الحسين في طريقه

الحسين في طريقه

•
Imperios y Eras
Otomanos

* بسم الله الرحمن الرحيم

** الحمد لله الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد

الأقصى ، والصلوات الدائمة على سيد أرباب الهجرة وخاتم رسله ، وسلام الله على آله المنتجبين الذين خصهم الله بآية التطهير ، وجعلهم أئمة يهدون إلى الخير ، وحججا على بريته ، والشهداء عليهم يوم الدين.

* (المقصورة وشرحها)

سار : فعل ماضي ، أي ذهب في الأرض. والحسين : فاعل. وتاركا : حال. وام القرى : مفعول. وينحو : فعل مضارع. العراق : مفعول. بميامين الورى : جار ومجرور ومضاف إليه. الحسين (عليه السلام) هو ثاني السبطين الذي قال فيه جده الأكرم : «حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسينا ، حسين سبط من الأسباط» (1). وروى ابن حيان ، وابن سعد ، وأبو يعلى ، وابن عساكر ، عن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة وفي لفظ (إلى سيد شباب أهل الجنة) فلينظر إلى الحسين بن علي». أبوه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ابن عم الرسول ، وصهره وخليفته على

Página 1

أمته ، وأمه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين. ذكر ابن حجر في الإصابة (1) عن ابن حريب قال : بينما عبد الله بن عمر جالس في ظل الكعبة إذ رأى الحسين مقبلا ، فقال : هذا أحب أهل الأرض إلى أهل السماء اليوم. وذكر ابن سعد في طبقاته ، ونقل عنه سبط ابن الجوزي (2) قال : كان ابن عباس يمسك بركاب الحسن والحسين حتى يركبا ، ويقول : هما ابنا رسول الله. وقال ابن عساكر (3): وكان الحسين في جنازة فأعيا وقعد في الطريق ، فجعل أبو هريرة ينفض التراب عن قدميه بطرف ثوبه ، فقال له : «يا أبا هريرة ، وأنت تفعل هذا؟!». فقال : دعني. فوالله لو يعلم الناس منك ما أعلم لحملوك على رقابهم. وقال الشبراوي (4) في فصل له : وقد حل الإمام الحسين (رضي الله عنه) من هذا البيت الشريف في أوج ذراه ، وعلا فيه علوا تطامنت الثريا عن أن تصل إلى معناه ، ولما انقسمت غنائم المجد كان له منه السهم الأوفر والحظ الأكبر ، وقد انحصرت جرثومة هذا البيت فيه وفي أخيه ، فكان لهما من خلال المجد والفضل ما لا خلاف فيه. كيف لا؟ وهما ابنا فاطمة البتول ، والملحوظان بعين الود والرأفة والقبول من أشرف نبي وأكرم رسول. نعم ، كما ذكر :

نسب كأن عليه من شمس الضحى

نورا ومن فلك الصباح عمودا

وقال آخر :

فيا نسبا كالشمس أبيض مشرقا

ويا شرفا من هامة النجم أرفع

وقال آخر :

ذرية مثل ماء المزن قد طهروا

وطيبوا فصفت أخلاق ذاتهم

و (ام القرى) من أسماء مكة المكرمة (زاد الله شرفها وتعظيمها). وفسر

Página 2

قوله تعالى : ( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا ) (1) على وجهين ؛ أحدهما : أنه أراد أعظمها وأكثرها أهلا ، والأخرى : أنه أراد مكة. وقال ابن دريد : سميت مكة (ام القرى)؛ لأنها توسطت الأرض والله أعلم. وقيل : سميت ام القرى ؛ لأنها تقصد من كل أرض وقرية ، أو لأنها أقدم القرى التي في جزيرة العرب وأعظمها خطرا ؛ إما لاجتماع أهل القرى فيها كل سنة ، أو لانكفائهم إليها ، وتعويلهم على الاعتصام بها لما يرجونه من رحمة الله تعالى (2). وقوله عز اسمه : ( ولتنذر ام القرى ومن حوله ) (3)، أراد تعالى ذكره مكة. ومن أسمائها (بكة)، قال جل ذكره : ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين ) (4)، وقوله عظم شأنه : ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا ) (5). وذكر زكريا القزويني قال في ذكر الحجاز : حاجز بين اليمن والشام ، وهو مسيرة شهر. قاعدتها مكة (حرسها الله تعالى)، لا يستوطنها مشرك ولا ذمي. كانت تقام للعرب بها أسواق في الجاهلية في كل سنة ، فإذا اجتمع بها قبائلهم يتفاخرون ويذكرون مناقب آبائهم ، وما كان لهم من الأيام ، ويتناشدون أشعارهم التي أحدثوا. وكانت العرب إذا أرادت الحج أقامت بسوق عكاظ شهر شوال ، ثم تنتقل إلى ذي المجاز فتقيم فيه إلى الحج . والعرب الذين اجتمعوا في هذه المواسم إذا رجعوا إلى قومهم ذكروا لقومهم ما رأوا وما سمعوا (6).

