Abkar Al-Afkar Fi Usul Al-Din

أبكار الأفكار في أصول الدين

Géneros
The Ash'aris
•
Regiones
Siria
•
Imperios y Eras
Ayubíes

مقدمة المؤلف

* بسم الله الرحمن الرحيم

وبه التوفيق والإعانة ولا حول ولا قوة إلا بالله (1).

الحمد لله الذي لا يبلغ مدى عظمته الواصفون ، ولا يدرك كنه حقيقته العارفون ، ولا يحيط بجلال صمديته العالمون ، تعالى عن أن تحيط به الأوهام والظنون ، وجل [عن (2) ] أن تخلقه الأعوام والسنون ، الخالق لكل موجود سواه ؛ فهو كائن بعد ما لم يكن ، وفاسد بعد أن يكون.

والصلاة على محمد رسوله القائم بشرعه ، والمظهر لدينه بعد أن كان مكنونا ، وعلى آله وأصحابه أعلام الهدى ، ومعادن السر المصون. وبعد :

فإنه لما كان كمال كل شيء وتماميته بحصول كمالاته الممكنة له ؛ كان كمال الأنفس الإنسانية بحصول ما لها من الكمالات : وهى الإحاطة بالمعقولات ، والعلم بالمجهولات.

ولما كانت العلوم متكثرة ، والمعارف متعددة ، وكان الزمان لا يتسع لتحصيل جملتها ، والعمر يقصر عن الإحاطة بكليتها ، مع تقاصر الهمم وقصورها ، وضعف الدواعى وفتورها ، وكثرة القواطع واستيلاء الموانع ، كان (3) الواجب السعى في تحصيل أكملها ، والإحاطة بأفضلها ؛ تقديما لما هو الأهم فالمهم (4) وما الفائدة في معرفته (5) أتم.

ولا يخفى أن أولى ما تترامى إليه بالنظر أبصار البصائر ، وتمتد نحوه أعناق الهمم والخواطر ؛ ما كان موضوعه أجل الموضوعات ، وغايته أشرف الغايات ، والحاجة إليه في تحصيل السعادة الأبدية من الأبديات ، وإليه مرجع العلوم الدينية ، ومستند النواميس الشرعية ، وبه صلاح العالم (6) ونظامه ، وحله وإبرامه ، والطرق الموصلة (7) إليه يقينيات ،

Página 67

والمسالك المرشدة نحوه قطعيات ، وذلك هو العلم الملقب بعلم الكلام ، الباحث في ذات واجب الوجود ، وصفاته ، وأفعاله ، ومتعلقاته ؛ فكان أولى بالاهتمام بتعجيله ، والنظر في تحقيقه وتحصيله.

ولما كنا مع ذلك قد حققنا أصوله ، ونقحنا فصوله ، وأحطنا بمعانيه ، وأوضحنا مبانيه ، وأظهرنا أغواره ، وكشفنا أسراره ، وفزنا فيه بقصب سبق الأولين ، وحزنا غايات أفكار المتقدمين والمتأخرين ، واستترعنا منه خلاصة الألباب ، وفصلنا القشر عن اللباب. سألنى بعض الأصحاب (1)، والفضلاء من الطلاب ؛ جمع كتاب حاو لمسائل الأصول ، جامع (2) لأبكار أفكار أرباب العقول. مقتصد لا يخرجه التطويل إلى الملل ، ولا فرط (3) الاختصار إلى النقص والخلل ؛ فأجبته إلى دعوته ، والحقته (4) بأمنيته / رجاء للفوز يوم المعاد ، والغبطة عند قيام الأشهاد ، وهو المسئول أن يلهمنا الرشد فيما رمناه ، ويسددنا لما قصدناه ، وأن يقيلنا من العثار ، وسوء الإكثار ، إنه قريب ممن دعاه ، مجيب لمن قصده واستجداه ، وسميته :

أبكار الأفكار

وجعلته مشتملا على ثمانى قواعد ؛ متضمنة لجميع مسائل الأصول :

الأولى (5): في العلم وأقسامه.

الثانية : في النظر وأقسامه وما يتعلق به.

الثالثة : في الطرق الموصلة إلى المطلوبات النظرية (6).

