياضة اشد اعتناء حَتَّى برع فِيهَا وفَاق على أقرانه بل على من تقدمه وَشرح اشكال التأسيس فِي الهندسة فِي سنة خمس عشرَة وَثَمَانمِائَة وَشرح كتاب الجغمني فِي الْهَيْئَة فِي سنة ارْبَعْ عشرَة وَثَمَانمِائَة وَاعْتذر فِي خطبَته عَن ترك وَطنه وإقامته بسمرقند وَقَالَ ... وَلَا عيب فيهم غير ان ضيوفهم ... تلام بنسيان الاحبة والوطن ...
قَرَأت الشرحين الْمَذْكُورين على الْمولى الْوَالِد روح الله روحه وقرأهما هُوَ على خَاله الْمولى مُحَمَّد النكساري ﵀ وقرأهما هُوَ على مَوْلَانَا فتح الله الشيرواني وقرأهما هُوَ على الْمولى الشَّارِح ﵀ يروي انه قَرَأَ على السَّيِّد
1 / 13
الشريف وَلم تحصل الْمُوَافقَة بَينهمَا فَترك درسه وَقَالَ السَّيِّد الشريف فِي حَقه غلب على طبعه الرياضيات وَقَالَ هُوَ فِي حق السَّيِّد الشريف هولا يقدر على الافادة لي فِي الْعُلُوم الرياضية ثمَّ إِنَّه طالع شرح المواقف للسيدالشريف ورد كثيرا من موَاضعه لكنه لم يكْتب بل أَشَارَ فِي حَاشِيَة الْكتاب الى تِلْكَ الْمَوَاضِع بِحَلقَة رسمها بالقلم وَالْعُلَمَاء فِي بِلَاد الْعَجم يمْتَحنُونَ الطلاب بِالْوُقُوفِ على مَا قَصده من الرَّد ويحكى انه كَانَ فِي بَلْدَة سَمَرْقَنْد مدرسة مربعة لَهَا حجرات كَثِيرَة وَوَضَعُوا فِي كل ضلع مِنْهَا مَوضِع درس وعينوا لكل مَوضِع مِنْهَا مدرسا رئيسيهم الْمولى الْمَذْكُور وَكَانَ من عَادَتهم ان المدرسين مَعَ طلبتهم يَجْتَمعُونَ عِنْد الْمولى الْمَذْكُور فيقرؤن عَلَيْهِ الدَّرْس ثمَّ يذهب الْمولى الْمَذْكُور الى منزله فيدرس كل مدرس فِي مَوضِع عين لَهُ وَكَانَ يحضر الامير الغ بك فِي بعض الاحيان درس الْمولى الْمَذْكُور وَاتفقَ ان عزل الامير الْمَذْكُور وَاحِدًا من هَؤُلَاءِ المدرسين فَترك الْمولى الْمَذْكُور اياما فَظن الغ بك انه وَقعت لَهُ عارضة مزاجية فَذهب الى بَيته لعيادته فَإِذا هُوَ صَحِيح فَسَأَلَهُ عَن سَبَب تَركه الدَّرْس مُنْذُ أَيَّام فَقَالَ اني خدمت بَعْضًا من مَشَايِخ الصُّوفِيَّة فأوصاني ان لَا اتولى المناصب الدُّنْيَوِيَّة الا منصبا لَا يعْزل صَاحبه عَنهُ عَادَة فَكنت ظَنَنْت الان ان التدريس كَذَلِك فَلَمَّا علمت انه يعْزل صَاحبه عَنهُ تركته فَاعْتَذر الامير الغ بك عَن فعله وتضرع اليه فِي قبُول التدريس وَأعَاد الْمدرس الَّذِي عَزله الى مقَامه وَحلف ان لَا يعْزل بعد ذَلِك مدرسا اصلا فَقبل الْمولى الْمَذْكُور التدريس ثمَّ ان الامير الغ بك قصد رصد الْكَوَاكِب لما رأى من الخللل فِي ارصاد الْمُتَقَدِّمين فرتب مَكَان الرصد بسمرقند فتولاه اولا غياث الدّين جمشيد فَلم يلبث الا قَلِيلا حَتَّى مَاتَ ثمَّ تولاه قَاضِي زَاده الرُّومِي فتوفاه الله تَعَالَى قبل اتمامه وأكمله الْمولى عَليّ بن مُحَمَّد القوسجي وستجيء تَرْجَمته تغمدهم الله تَعَالَى بغفرانه
وَمِنْهُم الْمولى الاعظم الشَّيْخ جمال الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد الاقسرائي قدس الله سره الْعَزِيز
كَانَ عَالما فَاضلا كَامِلا تقيا نقيا عَارِفًا بالعلوم الْعَرَبيَّة والشرعية والعقلية وَقد
1 / 14