المغني في ضبط الأسماء لرواة الأنباء
المغني في ضبط الأسماء لرواة الأنباء
Editor
زين العابدين الأعظمي
Editorial
الرحيم أكاديمي-كراتشي
Ubicación del editor
باكستان
كليمة عن هذه الطبعة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الملك الكريم الوهاب، والصلاة والسلام على من أوتي الحكمة وفصل الخطاب، سيدنا وسندنا محمد الأوّاه الأوّاب، وآله وأحفاده السادة الأنجاب، ونجوم الهداية الأصحاب، والذين اتبعوهم بإحسان من المحدثين والفقهاء وأولي الألباب.
وبعد:
فإن من أهم ما يجب على طالب الحديث الشريف بأنواعه، والمشتغل بفروعه وأوضاعه -ضبط الأسماء والألفاظ الواردة في دواوينه والوقوف على الوجه الصحيح في ذلك؛ ليكون ما يحفظه مصونًا وما يكتبه ويقرأه موثقًا لدى أصحاب الحديث، وقد قال الإمام ابن الصلاح مُنَوِّهًا بشأن هذا الأمر ومُعَرّفًا بالحاجة إليه في "النوع الخامس والعشرين في كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده" من كتابه العظيم "معرفة أنواع علم الحديث":
"ثم إن على كتبة الحديث وطلَبته صرف الهمة إلى ضبط ما يكتبونه أو يحصلونه بخط الغير من مروياتهم على الوجه الذي رووه؛ شكلًا ونقطًا يؤمن معهما الالتباس -وأضاف قائلًا- وهذا بيان أمور مفيدة في ذلك:
أحدها: ينبغى أن يكون اعتناؤه -من بين ما يلتبس- بضبط الملتبس من أسماء الناس أكثر؛ فإنها لا تُستدرك بالمعنى، ولا يُستدل عليها بما قبل وما بعد". (معرفة أنواع علم الحديث، ص: ٢٥٤ - ٢٩٦).
ونظرًا إلى خطورة هذه الواجبة تنبه لها أصحاب الفن وقاموا بأعبائها؛ فنوعوا للضبط أنواعًا، ووضعوا للوقوف على الوجه الصحيح أصولًا عامة وقواعد لطيفة؛ يستمد بها في معرفة المطلوب ويُوقف بها على الضبط بسهولة ويسر.
وقد وسعوا في هذا الأمر، فأفردوا له تصانيف عديدة وتآليف قيمة؛ إضافةً إلى ما كتبوه في الضبط والتقييد خلال كتبهم في مصطلح الحديث، وبين ثنايا كلامهم حول آداب الطالب وما يجب على المحدث الاعتناء به، وقد أثروا بذلك المكتبة العربية بكم هائل من الكتب العظيمة والنادرة.
وكل هذا يدل على أهمية الموضوع وخطورته لديهم، وشعورهم بالحاجة إليه والعناية به، فكانوا على غاية من الإتقان والتحرز في هذ الشأن، آخذين بكل ما يُعَظم شانَ الحديث ويُقَويه من التيقظ والاتقان، فما كانوا يثقون بقراءة من لم يراع الضبط على الوجه الصحيح، ولا يُصغون إلى سماع من تغافل أثناء ذلك.
وخلال بحثنا عن تصانيف مفردة موضوعة في هذا الفن، وقفنا على كتاب موجَز في هذا الموضوع، كُتب في القرن العاشر من الهجرة في أرض الهند، ألا وهو كتاب "المغني في ضبط الأسماء لرواة الأنباء" قام بتأليفه ملك المحدثين، الإمام، المجاهد العلامة الشيخ محمد طاهر بن علي الفتني -المولود سنة ٩١٣ هـ (^١) في غجرات الهند، والمتوفى بأجَّين سنة ٩٨٦ هـ شهيدًا- مفرد في بابه ومفيد جدًّا على اختصاره؛ وهو مرجع للمشتغلين بالحديث، ومأوى لهم في مشكلات الضبط منذ ما ألف ونشر، وقد أقر له بذلك أفذاذ من رجال العلم والمعرفة.
