Al-Manar: An Introduction to Qur'anic Sciences and Principles of Exegesis
المنار في علوم القرآن مع مدخل في أصول التفسير ومصادره
Editorial
موسسة الرسالة
Edición
الأولى
Año de publicación
١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م
Ubicación del editor
بيروت
•
Regiones
Líbano
تقديم الكتاب
بسم الله الرّحمن الرّحيم إنّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيّئات أعمالنا من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، حمل الرّسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمّة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدّين.
وبعد: فقد سخّر ربّ العالمين بكتابه المبين، خاتمة الكتب السّماويّة سبيل حفظه، والاعتناء به، ونشره وتفسيره ونقله وتعليمه، والغوص على أسراره، والعمل بأحكامه، والتخلّق بآدابه مما لم يعهد التّاريخ لغيره مثل هذه العناية والرعاية.
وقد نمت في خدمة القرآن الكريم علوم كثيرة، واتّسعت دوحة علوم القرآن في ظلاله، فلم تدع شاردة أو واردة لها صلة بخدمته أو بيان بعض ما يتعلّق به إلّا أحاطت بها ... من وحيه وكيفيّة نزوله، وحفظه وحفّاظه، وجمعه وتدوينه، وشكله وإعجامه، ورسم كلمه، وترتيب آياته وسوره، ومعرفة مكيّه ومدنيّه، وأسباب نزوله، وما كان منه في قرّ شتاء، أو قيظ صيف، في سلم أو حرب، وليل أو نهار ... بما يدهش العقول، حتّى عدّوا حروفه، وبيّنوا قرّاءه وقراءاته، ووجوه إعجازه ... وغير هذا ممّا يطول عدّه وبيانه ...
وقد كثرت المصنّفات في علوم القرآن- قديما وحديثا- وتفاوتت مناهجها وحجومها، وتنوّعت أبحاثها، وكثرت مسائلها، وتعدّدت الأقوال فيها، حتّى بدت كالرّياض النّضرة، يجوب فيها نزيلها، فيحار بين زهورها وورودها، وجمال ألوانها.
وكان من أحدث ما اطّلعت عليه من تلك الرّياض أصول كتاب «المنار في علوم القرآن» الطّبعة الثّانية للأخ الأستاذ الدكتور محمد علي الحسن، حفظه الله فكان بعض
1 / 5
باقات منسّقة من ورود وأزاهير تلك الرّياض، وثمرات يانعة من أشجارها، اجتهد فيه المؤلف أن يتّخذ أحوج ما يحتاج إليه الطالب في دراسته، ليحيط بما لا غنى له عنه لمعرفة دستور خاتمة الرّسالات ومنهجها، فيحسن فهمه والانتفاع به، ويوفّق إلى صدق تطبيقه، والعمل بأحكامه وآدابه.
وقد ضمّ الكتاب باقات متنوعة من تلك الغياض الوارفة، كلّ باقة تمثل فصلا، وكلّ وردة منها ينتظم رصف وريقاتها بحثا، فكان اختيارا شاملا، لم يدع للمطّلع عليه منبتا دون جذور، فقد أخذ بيده إلى أصوله ومراجعه ليكون البيان سبيله إلى التراث العظيم، يقف على مكنوناته ويغوص على درره، ويتخيّر من كنوزه، فجمع هذا الكتاب بين أصالة البحث وحداثته، بأمانة العزو، وحسن العرض والمناقشة والترجيح، بعبارة جزلة وأسلوب سهل، وتلخيص محكم، وتفصيل مرتّب، يساعد القارئ على حسن الفهم والاستيعاب.
جزى الله المؤلف خير الجزاء
الأستاذ الدكتور محمد عجاج الخطيب رئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة الإمارات العربية المتحدة وعميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بالشارقة حاليا
1 / 6
تمهيد
نقصد بعلوم القرآن- كفنّ مدوّن- المباحث التي تتعلق بالقرآن الكريم من ناحية نزوله وإعجازه، وجمعه وترتيبه، وناسخه ومنسوخه، وقراءاته ونحو ذلك من الموضوعات التي كانت معروفة للصحابة وإن لم تكن مدونة مكتوبة إنما مسلكهم في تحصيلها الفهم السديد، أو تذوق بيان القرآن وإعجازه، كل هذا كان سليقة وذكاء في القريحة وبتوجيه وبإرشاد من رسولهم الكريم ﵇.
