ترحيب
بقلم فضيلة الشيخ: عادل بن محمد أبي تراب حفظه الله
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، وبعد:
فكتاب «المحدث الفاصل» لأبي محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي (ت: ٣٦٠) من أوائل الكتب التي صُنِّفت في نقل مذاهب علماء الحديث واصطلاحاتهم في هذا العلم، وقد نال شهرة عظيمة، وكثر الاعتماد عليه بين أهل العلم وطلبته في معرفة مذاهب أهل الحديث، وقد نال ثناءهم واستحسانهم حتى قال الحافظ الذهبي ﵀: «ما أحسنه من كتاب! قيل: إن السِّلفي كان لا يكاد يفارق كمه - يعني في بعض عمره».
والكتاب جدير بالاهتمام لما يحويه من القواعد والضوابط والمفاهيم التي اعتمد عليها أئمة الحديث في تدوين السنة النبوية المشرفة وضبطها وروايتها، وذلك بالأسانيد الموثقة إلى قائليها، مما مكَّن لأهل العلم من نقل السنة نقلًا أمينًا موثَّقًا، ساعد على أن تجتاز نصوص السنة هذه الحقبة الزمنية الطويلة دون أن تطالها يد التغيير والتحريف.
فلا غرو أن يكون الكتاب محط نظر العلماء وطلبة العلم ومثار اهتماماتهم على مر العصور، فكثرت العناية به قراءة وضبطًا ودرسًا وتدريسًا، فها هو الحافظ البارع أبو الحسن الدارقطني (ت: ٣٨٥) ﵀ على جلالة قدره يحمل الكتاب عن مؤلفه ويرويه عنه، وكذا رواه الحافظ الكبير الخطيب البغدادي بإسناده إلى المصنف.
1 / 5
وحدث الحافظ زكي الدين المنذري بالكتاب بخمس أجايز متوالية، عن ابن الجوزي، عن أبي منصور بن خيرون، عن الجوهري، عن الدارقطني، عن مصنفه؛ لكونه علا فيه بها درجة عما لو حدث به بالسماع المتصل عن أصحاب السِّلفي، عنه، عن المبارك بن عبد الجبار، عن الفالي، عن النهاوندي، عن مصنفه.
وغير ذلك من مظاهر العناية والاهتمام قد أودعها الأستاذ المحقق في مقدمته لتحقيق الكتاب.
ويضاف إلى ذلك أن الكتاب يُعَد وثيقة هامة للتمييز والفصل بين منهج المحدثين من المتقدمين، وبين ما أحدثه المتأخرون من توسُّعات واختزالات في مصطلحات هذا العلم، فهو صمام أمان للقواعد والضوابط التي طبقها السلف وأقاموا عليها هذا العلم.
والكتاب حُقق من قبل، على أربع نسخ خطية، بتحقيق الأستاذ الدكتور محمد عجاج الخطيب - حفظه الله - وصدرت منه عدة طبعات جميعها بتحقيقه، آخرها - في حدود علمي - هي الطبعة الثالثة، وصدرت سنة ١٤٠٤، أي: منذ ثلاثة وثلاثين عامًا، وبرغم ما بذله فضيلته من جهد في ضبط وتحقيق الكتاب؛ فقد تضمن نص الكتاب العديد من مواطن الخلل أبرزها: السقوطات في صلب النص، بالإضافة إلى التحريفات والتصحيفات الناشئة عن الخطأ في قراءة المخطوط، هذا فضلًا عن القصور الواقع في مواطن عديدة في حاشية الكتاب.
ومن هنا تصدى الباحث المدقِّق فضيلة الشيخ محمد محب الدين أبو زيد لإعادة ضبط وتحقيق الكتاب من جديد، مستفيدًا من النهضة العلمية التي
1 / 6
يشهدها الآن علم التحقيق وفهرسة المخطوطات، فأعاد تقويم النص وضبطه على ست مخطوطات في غاية النفاسة والجودة، مكَّنته من استدراك الكثير من السقوطات في صلب النص، وتقويم مواطن التحريف والتصحيف التي شملت العديد من مواطن نص الكتاب، هذا فضلًا عن الكثير من التعليقات الهامة التي تضمنتها حاشية الكتاب، مما جعل هذه الطبعة جديرة بالترحيب؛ حيث إنها تمثل إضافة جديدة في توثيق وخدمة الكتاب.
