الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني

الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني

Editorial

دار إحياء التراث العربي

Edición

الثانية

Regiones
Egipto
الفتح الرباني
في ترتيب مسند الإمام
أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني
ومعه كتاب
بلوغ الأماني
من أسرار
الفتح الرباني
كلاهما تأليف
أحمد عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي
خادم السنة النبوية بحارة الروم بالغورية بمصر
الجزء الأول
وقد جعلنا الفتح الرباني في أعلا الصفحة وبلوغ الأماني في أدناها مفصولا بينهما بجدول
(تنبيه)
للحافظ ابن حجر العسقلاني كتاب أسماه ﴿القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد﴾
أدرجناه جميعه ضمن التعليق موزعا على كل حديث ذب عنه الحافظ مع عزوه اليه
الطبعة الأولى ... الطبعة الثانية
دار إحياء التراث العربي

1 / 1

بسم الله الرحمن الرحيم
نحمدك يا من تواتر نعمه متصل لا ينقطع، وعظيم آلائه على الأنام موقوف لا يرتفع، ونشكرك على منن تعرفنا بها حسن آلآئك، واقتبسنا من صفحات صورها آيات عزك وكبريائك، ونشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك، أرسلته للثقلين بجوامع الكلم وأفصح للغات، وجملته بمكارم الأخلاق ونعته بأحسن الصفات، فصار عزيزا عند قومه وعشيرته وأهل ملته، مشهورا بالأمانة والكمال والعدل بين رعيته، يأخذ للضعيف من القوي،

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، إمام المتقين وخاتم النبيين، إمام الخير وقائد البر ورسول الرحمة وكاشف الغمة، اللهم ابعثه مقاما محمودا، يغبطه عليه الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آله محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آله إبراهيم إنك حميد مجيد وسلم تسليما كثيرا، وارض اللهم عن الصحابة والتابعين، وتابع التابعين والأئمة المجتهدين والفقهاء والمحدثين ومن اتبع هداهم بإحسان الى يوم الدين.
أما بعد،،
فهذا تعليق وجيز وضعته على كتابي الموسوم < بالفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد بن حمد بن حنبل الشيباني > لنشر جواهره وإبراز ضمائره، وكشف القناع عن إشاراته، والإفصاح عن لغاته، وكلت فيه الجليات للناظرين تفاديا من الإملال، وحققت بشرح مهمه الآمال، وسميته ﴿بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني﴾ راجيا أن ينفع الله به المسلمين، وأن يجعله ذخيرة الى يوم الدين، وإليك توضيح ما قصدت وبيان ما أردت.

1 / 2

ويرشد الجميع الى الصراط السوي، وصل المنقطع وأكرم الغريب، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر كل بعيد وقريب، أنزلت عليه محكم آياتك قرآنا عربيا غير ذي عوج وكلت إليه تفصيل ما أجمل فيه، وبيان ما أخفى منه بقولك جل شأنك: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أمرتنا باتباعه صلى الله عليه واله وصحبه وسلم وامثال أمره بقولك عز من قائل: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى

اصطلاحات تختص بالتعليق
(١) أولا: تذيل كل حديث بسنده فإني آثرت في ترتيب المتن حذف السند تقريبا للفائدة ونفيا للملل والسآمة واقتصارا في الوقت ونزولا على رغبة القارئين في هذا العصر الذي قصرت فيه الهمم، ولما كان ذكر السند لا يخلو من فائدة بل هو عند الحفاظ والأخصائيين من رجال الحديث نصف علومه رأيت أن أحرص على هذه الفائدة فذكرته في التعليق مذيلا كل حديث بسنده فجمعت بين الفائدتين ووحدت بين الرغبتين.
(٢) ثانيا: حل غريب المتن وضبطه، معرضا عن ذكر تراجم الرواة من الصحابة وغيرهم إلا في كتاب مناقب الصحابة ﵃ من قسم التأريخ وهو: ﴿القسم السادس من الكتاب﴾ فأني أفيض القول هناك بذكر تراجمهم وافية لا يحتاج معها القارئ الى زيادة، وفيما عدا ذلك قد أشير الى ضبط اسم راو أو بيان حاله عن طريق التنبيه لا سيما في المواطن التي هي مظنة تحريف أو تصحيف.
(٣) ثالثا: بيان حال الحديث مع ذكر من أخرجه غير الإمام أحمد من أصحاب الأصول أو من أورده في كتابه من متأخري الحفاظ ﵏ رامزا لأسمائهم وأسماء كتبهم بالرموز المشهورة كرموز الحافظ جلال الدين السيوطي ﵀ في كتابه الجامع الصغير طلبا للإختصار وربما خالفته في بعضها وقد أصرح بأسماء بعضهم أحيانا.
(٤) رابعا: كل حديث قلت فيه لم أقف عليه، يعلم أني بحث عنه في الأصول قدر استطاعتي فلم أجده ويكون غالبا مما انفرد به الإمام أحمد ﵀.
(٥) خامسا الإشارة في آخر كل باب إلى ما يستفاد منه وذكر من ذهب إليه من الأئمة المجتهدين إن كان في أحكام الفروع المختلف فيها وذكر شواهد وفوائد وتتميمات في كثير من المواضع.