الرابعة : في انقسام المعلوم إلى الموجود والمعدوم ، وما ليس بموجود ولا معدوم.

Página 68

الخامسة : في النبوات.

السادسة : في المعاد وما يتعلق به من السمعيات ، وأحكام الثواب والعقاب.

السابعة : في الأسماء والأحكام.

الثامنة : في الإمامة ومن له الأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر.

Página 69

القاعدة الأولى

في حقيقة العلم وأقسامه

وتشتمل على أربعة أقسام :

الأول (1): في حد العلم وحقيقته.

الثاني : في العلم الضرورى ، واختلاف العلماء فيه.

الثالث : في العلم الكسبى.

الرابع : في أحكام العلم.

Página 71

القسم الأول

في حد العلم وحقيقته (1)

أما حقيقة العلم : فقد اختلف العلماء في العبارات الدالة عليها.

فقال بعض المعتزلة (2): العلم اعتقاد الشيء على ما هو عليه.

وهو باطل بالمعتقد عن تقليد وجود الرب تعالى ؛ فإنه معتقد للشىء على ما هو عليه ، وليس اعتقاده علما. (3) وهذا مما لا يندفع وإن زيد في الحد : مع سكون النفس إليه (3). ثم إنه يخرج منه العلم بالمعدوم المستحيل الوجود ؛ فإنه علم ، وما تعلق به ليس بشيء بالاتفاق.

ومنهم (4) من زاد في الحد : إذا وقع عن ضرورة أو دليل. وهذه الزيادة ، وإن اندفع بها الإشكال الأول فلا يندفع بها الإشكال الثاني.

ومن زعم أن العلم لا يتعلق بالمعدوم المستحيل الوجود ؛ فحكمه بذلك علم تصديقى ، والعلم التصديقى يستدعى علمين تصوريين ، وأحد التصورين المعدوم المستحيل الوجود ؛ فيكون مناقضا لقوله : والعلم التصديقى. مع كونه مكابرا للبديهة ، وما يجده كل عاقل من نفسه من العلم باستحالة الجمع بين النفى والإثبات ، وهو غير متصور مع كون النفى غير معلوم.

وانظر الإنصاف للباقلانى. طبع الخانجى ص 13. والتمهيد له أيضا طبع دار الفكر العربى ص 34 وأصول الدين للبغدادى. طبع مطبعة الدولة باستانبول ص 5 ، 6 والإرشاد لإمام الحرمين. نشر الخانجى ص 12 ، 13 والمحصل للرازى. طبع الحسنية ص 69 ومعالم أصول الدين له أيضا ص 5 على هامش المحصل.

وانظر شرح المواقف للجرجانى. ط دار الطباعة العامرة ص 29 36 حيث يختصر صاحب المواقف ما أورده الآمدي مفصلا هنا. وأيضا شرح المقاصد للتفتازانى. ط دار الطباعة العامرة باستانبول ص 13 15.

Página 73

وقال القاضى أبو بكر (1): العلم (2) معرفة المعلوم على ما هو به (3)

وهو باطل من وجهين :

الأول (4): أن لله تعالى علما عنده بعلم ، ولا يقال لعلمه معرفة بالإجماع ؛ فلا يكون الحد جامعا.

الثانى : أنه عرف العلم بالمعلوم. والمعلوم مشتق من العلم ، والمشتق من الشيء يكون أخفى من ذلك الشيء ، وتعريف / الأظهر (5) بالأخفى ممتنع. كيف وفيه زيادة لا حاجة إليها وهى قوله : على ما هو به ؛ فإن المعرفة بالمعلوم لا تكون إلا على ما هو به.

وقال الشيخ الأشعرى (6): فيه عبارات :

الأولى : العلم هو الذي يوجب كون من قام به يكون عالما.

الثانية : هو الذي يوجب لمن قام به اسم العالم.

الثالثة : العلم إدراك المعلوم على ما هو به.

والعبارتان الأوليان مدخولتان ؛ من حيث أنه أخذ العالم في حد العلم ؛ وهو أخفى من العلم. والثالثة [مدخولة أيضا (7) ] من جهة أنه أخذ المعلوم في تعريف العلم ؛ وهو أخفى منه (8).