وقد قدَّم - حفظه الله - لطبعته هذه بمقدمة علمية رائقة شرح فيها ووضَّح المبررات العلمية لإعادة تحقيق الكتاب من جديد، ومنهجه في التعامل مع النص الخطي، وهو منهج رصين يتوافق مع ما قرره أهل علم الضبط والتحقيق.
كما بيَّن فضيلته أهمية الكتاب والهدف من تصنيف المصنف له، وغير ذلك من الفوائد الهامة التي ضمنها مقدمة التحقيق والجديرة بالمطالعة.
فالله يجزيه خيرًا عن هذا الجهد في خدمة أحد الأصول الهامة في علم مصطلح الحديث، وأن يجعله في ميزان حسناته، كما أشكره على جعله إياي موضعًا لثقته في مراجعة بعض فقرات من الكتاب فضلًا عن مقدمة التحقيق، فجزاه الله عني خيرًا، والحمد الله رب العالمين.
كتبه
عادل بن محمد أبو تراب
تحريرًا في: ٤ من ربيع أول سنة ١٤٣٧
الموافق: ١٦ من ديسمبر عام ٢٠١٥
1 / 7
إشادة بالكتاب وبهذه الطبعة
لفضيلة الشيخ: طارق بن عوض الله بن محمد حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فمما لا شك فيه أن أفضل ما أُنفقت فيه الأوقات وبُذل فيه الجهد هو خدمة سنة رسول الله ﷺ، بتمييز ما يصح منها مما لا يصح، وتحرير أصولها وقواعدها، وبيان معانيها، ودفع مشكلها، وتوضيح متشابهها، وتقديمها للأمة غضة طرية، لا تشوبها شائبة ولا تدخلها شبهة.
ولا شك أنه ينبغي ربط الناس بتراث علمائهم الذين حفظ الله بهم الدين، ورفع بهم راية الإسلام؛ فإن العناية بكتب علماء المسلمين وتحقيقها وتصحيحها والتعليق عليها وإخراجها في صورة رائقة وثوب قشيب، ضرورة مُلِحَّة لا تقل أهمية عن الخدمة العلمية للقضايا الكلية والمسائل الجزئية، بل إن ذلك مما يعين المسلمين على الاستفادة من هذا التراث الاستفادة الكاملة، وحسن تفهُّم ما فيه من علم، ثم العمل به على بصيرة.
وهذا الكتاب الذي بين يديك أخي الفاضل كتاب «المحدث الفاصل» للإمام
1 / 9
أبي محمد الرامهرمزي، وهو يُعَد عند أهل العلم أول كتاب صُنف في هذا العلم الشريف علم الحديث والاصطلاح، وقد كانت عناية العلماء بهذا الكتاب عناية فائقة، والاستفادة منه كبيرة، والتعويل عليه عظيمًا، وما زال العلماء ينهلون منه ويستفيدون ويرجعون إليه إلى يومنا هذا، ومع ذلك لم ينل الكتاب حتى يومنا هذا حظه الكامل من التحقيق والتصحيح، والإخراج الجيد، والنسخة الوحيدة المطبوعة منه غير لائقة بالمرة؛ لكونها مليئة بالتصحيفات والتحريفات والأخطاء.
وقد أطلعني أخي الفاضل محمد محب الدين أبو زيد على عمله في تحقيق هذا الكتاب وإخراجه على ست مخطوطات، مع التعليق على المواضع التي تحتاج إلى تعليق، وتخريج الأحاديث والآثار، فوجدته عملًا مفيدًا للباحث في علوم الحديث، قد كان الكتاب في حاجة إليه منذ زمن، ولكن شاء الله ﷿ أن يدَّخر لأخينا محب الدين ذلك الفضل، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فأسأل الله ﷿ أن يجعله في ميزان حسناته وأن يتقبله منه بفضله. كما أنه قد ذيل هذا الكتاب بفهارس علمية تفيد الباحث في الوقوف على ما تناثر من مادة علمية في هذا الكتاب الجليل، فمنها فهرس للقرآن، وفهرس للأحاديث والآثار، وفهرس للأشعار، وفهرس للمسائل والفوائد.
