* بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين ، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

أما بعد فالدين مشتمل على أصول وفروع ، والمتكفل لتحقيق أصوله التي هي عبارة عن عدة عقائد هو علم الكلام ، ولفروعه التي هي عبارة عن عدة أحكام هو علم الفقه ، وله مبان ومدارك يتوقف عليها توقف غصون الشجرة على أصلها ، ولذا يسمى بأصول الفقه.

ومنه ظهر أهمية علم الأصول ، فإنه مما تتوقف عليه فروع الدين وأحكام شريعة سيد المرسلين ، ولولاه لما استقرت قواعد الشرع المبين ، ولأجل ذلك تصدى الأكابر لتمهيد قواعده وتبيين ضوابطه بتدوين كتاب مستقل له أو في ضمن المباحث الفقهية ، فكل من أراد الوصول في علم الفقه إلى محصول لا بد من علم

Página 3

الأصول كان أخباريا أو أصوليا ، ولا وجه لجعله بدعة بمجرد إفراده وتدوينه في كتاب مستقل.

ثم إن مباحث علم الأصول على أقسام :

فإن منها : ما لا نظر له إلى الواقع ، بل وظيفة عملية في ظرف الشك ، كمباحث أصالة البراءة والاشتغال والاستصحاب ، ولذا تسمى بالأصول العملية.

ومنها : ما هو ناظر إلى الواقع ، وهو على أقسام :

قسم : لا يرجع فيه إلى العرف ولا نظر فيه إلى اللفظ أصلا ، بل البحث فيه عقلي محض ، كمباحث مقدمة الواجب ، واجتماع الأمر والنهي ، وحرمة الضد.

وقسم آخر ، له مقابلة تامة مع القسم السابق المسمى بالمباحث العقلية ، وهو ما يرجع فيه إلى العرف ، وتمام النظر فيه إلى اللفظ ، كمباحث دلالة الأمر على الوجوب والنهي على الحرمة ، وثبوت المفهوم للقضية الشرطية ، وحمل المطلق على المقيد ، ويسمى هذا القسم بمباحث الألفاظ.

وقسم ثالث يبحث فيه عن دليلية ما يصلح لأن يكون دليلا وما يكون قابلا لذلك ولو إمكانا ، كمباحث حجية الشهرة والإجماع المنقول وظاهر الكتاب ونحو ذلك ، ويسمى هذا القسم بمباحث الحجج.

والقياس والاستحسان أيضا من هذا القسم ، وإنما ألغوا

Página 4

البحث عنهما ، لأن بطلانهما صار من البديهيات ، وإلا فهما لا يكونان قابلين للبحث عن حجيتهما.

وقسم رابع يبحث فيه عن تعارض حجتين ودليلين ، سواء كانا من سنخين ، كتعارض أدلة الأمارات والأصول وتعارض الأدلة المتكفلة لأحكام العناوين الأولية والثانوية ، أو كانا من سنخ واحد ، كتعارض خبرين أو ظاهرين ، ويسمى هذا القسم بمباحث التعادل والتراجيح.

وهنا مباحث أخر تسمى بالمبادئ تبحث في مقدمة الكتاب ، كالبحث عن تعريف علم الأصول وموضوعه ، والبحث عن الحقيقة الشرعية والصحيح والأعم والمشتق ، فلا بد من البحث عن كل قسم من الأقسام الستة ، في محله ، فلا وجه لإدخال صاحب المعالم قدسسره بحث مقدمة الواجب في مباحث الألفاظ مع كونه من المباحث العقلية ، ونحن نتبع الأكابر في ترتيب هذه المباحث ، ونشرع أولا فيما يذكر في مقدمة علم الأصول من الأمور :

الأول : في موضوع العلم ، وفيه جهات من البحث :

الأولى : في أن علمية العلم بموضوعه أولا يحتاج العلم إلى موضوع واحد جامع بين جميع موضوعات المسائل؟ والحق : عدم الحاجة.

وما ذكروه في وجهه من أن كل علم له غرض واحد يترتب على مسائله ، وبما أن الواحد لا يصدر عن الكثير بما هو كثير

Página 5

فلا بد من ترتب هذا الغرض الواحد على الجامع بين موضوعات المسائل لا على نفسها ، مخدوش من وجوه (1)، إذا أولا : لا يلزم أن يكون لكل علم غرض خارجي غير المعرفة بمسائله ، فإن من العلوم كالفلسفة العالية ، والتاريخ ، وغيرهما ما لا يكون الغرض منه إلا نفس العلم والمعرفة بمسائله من دون تعلق غرض آخر بالعلم بمسائله.

وثانيا : الكبرى المتسالم عليها في علم الفلسفة على تقدير عدم المناقشة في أصلها إنما تتم في الواحد الشخصي لا النوعي ، وواضح أن الغرض من علم الأصول مثلا وهو القدرة على الاستنباط واحد نوعي ، ضرورة أن الفروع المتفرعة على مسألة حجية الخبر الواحد مغايرة لما يتفرع على مسألة حجية الاستصحاب ، والقدرة على استنباط هذه مغايرة للقدرة على استنباط تلك الفروع.

