A Critical Study of Narratives on the Personality of Omar Ibn Al-Khattab and His Administrative Policy

دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب وسياسته الإدارية

Editorial

عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية،المدينة المنورة

Edición

الأولى

Año de publicación

١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م

Ubicación del editor

السعودية

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة معالي مدير الجامعة الإسلامية
الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على رسوله الأمين، وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن أشرف ما تتجه إليه الهمم العالية هو طلب العلم، والبحث والنظر فيه، وتنقيح مسائله، وسلوك طريقه، لأن ذلك هو الذي يوصل إلى السعادة، كما قال الرسول ﷺ: "من سلك طريقًا يلتمس به علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة". وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.
وأول ما بدئ به رسول الله ﷺ هو وحي الله إليه بالعلم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وقال تعالى يخاطبه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ …﴾ وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
وما قامت الحياة السعيدة في الحياة الدنيا والآخرة إلَّا بالعلم النافع.
ولذا كان التعليم هو الهدف الأعظم المؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز ﵀، ولأبنائه كذلك من بعده، ففي عهد خادم الحرمين الشريفين، أول وزير للمعارف بلغت مسيرة التعليم مستوى عالية، وازدهر التعليم العالي وارتقت الجامعات، ومن هذه الجامعات العملاقة، الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، فهي صرح شامخ، يشرف بأن

1 / 5

يكون إحدى المؤسسات العلمية والثقافية، التي تعمل على هدي الشريعة الإسلامية، وتقوم بتنفيذ السياسة التعليمية بتوفير التعليم الجامعي والدراسات العليا، والنهوض بالبحث العلمي والقيام بالتأليف والترجمة والنشر، وخدمة المجتمع في نطاق اختصاصها.
ومن هنا، فعمادة البحث العلمي بالجامعة تضطلع بنشر البحوث العلمية، ضمن واجباتها، التي تمثل جانبا هاما من جوانب رسالة الجامعة ألا وهو النهوض بالبحث العلمي والقيام بالتأليف والترجمة والنشر.
ومن ذلك كتاب: "دراسات نقديّة في المروّيات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب له وسياسته الإدارية"، تأليف: الدكتور عبدالسلام بن محسن آل عيسى.
نفع الله بذلك ونسأله سبحانه أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
معالي مدير الجامعة الإسلامية
د/ صالح بن عبد الله العبود

1 / 6

مقدمة
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهير الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أمّا بعد: فإن دراسة تاريخ الخلفاء الراشدين أمر في غاية الأهمية وذلك لما للخلفاء الراشدين من منزلة رفيعة في الدين، فهم من أجلَّة صحابة النبي ﷺ الذين أثنى الله عليهم في كتابه. قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^١).

(^١) سورة الفتح الآية (٢٩).

1 / 7

وهم أيضًا ممن شهد لهم النبي ﷺ بالفوز في الآخرة برضوان الله ﷿ ودخول جنته (^١).
وأمرنا النبي ﷺ بالاقتداء بهم، قال ﷺ: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ" (^٢).
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "فقرن سنة خلفائه بسنته، وبالغ في الأمر بها حتى أمر أن يعض عليها بالنواجذ، وهذا يتناول ما أفتوا به وسنوه للأمة، وإن لم يتقدم فيه من نبيهم شيء، وإلا كان ذلك سنة ويتناول ما أفتى به جميعهم أو أكثرهم أو بعضهم، لأنه علق ذلك بما سنه الخلفاء الراشدون، ومعلوم أنهم لم يسنوا ذلك وهم خلفاء في آن واحد، فعلم أن ما سنه كل واحد منهم في وقته فهو سنة الخلفاء الراشدين" (^٣).
كلّ هذا يعطي الفترة التاريخية التي عاش فيها أولئك الخلفاء الراشدون مزية ومكانة هامة ليست للفترات التاريخية التي تليها.
ثم إن دراسة خلافة عمر بن الخطاب ﵁ لها أهمية أخرى فعمر ﵁ أفضل هذه الأمة بعد النبي ﷺ وأبي بكر.

