المستشرقون

المستشرقون

Editorial

دار المعارف القاهرة

Edición

الثالثة

Año de publicación

١٩٦٤ م

Ubicación del editor

مصر

نجيب العقيقي
المستشرقون
موسوعة في تراث العرب، مع تراجم الستشرقين
ودراساتهم عنه، منذ ألف عام حتى اليوم
- (الجزء الأول) -
طبعة ثالثة مزيدة ومنقحة
دار المعارف القاهرة مصر
١٩٦٤

1 / 1

للمؤلف بدار المعارف
من الأدب المقارن:
دراسة لخصائص الأدب، ومقارنة بين أغراض من الشعر العربي والغربي.
برج بابل:
قصة اللبنانيين في مصر - ملتقى العناصر والمذهب واللغات.
أرض الله:
مأساة الفلاحين في مصر منذ أجيال حتى أسدلت الثورة الستار عليها.
وبغيرها
تجفيف المستنقعات:
قصة وجدانية تحليلية (نفدت)

1 / 2

توطئة
الحضارة هي أنفس وأنبل وأخلد ما للأمة من تراث في جماع علومها وآدابها وفنونها، ولئن كان من صنع الطبقة الممتازة فيها فهو للإنسانية جمعاء لا فرق بين عرق ولغة وعقيدة، أو حاجز من زمان ومكان، مادامت تشارك فيه على أقدارها متأثرة ومبدعة ومؤثرة، وتتوارث أفضله وتبنى عليه في سبيل تطويرها وتفاهمها وتكاملها.
وقد كان للعرب والمستعربة والذين دخلوا في الإسلام تراث ومشاركة وإبداع منذ أقدم العصور، ولكنه لم يصبح عميقًا شاملًا متبلورًا إلا بالإسلام؛ فالإسلام مد فتوحه من مكة إلى الشرق والغرب، مستقرًا في بعض بلدانها، مارًا أو مجاورًا بعضها الآخر. وقد دخل فيه كثيرون، واتسع سماحه- ولاسيما في عهد حكامه من العرب - لغيرهم من أصحاب العقائد. وكان لهؤلاء علوم وآداب وفنون فأدخلوها فيه، وجمعوا بين علومه وبينها، واتخذوا العربية لغة الكتاب لأدائها، فحلت محل الفارسية والسريانية والقبطية واليونانية واللاتينية من فارس إلى جبال البرانس، وتجاوزتها إلى غيرها من لغات أوربا، وحملت الدول الإسلامية على استبدال حروفها بحروفها، حتى استوعبت تراث الإسلام استيعابًا لم يتهيأ لمعظم اللغات الشرقية التي دان أهلها بالإسلام كالفارسية والتركية والأوردية، أو لأخواتها من اللغات السامية كالعبرية والسريانية والكلدانية. فكونت، في العصر الوسيط، حلقة بين تراث اليونانية القديمة وبين اللاتينية الحديث أرست عليه أوربا نهضتها وأبدعت من تراثًا، حتى إذا تهيأت لنا استعادته بنينًا عليه نهضتنا.
وظهر على طرفي النهضتين المستشرقون؛ فتناولوا تراثنا بالكشف والجمع والصون والتقويم والفهرسة، ولم يقفوا منه عندها فيموت بين جدران المكتبات والمتاحف والجمعيات، وإنما عمدوا إلى دراسة وتحقيقه ونشره وترجمته والتصنيف فيه: في منشئه وتأثره وتطوره وأثره وموازنته بغيره، واقفين عليه مواهبهم ومناهجهم وميزاتهم، مصطنعين لنشره المعاهد والمطابع والمجلات ودوائر المعارف والمؤتمرات، حتى بلغوا فيه، منذ مئات السنين، وفي شتى البلدان، وبسائر اللغات، مبلغًا عظيمًا