1 / 3

اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فأدى الأمانة وبلغ الرسالة وجاهد في الله حق جهاده، وأنقذ الخلق من الجهالة والفساد، فكان بالمؤمنين رحيما، فصل اللهم وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين وصحبه أوعية العلم المباركين، والتابعين وتابعي التابعين، ومن تبع هداهم بإحسان الى يوم الدين ووفقنا للإقتداء بهم والإهتداء بهديهم واحشرنا في زمرتهم آمين.
أما بعد،،،
فيقول العبد الفقير، المعترف بالعجز والتقصير، راجي عفو ربه القدير، ﴿أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنا الشهير بالساعاتي﴾ إن أعظم ما اشتغل به المشتغلون، وشمر إليه العاملون، وتنافس فيه المتانفسون، معرفة كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه واله وصحبه وسلم فعليهما مدار الشريعة الإسلامية، وعلى السنة مدار أكثر الأحكام الفقهية، فإن أكثر الآيات القرآنية في الفروع مجملة، فجاءت السنة بمعانيها ظاهرة مفصلة، وقد قام علماء السلف الصالح في الصدر الأول

(٦) سادسا: إرجاع مختصرات المتون الى أصولها وذلك أنه جاء في الكتاب أحاديث طويلة ذات أحكام كثيرة تناسب أبوابا متعددة فعمدت الى هذه الاحاديث فوضعتها بتمامها في أليق الأبواب بها ثم قطعتها فقرا فضعت كل فقرة منها في الباب المناسب لحكمها، وقد يظن القارئ لأول وهلة أن هذه الفقرة حديث كامل وليست كذلك فإزالة لهذا اللبس أشير في التعليق إلى أنها طرف من حديث ذكر بتمامة في باب كذا، وربما ذكرته بتمامه في التعليق اذا اقتضى الحال ذلك.
(٧) سابعا: جاء في المسند أربعة وعشرون حديثا طعن الحافظ العراقي في تسعة منها وأورد ابن الجوزي الخمسة عشر الباقية في موضوعاته، فتصدى للذب عن جميعا الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ في كتاب أسماه ﴿القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد﴾ وبما أن هذه الأحاديث جاءت متفرقة في المسند تبعا لمسانيد رواتها من الصحابة رضوان الله عليهم، وجاءت متفرقة في كتابي ﴿الفتح الرباني﴾ تبعا لأبوابها فقد ضمنت هذا التعليق كل ما في كتاب الحافظ من الذب عنها موزعا على كل حديث ما يختص به منه قطعا للتهمة عن هذا الأصل العظيم والله الموفق وهذه هي الرموز المشار إليها

1 / 4

بما يكفل للمسلمين حفظ شريعتهم، وينفعهم في دنياهم وآخرتهم فجمعوا ما تفرق من كلام الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وصحبه وسلم، ونظموا ما انتثر من درر حكمه الغالية بعد أن أفرغوا جهدهم وهجروا أوطانهم وفارقوا أولادهم في سبيل الحصول على تلك التركة المباركة التي خلفها لهم سيد المرسلين وامام المتقين سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه واله وصحبه وسلم فظفروا بما طلبوا، وتحصلوا على ما رغبوا ولم يبخلوا بما حفظوا وسمعوا، بل دونوا الكتب والجوامع والمسانيد، لينتفع بها أهل عصرهم وكل عصر جديد، فانتشرت في جميع الأقطار، وانتفع بها أهل القرى والأمصار وبقيت الى وقتنا هذا غداء للأرواح وقدوة للعاملين، وستبقى الى ما شاء الله رب العالمين.