(^١) ثبت ذلك في حديث العشرة المبشرين بالجنة، وهو حديث صحيح، انظر: ص: ٣٤٧.
(^٢) صحيح انظر تخريجه في ص: ٤٢٩.
(^٣) أعلام الموقعين ٤/ ١١٨، ١١٩.

1 / 8

قال عمرو بن العاص ﵁: "أتيت النبي ﷺ، فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة". قلت: من الرجال؟ قال: "أبوها"، قلت: ثم من؟ قال: "عمر" … الحديث (^١).
وقال عبد الله بن عمر ﵄: كنا نخير بين الناس زمن النبي ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمان بن عفان (^٢).
وشهد النبي ﷺ لعمر ﵁ بسعة علمه وصوابه وصدق حدسه.
قال ﷺ: "بينما أنا نائم إذ أتيت بقدح لبن، فقيل لي: اشرب، فشربت منه حتى إني لأرى الري يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر". قالوا: فما أولت ذلك؟
قال: "العلم" (^٣).
قال ابن القيم: ومن أبعد الأشياء أن يكون الصواب مع من خالفه في فتيا أو حكم لا يعلم أحدا من الصحابة خالفه فيه، وقد شهد له رسول الله ﷺ بهذه الشهادة (^٤).

(^١) صحيح النظر تخريجه في ص: ٣٩١.
(^٢) صحيح. انظر تخريجه في ص: ٤٤٠.
(^٣) صحيح. انظر تخريجه في ص: ١٨٠.
(^٤) أعلام الموقعين ٤/ ١٤٥، ١٤٦.

1 / 9

وقال ﷺ: "إن الله وضع الحق على لسان عمر وقلبه" (^١).
وقال ﵊: "إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم مُحدِّثُون (^٢)، وإنه إن كان في أمتي هذه منهم، فإنه عمر بن الخطاب (^٣).
ولمكانة عمر ﵁ الدينية والعلمية وكثرة الآثار المروية عنه في فترة خلافته والتي تتناول جوانب هامة من حياة المسلم في علاقته بر به وعلاقته بولاة الأمر وعلاقته بإخوانه، وأهل بيته، وكانت هذه الآثار موضع القدوة والأسوة الحسنة، كان لا بد من التحقيق والتدقيق في ثبوتها وصحة نسبتها لعمر ﵁.
وإن مما ساعد على حفظ هذه الآثار وتخليصها من الكذب والدس وبيان حقيقة ثبوتها من عدمه أن سلفنا الصالح من المحدِّثين والمؤرخين نقلوها إلينا مسندة، وكانوا ﵏ ورضي عنهم، لا يقبلون شيئا من الأخبار إلَّا مسندًا.

(^١) صحيح، انظر: ص ٢١٧.
(^٢) محدثون: أي ملهمون. ابن الأثير/ النهاية في غريب الحديث ١/ ٣٥٠.
(^٣) صحيح انظر تخريجه في ص: ٢١٧.

1 / 10

ومن أقوالهم في ذلك:
١ - قول محمّد بن سيرين (^١) ﵀: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم (^٢).
٢ - قول شعبة (^٣) بن الحجاج ﵀: كل حديث ليس فيه حدثنا وحدثنا فهو مثل الرجل بالفلاة معه البعير ليس له خطام (^٤)
٣ - قول عبد الله (^٥) بن المبارك ﵀: الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء (^٦).
وقال: إن بيننا وبين القوم القوائم يعني الإسناد (^٧).
٤ - قول بهز (^٨) بن أسد ﵀: لا تأخذوا الحديث عمن لا يقول ثنا (^٩).

(^١) محمد بن سيرين الأنصاري، ثقة، ثبت، عابد، من الثالثة. تق ٤٨٣.
(^٢) مسلم الصحيح / شرح النووي ١/ ٨٤.
(^٣) شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، ثقة حافظ متقن، كان النووي يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، من السابعة. تق ٢٦٦.
(^٤) ابن حبان / المجروحين ١/ ٢٧.
(^٥) عبدالله بن المبارك المروزي، ثقة ثبت، عالم جواد، مجاهد جمعت فيه خصال
الخير من الثامنة. تق ٣٢٠.
(^٦) مسلم الصحيح / شرح النووي ١/ ٨٧، ٨٨
(^٧) المصدر السابق.
(^٨) بهز بن أسد العمي أبو الأسود البصري، ثقة من التاسعة. تق ١٢٨.
(^٩) ابن حبان / المجروحين ١/ ٢٧.