1 / 7

من العمق والشمول والطرافة وأصبح جزءًا لا ينفصل عن تراثنا، ولا تؤرخ الحضارة الإنسانية إلا به- وقد عرف الغرب منه أصالتنا فيها - كما لا تصلنا بالعصر الحديث علومًا وآدابًا وفنونًا، صلة أشد من لغات الغرب.
فإن نحن طوينا هذا الجهد تنكرنا للأمانة العلمية في البحث عن الحقيقة الموضوعية - مع أن نشره لا يتضمن الموافقة عليه والرضى عنه جميعه - فكأننا نأبى أن يكون تراثنا جزءًا لا يتجزأ من الحضارة الإنسانية التي هي ملك لنا كما هي ملك لهم. وإن طي نشاطهم يبعث على الريبة وسوء الظن والقطيعة، في حين أن الحضارة الإنسانية لا تقوم لها قائمة إلا على التعاون في نشر ذخائر كل أمة في العلوم والفنون والآداب، على تنوعها وأوجه الشبه والاختلاف فيها تعاونًا يقصر المسافات النفسية بينها تقصير المخترعات للمسافات الجغرافية، لخلق تضامن وجداني فكري خلقي، في ائتلاف صادق شامل مستمر.
وإذا كنا لا نفرق بين أن ينجلى لنا تراثنا ويحتل مكانته من الحضارة الإنسانية على أيدي العرب أو بالتعاون مع المستشرقين، فقد اعترفنا لهؤلاء بفضلهم، ونشرناه في الناس، وهو بعض حقهم علينا.
إلا أن تحقيق تراجم المستشرقين: منذ مئات السنين، في شتى البلدان، وبسائر اللغات، وذكر مكان وتاريخ آثارهم: المحققة والمترجمة والمصنفة، وإحصاء وسائل نشرها: في المعاهد والمكتبات والمتاحف والمطابع والمجلات والمجموعات والمؤتمرات، ليس بالأمر اليسير الهين. إذ شغل المستشرقون بنا عن أنفسهم أكثر مما زعمه ديجا القائل: «والمستشرقون قعدوا عن تصنيف تاريخ الاستشراق لشدة تنافسهم فيما بينهم وترصد بعضهم البعض الآخر» (١) وتركوا مصادر الاستشراق موزعة على المجلات والحوليات وفهارس المكتبات والمنوعات - عند وفاة أحدهم أو سرد مصنفاتهم أو تكريم أعلامهم - مبعثرة بين كتب التراجم الخاصة بالشرق ودوائر المعارف العامة وهي غير مستكملة لا تذكر سوى أعلام من الأموات في بضعة أسطر، وبين كراسات الوفيات لنفر من المشهورين. ولقد ضم أعلامهم في كتب مستقلة، ولكنها على نفاستها لم تتناول الاستشراق إلا من زاوية: فبعضها صنف في

