الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية لدى تلاميذه
الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية لدى تلاميذه
Editorial
دار عطاءات العلم (الرياض)
Edición
الثالثة
Año de publicación
١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)
Ubicación del editor
دار ابن حزم (بيروت)
Géneros
•Hanbali Jurisprudence
Regiones
•Arabia Saudita
Imperios y Eras
Al Saúd (Najd, Hiyaz, Arabia Saudita moderna), 1148- / 1735-
اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية الفقهية
لدى تلاميذه
جمع وإعداد
سامي بن محمد بن جاد الله
1 / 1
مقدمة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن من أبرز علماء المسلمين الذين عرفهم التاريخ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعالى، ومن أهم العلوم التي برز فيها الشيخ علم الفقه، وقد حفظ الله ﷿ لنا الكثير من ثروته الفقهية، وذلك عبر نوعين من المصادر:
الأول: المصادر الأصلية، والمقصود بها المؤلفات والرسائل والفتاوى التي كتبها شيخ الإسلام، فقد اعتنى النساخ بكتابتها، واعتنى أهل العلم وطلابه باقتنائها والمحافظة عليها، حتى ظهرت الطباعة فتسابق الناشرون إلى طبعها ونشرها، وهذا أمر معلوم لا يحتاج إلى إسهاب في بيانه.
الثاني: المصادر الفرعية، وهي المؤلفات والكتب التي نقلت لنا شيئا من فقه هذا الإمام، وهي كثيرة بحمد الله، ويأتي على رأس هذا النوع كتب تلاميذ الشيخ، فقد حوت هذه الكتب الكثير من فقه الشيخ واختياراته، ولكن لما كانت هذه الأقوال متفرقة مبثوثة في بطون هذه الكتب غفل عنها الكثير من طلبة العلم، وحتى مَن عَلِم بها ربما صعب عليه مراجعتها والبحث فيها عن هذه الاختيارات والفوائد.
1 / 5
ومن هنا نشأت فكرة جمع كل ما وصل إلينا مما نقل عن الشيخ في كتب تلاميذه من اختيارات وفوائد فقهية، وترتيبها حسب أبواب الفقه ليسهل تناولها والوقوف على البغية منها (^١).
منهج العمل:
تم العمل في هذا المشروع وفق المنهج التالي:
١ - جرد الكتب المطبوعة لتلاميذ الشيخ، واستخراج نقولهم الفقهية عن الشيخ، وجل هذه النقول هي اختيارات فقهية للشيخ، وبعضها فوائد فقهية أخرى كتوضيح نص، أو قول، أو حكاية إجماع، أو نفي العلم بالخلاف، أو إثبات الخلاف، أو تخريج قول، ونحو ذلك، وأدرجت هذه الفوائد في هذا المجموع وإن كانت لا تدخل ضمن مسمى الاختيارات تتميما للفائدة.
٢ - نسخ النصوص التي تحتوي على نقل عن الشيخ، ويكتفى بالقدر الذي يحصل به فهم النص، وتدوين اسم المصدر بعد نهاية النص.
٣ - اعتمدت في بعض المصادر على أكثر من طبعة لمزيد العناية بضبط النص، وفي هذه الحالة أذكر موضع النص في الطبعة الأولى بعد اسم المصدر مباشرة، وبعده بين قوسين الموضع في الطبعة الثانية، مثال:
(^١) سبق الكلام عن أعمال العلماء في جمع اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة تحقيق «اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية» لابن عبد الهادي (ص ٦ - ٨)، كما سبق فيه الإشارة إلى السبب في عدم تأليف الشيخ لكتاب يذكر فيه اختياراته الفقهية في سائر الأبواب (ص ٦).
1 / 6
[الفروع ٦/ ٢٩٠ (١٠/ ٣٥٩)] (^١).
٤ - أشير إلى حذف الكلام بوضع ثلاث نقاط (...) في مكان الحذف.
٥ - ترتيب المسائل حسب الأبواب، وجعلت أبواب كتاب «الفروع» لابن مفلح هي الأصل في تبويب المسائل الفقهية.