1 / 11

فبالإسناد يعرف حال نقلة الخبر من القوة والضعف، فيؤخذ ما نقله أهل الصدق والأمانة والعدالة ويترك ما نقله الضعفاء والمتروكون.
قال ابن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم (^١).
ولقد كان كبار المؤرِّخين من كبار علماء الحديث، وممن تكلموا في الرجال كعروة بن الزبير، والزهري، وابن سعد، وخليفة بن خياط، وابن أبي شيبة، وابن شبة، والفسوي، وابن أبي خيثمة، وأبي زرعة والطيري، وابن عساكر، والذهبي، وابن كثير، وممن عنوا بسرد الأخبار التاريخية بأسانيدها، إبراء لعهدتهم من المسؤولية عن صحة ما ينقلونه من عدمها، لأن من أسند لك فقد أحالك.
ولا يعني إيرادهم للأخبار الباطلة والضعيفة قبولهم لها واعتقادهم ثبوتها.
قال الطبري ﵀: فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يوت في ذلك من

(^١) المصدر السابق.

1 / 12

قبلنا، وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا (^١).
وقد انتقد أهل العلم من لم يتحر من المؤرِّخين في نقله للأخبار وروايته لها، وقبوله إياها وبينوا أن كتب التاريخ تحتوي على الحق والباطل، والصدق والكذب، وأنها مشتملة على الأخبار الموضوعة التي وضعها الكذابون من أجل مصالحهم.
قال السخاوي رحمه الله تعالى: وبالجملة فالمؤرخون كغيرهم من سائر المصنفين في كلامهم الحمير العفين … نعم قد ظهر الكثير من الخلل، وانتشر من المناكير ما اشتمل على أقبح العلل، حيث انتدب لهذا الفن الشريف من اشتمل على التحريف، والتصحيف لعدم إتقانهم شروط الرواية والنقل، وائتمانهم من لا يوصف بأمانة ولا عقل، بل صاروا يكتبون السمين مع الهزيل، والمكين مع المزلزل العليل (^٢).
وقال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀ عند كلامه على خبر التحكيم بين علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان ﵃: هذا كله كذب صراح ما جرى منه حرف قط، وإنما هو شيء أخبر عنه

(^١) تاريخ الرسل والملوك ١/ ١٣.
(^٢) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ ص: ١٠٤/ ١٠٥.

1 / 13

المبتدعة، ووضعته التاريخية للملوك، فتوارثه أهل المجانية والمهارة بمعاصي الله والبدع (^١).
وإن مما يستنكر ويستغرب ظهور بعض من يدعو في وقتنا الحاضر المقاومة الدراسات النقدية للتاريخ الإسلامي والتي تهدف لتمحيصه وتخليصه من كذب الضالين، وافتراء الحاقدين بدعوى أن ذلك يؤدي الرفض الكثير من الأخبار التاريخية وبالتالي فقدان الأمة لتراثها وتاريخها، وهذه دعوي باطلة فإن الدراسات النقدية والتي تتبع فيها طرق الحبير من مصادر متعددة حديثية وتاريخية وأدبية، وغيرها تؤدي لزيادة توثيق الخبر. وإبراز معلومات جديدة لم تكن معروفة من قبل، وقد تؤدي إلى دفع التعارض والإشكال الذي يقع فيه كثير من المؤرِّخين الذين لا يتحرون صحة الخبر من عدمه بدراسة الإسناد، فيكون أحد الخبرين ضعيفًا وباطلًا فيترك ويؤخذ الصحيح والثابت، ودراسة الأخبار دراسة نقدية لا تعني تطبيق المنهج الحديثي على جميع الأخبار التاريخية بل إن هناك من الأخبار ما تعتبر دراسته دراسة نقدية من قبيل العمل الذي لا فائدة فيه، ولا طائل من ورائه ولذلك تساهل في قبوله السلف الصالح، ومن أمثلة ذلك:

(^١) العواصم من القواصم ص: ١٧٧.

1 / 14