(^١) ذكره المؤرخ العيدروسي في كتابه "النور السافر" [ص: ٤٧٥، ط: دار صادر، بيروت، سنة ١٤٢٧ هـ] وآخرون، وهذا هو الصحيح، وقد جاء في "معجم المطبوعات العربية" ليوسف إليان سركيس [٢/ ١٦٧٠، ط: دار صادر، بيروت، سنة ١٣٤٦ هـ] بأنه ولد سنة ٩١٠ هـ، وتابعه المؤرخ الزركلي في "الأعلام"، وهو خطأ، وقد خبط سركيس في ذكر اسمه، فقال مرة: محمد طاهر، واعتمد عليه الزركلي، ولكن ذكر في ترجمة الحافظ ابن حجر العسقلاني عند ذكر طبعة كتابه التقريب، وكتاب المترجم له "المغني" [١/ ٧٩] أنه "محمد بن طاهر" وهو مرجوح على ما سيأتي.
1 / 1
وقد طبع هذا الكتاب الفريد لأول مرة في الهند سنة ١٢٩٠ هـ أو سنة ١٢٩٢ هـ بالمطبع الفاروقي بدهلي، ملحقًا بكتاب آخر وهو "تقريب التهذيب" للمحدث العسقلاني (^٢)، ثم أعيد طباعته سنة ١٣٠٨ هـ بهامش ذلك الكتاب، وطبع مرة أخرى سنة ١٣٢٠ هـ بالمطبع المجتبائي ملحقًا بالكتاب نفسه.
وتتابعت طبعاته لتوفر الطلبات وشدة الحاجة إليه؛ وبالرغم من أهميته البالغة في موضوعه واختصاره لم يقم أحد بخدمة الكتاب على وجه يليق بهذا الكتاب الفريد؛ بل تعرض لهجمات التصحيف والأوهام التي كان بصدد القضاء والهجوم عليها. كما قاله الأستاذ المعروفي في مقدمته الآتية:
". . . أكبر رزية من رزايا العلم كثرة الخطأ والتصحيف والتحريف؛ حتى إن كتابًا مثل "المغني" يتصدى لصيانة المجتمع العلمي عن الوقوع في معرة الخطأ والتصحيف والتحريف لم يسلم من هذه البلية! فأصيب في سائر طبعاته بأنواع من الأخطاء والتحريفات التي قد بَعدتها عن موضوعها، وكادت تُضلها عن هدف المؤلف من تأليفه؛ حتى قال بعضهم: عاد على موضوعه بالنقض" (^٣).
(^٢) وقع الاختلاف في تعيين أول طبعة للكتاب، متى كانت؟ فذكر محقق الكتاب الشيخ الأعظمي أن أول طبعة وقف عليها هو، هي طبعة المطبع الفاروقي، بدهلي وكانت سنة ١٢٩٢ هـ ثم طبعة المجتبائي بهامش "التقريب" سنة ١٣٠٨ هـ (ص: ٢٢).
وقد ذكر يوسف إليان سركيس في كتابه "معجم المطبوعات العربية" في ترجمة المؤلف [٢/ ١٦٧١] عن طباعة كتاب "المغني" أنه طبع لأول مرة بهامش "تقريب التهذيب" بدهلي سنة ١٢٩٠ هـ وأعيد طباعته ملحقًا للكتاب نفسِه في دهلي سنة ١٣٢٠ هـ في حين أنه ذكر في ترجمة المحدث العسقلانى [١/ ٧٩] عن طباعة كتاب "تقريب التقريب" أنه طبع سنة ١٣٠٨ هـ وسنة ١٣٢٠ هـ محشًا بكتاب "المغني"، وطبع في دهلي سنة ١٢٩٠ هـ وسنة ١٣٢٠ هـ ملحقًا به كتاب "المغني" فوقع الخلط بين قولي سركيس أيضًا. والله أعلم.