رموز التعليق
(خ) للبخاري في صحيحه، (م) لمسلم في صحيحه، (ق) للبخاري ومسلم، (د) لأبي داود، (مذ) للترمذي، (نس) للنسائي، (جه) لابن ماجه، (الأربعة) لأصحاب السنن الأربعة: أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، (الثلاثة) لهم إلا ابن ماجه، (ك) للحاكم في المستدرك، (حب) لابن حبان في صحيحه، (طب) للطبراني في معجمه الكبير، (طس) له في الأوسط، (طص) له في الصغير، (ص) لسعيد بن منصور في سننه، (ش) لابن أبي شيبة، (عب) لعبد الرزاق في الجامع، (عل) لأبي يعلى في مسنده، (قط) للدارقطني في سننه، (حل) لأبي نعيم في الحلية، (هق) للبيهقي في السنن، (لك) للإمام مالك، (فع) للإمام الشافعي فان اتفقا على إخراج قلت أخرجه الإمامان، (نه)، النهاية لابن الأثير المحدث، وإذا قلت: (قال الهيثمي) فالمراد به الحافظ المحدث علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد، وإذا قلت: (قال في التنقيح) فالمراد بذلك كتاب تنقيح الرواة في تخريج أحاديث المشكاة للمحدث الشهير أبي الوزير أحمد حسن، وإذا قلت: (قال في المنتقى) فمرادي بذلك كتاب منتقى الأخبار للإمام المحدث مجد الدين عبد السلام المعروف بابن تيمية الكبير المتوفي سنة أحدى وعشرين وستمائة، وهو غير ابن تيمية شيخ بن القيم، وإذا قلت: (قال الشوكاني) فمرادي في كتابه نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، والله اسأل أن يجعله خالصا لوجهه الكريم وأن يرزقني الفوز بجنات النعيم مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، دعواهم فيها بسحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.

1 / 5

وكان من أولئك الرجال الذين لا تزال وستظل آثارهم باقية وأصواتهم بالحق صارخة عالية، وإن فارقوا هذه الحياة الدنيا واستقروا بدار الكرامة والرضوان إمام المحدثين، والقدوة في الزهد والورع لأئمة الدين إمام السنة وعلم الأمة الإمام أبو عبد الله أحمد بن حمد بن حنبل الشيباني المروزي ﵀ (١)

ترجمة الإمام أحمد
اعلم أرشدني الله وإياك أن ترجمة الإمام أحمد رحمه الله تعالى ومناقبه كثيرة جدا تحتاج الى مجلدات، ولما كان لا بد لي من ذكر شيء من ترجمته لمناسبة اسمه في المقدمة رأيت أن أقتصر على أوجز ترجمة لكثرة شواغلي الآن وقيامي بطبع وتصحيح الكتاب أعني ﴿الفتح الرباني﴾ وقد وكلت الى نجلي الأكبر ﴿حسن أحمد البنا﴾ عمل مقدمة كبيرة ضافية تليق بعظمة الكتاب، ومؤلف أصله تقع في جزء لطيف تتضمن شيئا كثيرا من ترجمة الإمام أحمد ومناقبه وسيرته ومحنته وما يتعلق بمسنده ومنزلته عند المحدثين وشيء من فن الحديث وغير ذلك فلبى الطلب؛ وفقه الله ﷿ لعملها وأطال عمره وأحسن عمله وبارك فيه وفي اخوته وجعلهم خلفا صالحا آمين.
نسبه ﵀
قال الحافظ العلامة الإمام في الحديث والقراءات شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف بن الجزري المتوفي سنة ٨٣٣ ﵀ في كتابه ﴿المصعد الأحمد في ختم مسند الإمام أحمد﴾ ما نصه: أما الإمام أحمد فهو إمام المسلمين وأزهد الأئمة وشيخ الإسلام وأفضل الأئمة الأعلام في عصره وشيخ السنة وصاحب المنة على الأمة أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حبان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكاشة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وقد غلط قوم فجعلوه من ولد ذهل بن شيبان وإنما هو من ولد شيبان بن ذهل بن ثعلبة، وذهل بن ثعلبة هو عم ذهل بن شيبان، وقد اجتمع أحمد والنبي صلى الله عليه واله وصحبه وسلم في نزار لأن النبي صلى الله عليه واله وصحبه وسلم مضري من ولد مضر بن نزار، وأحمد بن حنبل ربعي من ولد ربيعة بن نزار فهو أخو مضر بن نزار، وكانت أم أحمد شيبانية أيضا واسمها: صفية بنت ميمونة بنت عبد الملك الشيباني من بني عامر كان أبوه نزل بهم وتزوج بها، وكان عبد الملك بن سواده بن هند الشيباني