٦ - وضع عنوان جانبي لكل نص يشير إلى المسألة التي تضمنها.
٧ - وضع رقم متسلسل لكل مسألة.
٨ - عند وجود أكثر من نص في مسألة واحدة تذكر جميع النصوص تحت عنوان واحد، وترتب النصوص حسب وفيات النقلة، فإن كان الناقل قد ذكر النص في أكثر من موضع فيقدم المختصر ثم المبسوط، حتى يكون شارحا وموضحا له.
٩ - عند وجود أكثر من مسألة في نص واحد، توضع عناوين المسائل متتالية ثم ينقل تحتها النص كاملا، هذا إذا كانت المسائل تندرج تحت باب واحد، أما إذا كانت تندرج تحت أكثر من باب، فتذكر في أنسب المواضع سواء كان متقدما أو متأخرا، ويحال على ذلك الموضع في بقية المواضع.
(^١) تم استخراج نصوص «الفروع» من طبعة الشيخ رشيد رضا، ثم أثناء العمل فيه صدرت طبعة مؤسسة الرسالة بإشراف الشيخ عبد الله التركي حفظه الله، فقمت بمقابلة تلك النصوص على هذه الطبعة، وأشرت إلى ما بينهما من الفروق مع الترجيح عند الحاجة، ورمزت للطبعة الأولى بـ (ط ١)، والثانية بـ (ط ٢)، وبقيت بعض المواضع محل إشكال حتى وقفت على نسخة خطية للفروع (النسخة الأزهرية) فقمت بمقابلة المواضع المشكلة عليها، وأشرت إلى ذلك في الحاشية.
1 / 7
١٠ - مراجعة كل مسألة في المصادر الأصلية المطبوعة من كتب شيخ الإسلام، وما وقف عليه في شيء منها فإنه يشار إلى اسم المصدر مع الجزء والصفحة في الحاشية، وما أهمل عزوه فذلك علامة على عدم الوقوف عليه في شيء من المصادر الأصلية، وإذا كان بعض المنقول موجودا في مصدر ما، أو كان هناك بعض الاختلاف بين المنقول وما هو موجود في المصادر الأصلية، فتصدر الإحالة بكلمة: (انظر).
١١ - إذا دعت الحاجة إلى نقل نص كلام شيخ الإسلام في الحاشية فإني أنقله بحروفه.
١٢ - مراجعة كل مسألة في كتاب «الاختيارات» للبعلي، فما وقف عليه منها فيه ذكر موضعها في الحاشية، والغرض من ذلك أمران:
١. تمييز المسائل الزائدة في هذا الجامع على ما في كتاب البعلي.
٢. الاستفادة من هذا الجامع في توثيق المسائل التي نقلها البعلي، حيث أن المصادر الأصلية لهذا الجامع أعلى سندا منه.
١٣ - إذا وجد في بعض المصادر التي يرجع إليها في تحرير المسائل المنقولة ما يفيد في فهم كلام شيخ الإسلام فإنه ينقل في الحاشية، وجل النقول في ذلك كانت من «حاشيتا الفروع» لابن قندس، وابن نصر الله، ومن «تصحيح الفروع» و«الإنصاف» كلاهما للمرداوي.
* * * * *
1 / 8
الموارد:
موارد هذا المجموع هي كتب تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية المطبوعة، وقد حرصت على استقصائها حسب الجهد والطاقة، وهذه ترجمة مختصرة لكل واحد من تلاميذ الشيخ الذين لهم كتب مطبوعة، تتضمن نبذة مختصرة عن حياته، وصلته بالشيخ وثناءه عليه، ومؤلفاته التي نقل فيها عن الشيخ، ومنهجه وموارده في النقل عنه، أما التعريف بطبعات هذه الكتب فمحله فهرس المصادر.
١ - الطوفي (ت: ٧١٦):
هو سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي، الصرصري، ثم البغدادي، الفقيه، الأصولي، الحنبلي.
ولد سنة بضع وسبعين وستمائة.