(^٣) تعريف بالعمل، احتياج المغني إلى تحقيق جديد، ص: ١٥، ومن أسوء طبعات هذا الكتاب الطبعة التي قامت بها "إداره إسلاميات بلاهور" في الأخير، وهي سقيمة جدًّا، أخلت بروح هذا الكتاب، بل ضيعته.
1 / 2
فقد كان هذا الكتاب العظيم بحاجة إلى التحقيق والتصحيح عن طريق مقابلة النسخ المو [. . .] والرجوع إلى مصادر المؤلف ومراجع الكتاب، فقام بهذا العمل فضيلة الشيخ المحدث الأستاذ زين العابدين الأعظمي حفظه الله تعالى، مشرف قسم التخصص في علوم الحديث بجامعة مظاهر علوم، بسهارنفور، وأتى بذلك ما كان يجب على علماء الهند والباحثين القيام به بالنسبة إلى الكتاب. جزاه الله عن العلم وأهله موفورًا، وجعل سعيه مشكورًا.
فاستطعنا بذلك أن نقول: إنها الطبعة الأولى للكتاب، متوفرة التحقيق، اعتنت بتصحيح المتن، منذ ما طبع الكتاب في الهند وخارجه، وطبعت هذه النسخة المحققة بمكتبة دار العلوم الرحيمية، باندى بوره، بكشمير المحتلة، سنة ١٤٢٦ هـ.
وصلت بضعة نسخ من هذه الطبعة الجديدة إلى جمهورية باكستان الإسلامية، ولكنها لا تزيد طلبة الحديث والمشتغلين به إلا لهبًا وغمًّا، فازدادت بذلك الطلبات وصاحت الحاجة إلى توفير مئاة من النسخ، ولكن أين طالب الحديث من اقتناء الكتاب من الهند -البلاد المجاورة أرضًا والبعيدة تناولًا-؛ فقلل الجبال ودونها حتوف!.
فلمس فضيلة الشيخ مولانا الدكتور محمد عبد الرحمان غضنفر المحترم -مدير الرحيم أكادمي، بكراتشي- حاجة الطلبة والمشتغلين بالحديث، وأراد سدها حسب ديدنه في خدمة العلم وأهله (^٤). جزاه الله خيرًا وزاده توفيقًا وتيسيرًا.
لمحة عن الاختلاف في اسم المؤلف:
واختلف المترجمون في تعيين اسم المؤلف بأن "طاهر" جزء من اسمه -وهو مركب من جزءين كعادة أهل الهند في تسمية الأولاد- أو هو اسم أبيه وإنما اسمه "محمد"؟
(^٤) فهو يهتم بتوفير الرسائل والكتب النادرة، التي قلما يقوم بها أي كتبي وناشر، وبذلك أصبحت مكتبته "الرحيم أكادمي" مكتبة النوادر من المطبوعات، إضافة إليه ترخيص الأسعار؛ طلبًا للآخرة. وقد أمر به شقيقه الأكبر العلامة النعمانى رحمه الله تعالى، وكانت لأبيه مطبعة في جي بور بالهند باسم "رحيمي بريس".
1 / 3
فذكر المؤرخ عبد القادر العيدروسي -وهو أقربهم إليه وأعرف بأحواله- في "النور السافر" والمحدث الشيخ عبد الحق الدهلوي في "أخبارا الأخيار" وابن العماد في "شذرات الذهب" والمحدث الشيخ عبد العزيز الدهلوي في "العجالة النافعة" (^٥) والعلامة عبد الحي اللكنوي في التعليقات السنية (^٦)، بأنه "محمد طاهر"، وهو المعتمد؛ إذ أنها مصادر ذات أهمية بالغة في ترجمة المؤلف.