(١) Dugat، L'Histoire des Orientalistes، p. ١١

1 / 8

الأغراض فسقط دي ساسي بين ثلاثة وعشرين رقمًا في صفحات متفرقة وهوامش متعددة؛ وغيرها على بلد المضيف أو القومية، فنسب كازانوفا الفرنسي إلى إيطاليا على الرغم منه؛ ومعظمها اقتصر على بضعة من الآثار مغفلًا مكان نشرها، فذكر لكراوس ثلاثة وله عشرات.
ولما رأيت حظ المستشرقين من العربية أقل من نصيبهم فيها، سلخت في إعداد الطبعة الأولى عنهم سنتين ولما تف بما أحببته لها. وبذلت قصارى جهدي في الثانية فصلح بعض أمرها. ثم شجعنى نفادها على ثالثة خصصتها بخمس ساعات في اليوم طوال ست سنوات، منقبًا عن التراث الشرق من فجر الحضارة إلى اليوم، مما أطال المقدمة، محصيًا نشاط المستشرقين فيه حتى في مقالاتهم، ولمعظمها قيمة دراسية في ذاتها، محاولا توسيع آفاقه التي خفي بعضها عنا. وقد طبعت من الطبعة الثالثة خمسين نسخة أرسلتها إلى الملحقين الثقافيين، والأصدقاء من أعلام المستشرقين لتحقيق ما فاتني تحقيقه في مظانه -وقد نوهت به في تراجمهم- وأعدته واستعدته مرات، استيفاء لتراجم المستشرقين وعناوين آثارهم وأماكن طبعها وتواريخها إلا القليل منها الذي لا سبيل إليه.
وهكذا صدرت الطبعة الثالثة وقد أوفت على كثير مما تمنيته لها، وأصاب عملي المتواضع فيها أهدافًا أربعة هي: اتصال تراثنا بالحضارة الإنسانية اتصالًا وثيقًا منشأ وتأثرًا وأثرًا، والكشف عن كنوزه في الغرب مجموعة مصونة مفهرسة، وتحقيق المستشرقين لها وترجمتها ومقارنتها بنظائرها والتصنيف فيها، ووضعه بالعربية لأسهل عليهم الرجوع إليه، فلو أنه كتب بالفرنسية مثلًا لوجد مستشرق سكسوني أو سلافي لا يفهمها -ولن يفتقد فيه ما لا يعرفه- أما وهو مستشرق -وجل المستشرقين مستعربون- فسيقف عليه ويقرأ فيه تقديرنا لجهده واعترافنا بفضله.

1 / 9

الفصل الأول
مهد الحضارة
بزغ فجر الحضارة الإنسانية من الشرق الأدني، منذ أربعة آلاف وخمسمائة سنة قبل الميلاد، واستقر ضحاها فيه طوال ثلاثة آلاف عام.
١ - سومر:
لقد حل هنكز الخط المسماري (١٨٥٠) وتوسع فيه أو برت ولورنسن، فجلا الأثريون حضارة سومر في جغرافيتها وسلالاتها وتاريخها جلاء دل على فضلها في وضع أسس النظم التجارية والمصرفية والموازين والمكاييل القانونية، واعتماد العقود المكتوبة والأختام الشخصية في المعاملة. وأثبت أنها كانت، في تاريخ العالم، أول من عرف المركبات ذات العجلات، وقوم السنة باثني عشر شهرًا فورث تقويمها عنها اليهود والفرس والمسلمون، وسن قانونًا مدنيًا مكتوبًا، وجمع المعارف في مكتبات ضمت إحداها مجموعة من ثلاثين ألف لوح.
وتأثر الأكديون بالحضارة السومرية وعدلوا فيها وامتازوا بفن النحت عليها ولكنهم لم يأخذوا بها أخذ البابليين الذين أرسوا عليها أسس حكومتهم الرصينة ومنشآتهم المعمارية وتراثهم الفكري وتوسعهم التجاري. وقد فك جر وتجند رموز الكتابة البابلية (١٨٠٢) فكشف عن أثر البابليين في تقدم الطب والرياضة والجغرافيا، وعن إبداعهم علم الفلك، وتدوينهم أقدم القوانين، وهي مجموعة حمورابي - التي عثر عليها بين أنقاض مدينة السوس (١٩٠٢) وبلوغ حضارتهم المادية في عهده درجة لم يبلغها غيرها من مدن آسيا إلا بعد مئات السنين.
وخلفهم الآشوريون فاقتبسوا عنهم وتكون أدبهم في جملته من آثارهم، ما خلا الحوليات الملكية الآشورية، وهي مصادر تاريخية ذات أهمية بالغة، وقد جمع آشور بانيبال مكتبة من اثنتين وعشرين ألف آجرة في الدين والأدب