Página 74

وأيضا : فإنه أخذ الإدراك في حد العلم ، والإدراك على أصله نوع من العلم ؛ وتعريف الجنس بنوعه ممتنع. ثم لا حاجة إلى الزيادة وهى : على ما هو به ؛ كما تقدم.

قال الأستاذ أبو بكر بن فورك (1): العلم ما صح بوجوده من الذي قام به إتقان الفعل وإحكامه.

وهو باطل ؛ فإنه إن أراد به ما يصح به إحكام الفعل وإتقانه بطريق الاستقلال ؛ فهو محال ، فإن إتقان الفعل كما يتوقف على العلم ، يتوقف على القدرة. وإن أراد به أنه يتوقف عليه الإتقان ولا يستقل به ؛ فيلزم عليه القدرة ؛ فإنها أيضا كذلك ؛ وليست علما.

وأيضا : فإن الواحد منا له علم ، وهو غير مؤثر في إتقان فعل من الأفعال القائمة به ، ولا الخارجة عنه ؛ إذ هو غير موجد لهما على أصلنا.

وقد قيل في إبطاله أيضا : إن العلم قد يكون بما لا يصح به إتقانه [كعلم (2) ] الواحد منا بنفسه وبالله تعالى ، وبالمستحيلات ؛ فإن ما تعلق به ليس فعلا ، ولا مما يصح إتقانه [به (3) ] وإنما يلزم هذا الإبطال أن لو قيل : العلم هو ما يصح به إتقان كل ما يتعلق به. وأما إذا أريد به ما يصح به في الجملة إتقان الفعل ، فلا.

وقال الشيخ أبو القاسم الأسفرايينى (4): العلم ما يعلم به.

وفيه أيضا : تعريف العلم بما هو أخفى منه.

الأستاذ أبو بكر بن فورك : محمد بن الحسن بن فورك : المتكلم ، الأصولى ، الأديب ، النحوى ، الواعظ. من متكلمى الأشاعرة ، له تصانيف كثيرة في أصول الدين ، وأصول الفقه توفى سنة 406 ه.

Página 75

** وقال بعض الأصحاب :

وهو فاسد من ثلاثة أوجه (1):

الأول : أن فيه تعريف العلم بالمعلوم ؛ وهو فاسد ؛ على ما تقدم.

الثانى : أنه إذا كان العلم إثبات المعلوم ؛ فالعالم بالمعلوم يكون مثبتا للمعلوم ؛ ويلزم من ذلك أن يكون علمنا بوجود الرب تعالى : إثباتا له ؛ وهو محال.

الثالث : أن الإثبات قد يطلق ويراد به إيجاد الشيء ، وقد يطلق ويراد به تسكين الشيء عن الحركة ، وقد يطلق تجوزا على العلم.

ولا يخفى أن إرادة الإثبات بالاعتبار الأول والثاني فيما نحن فيه ؛ ممتنع. والثالث / فيه تعريف العلم بالعلم ؛ وهو ممتنع.

** وقال غيره من الأصحاب :

ولا يخفى ما فيه من الزيادة ، وتعريف العلم بما هو أخفى منه. والذي يخصه أن التبيين مشعر بالظهور بعد الخفاء ، والوضوح بعد الإبهام ؛ وذلك مما يوجب خروج علم الرب تعالى عن الحد.

وقال غيره : العلم هو الثقة (2) بأن المعلوم على ما هو عليه.

ولا يخفى ما فيه من الزيادة ، وتعريف العلم بما هو أخفى منه.

كيف وأنه يلزم من كون العلم هو الثقة (2) بالمعلوم ؛ أن يكون من قام [به] (3) العلم واثقا ؛ وذلك يوجب كون البارى تعالى واثقا بما هو عالم به ، وإطلاق ذلك على الله تعالى ممتنع شرعا.

** وقالت الفلاسفة :

ويلزم عليه أن من علم الحرارة والبرودة : أن تكون صورة الحرارة ، والبرودة ؛ منطبعة في نفسه ؛ ويلزم من ذلك أن يكون العالم بهما حارا ، أو باردا ؛ وهو محال.

Página 76

** فإن قيل :

قيل : فالمثال إن كان مساويا في الحقيقة للمثل ؛ فالإشكال لازم ، وإلا فليس مثلا له ، ولا العلم متعلقا به (1).