في حين أن الشيخ عبد الحي الحسني سماه بمحمد بن طاهر في "نزهة الخواطر"، و"الثقافة الإسلامية في الهند"، وجزم بذلك أبو ظفر الندوي في كتاب "تذكرة شيخ عبد الوهاب أقضى القضاة" (^٧)، وذكره شيخنا فضيلة الأستاذ العلامة محمد عبد الحليم النعماني حفظه الله تعالى في كتابه العجاب "فوائد جامعة بر عجاله نافعه" شرح العجالة النافعة للشيخ عبد العزيز الدهلوي (^٨).
وقد قام العلامة عبد الحي اللكنوي بالنقد على عصريه النواب الشيخ صديق حسن خان القنوجي، وخطأه في أن سماه في كتابه "تقصار جيود الأحرار من تذكرة جنود الأبرار" بـ "محمد بن طاهر"، وإليك نصه:
(^٥) عجاله نافعه، بالفارسية، ضمن شرحه المسمى بـ "فوائد جامعة بر عجاله نافعه" بالأردية، لفضيلة الشيخ النعمانى، ص: ٦، ط: مير محمد، كراتشى سنة ١٩٦٢ م.
(^٦) النور السافر، للعيدروسي، ص: ٤٧٥، ط: دار صادر، بيروت، سنة ١٤٢٧ هـ الطبعة الثانية. وشذرات الذهب لابن العماد، ص: ٨/ ٤٧٩، ط: دار الكتب العلمية، سنة ١٤١٩ هـ.
(^٧) انظر مجلة "فكر ونظر" فصلية، إسلام آباد، عدد، ربيع الأول - شعبان، سنة ١٤٢٦ هـ، المجلد: ٤٢ - ٤٣.
(^٨) فوائد جامعة بر عجاله نافعه، ص: ٩٨، رقم: ٥٥.
1 / 4
"الثالث والسبعون: ذكر فى ذلك الكتاب ترجمة مؤلف "مجمع البحار" وسماه بمحمد بن طاهر، وهو باطل عند كل ماهر، فليس اسمه محمدًا؛ بل طاهر صرح به هو بنفسه في كتبه، وغيره من الأكابر" (^٩).
وقال أيضًا في كتابه "ظفر الأماني بشرح مختصر الجرجاني" أثناء كلامه عن حديث مشهور في الوضوء:
"وكذا العلامة محمد طاهر الفتني، في آخر كتابه "مجمع البحار" إنه لم يوجد. -فعلق عليه بما نصه-: ذكر غير ملتزم الصحة من أفاضل عصرنا في اسمه: محمد بن طاهر، وهو زلة عن قلمه، ولا عجب؛ فإنه مجدِّد الزلات، ومحدد المسامحات، عفا الله عنه السيئات. منه سلمه الله تعالى (^١٠).
لكن خلط الشيخ القنوجي بين تسمية المؤلف، فسماه في المذكور أعلاه بمحمد بن طاهر وكذا في كتابه "اتحاف النبلاء المتقين بإحياء مآثر الفقهاء والمحدثين" وقد سماه بـ "محمد طاهر" في كتابه الآخر وهو "أبجد العلوم" ولعل الشيخ اللكنوي لم يكن يتذكر ذلك
لكن الجزم في الاسم من الشيخ اللكنوي واتفاق المصادر الأولى عليه هما يرجحان كون الاسم مركبًا من جزئين وهو "محمد طاهر"، وقد ذكر هذا الاختلاف شيخنا عبد الحليم النعماني حفظه الله تعالى ورعاه أخيرًا فى مقالته عن شخصية المؤلف (^١١).
(^٩) تنبيه أرباب الخبرة على مسامحات مؤلف الحطة، ضمن مجموعة رسائل اللكنوي، ٦/ ٤٤٦، تصوير: انتشارات أحمد جام، إيران، فاستدلال العلامة اللكنوي بأن المؤلف صرح بنفسه بأن اسمه "طاهر"، فيه قوة أكثر من غيره، لكن رأيه أن محمدًا ليس جزء من اسمه، بل إنما هو "طاهر" لا غير، هذا مشكل؛ إذ أنه لم يقل أحد بهذا، نعم إذا قيل: إنه يريد به أن الاسم الجزء الأول للبركة وليس للتشخيص المطلوب من التسمية، فهذا ربما يكون له وجه.