1 / 11

والسياسة والعلم فكانت أول مكتبة من نوعها. ونحا نحوهم الكلدانيون، في حين كانت تلك الحضارة قد انتقلت إلى مارديس وميليطيس، وأوفت على الغاية في كريت (١٦٠٠ - ١٤٠٠ ق. م.) فأضحت الحضارة الإيجية أم الثقافة اليونانية والهليستينية المشتقة منها، وعنها أخذت رومة والعرب فأوربا.
٢ - مصر:
ولئن أحال الزمان معظم الحضارات الشرقية إلى أنقاض، فقد خلدت عليه حضارة مصر المسجل أروعها على آثارها في: الأهرام، وأبي الهول، والأقصر، والكرنك، وغيرها من قبل التاريخ، والدولة القديمة (٢٧٠٠ - ٢٢٠٠ ق. م) والدولة الوسطى (٢١٠٠ - ١٧٨٨) والهكسوس (١٦٨٠ - ١٥٨٠) الذين أسسوا الأسرتين الخامسة عشرة والسادسة عشرة، والإمبراطورية أو الدولة الحديثة (١٥٨٠ - ١٠٩٠) والليبيين (٩٤٥ - ٧٤٥) والنوبيين (٧١٢ - ٦١١) والآشوريين (٦٧١ - ٦٦١).
فهل اقتصرت مصر على حضارة مادية في انتقال الفلاح من الفأس إلى المحراث، واكتشاف مناجم النحاس، وتشييد أول بناء بأدوات من الحجر (قبر الملك زوسر في القرن ٢٦ ق. م) وتنظيم الحكومة والبريد والتعداد؟ أو في مخر سفنها البحر الأحمر من شماله إلى جنوبه، وإقامة إمبراطورية جمعت بين بلدان شاسعة من أفريقيا وآسيا؟ إن فضل مصر على الحضارة الإنسانية أعم وأجزل وأنبل: فهي أول من وضع التقويم الشمسي (٢٧٨١ ق. م) وبرديات عن الجراحة والطب الظاهري، وقواعد الحساب على الأساس العشري، ومبادئ الجبر وهندسة المسطحات والمجسمات مما لم تعرفه أوربا إلا بعد ثلاثة آلاف عام. وأول من اكتشف القلم والحبر، والورق الذي ما زال يعرف باسمه المصري بابيروس على تحريف بسيط في اللغات الأوربية، وأبدع الأبجدية، فاشتق الفينيقيون أبجديتهم منها وعدلوا فيها ونشروها في طوافهم بالعالم فأخذها الآراميون إلى العرب والفرس والهنود، ونقلها اليونان إلى الرومان فأوربا، حتى أمست أسًا لكل الحروف التي تكتب بها آسيا وأوربا وأفريقيا وأمريكا. أما الفكرة الدينية فقد سبقت مصر سائر الأم إلى التوحيد،

