Al-Ru'ya 'Ind Ahl al-Sunnah wa al-Jama'ah wa al-Mukhalifeen

الرؤى عند أهل السنة والجماعة والمخالفين

Editorial

دار كنوز اشبيليا

بسم الله الرحمن الرحيم
أصل هذا الكتاب
رسالة علمية تقدم بها المؤلف إلى كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، لنيل درجة الماجستير في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة.
إهداء
وفاء بالجميل أهدي هذا الكتاب إلى زوجتي الدكتورة مشاعل بنت راشد بن محمد الدباس، أستاذة الحديث وعلومه بجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن، تقديرًا لوقوفها معي أثناء إعداد هذه الرسالة، وتحملها أعباء تربية أبنائي فجزاها الله أحسن الجزاء وأوفاه.
* * *

1 / 4

المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
أما بعد (١):
فإن الله ﷿ اختار لهذه الأمة الإسلام دينًا ومحمدًا ﷺ نبيًا ورسولًا وجعلها خير أمة أخرجت للناس، وميزها بخصائص وسمات تسمو بها على غيرها من الأمم الضالة المنحرفة قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً

(١) هذه خطبة الحاجة التي كان رسول الله ﷺ يعلمها أصحابه، وقد رويت عن ستة من الصحابة وهم: عبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، ونبيط بن شريط، وعائشة ﵂ وقد جمع هذه الأحاديث وخرجها الشيخ الألباني في كتابه خطبة الحاجة طبعة المكتبة الإسلامية.

1 / 5

وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وشاء الله ﷿ أن أخرج هذه الأمة من الظلمات إلى النور؛ وذلك بأن بعث فيها نبيًا منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، فكانت بعثه ﷺ نعمة كبرى، ومنة عظمى من الله ﷿، حيث فتح الله به قلوبًا غلفًا، وآذانًا صمًا، ولم يلحق ﷺ بالرفيق الأعلى إلا بعد أن ترك أصحابه مجتمعين على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
وقد أشهد ربه على هذا البلاغ المبين، كما ثبت عنه ﷺ في صحيح مسلم من حديث ابن عباس ﵄ قال: كشف رسول الله ﷺ الستر ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه فقال: «اللهم هل بلغت ثلاث مرات، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا يراها العبد الصالح أو ترى له» (١).
وأشهد أصحابه في يوم عظيم، ومكان عظيم، على تبليغه الرسالة وأدائه الأمانة، فقال ﵊، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر ﵁: «تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فماذا أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس (اللهم اشهد) ثلاث مرات (٢).

(١) صحيح مسلم كتاب الصلاة (٤١) باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، (٤٧٩) (١/ ٣٤٨) تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الحج (١٩) باب حجة النبي ﷺ الحديث رقم (١٢١٨)، (٢/ ٨٩٠).

1 / 6

ومما نزل عليه ﵊ في حجة الوداع قوله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
قال ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة، حيث أكمل لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الجن والإنس، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف" (١).
فيجب على كل مسلم أن يؤمن بأن الله أكمل لهذه الأمة دينها، وأن رسوله ﷺ قد أقام الحجة وأوضح المحجة، وبلغ عن ربه ما أمره بتبليغه.
ولقد كان من أعظم ما بينه رسول الله ﷺ مصادر المعرفة والتلقي وما يصح اعتباره منها وما لا يصح.
وكان مما أخبر به أنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له، وبين حقيقتها أتم البيان.
فجاء عنه ﷺ أحاديث كثيرة في الرؤى، بعضها في تعظيم شأن الرؤيا الصالحة، وأنها من مبشرات النبوة، وجزء من أجزاء النبوة، وبعضها في رؤيا الأنبياء وأنها وحي، وهي أول مبدأ الوحي للأنبياء، وبعضها في رؤيته ﵊ لربه في المنام، وبعضها في أنواع الرؤى التي من الله، والتي من أحاديث النفس ومن الشيطان، وبعضها في رؤيته ﵊ في

(١) تفسير القرآن العظيم (٢/ ١٢) دار المعرفة بيروت (١٤٠٥) هـ.