(^١٠) ص: ٢٥٢، تحقيق: أبو غدة، ط: دار البشائر، بيروت، سنة ١٤١٦ هـ.
(^١١) انظر مجلة "فكر ونظر" فصلية، إسلام آباد، عدد، ربيع الأول - شعبان، سنة: ١٤٢٦ هـ، المجلد: ٤٢ - ٤٣.
1 / 5
وأضف إلى ذلك أن فضيلته لما ترجم للمؤلف ما ذكر أي مصدر أو مرجع لتلك الترجمة، ولعل ما هجس في صدر أحد أن هذا نقد أورد على فضيلة الأستاذ المحقق، كلّا! وهل يعد ما يعلقه التلميذ -تذكرة وفائدة على ما أفاده شيخه- إلا بركة ذلك الشيخ!
وليكن هذا آخر ما أردنا إيراده في هذا المقام، والحمد لله أولًا وآخرًا، والصلاة والسلام على حبيبه سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين (^١٢).
وكتبه محمد أحمد رضا السرجودوي
خريج قسم التخصص في علوم الحديث الشريف جامعة العلوم الإسلامية، بنوري تاون، كراتشي فى ٦/ ١/ ١٤٢٨ هـ
(^١٢) وقد قمت بصف الكليمة وتصميمها بعد التصحيح والمراجعة إلى المصادر بأمر من فضيلة الشيخ الدكتور عبد الرحمان غضنفر المحترم، مدير "الرحيم أكادمي، بكراتشي" وقع ذلك في يوم الأحد لخمس مضين من شهر الله المحرم سنة إثنتين وثلاثين وأربع مأة بعد الألف من الهجرة. وكتبه ابن العيد الصدوي، قسم التخصص في علوم الحديث الشريف، بالجامعة الفاروقية، بكراتشي.
1 / 6
تعريف
بقلم: الأستاذ عبد الله المعروفي حفظه الله أستاذ مشارك بقسم التخصص في الحديث بجامعة دار العلوم؛ ديوبند
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأميِّ الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
فإن معرفة ضبط أسماء الرجال، وكناهم، وألقابهم، وأنسابهم حاجة كل دارس في العلوم الشرعية، وبغية كل متصدٍّ للدعوة والإرشاد، وخاصةً المشتغلون بالحديث وعلومه في أمس حاجة إلى معرفته، ومعرفة قواعد وأصول تصونهم عن الوقوع في تصحيف أو تحريف في الأسماء والألفاظ الملتبسة ربما يؤديانهم إلى نتائج وخيمة، مضحكة، أو مبكية.
أهمية علم الضبط:
قال الحافظ العراقي (ت ٨٠٦ هـ) في ألفيته:
وينبغي إعجامُ ما يُسْتَعجَم … وشَكْلُ ما يُشكِل لا ما يُفهَم
وقيل: كلّه لذي ابتداءٍ … وأكَّدوا ملتبسَ الأسماءِ
قال الحافظ السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) في شرح البيتين: (ينبغي) استحبابًا مؤكدًا، بل عبارة ابن خلاد وعياض تقتضي الوجوب، وبه صرح الماوردي (إعجامُ) أي نقطُ (ما يُستَعْجَم) بإغفال نقطة بحيث تصير فيه عجمة، بأن يميز الخاء المعجمة من الحاء المهملة، والذال المعجمة من الدال المهملة، فقد قال الثوري فيما نقله عنه الماوردي في "أدب الدنيا والدين": الخطوط المعجمة كالبرود المعلمة.
وقال الأوزاعي عن ثابت بن معبد: نور الكتاب العجم.
