آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٣٤)
أحكام أهل الذمة
تأليف
الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية
(٦٩١ هـ - ٧٥١ هـ)
وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة
بكر بن عبد الله أبو زيد (رحمه الله تعالى)
دار عطاءات العلم - دار ابن حزم
المقدمة / 1
راجع هذا الجزء
محمد أجمل الإصلاحي
سليمان بن عبد الله العمير
المقدمة / 3
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فهذا كتاب «أحكام أهل الذمة» للإمام ابن القيم ﵀، وهو آخر كتاب يحقق في هذه السلسلة المباركة إن شاء الله «آثار الإمام ابن قيِّم الجوزية وما لحقها من أعمال». وهو أهمُّ ما أُلِّف في هذا الباب، وأوسعُه وأشملُه، توسَّع فيه المؤلف وأطال الكلام في الموضوعات التي تناولها بالبحث، بالاعتماد على مصادر مهمة لم يصل إلينا بعضها، ويحتفظ الكتاب بنصوص نادرة منها.
ويشمل الكتاب أيضًا الشروط العُمَرية التي شرحها المؤلف شرحًا مفصلًا (على غرار شرحه لكتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري في القضاء في «أعلام الموقعين»)، بحيث أصبح كتابًا مستقلًّا، وأذِن المؤلف أن يُفرد لأهميته.
وفيما يلي الكلام على بعض الموضوعات التي تعتبر مدخلًا للكتاب وتوطئةً له:
- عنوان الكتاب
- توثيق نسبته إلى المؤلف
- موضوع الكتاب وما أُلِّف فيه
المقدمة / 5
- أهمية الكتاب
- بناء الكتاب وترتيب مباحثه
- موارده
- أثره في الكتب اللاحقة
- وصف النسخة الخطية
- الطبعات السابقة
- منهج العمل في هذه الطبعة
* * * * *
المقدمة / 6
عنوان الكتاب
عنوان الكتاب كما في مخطوطته: «أحكام أهل الذمة»، وبه سمَّاه بعض المؤلفين عند النقل عنه (كما في: «كشاف القناع» ٤/ ٢٤٦، و«مطالب أولي النهى» ٢/ ٦١٤، ٤/ ٢٨٣).
ونقل عنه بعض المؤلفين وسمَّوه «أحكام الذمة» (كما في: «الإنصاف» ١٠/ ٤٥٤، ٢٧/ ١٦٥، و«الإقناع» ٢/ ٥٠، و«كشاف القناع» ٣/ ١٣٢، و«إرشاد أولي النهى» للبهوتي ١/ ٦١٩). والأمر فيه قريب، ولا يُعدّ اختلافًا. كما نقول: «أهل السنة» و«السنة» بمقابل الشيعة.
وذكره المؤلف في «شفاء العليل» (٢/ ٤٤١ ط. عالم الفوائد) فقال: «كتابنا في أحكام أهل الملل»، وأشار الدكتور صبحي الصالح في مقدمة تحقيقه (ص ٥٤) إلى احتمال وقوع التحريف هنا في تسمية الكتاب «أحكام أهل الملل» استنادًا إلى كثرة التصحيفات في نشرة «الشفاء» فكأن الناشر لم يحسن قراءتها، أو كانت في الأصل غامضة، أو تساهل في نقلها ثم طبعها على ما ترجَّح لديه.
والذي ترجَّح لدينا أنه ليس مبنيًّا على التحريف لاجتماع الأصول الخطية لـ «شفاء العليل» على هذه التسمية، ولأن هذا الكتاب صالح لأن يسمَّى بهذا الاسم الشامل الواسع «أحكام أهل الملل»، فإنه تحدَّث في بعض أبوابه عن أحكام أهل الملل عامَّةً ولو لم يكونوا من أهل الذمة، كما في مسألة حكم
المقدمة / 7
أطفال المشركين في الآخرة. وصالحٌ لأن يُسمَّى باسم أخصَّ وأدلَّ على موضوعه الذي غلب عليه، وهو «أحكام أهل الذمة».