1 / 7

المنام، وأنها حق، وأن الشيطان لا يتمثل به في المنام، وبعضها في ذكر الرؤى الظاهرة التي لا تحتاج إلى تأويل، وبعضها في الرؤى التي تحتاج إلى تأويل، وبعضها في الآداب التي يتأدب بها المسلم إذا رأى ما يحب، وإذا رأى ما يكره، وحكم الكذب في الرؤيا، وهل الرؤيا إذا عبرت وقعت؟ والآداب المتعلقة بالمعبر وغيرها من الآداب والأحكام المتعلقة بالرؤى.
وهذه الأحاديث التي تمتلئ بها المصنفات الحديثية، والتي بعضها يصل إلى درجة التواتر لا بد لها من الدراسة العلمية الجادة.
أهمية هذا الموضوع
تتضح أهمية هذا الموضوع من جوانب متعددة منها:
(أ) اهتمام القرآن الكريم بالرؤيا الصالحة، وخاصة رؤى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما في سورة الأنفال الآيتان (٤٣، ٤٤) وسورة يونس آية (٦٤) وسورة يوسف، وسورة الصافات (١٠٢) وسورة الفتح (٢٧) وغيرها من الآيات المتعلقة بالرؤى (١).
ولا شك أن هذه الآيات في كتاب الله ﷿ بحاجة إلى تفسير وتدبر، وبيان لأحكامها وفوائدها.
(ب) اهتمام السنة النبوية بالرؤى، فلا تجد كتابًا من كتب الحديث إلا ويفرد مؤلفه بابًا أو كتابًا للرؤى والتعبير، وانظر في الصحيحين، والسنن، والمسانيد، والجوامع، والمصنفات، والمستخرجات، والمستدركات وغيرها، وهذه الأحاديث بحاجة إلى دراسة علمية.

(١) سوف يأتي إن شاء الله ذكر هذه الآيات وبيان وجه الدلالة فيها أثناء البحث في مواضعها.

1 / 8

(ج) مكانة الرؤيا الصالحة في الإسلام، من حيث كونها من مبشرات النبوة وجزءًا من أجزائها، وكون رؤيا الأنبياء وحي، وهي مبدأ الوحي.
(د) حاجة جميع طبقات الناس إلى معرفة حقيقة الرؤى، وارتباطها بحياتهم اليومية فكثيرًا ما يتحدثون عنها، ويسألون عنها أهل الذكر.
ولهذا تجد للناس في الرؤى ثلاثة مواقف:
الموقف الأول: موقف أهل الحق، أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وسلف هذه الأمة الصالح، الذين هدوا إلى الصراط المستقيم، ملتزمين بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ غير مائلين إلى غلو الغالين، ولا إلى تقصير المقصرين.
الموقف الثاني: أصحاب الغلو والإفراط من الصوفية، ومن شاكلهم الذين غلوا في الرؤيا فجعلوها مصدرًا للتشريع لا يتطرق إليه شك ولا غلط عندهم، بل يجعلونها مصدرًا يقينيًا يبنون عليها كثيرًا من عقائدهم ويستندون إليها في ترويج ضلالتهم، ومعرفة الحلال والحرام عندهم.
الموقف الثالث: أصحاب التقصير والتفريط من الماديين الذين ينكرون كل ما هو غيبي، فأنكروا الرؤيا الصالحة إنكارًا كليًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «دين الله وسط بين الغالي فيه، والجافي عنه، والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر، إما إفراط فيه، وإما تفريط فيه» (١).

(١) الوصية الكبرى (٦٥) بتعليق: محمد عبد الله النمر وعثمان جمعة ضميرية،، دار الفاروق، الطبعة الثانية (١٤١٠هـ).

1 / 9

فكما أن الجافي في الأمر مضيع له فكذلك الغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد وهذا بتجاوزه الحد.
قال ابن القيم ﵀: «وقد جعل الله هذه الأمة هي الأمة الوسط في جميع أبواب الدين، فإذا انحرف غيرها من الأمم إلى أحد الطرفين كانت هي في الوسط».
إلى أن قال ﵀: «وكذلك لا تجد أهل الحق دائمًا إلا وسطًا بين طرفي الباطل وأهل السنة وسط في النحل كما أن المسلمين وسط في الملل» (١). وكذلك هم وسط في هذا الباب.
فإذا كان أكثر الناس بين الإفراط والتفريط، فإن بيان المنهج القويم الذي دل عليه الكتاب والسنة من واجبات طلاب العلم الشرعي، حتى لا تضيع الحقائق بين الغلاة في النفي، والغلاة في الإثبات كأكثر الأمور يفرط فيها أناس، ويفرط فيها آخرون.
ولهذا اتجهت الرغبة إلى الكتابة في هذا الموضوع، وما يتعلق به، أو يتفرع عنه وذلك للأسباب التالية:
أسباب الاختيار:
أولا: أهمية الموضوع كما سبق تفصيله.
ثانيًا: أن الناس تعصف بهم لوثات المادية تارة، وخرافات الصوفية تارات أخر، فكثير من المغرضين يستغلون اهتمام الناس بالرؤى فينشرون أحيانًا الرؤى الباطلة، وليست ما يسمى برؤيا الشيخ أحمد خادم المسجد النبوي عن الأذهان ببعيد، والتي تولى الرد عليها سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀.

(١) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٤٢) مكتبة الرياض الحديثة، الرياض.