ثم جاء التابعون وبقيت العلوم تؤخذ بالرواية والتلقين لا بالكتابة والتدوين، حتى كانت بداية التدوين لجزء من علوم القرآن، فقام أمثال سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وشعبة بن الحجاج ليدونوا لنا الروايات التفسيرية المروية عن الصحابة وكبار التابعين، وبذلك كانت أول حركة لتدوين علوم التفسير، ثم جاء الفراء المتوفى سنة ٢٠٧ هـ فدوّن كتابه معاني القرآن، ويحيى بن سلام ومحمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ وقد دوّن في مقدمة تفسيره أبحاثا في علوم القرآن كبحث الأحرف السبعة، وتوالت بعده كتب التفسير بالمأثور والمعقول والجمع بينها.
هذا ما يتعلق بعلوم التفسير أما ما يطلق عليه علوم القرآن، فلم يتناول أحد تدوين هذا العلم ككلّ بل شرحوا أبعاضه وأجزاءه، فعلي ابن المديني شيخ الإمام البخاري (المتوفى في سنة ٢٣٤ هـ) كتب في أسباب نزول القرآن، وأبو عبيد بن سلّام (المتوفى سنة ٢٢٤ هـ) كتب الناسخ والمنسوخ، ومن كتّاب علوم القرآن في القرن الرابع الهجري، أبو بكر السّجستاني الذي ألّف في غريب القرآن، وفي القرن الخامس علي بن سعيد الحوفي الذي ألّف في إعراب القرآن. وفي السادس كتب السهيلي في مبهمات القرآن، ثم انهالت التآليف في كلّ فنّ، كالقراءات، وأسباب النزول، والإعجاز، والأمثال، والقرآن وحججه وجدله.
ويرى الشيخ الزرقاني أن أول عهد لظهور هذا الاصطلاح هو القرن الرابع الهجري إذ كتب علي بن إبراهيم بن سعيد الشهير بالحوفي المتوفى سنة ٤٣٠ هـ كتابه
1 / 7
«البرهان في علوم القرآن»،- وهو بالطبع غير كتاب الزركشي- والموجود منه حاليا خمسة عشر جزءا، ويبدو من طريقته أنه كتاب تفسير، وإن تعرض من خلال تفسيره إلى شذرات في علوم القرآن، التي يظنّ أنه قد تعرض لها بإسهاب في المقدّمة المفقودة من تفسيره مع الأجزاء الخمسة عشر الأولى، ولم يبق بأيدينا إلّا النصف الآخر من الكتاب.
وفي القرن السادس كتب ابن الجوزي كتابه «فنون الأفنان في عجائب علوم القرآن» الذي وصفه السيوطي (بأنه لم يقرأ مثله ولا قريبا منه)، وهو موجود في دار الكتب المصرية وهو كتاب صغير الحجم، فيه مباحث بسيطة كعدّ كلمات القرآن وحروفه، والكتاب قد حققه محمد إبراهيم سليم ونشرته مكتبة السباعي بالرياض.
وأرجح أن الذي وصفه لنا السيوطي ما زال مفقودا.
وفي القرن السابع ألف علم الدين السخاوي المتوفى سنة ٦٤١ هـ كتابه «جمال القراء» وقد حققه زميلنا عبد الكريم الزبيدي ونشر في بيروت.
وجاء القرن الثامن فكان كتاب «البرهان في علوم القرآن» للإمام الزركشي ت «٧٩٤ هـ» وهو من خير كتب علوم القرآن، وكتابه يقع في أربعة مجلدات، وتلاه في القرن الثامن محمد بن سليمان الكافيجي المتوفى سنة ٨٧٣ هـ غير أن كتابه كما قال السيوطي: (لم يشف غليلا، ولم يهد إلى المقصود سبيلا). وتلاه جلال الدين البلقيني، وكتابه «مواقع العلوم من مواقع النجوم» وقد ضمنه السيوطي المتوفى ٩١١ هـ في كتابه «التحبير في علوم التفسير». وألف كتابه القيم «الإتقان في علوم القرآن» الذي يعتبر عمدة في بابه.