وقد أخذ عن شيخ الإسلام في دمشق، قال ابن رجب: «... ثم سافر إلى دمشق سنة أربع وسبعمائة، فسمع بها الحديث من القاضي تقي الدين سليمان بن حمزة وغيره، ولقي الشيخ تقي الدين بن تيمية».
وأما عقيدته فيقول عنه ابن رجب: «... وكان مع ذلك شيعيا منحرفا في الاعتقاد عن السنة حتى إنه قال في نفسه:
حنبلي رافضي أشعري ... ظاهري هذه إحدى العبر»
وقد أطال ابن رجب ﵀ في بيان انحرافه.
وللطوفي شرح لقصيدة شيخ الإسلام ابن تيمية في القدر، وقد حقق
1 / 9
رسالة علمية في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية (^١).
وله قصيدة في مدح الشيخ وذم أعداءه، ذكر أبياتا منها ابن عبد الهادي في «العقود الدرية» (٢٥٤ - ٢٥٥)، ومما قال فيها:
يا أهل تيمية العالين مرتبة ... ومنصبا فرع الأفلاك تبيانا
جواهر الكون أنتم غير أنكم ... في معشر أشربوا في العقل نقصانا
لا يعرفون لكم فضلا ولو عقلوا ... لصيروا لكم الأجفان أوطانا
يا من حوى من علوم الخلق ما قصرت ... عنه الأوائل مذ كانوا إلى الآنا
إني لأقسم والإسلام معتقدي ... وإنني من ذوي الإيمان أيمانا
لم ألق قبلك إنسانا أسر به ... فلا برحت لعين المجد إنسانا
ويقال في حق الطوفي كما قال الألوسي في «جلاء العينين» (٥٠) ــ عندما ترجم لجملة من تلاميذ الشيخ، ومنهم الطوفي ــ: «وإنما ذكرته لشهرة أقواله والاطلاع على غريب حاله، وإلا فهو ليس من تلاميذ الشيخ المختصين، بل من جملة الملاقين الآخذين».
(تنبيه) جاء في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية من كتاب «ذيل الطبقات» لابن رجب (٤/ ٤٩٤): «قرأ في العربية أياما على سليمان بن عبد القوي» وهذه العبارة فيها خطأ، فكلمة (سليمان) إما أنها مقحمة أو مصحفة.
والصواب أن شيخ الإسلام ابن تيمية قرأ على محمد بن عبد القوي بن
(^١) انظر: «القصيدة التائية في القدر لشيخ الإسلام ابن تيمية» شرح وتحقيق: الشيخ محمد الحمد (ص ٦٣).
1 / 10
بدران المقدسي المرداوي، المتوفى سنة (٦٩٩)، وهو المقصود في كلام ابن رجب السابق، ويدل على ذلك عدة أمور منها:
١ - أن ابن رجب قال في ترجمة محمد بن عبد القوي (٤/ ٣٠٩): «وممن قرأ عليه العربية الشيخ تقي الدين»، ولم يذكر هذا في ترجمة سليمان بن عبد القوي الطوفي.
٢ - أن سياق كلام ابن رجب في نشأة الشيخ العلمية، فبعد أن ذكر تلقي الشيخ للعلوم والمشايخ الذين أخذ عنهم قال: «ومهر في هذه الفضائل، وتأهل للفتوى والتدريس وله دون العشرين سنة».
وشيخ الإسلام ولد سنة (٦٦١) وهذا يعني أن قراءته على ابن عبد القوي كانت قبل سنة (٦٨١)، وسليمان الطوفي إنما ولد سنة بضع وسبعين وستمائة ببلده طوفى، وهي من أعمال صرصر بالقرب من بغداد، ولم يلتق بالشيخ إلا سنة (٧٠٤) حين ارتحل إلى الشام، وكان عمر شيخ الإسلام ابن تيمية (٤٣) سنة، فلا يتصور أبدا أن يقرأ عليه في العربية وقد بلغ هذه السن!