1 / 10

ثالثًا: تهاون كثير من الناس بشأن الرؤيا الصالحة، وجهل بعضهم بالآداب التي يتأدب بها المسلم عندما يرى ما يحب أو يرى ما يكره، والآداب المتعلقة بتأويلها ونحو ذلك من الآداب والأحكام.
رابعًا: أنني لم أجد من طرق هذا الموضوع في بحث علمي مستقل، بل هو مشتت المباحث في كتب التفسير والحديث والتوحيد.
خامسًا: لا تزال جوانب من هذا الموضوع غامضة لأكثر الناس، مثل رؤية الله في المنام، وهل يوصف بهذه الرؤيا؟ ورؤية النبي ﷺ في المنام إذا أمره بحكم وهل الرؤيا إذا عبرت وقعت؟ وغيرها من المسائل التي تحتاج إلى بيان الحق فيها.
وتظهر صلة هذا الموضوع بالعقيدة والمذاهب المعاصرة من وجوه:
١ - علاقة الرؤى بالنبوة والوحي، فالرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة وهي من مبشرات النبوة، ورؤيا الأنبياء وحي، وهي مبدأ الوحي للأنبياء وهذه المسائل من مباحث العقيدة.
٢ - ارتباط الرؤى بالروح، وذلك من مباحث العقيدة.
٣ - انحراف بعض الفرق الضالة فيها، مثل الفلاسفة والصوفية، وبعض النظريات المادية لعلماء النفس.
خطة البحث:
قسمت البحث إلى مقدمة وتمهيد وثلاثة أبواب وخاتمة وفهارس.
أما المقدمة: فذكرت فيها:
١ - خطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يستفتح بها، فاستفتحت بها تأسيًا به ﷺ.
٢ - أهمية الموضوع.

1 / 11

٣ - أسباب اختياره.
٤ - خطة البحث
٥ - منهج البحث.
٦ - أهم المراجع والمصادر التي رجعت إليها في هذا البحث.
٧ - بعض الصعوبات التي واجهتني في هذا البحث.
٨ - الشكر والتقدير لكل من أعان وساعد على إنجاز هذا البحث.
وأما التمهيد: فذكرت فيه أهمية الرؤى في حياة الناس، من جهة بيان مكانتها في الإسلام، وكيف اهتم القرآن الكريم، والسنة النبوية بها، مع عرض موجز لجهود علماء الحديث في تخريج أحاديث الرؤى، وتصنيفها.
ثم بينت موقف المسلم الحق من الرؤى كما كان رسول الله ﷺ وأصحابه وسلف هذه الأمة يقفون من الرؤى.
ثم ذكرت جوانب التفريط والإفراط التي حدثت في موضوع الرؤى وأمثلة لتفريط النفاة، وإفراط الغلاة.
أما الأبواب فقسمتها كما يلي:
الباب الأول: في حقيقة الرؤى وأقسامها وعلاماتها وعلاقتها بالنبوة
وهذا الباب يقع في ثلاثة فصول.
الفصل الأول: في حقيقة الرؤى
ويشمل أربعة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الرؤى لغة واصطلاحًا.
المبحث الثاني: في الفرق بين الرؤيا والحلم، والفرق بين الرؤيا والرؤية.

1 / 12

المبحث الثالث: في دلالات الرؤى.
وأعني بذلك الأمور التي تدل عليها الرؤى من الخير والشر، فذكرت في هذا المبحث تعريف الدلالات، وأربع دلالات للرؤيا مع ذكر الأدلة عليها.
المبحث الرابع: في بيان تعلق الرؤى بالروح.
ويشمل هذا المبحث ثلاث مسائل.
المسألة الأولى: في تعريف الروح وصفاتها وخصائصها.
المسالة الثانية: هل روح النائم تفارق جسده في النوم؟
المسألة الثالثة: هل تتلاقى أرواح الأحياء والأموات؟ وفي هذه المسألة مطلبان:
المطلب الأول: تلاقي أرواح الأحياء مع أرواح الأموات.
المطلب الثاني: تلاقي أرواح الأحياء في المنام.
الفصل الثاني: في أقسام الرؤى وعلاماتها.
ويشمل هذا الفصل ثلاثة مباحث.
المبحث الأول: في أقسام الرؤى عمومًا، وعلامة كل قسم.
المبحث الثاني: في علامات الرؤيا الصالحة وأقسامها.
ويشمل هذا المبحث ست مسائل.
المسألة الأولى: في صفات الرؤيا الصالحة.
المسألة الثانية: في أقسام الرؤيا الصالحة.
المسألة الثالثة: في علامات الرؤيا الصالحة.
المسألة الرابعة: في رؤيا المؤمن عند اقتراب الزمان، وأي زمان هو؟ وأسباب اختصاصه بصدق رؤيا المؤمن فيه.

1 / 13