وثالثا : لو سلم كون الغرض شخصيا مع ذلك لا يتم الاستدلال ، فإنه يتم على تقدير ترتب الغرض الشخصي على كل واحد من المسائل ، فيلزم أن يكون بين موضوعاتها جامع حتى

Página 6

لا ينافي القاعدة ، وليس كذلك في محل الكلام ، فإن الغرض من أي علم مترتب على مجموع مسائله ، نظير الخاصية الموجودة في المعاجين ، والمصلحة المترتبة على مجموع أجزاء الصلاة من مبدئها إلى منتهاها.

ورابعا : لو سلم جميع ذلك ليس الغرض من العلم مترتبا على نفس المسائل بموضوعاتها ومحمولاتها ونسبها فضلا عن ترتبه على خصوص موضوعاتها ، بداهة أن مسائل علم الأصول وقواعدها ثابتة مدونة ، وهكذا قواعد غيره من العلوم ثابتة في وعاء المناسب له ، ومع ذلك لا يقدر كل أحد على الاستنباط ، ولا يحصل الغرض من سائر العلوم لكل أحد ، فالغرض من أي علم مترتب على المعرفة بمسائله والعلم بها فلا بد حفظا للقاعدة المتسالم عليها من أخذ الجامع بين هذه العلوم ، أي العلم بكل مسألة مسألة لا أخذ الجامع بين الموضوعات.

وخامسا : من العلوم ما لا يمكن أخذ الجامع بين موضوعات مسائله ، كعلم الفقه (1)، فإن بعض موضوعات مسائله من الأمور الوجودية وبعضها من الأمور العدمية ، كترك الأكل والشرب في

أولا : بأنه في الفقه يبحث عما ليس فعلا للمكلف أيضا ، كالبحث عن مطلق الأحكام الوضعية من العقود والإيقاعات والمواريث وغيرها.

وثانيا : بأن فعل المكلف جامع انتزاعي لا حقيقي.

Página 7

الصوم ، وبعضها من الأمور الانتزاعية ، كالغصب المنتزع من الكون في دار للغير تارة ومن لبس لباسه أخرى ومن النوم في فراشه ثالثة ، وبعضها من مقولة الوضع ، كالقيام في الصلاة ، وبعضها من مقولة أخرى ، كالنية والقراءة ، ومن المعلوم أن لا جامع بين الأمر الوجودي والعدمي ولا بين الأمر الحقيقي والانتزاعي ولا بين المقولات التسع العرضية ، وإلا لم تكن المقولات بمقولات ، بل مقولة واحدة.

ومن جميع ما ذكرنا ظهر أن تمايز العلوم ليس بتمايز موضوعاتها ولا بتمايز محمولاتها ولا بتمايز أغراضها ، بل يختلف الأمر ، فربما لا نظر لمدون علم إلا إلى معرفة أحوال موضوع خاص ، كعلم التأريخ المدون لمعرفة أحوال طائفة خاصة أو شخص خاص.

وربما لا نظر له إلا إلى محمول خاص ، وغرضه معرفة ما يحمل عليه هذا المحمول ، كما إذا دون علما لمعرفة كل ما يعرضه الحركة والسكون.

وربما لا نظر له إلا إلى الغرض المترتب على ما دونه ، كغالب العلوم ، فلا يكون تمايز العلوم بأجمعها بالموضوعات ولا بالمحمولات ولا بالأغراض وإن كان الغالب أن يكون التمايز بالأغراض (1).

Página 8

الجهة الثانية : في الفرق بين العرض الذاتي والغريب.

قد قسموا ما يحمل على الشيء إلى ذاتي وغيره في بابين : باب الكليات الخمس وباب البرهان.

والمراد بذاتي باب إيساغوجي (الكليات الخمس) ما يقابل العرض العام والخاص ، وهو ما به قوام الشيء وحقيقة ذاته ، كحيوانية الإنسان وناطقيته وإنسانيته ، وبالجملة الجنس والنوع والفصل.

والمراد بذاتي باب البرهان ما يكون بين الثبوت للشيء بحيث يكفي وضع الذات في ثبوته له ، كزوجية الأربعة وإمكان الإنسان ، ويقابله العرضي بمعنى ما لا يكون بين الثبوت له ، كعلم الإنسان وسخاوته وأمثالهما.

والمراد بالذاتي الذي ذكروه عند قولهم في مقام تعريف موضوع العلم : «موضوع العلم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية» لا هذا ولا ذاك ، ضرورة أن محمولات المسائل ليست من قبيل الجنس والفصل لموضوع العلم وما به قوامه وحقيقة ذاته ، ولا بينة الثبوت لموضوع العلم ، فإنها نظرية ، وإلا لا تقع موردا للبحث ، بل المراد منه معنى آخر اصطلحوا عليه ، وهو ما يعرض للشيء أولا وبالذات بلا واسطة في العروض ، سواء كان له واسطة في الثبوت والمراد بالواسطة في الثبوت ما يكون علة للعروض ،

Página 9

كعروض الحرارة للماء بواسطة النار (1) أو لم يكن له واسطة في الثبوت أيضا ، كعروض إدراك الكليات للنفس الناطقة.