1 / 12

وسن دستور للضمير الإنساني فردًا وجماعة، وجعل الثواب والعقاب بعد الموت، فارتفع الإنسان إلى مثل خلقية هي أنبل ما وصل إليه في حياته. وجاءت تعاليم بتاح حوتب في الحكمة (٢٨٠٠ ق. م) قبل كنفوشيوس وبوذا وسقراط بألفين وثلاثمائة عام، وأسفار سنوحي، وقصة البحار الغريق (الأسرة الثانية عشرة) أعرق القصص التاريخي، ومسرحية أوزيريس التي تمثل حياته وموته في مصر وبعثه في جبيل مثالًا فذا لجميع الآلهة في غرب آسيا، وأقدم ما عرف عن التمثيل الديني.
وقد اهتدى علماء حملة نابليون على مصر (١٧٩٨) إلى هياكل الأقصر والكرنك، وصنفوا كتابًا في وصف مصر (١٨٠٩ - ١٨١٣) ثم قرأ شمبوليون حجر رشيد (١٨٢٢) فحل رموز الكتابة الهيروغليفية وألف أجرومية ومعجمًا لها (١٨٣٢) فوضع بها أساس علم الآثار المصرية، ومهد السبيل للعلماء إلى التنقيب عن عالم عظيم مفقود، ولما وقف بمعبد الكرنك - وارتفاع عمد بهوه في الجزء الأوسط منه ٦٩ قدمًا يتسع تاج كل منها لمائة واقف فوقه بهرته الحضارة المصرية فكتب: وفي الكرنك تبدت لي عظمة الفراعنة. وما من شعب قديم أو حديث خلا قدماء المصريين، قد أخرج كل ما تصوره الناس في العمارة بمثل هذا السمو والروعة والضخامة.
ولما طرد الآشوريون من مصر شجع ملكها بسماتيك (٦٦٣ - ٦٠٩) الفينيقيين - وتعود صلتهم بمصر إلى غزوهم وضرب الجزية عليهم وتزعمهم حركة الخروج عليها أيام أخناتون، واستمرار نزوحهم إليها وتفرقهم بين أرجائها ولاسيما في منف - واليونان على استيطان مصر للإفادة من نشاطهم وخبرتهم العظيمة وكان وجودهم فيها سببًا في رواج تجارتها وتوثيق عراها بدول البحر الأبيض المتوسط (١) ثم استعان الفرس بأسطول فينيقيا على فتح مصر والحبشة (٥٢٥) وثارت عليهم (٤٨٥) فأعادوا فتحها (٤٨٤) وانضمت إليهم مع فينيقيا في حملهم على اليونان (٤٨٠) وشيد مهندسوهما جسرًا فوق الدردنيل من ٦٧٤ سفينة عد بين روائع القدماء الهندسية.

(١) محمد عبد الرحيم مصطفى وعبد العزيز مبارك، تاريخ مصر القديم، ص ١٨٣.

1 / 13

وما انفكت مصر موردًا يقصدها علماء فينيقيا واليونان ينهلون منها ويرسون في بلدانهم على قواعدها. ومن زارها في القرن السادس قبل الميلاد. فيثاغورس من جزيرة ناموس، الفيلسوف الرياضي، وأبقراط (المولود في جزيرة كوس ٦٤٠) أشهر أطباء العصر القديم. وطاليس (٦٤٠ - ٥٦٤) المولود في جزيرة ميليطيس من أصل فينيقي وتعلم فيها وفي فينيقيا ثم عاد إلى اليونان فأرسى أسس اللوم الرياضية والفلكية والطبيعية والفلسفة الصوفية فيها فخلد مواطنوه اسمه على رأس حكمائهم السبعة. وسولون (٦٤٠ - ٥٥٨) أقدر مصلح ومشرع وأحد حكماء أثينة السبعة. وعندما أنشأ اليونان، في إيليا على شاطئ إيطاليا الجنوبية، مدرستهم الفلسفية الشهيرة (في القرن الخامس قبل الميلاد)، وازدهر المسرح والخطابة والطب في صقلية (٤٨٤) لم تحجب مصر فاستمر العلماء يفدون إليها ويفيدون منها ويصنفون فيها من أمثال: هيرودوت (٤٨٤ - ٤٢٥) وكان شرقي الأصل في أحد أبويه وقد نفى من بلاده فطاف بفينيقيا ومصر حيث أبحر في النيل حتى أسوان، وصنف تاريخًا في وصف حياة مصر والشرق الأدنى واليونان. وديمقريطس الأبدري (٤١٠) الذي غادر إيليا إلى مصر والحبشة وفينيقيا وبابل وفارس والهند، مستزيدًا من العلم، حتى قال عن نفسه: لم يفقني أحد قط ولا المصريون أنفسهم في رمم خطوط بحسب شروط معلومة، كما زار أفلاطون (٤٢٩ - ٣٤٧) تلميذ سقراط وأستاذ أرسطو مصر وأعجب بها. وقضى أودكسوس (٤٠٨) فيها ستة عشر شهرًا يدرس الفلك على كهنة عين شمس، ثم أنشأ مدرسة في أثينة لتعليم العلوم الطبيعية والفلسفة وقد ناقش أستاذه أفلاطون فيها ثم وقف جهده على علم الفلك.
ولما فتح الإسكندر الشرق الأدنى (٣٣٣ - ٣٢٣) أرسل ألواحًا من بابل إلى بلاد اليونان فترجمتها وتضلعت من علمي الفلك وتقويم البلدان، وشجع حكماء اليونان على استيطان الشرق الأدنى لتمكينه من الفتح بالثقافة اليونانية. وبعد وفاته تقاسم قواده إمبراطوريته في مقدونية، وآسيا، ومصر، فأخذوا بالملكية الشرقية نظامًا مطلقًا وطراز بلاط أورثوهما من بعدهم الرومان فأوربا حتى الثورة الفرنسية، وتحول اليونان عن عبادة آلهتهم الإغريقية البسيطة إلى عبادات شرقية زاخرة بالعواطف مثل: كبيلي الأم العظمى في آسيا الصغرى، وميثرا الفارسي، وإيزيس