ولم نجد ذكر الكتاب في المصادر القديمة التي ترجمت لابن القيم إلا عند ابن رجب في «المنتقى من معجم شيوخ شهاب الدين أبي العباس أحمد بن رجب الحنبلي» (ص ١٠١)، ولكن حصل فيه تحريف حيث ورد فيه «كتاب اختلاف أهل الملل مجلدان». والصواب «أحكام أهل الملل» كما ذكره ابن القيم في «شفاء العليل». وقد أثبتنا العنوان الموجود في المخطوطة وما ذكرتْه المصادر الناقلة التي سبق ذكرُها، وبه عُرِف الكتاب عند المتأخرين، ولا داعي لتغييره، فأبقيناه كما هو.
* * * * *
المقدمة / 8
توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف
لم يرد ذكر هذا الكتاب في عامة المصادر القديمة لترجمة ابن القيم إلا «المنتقى من معجم شيوخ ابن رجب» كما سبق، وهو ثابت النسبة له بوجوه من الشواهد الداخلية والخارجية:
أولًا: أشار المؤلف في مبحث تحريم «الطَّرِيفا» عند اليهود إلى كتابه «هداية الحيارى» فقال: «وقد ذكرنا في كتاب «الهداية» سبب هذا التحريم، ومن أين نشأ، وأن التوراة لم تحرِّمه، وأنهم غلطوا على التوراة في تحريمه، وذكرنا نصّ التوراة وأنهم حملوه على غير محله» (١/ ٣٧٤). وهذا المبحث موجود في «هداية الحيارى» (ص ٣٠٧ - ٣١٠).
ثانيًا: بحث في موضع آخر هل كل مجتهد مصيب أو المصيب واحد، ورجَّح الثاني وقال: «الصواب من الأقوال كجهة القبلة في الجهات، وعلى هذا أكثر من أربعين دليلًا قد ذكرناها في كتاب مفرد» (١/ ٣٢). وهو الكتاب الذي أشار إليه في «تهذيب السنن» (٣/ ١٣٧) بقوله: «كتاب مفرد في الاجتهاد»، وفي «مفتاح دار السعادة» (١/ ١٥٥) بقوله: «كتاب الاجتهاد والتقليد».
ثالثًا: ذكر المؤلف هذا الكتاب في «شفاء العليل» فقال: «وليس المقصود ذكر هذه المسائل وما يصير به الطفل مسلمًا، فإنا قد استوفيناها في كتابنا «أحكام أهل الملل» بأدلتها، واختلاف العلماء من السلف والخلف فيها، وذكر مآخذهم، وإنما المقصود ذكر الفطرة وأنها هي الحنيفية، وأنها لا تنافي القدر السابق بالشقاوة» (٢/ ٤٤١).
المقدمة / 9
وقد فصّل المؤلف الكلام في هذا الموضوع في كتابنا هذا (٢/ ٦٦ - ١٠٣) الذي أشار إليه بقوله: «كتابنا في أحكام أهل الملل»، وأهل الملل هم اليهود والنصارى والمجوس والصابئة الذين يكونون أهل الذمة في الحكومة الإسلامية، وقد ذكر المؤلف أحكامهم في كل ما يتعلق بعباداتهم ومعاملاتهم وأنكحتهم وغيرها، وتوسَّع في كل بابٍ بما لا مزيد عليه.
رابعًا: ذكر المؤلف شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع كثيرة (ينظر فهرس الأعلام) نقل فيها اختياراته وكلامه من كتبه وفتاواه، وانفرد هذا الكتاب بنصوص مهمة عنه لا توجد في كتبه المطبوعة. وهذه طريقة ابن القيم في استفادته من علوم شيخه، وأسلوبُه في التأليف في كل موضوع، حيث ينقل كلام شيخه ويختصره ويُهذّبه ويزيد عليه، ويشير إليه غالبًا ويُغفِل الإشارة إليه أحيانًا. وقد قمنا بمراجعة كتب شيخ الإسلام وتتبعنا النقول عنها، وأشرنا إلى النقول التي لا توجد في المطبوع من كتب الشيخ.