ولا يخفى على مشتغل بالعلم عالم بأصوله ومناهج أئمته أن تحقيق كتب أصول الحديث المتقدمة في غاية الأهمية؛ فإن في ذلك توثيقًا للمادة العلمية وتحقيقًا لأصولها، وهي وإن كانت موزعة في كتب علوم الحديث المتأخرة ككتاب ابن الصلاح وغيره؛ فإن ذلك لا يغني عن مصادرها الأصلية حفظًا لها ومعرفة
1 / 10
بأصحابها، ناهيك عن أن العلماء الذين ذكروا هذه المادة في كتبهم من المتأخرين إنما ذكروها مختصرة، وبالرجوع إلى أصولها يتبين كثير من التفصيل الذي لا تجده في الكتب المختصرة.
وأيضًا فإن معرفة هذه الكتب المتقدمة يفيد في الوقوف على أسانيد المقالات العلمية التي ينقلها أصحاب هذه الكتب عمن قبلهم؛ فإن الرامهرمزي والخطيب البغدادي وكذلك الحاكم النيسابوري إنما يذكرون أقوال من تقدمهم من أهل العلم بالأسانيد إليهم، وهذه ميزة لا توجد في الكتب المختصرة.
وما مثل من يكتفي بالكتب المختصرة عن الكتب المتقدمة إلا كمثل من يهجر كتب الحديث المعروفة كالكتب الستة ونحوها مكتفيا بكتب التخريج والمجاميع التي صنفها العلماء المتأخرون، وهذا يؤدي إلى ضياع هذه الأصول، بل ربما يتطور الزمان فتجد تلك الكتب المتأخرة أصولًا لمن يجيء بعدنا، فيُكتفى بكتب أخرى مختصرة عن الرجوع إليها والاستفادة منها، وهذا أمر خطير وشر مستطير.
وكتاب الرامهرمزي هذا من الكتب العظيمة الجليلة، ويكفي دليلًا على هذا أن إمامًا في مكانة الخطيب البغدادي، وهو عمدة المتأخرين في هذا العلم حتى قال الإمام ابن نقطة: «كل من أنصف عَلم أن المحدثين عيال على الخطيب البغدادي». فهذا الإمام الخطيب البغدادي على مكانته تلك المعروفة وجلالته في هذا العلم قد كان يرجع كثيرًا إلى كتاب «المحدث الفاصل» للرامهرمزي، يقتبس منه ويروي عنه، وفي هذا دليل قوي على عظم مكانة هذا الكتاب وأهميته في هذا العلم الشريف.
1 / 11
ثم وجدنا القاضي عياض في «الإلماع» كثير النقل عنه أيضًا فتارة يوافقه وتارة يخالفه، لكنه لم يستغن عنه في مسألة من المسائل التي تناولها، ثم جاء ابن الصلاح في كتاب «علوم الحديث» له فاقتبس أيضًا من «المحدث الفاصل» واعتبر بأقوال الإمام الرامهرمزي سواء وافقه أو خالفه، ولا أدل من ذلك على عظم وجلالة مكانة هذا الكتاب.
وأخيرًا فأسأل الله ﷿ أن يتقبل من أخينا الفاضل هذا المجهود الطيب الذي بذله في خدمة هذا الكتاب القيم، وأن يجعله في ميزان حسناته، وأن يعينه ويوفقه إلى الاستمرار في هذا الطريق، وفي خدمة تراث علمائنا عليهم رحمة الله، كما أسأله ﷾ أن يوفِّق كل من سار على نفس الدرب إلى ما يحبه ويرضاه.
والحمد لله أولًا وآخرًا ظاهرًا وباطنًا، والصلاة والسلام على عبده المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وكتب
طارق بن عوض الله بن محمد
الأربعاء ٢٩ من محرم ١٤٣٧ هـ
١١ من نوفمبر ٢٠١٥ م
1 / 12
مقدمة المحقِّق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
فهذا كتاب «المحدث الفاصل بين الراوي والواعي» للقاضي الإمام الحافظ أبي محمد الرامهرمزي ﵀، أُقدِّمه لإخواني من أهل العلم وطلبته في هذا الثوب القشيب، قد بذلتُ قصارى جهدي في تصحيحه وتنقيحه وضبطه والتعليق عليه، ما سيشهد به -إن شاء الله تعالى- كلُّ من قرأه أو نظر فيه، ثم أنصف.