ومكة هي البلد الأمين الذي شرفه الله تعالى وعظمه ، وخصه بالقسم وبدعاء الخليل ( رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات ) (7) (8)، واجعله مثابة للناس ، وأمنا

Página 3

للخايف ، وقبلة للعباد ، ومنشأ لرسول الله (صلى الله عليه وآله). فهذه أسماء مكة جاءت في الذكر الحكيم ، وقد أجمع أرباب التاريخ على أن الحسين (عليه السلام) كان قد دخلها ليلة الجمعة ، لثلاث مضين من شعبان سنة ستين من الهجرة ، وذلك عندما أبى بيعة يزيد بالمدينة ، والخنوع تحت غاشية الظلم والجور ، وهو ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله). ولما نزل مكة المعظمة أقبل إليه أهلها ومن كان من المعتمرين بها ، يسلمون عليه ويرحبون بمقدمه ، وصار الأشراف من الناس يختلفون إليه. وقد أقام بها بقية شعبان وشهر رمضان ، وشوال وذي القعدة ، وخرج منها لثمان مضين من ذي الحجة يوم الثلاثاء. يوم التروية (1)، وهو اليوم الذي خرج فيه مسلم بن عقيل سفيره بالكوفة. وكان قد اجتمع إليه مدة مقامه بمكة نفر من أهل الحجاز ، ونفر من أهل البصرة انضافوا إلى أهل بيته ومواليه. وكان ناديه يضم وجوه المسلمين من الصحابة وأعيان أهل الحجاز ؛ كعبد الله بن عباس (حبر الأمة) (2)، وعبد الله بن جعفر (3)، ونظائرهما ، وأمثال عبد الله بن الزبير (1)

Página 4

وأقرانه. وقال ابن كثير في البداية والنهاية في إقامة الحسين (عليه السلام) بمكة : عكف الناس على الحسين (رضي الله عنه) يفدون إليه ، ويقدمون عليه ، ويجلسون حواليه ، ويستمعون كلامه ، وينتفعون بما يسمع منه ، ويضبطون ما يروون عنه. وقال أبو الفرج الأصبهاني : إن عبد الله بن الزبير لم يكن شيء أثقل عليه من مكان الحسين بالحجاز ، ولا أحب إليه من خروجه إلى العراق ؛ طمعا في الوثوب بالحجاز ، وعلما

Página 5

منه بأن ذلك لا يتم له إلا بعد خروج الحسين (عليه السلام)، فلقي الحسين (عليه السلام) وقال له : على أي شيء عزمت يا أبا عبد الله؟ فأخبره برأيه في إتيان الكوفة ، وأعلمه بما كتب به مسلم بن عقيل. فقال له ابن الزبير : فما يحبسك؟ فوالله لو كان لي مثل شيعتك بالعراق ما تلومت في شيء. وقوى عزمه ، ثم انصرف. هذا وقد تواردت كتب أهل الكوفة على الحسين (عليه السلام)، وذلك لما بلغهم وفاة معاوية (1)، وعلموا امتناع الحسين من بيعة يزيد ونزوله مكة. قال أرباب السير : اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي (2) بالكوفة ، فذكروا وفاة معاوية ، وخطبهم سليمان بن صرد ، وقال لهم فيما قال : إن الحسين قد خرج من مكة ، وأنتم شيعته وشيعة أبيه ، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدوا أعدائه فاكتبوا إليه ، وإن خفتم الفشل والوهن فلا تغروه. قالوا : بل نقاتل عدوه ، ونقتل أنفسنا دونه ، فكتبوا إليه : بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام). من سليمان بن صرد ، والمسيب بن نجبه ، ورفاعة بن شداد البجلي ، وحبيب بن مظهر الأسدي (3)،

Página 6

وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة. سلام عليك. فإنا نحمد الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد ، فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي اعتدى على هذه الأمة ، فابتزها أمرها ، وانتزعها حقوقها ، وغصبها فيئها ، وتأمر عليها بغير رضا منها ، ثم قتل خيارها واستبقى شرارها ، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها ، فبعدا له كما بعدت ثمود. وإنه ليس علينا إمام ، فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق. والنعمان بن بشير (1) في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا جماعة ولا عيد ، وقد حبسنا أنفسنا عليك ، ولو أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام. ثم سرحوا بالكتاب مع عبد الله بن مسمع الهمداني ، وعبد الله بن وآل ، فخرجا مسرعين حتى قدما على الحسين (عليه السلام) بمكة لعشر مضين من شهر رمضان ، ولبث أهل الكوفة يومين بعد تسريحهم بالكتاب ، وأنفذوا قيس بن مسهر