خامسًا: اعتماد المؤلفين على هذا الكتاب واقتباسهم منه، مع التصريح بذكر المصدر أو عدم التصريح به. وسيأتي بيان ذلك في مبحث أثره في الكتب اللاحقة.
سادسًا: قال المؤلف في الكتاب: «وبذلك أفتينا وليَّ الأمر بانتقاض عهد النصارى لما سَعَوا في إحراق الجامع والمنارة وسوق السلاح، ففعل بعضهم، وعلم بعضهم وكتمَ ذلك ولم يُطلِع عليه وليَّ الأمر» (٢/ ٣٣٦). وذكره المؤلف أيضًا في «زاد المعاد» (٣/ ١٦٢) فقال: «وبهذا القول أفتينا وليَّ الأمر لما أحرق النصارى أموال المسلمين بالشام ودُورَهم، وراموا
المقدمة / 10
حَرْق جامعهم الأعظم حتى أحرقوا منارته، وكاد ــ لولا دفاع الله ــ أن يحترق كلُّه، وعلم بذلك من علم من النصارى، وواطأوا عليه وأقرُّوه ورضُوا به ولم يُعلِموا به وليَّ الأمر، فاستفتى فيهم وليُّ الأمر من حضره من الفقهاء، وأفتيناه بانتقاض عهد من فعل ذلك أو أعان عليه بوجهٍ من الوجوه ...». وهذا الحدث كان سنة ٧٤٠ كما بيَّن ذلك ابن كثير في «البداية والنهاية» (١٨/ ٤١٤، ٤١٥)، وذكر حيلة النصارى لإحراق السوق والمسجد، والقبض عليهم وتنفيذ حكم الشرع فيهم.
وتدل الإشارة إلى هذا الحدث أن هذا الكتاب أُلِّف بعد سنة ٧٤٠، وأن المؤلف أفتى فيه بما يقتضيه الشرع.
* * * * *
المقدمة / 11
موضوع الكتاب وما أُلِّف فيه
أحكام أهل الذمة باب من أبواب «كتاب الجهاد» في كتب الفقه، ويُعَنْون له بـ «كتاب السِّير» أيضًا، لاسيما في كتب الفقه الحنفي والشافعي، والمقصود به سيرة النبي ﷺ والمسلمين من بعدِه ومنهجهم في المعاملة مع الكفار من أهل الحرب، ومع أهل العهد منهم من المستأمنين وأهل الذمة، ومع المرتدين الذين هم أخبث الكفار بالإنكار بعد الإقرار، ومع أهل البغي الذين حالهم دون حال المشركين. فلفظ «السير» يشمل جميع هؤلاء الأصناف وبيان أحكامهم، بدءًا من الجهاد وفرضيته وشروطه، وما يجب قبل القتال وبعده، وانتهاء الحرب بالإسلام أو بالأمان أو بالهدنة أو بعقد الذمة، وحكم الأنفال والفيء والغنائم، وحكم الأسرى والسبي.
وتوجد أحكام أهل الذمة في كتب الفقه عامة وكتب السِّير المفردة خاصة، إلّا أنها في كتب السِّير أكثر تفصيلًا واستيعابًا للجزئيات. وقد ألَّف فيه أبو إسحاق الفزاري (ت ١٨٥ أو بعدها) (^١)، قال الشافعي: لم يصنّف أحدٌ في السِّيَر مثله. ونظر فيه الشافعي، وأملى كتابًا على ترتيبه ورضيه (^٢)، ذكر فيه قول أبي حنيفة ثم الأوزاعي وأبي يوسف، وعلق على كلامهم، وهو ضمن كتاب «الأم» له (٩/ ١٧١ - ٢٧٧) بعنوان «سير الأوزاعي» (^٣). وللشافعي
(^١). طُبعت قطعة منه بمؤسسة الرسالة بتحقيق فاروق حمادة.
(^٢). «تهذيب التهذيب» (١/ ١٥٢)، و«إكمال تهذيب الكمال» (١/ ٢٧٠).
(^٣). طبعه بعض الحنفية مستلًّا منه بحذف كلام الشافعي بعنوان «الرد على سير الأوزاعي» لأبي يوسف.
المقدمة / 12