بين البرهان والإتقان في علوم القرآن
: هذان كتابان من خير الكتب وأوسعها في علوم القرآن، أما البرهان للزركشي فهو السابق للإتقان. وهذا الكتاب يتناول الموضوعات تناولا موسعا شافيا وافيا.
وأفاد منه السيوطي كثيرا، وقد استوفى جميع أبوابه وأنواعه ولكنه أوجزها وأضاف إليها أنواعا أخرى وجعلها ثمانين نوعا. وكتابه يعوزه التحقيق الذي يقوم به
1 / 8
حاليا قسم التفسير بجامعة الأزهر، وقد أشرف الأستاذ الدكتور إبراهيم خليفة رئيس القسم على رسالة في تحقيق جزء منه، وهو مزمع على إكماله إن شاء الله.
وأخيرا فإن كتب علوم القرآن في هذا العصر كثيرة جدا فلا تخلو كلية من كليات الشريعة وأصول الدين من كتاب يؤلفه مدرسو المادة منفردين أو مجتمعين، وأشهر الكتب «مناهل العرفان في علوم القرآن» للشيخ الزرقاني وهو أوسع هذه الكتب انتشارا مع ما فيه من إعواز إلى التمحيص في كثير من القضايا، ومن هذه الكتب وأكملها قيمة «كتاب البيان في علوم القرآن» للشيخ عبد الوهاب غزلان ولكنه قاصر على بعض الأبحاث كجمع القرآن الذي نال عنايته.
ومن أقدم كتب علوم القرآن في بلاد الشام ما ألفه الشيخ د. صبحي الصالح «مباحث في علوم القرآن»، كما ألف الأستاذ الدكتور عدنان زرزور كتابه القيم «علوم القرآن».
كما كتب الدكتور إبراهيم خليفة كتابه «منّة المنان في علوم القرآن» و«الوحي» وما زال يكتب في هذا المجال.
1 / 9
الفصل الأول القرآن الكريم
المبحث الأول: معناه.
المبحث الثاني: أسماؤه.
المبحث الثالث: لغة القرآن.
المبحث الرابع: إعجاز القرآن.
المبحث الخامس: الترجمة.
المبحث السادس: القصة في القرآن.
1 / 11
المبحث الأول تعريف القرآن لغة وشرعا
١ - المعنى اللغوي:
أ- يرى بعض علماء اللغة أن كلمة (القرآن) هي مصدر على وزن (فعلان) كالغفران والرجحان والشكران، فهو مهموز اللام من قرأ يقرأ قراءة وقرآنا، بمعنى تلا يتلو تلاوة، ثم نقل في عرف الشرع من هذا المعنى وجعل علما على مقروء معين، وهو من باب تسمية المفعول بالمصدر، وقد ورد بهذا المعنى في قوله تعالى:
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ١٦ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ١٧ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: ١٦ - ١٨].
وقد روى الشيخان ﵄ في سبب نزولها ما يفيد هذا المعنى، عن ابن عباس أنه قال: «كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدّة، فكان يحرك به لسانه وشفتيه مخافة أن ينفلت منه، يريد أن يحفظه فأنزل الله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ ..
الآية».
فكان النبي ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل ﵇ أطرق، وفي لفظ «استمع» فإذا ذهب قرأه كما وعده الله (١). فهذا الأثر عن ابن عباس يدل بجلاء ووضوح على المعنى المذكور.
وقد روعي في تسميته قرآنا كونه متلوّا بالألسن، كما روعي في تسميته كتابا كونه مدونا بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه (٢).
(١) صحيح البخاري. كتاب بدء الوحي. باب كيف كان بدء الوحي ح (٥)، ومسلم في صحيحه.
كتاب الصلاة، باب الاستماع للقراءة ١/ ٣٣٠، ح (٤٤٨) (١٤٨).
(٢) النبأ العظيم. لمحمد عبد الله دراز، ص ١٢، دار القلم- الكويت.
1 / 13
ب- وذهب الشافعي ورجح قوله السيوطي إلى أن (القرآن) علم غير مشتق فهو اسم لكتاب الله مثل سائر الكتب السماوية (١).
٢ - المعنى الشرعي:
لقد عرّف علماء الأصول والكلام القرآن بتعريفات كثيرة، وأحسن هذه التعاريف وأقومها قول القائل إنّ القرآن (هو كلام الله المعجز المنزّل على محمد ﷺ المنقول تواترا والمتعبد به تلاوة).