يا شر قوم حسبا وآدا

Página 7

الصيداوي (1)، وعبد الله وعبد الرحمن ابني شداد الأرحبي ، وعمارة بن عبد الله السلولي إلى الحسين (عليه السلام)، ومعهم نحو مئة وخمسين صحيفة من الرجل والاثنين والأربعة ، ثم لبثوا يومين آخرين وسرحوا إليه هاني بن هاني السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي ، وكتبوا إلى الحسين (عليه السلام): بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن علي (عليهما السلام) من شيعته من المؤمنين والمسلمين. أما بعد ، فحيهلا ، فإن الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك ، فالعجل العجل ، ثم العجل العجل ، والسلام. ثم كتب شبث بن ربعي ، وحجار بن أبجر ، ويزيد بن الحارث ، ويزيد بن رويم ، وعروة بن قيس ، وعمرو بن الحجاج الزبيدي ، ومحمد بن عمير بن عطارد التميمي : أما بعد ، فقد اخضر الجناب ، وأينٹت الثمار ، فإذا شئت فاقبل على جند لك مجندة ، والسلام (2). وروى ابن جرير الطبري ، عن حصين أن أهل الكوفة كتبوا إلى الحسين (عليه السلام) أن معك مئة ألف. قال أرباب التأريخ : وتلاقت الرسل كلها عند الحسين (عليه السلام)، فقرأ الكتب وسأل الرسل عن الناس ، ثم كتب مع هاني بن هاني وسعيد بن عبد الله ، وكانا آخر الرسل : «بسم الله الرحمن الرحيم. من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين. أما بعد ، فقد فهمت كل الذي اقتصصتم ، وقد بعثت إليكم بأخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل ، وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وأمركم ورأيكم ؛ فإن كتب إلي أنه قد أجمع رأي ملئكم ، وذوي الحجى منكم على

Página 8

مثل ما قدمت به رسلكم وقرأت في كتبكم ، فإني أقدم إليكم وشيكا إن شاء الله ؛ فلعمري ، ما الإمام إلا العامل بالكتاب ، القائم بالقسط ، الدائن بالحق ، الحابس نفسه على ذات الله ، والسلام». فسار مسلم بن عقيل من مكة واجتاز بالمدينة ، فصلى في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وودع أهله ، واستأجر منها دليلين فمرا به في برية مهجورة المسالك ، فأصابهم عطش فحادا عن الطريق فضلا وماتا من العطش. ونجا مسلم ومن معه من خدمه بحشاشة الأنفس حتى أفضوا إلى الطريق فلزموه ، فورد الماء ، فأقام مسلم به ، وكتب إلى الحسين (عليه السلام) مع رسول استأجره من أهل ذلك الماء يخبره خبره ، وما لاقى من الجهد ، ويستعفيه ، ويسأله أن يوجه غيره. فأوصل الرسول الكتاب إلى الحسين (عليه السلام) فقرأه ، وكتب في جوابه : «أما بعد ، فقد ظننت أن الجبن قد قصر بك عما وجهتك به ، فامض لما أمرتك به ؛ فإني غير معفيك ، والسلام». فسار مسلم إلى الكوفة ، ومكث هو بمكة بقية شهر رمضان وشوال وذي القعدة ، وثمان ليال خلون من ذي الحجة. وفي ذلك الحين ورد إليه كتاب مسلم بن عقيل من الكوفة مع عابس بن شبيب الشاكري (1)، يقول فيه : أما بعد ، فإن الرائد لا يكذب أهله (2)،

Página 9

وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألف ، فعجل الإقبال حين يأتيك كتابي ؛ فإن الناس كلهم معك ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى ، والسلام. وكان يزيد آنذاك قد أرسل ثلاثين سيافا ، وأمرهم أن يقتلوا الحسين (عليه السلام) أينما وجدوه بمكة ولو كان متعلقا بأستار الكعبة. فعلم الحسين (عليه السلام) ذلك ، فجاء إلى منزله ليلا ، وجمع أصحابه ، وخطب فيهم ، فقال : «الحمد لله ، وما شاء الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وصلى الله على رسوله محمد وآله أجمعين. خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة. وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخير لي مصرع أنا لاقيه ؛ كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء ، فيملأن مني أكراشا جوفا ، وأجربة سغبا ، لا محيص عن يوم خط بالقلم. رضا الله رضانا أهل البيت ؛ نصبر على بلائه ، ويوفينا أجور الصابرين. لن تشذ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لحمته ، وهي

Página 10

الحسين في طريقه | Usul