1 / 6

وأثابه رضاه فإنه قد أسدى إلى الأمة أعظم ما عليه يحمد بإخراجه

من وجوه بني عامر وكان ينزل بها قبائل العرب فيضيفهم.
مولده ووفاة والده
ولد الإمام أحمد رحمه الله تعالى في العشرين من ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة ببغداد (١) وقال الحافظ أبو يعلى الحنبلي أنه ولد بمرو ثم حمل الى بغداد وهو رضيع وكان أبوه في زي الغزاة أصله من البصرة وتوفي أبوه محمد وله ثلاثون سنة وأحمد طفل.
نشأته ومشايخه وتلاميذه
قال الإمام أحمد: لم أر جدي ولا أبي، و، شأ في بغداد وعرف فضله وهو غلام في الكتاب فسمع من هشيم وإبراهيم بن سعد وسفيان بن عيينة ويحيى القطان عباد بن عباد وهذه الطبقة، وسمع بالعراق والحجاز والشام واليمن، روى عنه البخاري مباشرة وورى عن واحد عنه في صحيحه، ومسلم وأبو دادو وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان وعبد الله وأخوه صالح ابناه وخلق كثير وآخرهم أبو القاسم البغوي ﵏.
أول طلبه الحديث وثناء الناس عليه
أول طلبه للحديث سنة تسع وسبعين (أي بعد المائة) وله ست عشر سنة ﵀ قال عبد الله بن الإمام أحمد سمعت أبا زرعة يقول: كان أبوك يحفظ ألف ألف حديث قيل وما يدريك: قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب. وقال أبو عبيد: انتهى العلم الى أربعة: أفقههم أحمد ثم قال: لست أعلم في الإسلام مثله. وقال علي بن المديني: إن الله تعالى أيد هذا الدين بأبي بكر الصديق ﵁ يوم الردة وبأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يوم الفتنة. وقال يحيى بن معين: والله ما تحت أديم السماء أفقه من أحمد بن حنبل، ليس في شرق ولا غرب مثله. وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: ما خلفت ببغداد أفقه ولا أورع ولا أعلم من أحمد.
وقال الحافظ الذهبي: انتهت إليه الإمامة في الفقه والحديث والإخلاص والورع، واجمعوا على أنه ثقة حجة إمام. اهـ
ونقل الحافظ أبو موسى المديني المتوفي سنة ٥٨١ في كتابه خصائص المسند عن خط أبي بكر بن أبي نصر قال أبو الحسن اللنباني سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل ﵀ يقول: كتب أبي عشرة آلاف الف حديث ولم يكتب سوادا في بياض إلا قد حفظه. اهـ
ونقل الشوكاني عن ابي زرعة قال كانت كتب أحمد بن حنبل اثنى عشر حملا وكان يحفظها عن ظهر قلبه وكان يحفظ الف الف حديث اهـ
صفته ﵀
قال الحافظ الذهبي ﵀: يصف الإمام أحمد في ترجمته هو عالم العصر وزاهد

(١) في ابن خلكان خرجت أمه من مرو وهي حامل به فولدته في بغداد وقيل أنه ولد بمرو وحمل الى بغداد وهو رضيع