٣ - أن الحافظ ابن عبد الهادي ذكر في كتابه «طبقات الحفاظ» (٤/ ٢٨٢) نشأة الشيخ العلمية، وكان مما قال: «قرأ أياما في العربية على ابن عبد القوي ثم فهمها، وأخذ يتأمل كتاب سيبويه حتى فهمه، وبرع في النحو، وأقبل على التفسير إقبالا كليا حتى حاز فيه قصب السبق، وأحكم أصول الفقه، وغير ذلك، هذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة» ا. هـ.
٤ - أن جميع المصادر التي ترجمت لشيخ الإسلام ــ مما وقفنا عليه ــ تذكر ضمن شيوخه (ابن عبد القوي) ولا تسميه، وكثير من هذه المصادر إنما تنقل عن «ذيل الطبقات» لابن رجب.
1 / 11
نقوله عن الشيخ:
وقد تم تتبع ما وُقف عليه من كتبه المطبوعة فوُجد فيها بعض النقول اليسيرة عن ابن تيمية، منها ما هو في العقيدة كما في «الإشارات الإلهية» (٣/ ٩٠)، ومنها ما هو في أصول الفقه كما في «شرح مختصر الروضة» (١/ ٢١٨)، (٣/ ٢١٤)، ومنها نقل في الحديث بواسطة ابن تيمية وذلك في «علم الجذل في علم الجدل» (٢٢٢)، ولم نجد فيها شيئا يتعلق بالفقه.
* وقد بيَّن شيئا من المكانة الفقهية لشيخ الإسلام في كتابه «شرح مختصر الروضة» (٣/ ٦٢٧ - ٦٢٨) فقال: (ونحن لا يصح لنا أن نجزم بمذهب إمام حتى نعلم أنه آخر ما دونه من تصانيفه ومات عنه، أو أنه نص عليه ساعة موته، ولا سبيل لنا إلى ذلك في مذهب أحمد، والتصحيح الذي فيه، إنما هو من اجتهاد أصحابه بعده، كابن حامد، والقاضي وأصحابه، ومن المتأخرين الشيخ أبو محمد المقدسي رحمة الله عليهم أجمعين.
لكن هؤلاء ــ بالغين ما بلغوا ــ لا يحصل الوثوق من تصحيحهم لمذهب أحمد، كما يحصل من تصحيحه هو لمذهبه قطعا، فمن فرضناه جاء بعد هؤلاء، وبلغ من العلم درجتهم أو قاربهم، جاز له أن يتصرف في الأقوال المنقولة عن صاحب المذهب كتصرفهم، ويصحح منها ما أدى اجتهاده إليه، وافقهم أو خالفهم، وعمل بذلك وأفتى.
وفي عصرنا من هذا القبيل شيخنا الإمام العالم العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني حرسه الله تعالى، فإنه لا يتوقف في الفتيا على ما صححه الأصحاب من المذهب، بل يعمل ويفتي بما قام عليه الدليل عنده) ا. هـ.
1 / 12
*وقد ذكر كتابا واحدا من كتب الشيخ وهو «بيان الدليل»، فقال: (وقد صنف شيخنا تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية كتابا بناه على بطلان نكاح المحلل، وأدرج فيه جميع قواعد الحيل، وبين بطلانها بأدلته على وجه لا مزيد عليه) ا. هـ.
٢ - ابن عبد الهادي (ت: ٧٤٤):
هو محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد المقدسي، الجماعيلي الأصل، ثم الصالحي، الحنبلي.
ولد سنة (٧٠٥).
وقد كان ﵀ أحد الأذكياء، وكان عالما متفننا، وصاحب مصنفات محررة.
قال الحسيني في «ذيل العبر» (ص: ١٣٢) ــ تحت ترجمة ابن عبد الهادي ــ: «وتفقه بشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، وكان من جلة أصحابه».
وقال ابن رجب في «ذيل الطبقات» (٥/ ١١٦): «ولازم الشيخ تقي الدين مدة».
وقال يوسف بن عبد الهادي في «الجوهر المنضد» (ص: ١١٤): (يقال: أفقه أصحاب الشيخ هو (^١)، وأعلمهم بالحديث ابن عبد الهادي).
ويصف لنا ابن عبد الهادي جانبا من علاقته بشيخ الإسلام ابن تيمية
(^١) أي ابن مفلح.
1 / 13