فكلام الله المعجز، قد أخرج كلام غير الله، فهو ليس بكلام إنس ولا جنّ ولا ملائكة ولا نبيّ أو رسول، فلا يدخل فيه الحديث القدسيّ ولا الحديث النبويّ.
وخرج بقيد- المنزّل على النبي محمد ﷺ الكتب المنزلة على الرسل من قبله كصحف إبراهيم، والتوراة المنزّلة على موسى، والإنجيل المنزّل على عيسى ﵈.
أما القيد- المنقول تواترا- فقد أخرج به كلّ ما قيل إنه قرآن ولم يتواتر، مثل القراءات الشاذة غير المتواترة فإنها رويت على أنها من القرآن إلّا أن نقلها آحادا قد جعلها غير معتبرة، فلا يعتبر من القرآن قراءة ابن مسعود: فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات (٢)، فقد زاد (متتابعات)، ولا قراءته كذلك: (وآتيتم إحداهنّ قنطارا «من ذهب» فلا تأخذوا منه شيئا) بزيادة (من ذهب) (٣)، أو قراءة ابن عباس: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربّكم «في مواسم الحجّ») (٤) بزيادة (في مواسم الحج) ولا
(١) الإتقان في علوم القرآن، ١/ ٥١.
(٢) النظر الإتقان في علوم القرآن، تحت عنوان: القراءات، وكذلك كتب التفسير في سورة المائدة آية ٨٩.
(٣) انظر تفسير ابن كثير لسورة النساء، الآية ٢٠، ١/ ٤٦٧.
(٤) انظر الإتقان. تحت بحث القراءات، ١/ ٨٣، وانظر الآية ١٩٨ من سورة البقرة.
1 / 14
قراءة من قرأ (والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما) (١) بدل أيديهما، فما زيد أو بدّل في هذه القراءات وأمثالها لا يصحّ اعتبارها قرآنا حتى ولا حديثا نبويا لأنّها نسبت إلى قارئها فلا يعدو اعتبارها أكثر من أنها تفسير أو رأي للمثبت لها.
أما القيد الأخير- المتعبد به تلاوة- فقد خرج به الحديث القدسي فإنه وإن كان منسوبا إلى الله إلّا أنه غير متعبد بتلاوته كما سنبينه بعد.
(١) الدر المصون ٢/ ٥٢٣.
1 / 15
المبحث الثاني أسماء القرآن
صنف أحد العلماء في أسمائه جزءا وذكر نيفا وتسعين اسما وذكر بعضهم أقل من ذلك، قال القاضي أبو المعالي ﵀: اعلم أن الله تعالى سمّى القرآن بخمسة وخمسين اسما، وقد ذكر صاحبا البرهان والإتقان وجوها للتسمية ومعانيها، أما الطبري فقد اكتفى بذكر أشهرها مبينا معانيها، من هذه الأسماء:
١ - سماه الله تعالى كتابا فقال: حم ١ تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الجاثية: ١ - ٢].
والكتاب مصدر كتب يكتب كتابة، وأصلها الجمع، وسمّيت الكتابة لجمعها الحروف فاشتق الكتاب لذلك، لأنه يجمع أنواعا من القصص والأحكام والأخبار على أوجه مخصوصة.
٢ - وسماه ذكرا فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩].
وذلك لما فيه من المواعظ والتحذير وأخبار الأمم الماضية، والذكر أيضا يأتي بمعنى الشّرف والفخر لمن آمن بالقرآن وصدّق بآياته، ومنه قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ [الزخرف: ٤٤]، أي: شرف لك ولقومك ٣ - وسمّاه فرقانا فقال:
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: ١].
وذلك لأنه يفرّق بين الحقّ والباطل، والمؤمن والمنافق، والمسلم والكافر، وقيل: لأنه مفروق بعضه عن بعض في النّزول (١).
أما ابن عباس فكان يقول: الفرقان المخرج.
وقال آخرون: الفرقان هو الفرق بين الشيئين والفصل بينهما، وقد يكون ذلك بقضاء واستفتاء وإظهار حجّة وغير ذلك من المعاني المفرقة بين المحق والمبطل،
(١) مناهل العرفان ١/ ٨.
1 / 16