1 / 7

للناس كتابه المشهور ﴿بمسند الإمام أحمد (١) الذي شهد له المحدثون

الوقت ومحدث الدنيا ومفتي العراق وعلم السنة وباذل نفسه في المحنة وقل أن ترى العين مثله كان رأسا في العلم والعمل والتمسك بالأثر، ذا عقل رزين وصدق متين وإخلاص مكين، وخشية ومراقبة للعزيز العليم، وذكاء وفطنة وحفظ وفهم وسعة علم، هو أجل من أن يمدح بكلمي وأن أفوه بذكره بفمي كان ربعة من الرجال أسمر، وقيل كان طويلا يخضب بالحناء وفي لحيته شعر أسود ويلبس ثيابا غليظة ويتزر ويعتم، تعلوه سكينة ووقار وخشية ﵁.
تاريخ وفاته ومدة عمره ﵀
قال الحافظ الذهبي: وكانت وفاته يوم الجمعة عاشر او حادي عشر ربيع الأول سنة أحدى وأربعين ومائتين وله سبع وسبعون سنة وعشر ليال وشيعه أمم لا يحصيهم إلا الله تعالى حزروا بثمانمائة ألف فالله تعالى أعلم. إهـ
الكلام على مسند الإمام أحمد
قال الإمام الحافظ نور الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر الهيثمي المتوفي سنة ٨٠٧ ﵀ في كتابه زوائد المسند على الكتب الستة، إن مسند أحمد أصح صحيحا من غيره لا يوازي مسند أحمد كتاب مسند في كثرته وحسن سياقه. وقال الحافظ السيوطي: في خطبة كتابه الجامع الكبير ما لفظه: وكل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول، فان الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن. وقال الحافظ: في كتابه تعجيل المنفعة في رجال الأربعة: ليس في المسند حديث لا أصل له إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة منها حديث عبد الرحمن بن عوف أنه يدخل الجنة زحفا قال والإتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه فترك سهوا، نقله الشوكاني في اول كتابه نيل الأوطار في ترجمة الإمام أحمد. قلت: وقال الحافظ بن الجزري في كتابه المصعد الأحمد حدثني شيخنا الإمام العالم شيخ الفقهاء شمس الدين محمد بن عبد الرحمن الخطيب الشافعي رحمه الله تعالى قال سئل الشيخ الإمام الحافظ أبو الحسين علي بن الشيخ الإمام الحافظ الفقيه محمد بن اليونيني رحمهما الله تعالى: أنت تحفظ الكتب الستة؟ فقال: أحفظها وما أحفظها، فقيل له كيف هذا؟ فقال: انا أحفظ مسند أحمد وما يفوت المسند من الكتب الستة إلا قليل، أو قال وما في الكتب الستة هو في المسند يعني إلا قليل وأصله في المسند فأنا أحفظها بهذا الوجه أو كما قال رحمه الله تعالى. (وبالإسناد) إلى إسحاق البرمكي قال ثنا أبي قال ثنا القاسم بن الحسن قال سمعت أبا الحسن بن عبيد الحافظ يقول سمعت عبد الله بن احمد يقول خرج أبي المسند من سبع مائة ألف حديث. وقال عثمان بن السباك: ثنا حنبل قال جمعنا احمد بن حنبل أنا وصالح وعبد الله وقرأ علينا المسند وما سمعه غيرنا وقال لنا هذا الكتاب جمعته وانتقيته من أكثر من سبع مائة ألف حديث وخمسين ألفا فما اختلف المسلمون من حديث رسول الله صلى الله عليه واله وصحبه وسلم فارجعوا اليه فإن وجدتموه

1 / 8

في القديم والحديث بأنه أجمع كتب السنة للحديث وأصحها بعد الصحيحين وأوعاها لكل ما يحتاج إليه المسلم في زاده ومعاده من بغير مين، فو كتاب لا تزال بركته شاملة يقدره من يعرف قدر السنة الفاضلة، ولا يزال هذا العمل مشكورا للإمام أحمد مادام في الأرض إسلام ومسلمون جزاه الله وسلفه ومن سلك سبيله وأقتفى آثاره خير جزاء ورحمهم بأوسع رحمته وأسكنهم فسيح جنته وهدانا لى طريق الرشاد ونجانا من هول يوم التناد آمين.