ويقابل العارض الذاتي بهذا المعنى ، العارض الغريب ، وهو ما يكون له واسطة في العروض بأن يعرض للشيء أولا ثم بواسطته يعرض للشيء الآخر ، كالتحرك العارض لجالس السفينة بسبب عروضه للسفينة ، فظهر أن الذاتي في مقابل الغريب قسم من أقسام العرضي ، وهو مقسم للعارض الذاتي والغريب.

ثم إن محمولات المسائل كلها لها واسطة في الثبوت ، لوجود العلة لها لا محالة ، ولها واسطة في الإثبات ، لعدم كونها بديهية ضرورية ، بل نظرية ، وذكروا أنها عارضة لموضوع العلم بلا واسطة في العروض.

وقسموا العارض إلى سبعة أقسام :

1 : ما يعرض للشيء بلا وساطة شيء لا ثبوتا ولا عروضا ، كعروض الإدراك للنفس الناطقة ، ومثله عوارض غيرها من البسائط ، ولا إشكال في كونه من الذاتي.

2 3 : وما يعرض بواسطة أمر داخلي أعم أو أخص.

4 7 : وما يعرض للشيء بواسطة أمر خارجي أعم أو أخص أو مساو أو مباين.

Página 10

واتفقوا على أن العارض بواسطة الأمر الداخلي الأخص ، من الذاتي ، والعارض بواسطة الأمر الخارجي مطلقا إلا المساوي ، من الغريب.

واختلفوا في الداخلي الأعم والخارجي المساوي.

فإن قلنا بأن العارض بواسطة الأمر الداخلي الأعم غريب ، يلزم منه إشكال في خصوص علم الأصول ، وهو أن يكون كثير من محمولات علم الأصول عوارض غريبة لموضوع علم الأصول ، فإن موضوعه على ما ذكروه : الأدلة الأربعة ، والبحث عن دلالة الأمر على الوجوب وغيره من مباحث الألفاظ ، وهكذا البحث عن حجية الظواهر موضوعه أعم من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة وظواهرها ، فالأمر الوارد في الكتاب والسنة نوع من مطلق الأمر الذي يقع البحث عنه في علم الأصول.

فقولنا : «يدل على الوجوب» عرض غريب له ، لعروضه أولا وبالذات لمطلق الأمر.

وهنا إشكال آخر جار في جميع العلوم ، وهو أن لازم الاتفاق على أن العارض بواسطة الأمر الخارجي الأخص غريب هو أن يبحث في جميع العلوم عن العوارض الغريبة لموضوع العلم ، فإن موضوعات المسائل أخص من موضوع العلم ، فعوارضها تعرض موضوع العلم بواسطة عروضها أولا لما يكون أخص منه.

وقد ذهب كل في مقام الجواب يمينا وشمالا ، ونحن

Página 11

لا نتعرض لأجوبتهم ، لعدم الفائدة فيها ، ونقتصر على ما لعله يكون أحسن من جميعها ، ويظهر ما في الجميع من الوهن بما يرد عليه وما عندنا من الجواب.

وما نريد أن نقتصر عليه هو ما أفاده شيخنا الأستاذ (1).

وحاصله بتوضيح منا : أن موضوع العلم لو كان مأخوذا على نحو الإطلاق ، لكان الأمر كما ذكر ، لكن الأمر ليس كذلك ، ضرورة أن فعل المكلف ليس موضوعا لعلم الفقه على الإطلاق من جميع الجهات حتى من حيث كونه صادرا عن اختيار أو عن جبر وقهر ، بل هو موضوع له من حيث خاص ، وهو حيث الاقتضاء والتخيير ، فهو مقيد بما يكون من الأمور الانتزاعية ، والمقيد بشيء يكسب منه ما له من الحيثية.

مثلا : يكون الإنسان المقيد بكونه فاعلا وتاركا في آن واحد ، ممتنع الوجود ، لكسبه من قيده ما له من الامتناع.

والأمور الانتزاعية وهكذا الأمور الاعتبارية في أعلى مرتبة البساطة ، لأنها أبسط من الأعراض التي تكون تحت المقولات التسع العرضية ، فإنها وإن كانت بسيطة في الخارج وليس لها مادة ولا صورة في مقابل بعض الجواهر ، الذي تكون له مادة وصورة قابلة للتبديل بصورة أخرى أحيانا ، فتتبدل صورة الحيوانية بصورة الملحية ، إلا أنها مركبات عقلية ولها جنس وفصل ، وهذا بخلاف

Página 12