1 / 14

المصرية، في حين ظلت س ر وجمهرة الشرقيين تعبد آلهتها وتتكلم بلغاتها وتجري على تقاليدها.
وكانت مصر، أصغر أجزاء تركة الإسكندر وأغناها، من نصيب أقدر قواده بطليموس (٣٠٥ - ٢٨٥) فعمل على ترقيتها زراعيًا وصناعيًا وتجاريًا، وبسط سلطانها على شمالي برقة، وعلى فلسطين وفينيقيا وقبرص حينًا، وجعل الإسكندرية عاصمتها، وقد ضمت خليطًا من اليونان والإيطاليين والعرب والفينيقيين والفرس والإحباش، وأنشأ فيها المتحف والمكتبة (٢٩٠) وخلفه ابنه بطليموس الثاني (٢٨٥ - ٢٤٦) فجدد حفر الخليج القديم بين النيل وبين البحر الأحمر وابتنى قصر أنس الوجود في أسوان، وأقام منارة الإسكندرية (٢٧٩) وتزوج أخته على سنة الفراعنة (٢٧٦) وأتم المكتبة وأضاف إليها مكتبة أصغر منها، في معبد سرابيس، أربى عدد ملفاتها على ٥٣٢ ألفًا، واستقدم إلى الإسكندرية مشاهير الفلاسفة والعلماء والشعراء، ورجال الفن، وأغدق عليهم فعاشوا فيها وعرفوا بها، وأمر بترجمة التوراة من العبرية إلى اليونانية، وهي الترجمة السبعينية. وحمل مانيثون الكاهن المصري الأكبر (٢٨٠) على تصنيف حوليات مصر، فجمع الفراعنة في أسر مالكة، مازالت التقسيم المتبع حتى اليوم، وأخرج الشاعر هجسياس القوريني من الإسكندرية وقد أدت فصاحته، في تأييد نظرية الموت، إلى انتحار الكثيرين. واستولى بطليموس الثالث (٢٤٦ - ٢٢١) على سوريا وبني معبدًا في أدفو، وأصلح التقويم المصري، وأمر بأن تودع مكتبة الإسكندرية جميع الكتب، ويعطى أصحابها صورًا منسوخة منها، واستعار من أثينة مخطوطات كبار مؤلفيها لقاء ضمان مالي ثم؛ احتفظ بأصولها وعوضها عنها نسخًا منها متنازلًا عن الضمان. وتعاقب البطالمة على مصر، وكان آخرهم كليوبطره (٤٧ - ٣٠) التي استمالت قيصر فأولدها قيصرون، وانتحر انطونيوس في سبيلها (٣١) ولما عجزت عن أوكتافيوس قتلت نفسها لئلا تكون زينة لمهرجانه.
وأضحت الإسكندرية في عهد أمناء مكتبها: زنودوتوس (٢٨٠) وأريستوفانس (٢٥٧ - ١٨٠) وأريستارخوس (١٤٥) وبفضل أساتذة متحفها وإقبال الطلاب

1 / 15