وإلا فليس بحجة اهـ. وقال الحافظ أبو موسى المديني: ﵀ في كتابه خصائص المسند وهذا الكتاب يعني: ﴿مسند الإمام أحمد﴾ أصل كبير ومرجع وثيق لأصحاب الحديث انتقي من حديث كثير ومسموعات وافرة فجعله اماما ومعتمدا وعند التنازع ملجأ ومستندا قال ولم يخرج إلا عن من ثبت عنده صدقه وديانته دون من طعن في امانته (وقال أيضا) ومن الدليل على أن ما أودعه الإمام أحمد ﵀ مسنده قد أحتاط فيه إسنادا ومتنا ولم يورد فيه إلا ما صح عنده على ما أخبرنا أبو علي سنة خمس (يعني وخمسمائة) قال ثنا أبو نعيم (ح) وأنا ابن الحصين قال أنا بن المذهب قال أنا القطيعي قال ثنا عبد الله قال حدثني أبي قال ثنا محمد بن جعفر قال ثنا شعبة عن ابي التياح قال سمت أبا زرعة يحدث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه واله وصحبه وسلم أنه قال: ﴿يهلك أمتي هذا الحي من قريش، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله، قال لو أن الناس اعتزلوهم﴾ قال عبد الله قال لي أبي في مرضه الذي مات فيه اضرب على هذا الحديث فإنه خلاف الأحاديث عن النبي صلى الله عليه واله وصحبه وسلم يعني قوله: ﴿اسمعوا وأطيعي﴾ وهذا مع ثقة رجال اسناده حين شذ لفظه عن المشاهير أمر بالضرب عليه فقال عليه ما قلنا وفيه نظائر له اهـ (قلت): هذا مثال لشدة احتياط الامام احمد في المتن، (وأما احتياطه في السند) فقد روى القطيعي قال حدثنا عبد الله (يعني بن الامام احمد) حدثني أبي ثنا علي بن ثابت الجزري عن ناصح أبي عبد الله عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه واله وصحبه وسلم قال: ﴿لأن يؤدب الرجل ولده أو أحدكم ولده خير له من أن يتصدق كل يوم بنصف صاع﴾ قال عبد الله وهذا الحديث لم يخرجه ابي في مسنده من أجل ناصح لأنه ضعيف في الحديث وأملاه في النوادر. (قلت) وهذا الحديث ذكرته في كتابي (الفتح الرباني) في الباب الرابع من كتاب البر والصلة وأشرت إليه في التعليق. قال الشوكاني: وقد حقق الحافظ نفي الوضع عن جميع أحاديثه وأنه أحسن انتقاء وتحريرا من الكتب التي لم يلتزم مصنفوها

1 / 9

طريقة الإمام أحمد في ترتيب مسنده
هذا وقد سلك الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتابه مسلكا يتفق مع أهل عصره فرتبه على مسانيد الصحابة فهو يذكر الصحابي ثم يذكر كل ما رواه عن الرسول صلى الله عليه واله وصحبه وسلم من الأحاديث بدون نظر الى ترتيبها أو موضاعاتها ثم، ثم يقفي بصحابي آخر وهكذا، فترى الحديث من أحكام العبادات يلي أخاه في الجنايات ويجاورهما حديث في الترغيب والترهيب إلى غير ذلك من أغراض السنة، فلست تستطيع أن تهتدي الى حديث بعينه، ولست تقدر أن تجمع بين شتات الأحاديث التي وردت فيه عن موضوع واحد
﴿مثال ذلك﴾ روى الامام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده بسنده عن عبد الله بن شداد عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه واله وصحبه وسلم في أحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر وهو حامل حسن أو حسين فتقدم النبي صلى الله عليه واله وصحبه وسلم فوضعه ثم كبر للصلاة فسجد بين ظهري صلاته سجدة أطالها قال (أي الرواي) اني رفعت راسي فاذا الصبي على ظهر الرسول صلى الله عليه واله وصحبه وسلم فرجعت في سجودي فلما قضى رسول الله صلى الله عليه واله وصحبه وسلم الصلاة قال الناس يا رسول الله انك سجدت بين ظهري الصلاة سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك قال: كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت ان اعجله حتى يقضي حاجته﴾ هذا آخر حديث في المسند ذكرته أنا في كتابي في باب جواز حمل الصغير في الصلاة من أبواب ما يبطل الصلاة وما يكره فيها وما يباح، فإذا كنت تريد هذا الحديث من المسند وتجهل اسم راويه من الصحابة فماذا كنت فاعلا؟ لا مناص لك من أحد أمرين: إما أن تقرأ الكتاب جميعه وهذا بعيد جدا، وإما أن تتركه وهنا ضاعت

العنعنة في جميعها كالموطء والسنن الأربع وليست الأحاديث الزائدة فيه على الصحيحين بأكثر ضعفا من الأحاديث الزائد في سنن أبي داود والترمذي. اهـ (قلت) هذه هي صفوة القول في المسند والله أعلم.

1 / 10