وبرغم ما لقيتُ من مشقة وتعب في عملي في هذا الكتاب، فإنني كنت أجد متعة عظيمة عند قراءتي لنصوصه، وتحريري لألفاظه، وحلي لمشكلاته، وأستطيع أن أقول - بعد أن عشتُ مع هذا الكتاب ما يقارب سنتين قراءة وضبطًا ومراجعة: إن هذا الكتاب ينقل لك صورة كاملة للحياة العلمية والتربوية عند علماء الحديث الأُول -رحمة الله عليهم أجمعين- في صفاتهم وأخلاقهم ومجالسهم ومذاكراتهم ومناظراتهم ورحلاتهم وسماعهم وتحديثهم، وفي ذلك من الفوائد والعبر والعظات ما لا يخفى، أسأل الله تعالى أن يحشرنا معهم يوم القيامة، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم.
وقد قدمت للكتاب بمقدمة تناولت فيها:
١ - ترجمة الإمام الرامهرمزي.
٢ - وصف الكتاب ومنهج مؤلفه فيه.
٣ - أهمية الكتاب ومكانته وعناية العلماء به واستفادتهم منه.
1 / 13
وقد تعرضتُ في هذا المبحث للرد بإيجاز على من زعم أنه يُستغنى بكتب علماء الاصطلاح المتأخرين عن كتاب «المحدث الفاصل» وما شابهه من كتب المتقدمين.
٤ - توثيق اسم الكتاب ونسبته إلى مصنفه.
٥ - المبررات العلمية لإعادة تحقيق الكتاب والموقف من الطبعة السابقة.
٦ - وصف النسخ الخطية المعتمدة.
٧ - المنهج المتبع في ضبط وتوثيق نص الكتاب.
٨ - نماذج من النسخ الخطية.
ولا أنسى أن أشكر فضيلة الشيخ عادل بن محمد أبا تراب الذي راجع جزءًا من أول هذا الكتاب، وقرأ مقدمة التحقيق، وكانت له ملاحظات قيمة أفدت منها؛ ثم توَّج ذلك بكتابة ترحيب لطيف بهذه الطبعة؛ فجزاه الله خيرًا، وبارك فيه وفي أهله أجمعين.
كما أشكر فضيلة الشيخ طارق بن عوض الله على إتحافي بكتابة تقريظ قيِّم لهذا الكتاب، واستضافته إيَّاي في بيته؛ فجزاه الله خيرًا، وبارك فيه وفي أهله أجمعين.
وأشكر أيضًا إخوانًا كرامًا أعانوني على إنجاز هذا الكتاب، وأخص منهم:
الأستاذ أحمد حمزة الذي ساعدني في مقابلة مخطوطات الكتاب، فجزاه الله خيرًا وبارك فيه وفي أهله أجمعين.
والأستاذ اللغوي علاء أبو شنب الذي قرأ الكتاب كله قراءة تصحيح، وساعدني في حل بعض الإشكالات اللغوية، جزاه الله خيرًا وبارك فيه وفي أهله أجمعين.
1 / 14
والأستاذ اللغوي عبد الرحمن باغوش الذي ساعدني في فهرسة هذا الكتاب، وكان له أثناء ذلك ملاحظات وتصحيحات لاسيما في الأشعار، فجزاه الله خيرًا.
والأستاذ محمد حسن عبد السلام الذي قام بتنسيق هذا الكتاب وإعداده للطبع، فجزاه الله خيرًا.
وأشكر الإخوة الفضلاء والمشايخ الأجلاء: الشيخ عماد صابر المرسي صاحب مكتبة التوعية الإسلامية، والمحقق الفاضل أبا عاصم الشوامي، والأخ الحبيب عبد الرحمن رزق، والأستاذ الفاضل خالد زكي مدير مكتبة الذخائر، الذين سعوا في نشر هذا الكتاب، شكر الله سعيهم وغفر لهم.
وأخيرًا، فها هو -أخي الكريم- الكتاب بين يديك، تحريت فيه الدقة والإتقان قدر الإمكان، فإن وجدت فيه خطأ أو خللًا فاعلم أنه لم يكن مني عن تقصير أو إهمال، والله يغفر لي ما كان فيه من ذلك، وأسأله سبحانه أن لا يجعل عملي في هذا الكتاب حسرة عليَّ يوم القيامة، وأن لا يُخزيني يوم يبعثون، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
وكتب
محمد محب الدين أبو زيد
الجمعة ٢٩ من صفر ١٤٣٧ هـ
١١ من ديسمبر ٢٠١٥ م
1 / 15