ولعسر تحديد العلم ؛ اختلف العلماء المتأخرون.

(2) فقال بعضهم (2): إنه لا طريق إلى تعريفه بالحد ؛ بل تعريفه إنما هو بالقسمة ، والمثال.

وقال بعضهم (3): العلم بالعلم بديهى ؛ لأن ما عدا العلم لا يعرف إلا بالعلم ، فلو كان غيره معرفا له ؛ لكان دورا ؛ ولأن الإنسان يعلم بالضرورة وجود نفسه ، والعلم أحد تصورى هذا التصديق البديهى ، وما يتوقف عليه البديهى يكون بديهيا ؛ فتصور العلم بديهى ؛ وهما باطلان :

أما القول الأول : فلأن الطريق المذكور في التعريف إن حصلت به معرفة العلم وتمييزه عن غيره ؛ فلا معنى للحد إلا هذا. وإن لم يحصل به تمييز العلم عن غيره ، فلا يكون معرفا للعلم.

وأما القول الثانى : فغير لازم ، فإن الدور يوجب أن لا يكون التحديد بأمر خارج عن العلم ، فلا يلزم من ذلك امتناع التحديد مطلقا ؛ إذ الحد أعم من الحد بأمر خارج عن المحدود على ما لا يخفى إلا أن يكون العلم بسيطا ، وليس كذلك (4)؛ إذ هو نوع من مقولة الكيف ؛ على رأى. ومن مقولة المضاف ، على رأى ؛ فيكون مركبا.

كيف وأنه لا دور ؛ (5) إذ الدور إنما يكون (5) مع اتحاد جهة التوقف ، وتوقف غير العلم على العلم لا من جهة (6) كون العلم (6) صفة مميزة له ؛ بل من جهة كونه مدركا به ، وتوقف / العلم على الغير بالضد ؛ فلا دور أصلا.

Página 77

وعلم الإنسان بوجود نفسه وإن كان بديهيا ، فلا يلزم أن تكون العلوم التصورية بديهية لوقوع النسبة البديهية بينهما ؛ فإنه لا معنى للقضية البديهية إلا إذا ما حصل العلم بمفرداتها بادر العقل إلى النسبة الواجبة لها من غير توقف على نظر ولا استدلال. وسواء كانت المفردات معلومة بالبديهية ، أو النظر. ولهذا فإن النفس أحد التصورات في المثال المذكور ؛ والعلم بمعنى النفس غير بديهى (1).

والأشبه في تحديده أن يقال :

العلم عبارة عن (2) صفة يحصل بها لنفس المتصف تمييز حقيقة ما ، غير محسوسة في النفس احترازا من المحسوسات حصل عليه حصولا لا يتطرق إليه احتمال كونه على غير الوجه الذي حصل عليه (2)، ويدخل فيه العلم بالإثبات ، والنفى ، والمفرد ، والمركب (3). وتخرج عنه الاعتقادات والظنون حيث (4) أنه لا يبعد (4) فى النفس احتمال كون المعتقد والمظنون على غير الوجه الذي حصل عليه في النفس ، وهو وجودى لا سلبى ؛ لأنه لو كان سلبيا ؛ فسلبه يكون إثباتا ؛ لأن سلب السلب إثبات. ولو كان كذلك ؛ لما صح سلب العلم عن المعدوم المستحيل الوجود ؛ لما فيه من اتصاف العدم المحض بالصفة الثبوتية ؛ وهو محال.

فإن قيل : هذا وإن دل على أن العلم ثبوتى ؛ فهو معارض بما يدل على كونه سلبيا ؛ وذلك لأن الجهل البسيط نقيض العلم. والجهل البسيط ليس أمرا سلبيا وإلا كان سلبه إثباتا كما ذكرتموه. ولو كان إثباتا ؛ لما صح سلب الجهل عن المعدوم المستحيل الوجود ؛ لما فيه من إثبات الصفة الثبوتية للعدم المحض ؛ وهو محال.

وإذا كان الجهل البسيط ثبوتيا ؛ فالعلم المناقض له يكون سلبيا.

Página 78

Abkar Al-Afkar Fi Usul Al-Din | Usul