الباب الثالث
أثر القاعدة الكلية في أصول الفقه
تمهيد، ما تكلمت عنه في البابين الأول، والثاني هو ما يتصل بكلام المكلف وتنزيهه عن العبث واللغو، كما يتصل بتنزيه كلام الله سبحانه وتعالى عما يؤدي إلى إهماله وإلغائه، ورد شبه الطاعنين على القرآن بذلك. وهذان البابان يدخلان تحت الشطر الأول من عنوان هذه الرسالة وهو ((القاعدة الكلية: إعمال الكلام أولى من إهماله)).
وبقي علينا الكلام على الشطر الثاني، وهو ((أثرها في علم الأصول)) وفي هذا الباب سأحاول بتوفيق الله تعالى إبراز القاعدة الكلية في بعض المسائل الأصولية التي تتصل بكلام المكلف، وكلام الله سبحانه وتعالى، وسأسير في كلامي على هذه المسائل على نمط يبرز أثر القاعدة ويبين أن الكلام الصادر من المكلف، أو من الله تعالى إذا لم يعمل فإنه سيتعرض إلى الإهمال والإلغاء، وبذلك لا تترتب عليه الفائدة المرجوة، ولا يتحقق مناطه، من فهمه والعمل بمقتضاه، وسأخص في كلامي، إعمال الأدلة الشرعية، للقاعدة التي تنص على أن إعمال الدليلين ولو من وجه دون وجه أولى من إهمالهما أو إهمال أحدهما بالكلية(١).
وسأبين صلة هذه القاعدة، بالقاعدة الأم، أثناء كلامي على هذه المسائل إن شاء الله تعالى، وسأتناول في هذا الباب المسائل الآتية على هذا الترتيب، جاعلاً كل مسألة من هذه المسائل في فصل مستقل، على النمط الآتي:
(١) هذه قاعدة جليلة داخلة في موضوع القاعدة الكلية لكنها أخص منها حيث إنها خاصة بأعمال الأدلة الشرعية، وهذه القاعدة هي أقرب إلى الأصول منها إلى الفروع وقد ذكرها كثير من الأصوليين ونقلوا الإجماع عليها ما سأبينه في محله من هذه الرسالة إن شاء الله.