وكذا ينبغي (شكلُ ما يُشكِل) إعرابهُ من المتون والأسماء في الكتاب، فذلك يمنع
1 / 7
من إشكاله، (لا ما يُفهَم) بدون شكل ولا نقط؛ فإنه تشاغلٌ بما غيرُه أولى منه.
(وقيل): بل ينبغي الشكل والإعجام للمكتوب (كلّه) أشكَل أم لا، وصوَّبه عياض (لأجل ذي ابتداء) في الصنعة والعلم ممن لا يعرف المؤتلف والمختلف وغيرهما من السند والمتن؛ لأنه حينئذ لا يميز المشكل من غيره، ولا صواب وجه الإعراب للكلمة من خطئه، وأيضًا قد يكون واضحًا عند قوم مشكلًا عند آخرين، وربما يظن هو لبراعته المشكل واضحًا، بل وقد يخفى عنه الصواب بعد.
(و) لكن (أكدوا) أي الأئمة من المحدثين وغيرهم ضبط (ملتبس الأسماء) لا سيما الأسماء الأعجمية، والقبائل الغريبة لقلة المتميزين فيها بخلاف الإعراب، ولأنها -كما قال أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمي- أولى الأشياء بالضبط؛ لأنها لا يدخلها القياس، ولا قبلها ولا بعدها شيء يدل عليها. انتهى ملخصًا من فتح المغيث. وكلام السخاوي هذا كافٍ لإثبات أهمية علم الضبط.
أثر الإخلال بالضبط:
على أن التهاون أو الإخلال بالضبط ربما يورث نتائج هائلة سجل بعضَها التأريخ، فيقول الحافظ السيوطي: قد قيل: إن النصارى كفروا بلفظة أخطؤا في إعجامها وشكلها، قال الله في الإنجيل لعيسى: "أنت نبيِّي، ولَّدتُك من البتول"، فصحفوها، وقالوا: "أنت بُنَيَّ وَلَدْتُك" مخففًا.
وقيل: أول فتنة وقعت في الإسلام سببها ذلك أيضًا، وهي فتنة عثمان ﵁، فإنه كتب الذي أرسله أميرًا إلى مصر: "إذا جاءكم؛ فاقبلوه"، فصحفوها: "فاقتلوه"، فجرى ما جرى.
وكتب بعض الخلفاء إلى عامل له ببلد: "أن أحص المخنثين". أي بالعدد، فصحفها بالمعجمة، فخصاهم. انتهى من التدريب.
اعتناء العلماء بالضبط:
لذلك نرى العلماء القدامى حراصًا على الاعتناء بضبط ملتبس الكلمات، ولا سيما ملتبس الأسماء؛ فإن مظنة الخطأ فيها أقوى وأكثر من غيرها من الألفاظ اللغوية والفقهية. فممن كان يحض على الضبط حماد بن سلمة وعفان كما حكاه عنهما القاضى
1 / 8
عياض بن موسى اليحصبي في كتاب "الإلماع".
وهذا شعبة أمير المؤمنين في الحديث يعتني بالضبط بمثل ما نقل القاضي عياض أيضًا: عن عبد الله بن إدريس الكوفي أنه قال: لما حدثني شعبة بحديث أبي الحوراء السعدي، عن الحسن بن علي؛ كتب أسفلَه: "حور عين" لئلا أغلط، يعني: فيقرأه: "أبو الجوزاء" لشبهه به في الخط. اهـ (تدريب الراوي).
ومن أعجب أخبار أئمتنا في حرصهم على الضبط والإتقان أن بعضهم يترك الأخذ عمن لم يضبط، ويقع في الخطأ والتحريف ما نقله العسكري (٣٨٢ هـ) في كتابيه "تصحيفات المحدثين ١/ ١٧، ١٨"، و"شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف ص ١٧): عن أبى عبيد الآجري قال: سمعت أبا داود السجستاني يقول: قال أحمد بن صالح المصري: قال سلامة بن روح الأيلي في حديث السقيفة: إلا كانا "بَعْرةَ أن يَفِيْلا"، تصحيف "تَغِرَّة أن يُقتَلا". قال أبو داود: وكان أحمد بن صالح قد كتب عنه خمسين ألف حديث، فتركه.
استخدام القواعد للضبط:
وهذا الذي دعاهم إلى وضع قواعد رصينة للضبط والتقييد كي لا يتطرق إلى المكتوب أيّ تصحيف أو تحريف، ومن أهمها:
١ - استحباب تكرار الضبط في الألفاظ المشكلة بأن يضبط في متن الكتاب، ثم يكتبها قبالة ذلك في الحاشية مفردة مضبوطة، فقال ابن دقيق العيد في "الاقتراح": من عادة المتقنين أن يبالغوا في إيضاح المشكل، فيفرقوا حروف الكلمة في الحاشية، ويضبطوها حرفًا حرفًا، فلا يبقى بعده إشكال.
٢ - كراهية الخط الدقيق من غير عذر يقتضيه.
٣ - اختيار التحقيق في الخط؛ دون المشق والتعليق.
٤ - ضبط الحروف المهملة بعلامة الإهمال كضبط الحروف المعجمة بالنقط.
وغير ذلك من القواعد قد نقلها مؤلف كتابنا هذا بعد الفراغ من ضبط الأسماء.
ولكن مع مرور الزمن حينما دبَّ الضعف في الأمة؛ وأصيبت بالتساهل في الضبط،
1 / 9
وكثر في الشيوخ من يقل تحقيقه، واضطر أهل العلم إلى الأخذ من الكتب بدون سماعٍ من الشيوخ، فالتجأ المحققون إلى ما يدفعون به الخطأ والتحريف، فخَطَوا خطواتٍ أكيدة ليصيبوا هدفهم من عملية الضبط.
منها أنهم وضعوا طريقة الضبط بالحروف والألفاظ، كما يقال: "بالسين المهملة"، أو "بالشين المعجمة"، وهذا عند القدماء قليل، وكثر في مؤلفات بعض المتأخرين، كما في "مشارق الأنوار" للقاضي عياض، و"وفيات الأعيان" لابن خلكان، و"تكملة المنذري"، و"الكامل" لابن الأثير، و"الوافي بالوفيات" للصفدي، و"الإصابة" و"تقريب التهذيب" كلاهما للحافظ ابن حجر.
كتب التصحيفات:
ومنها أنهم بدأوا يؤلفون الكتب في هذا الموضوع خاصة، فبعضهم اكتفى بالدلالة على ما وقع من بعض المحدثين من التصحيفات، أو التحريفات في أسانيد الأحاديث ومتونها؛ كي يتحرز الناس عن الوقوع عن مثل تلك التصحيفات، ومن أهمها ما يلي:
١ - تصحيف العلماء لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦ هـ).
٢ - شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف، لأبي أحمد الحسن بن عبد الله العسكري (ت ٣٨٢ هـ).
٣ - تصحيفات المحدثين للعسكري أيضًا.
٤ - إصلاح خطأ المحدثين، لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي (ت ٣٨٨ هـ).
٥ - تلخيص المتشابه في الرسم، وحماية ما أشكل منه عن بوادر التصحيف والوهم، لأبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي. (ت ٤٦٣ هـ).
٦ - مشارق الأنوار على صحيح الآثار، لأبي الفضل القاضي عياض بن موسى (ت ٥٤٤ هـ).
٧ - مطالع الأنوار لأبي إسحاق إبراهيم بن يوسف، المعروف بابن قُرقول (ت ٥٦٩ هـ) وضعه على غرار كتاب "مشارق الأنوار".
٨ - تصحيح التصحيف وتحرير التحريف، لخليل بن أيبك الصفدي (ت ٧٦٤ هـ).
1 / 10