بيان المعاني
بيان المعاني
Editorial
مطبعة الترقي
Edición
الأولى
Año de publicación
١٣٨٢ هـ - ١٩٦٥ م
Ubicación del editor
دمشق
[الجزء الأول]
الجزء الأول من القسم المكي من تفسير القرآن العظيم المسمى بيان المعاني على مسب ترتيب النزول تأليف السيد عبد القادر ملّا حويش آل غازي العاني ١٣٨٢ هـ- ١٩٦٢ م مطبعة الترقي
1 / 1
[خطبة الكتاب]
بسم الله الرّحمن الرّحيم «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي» أحمدك يا رب العالمين على ما أوليتني من النعم، وأشكرك يا أكرم الأكرمين على ما وفقتني لسلوك طريقك الأقوم، وأسألك يا مجيب السائلين إفاضة برّك وإحسانك، واستجديك إسبال سترك وعظيم امتنانك، وأرجو منك المعونة على ما قدمت عليه من التفسير، واللطف والعناية والتسهيل والتيسير، وأصلي وأسلم على مفتاح غيبك المكنون، وباب فتحك لأهل معرفتك المأمون، وعلى آله الذين آلوا بخير الأعمال، وأصحابه القائمين بما كان عليه من أفعال وأقوال، وأتباعه الذين صانوا دينه وشرعه المتين، فدام الاقتداء بهم وسيدوم إن شاء الله إلى يوم الدين.
أما بعد فإن القرآن العظيم جمع ورتبت سوره وآياته في المصاحف التي بأيدينا طبق مراد الله تعالى بأمر من رسوله الأعظم، ودلالة من الأمين جبريل المكرم، وحينما تشاور الأصحاب ﵃ على نسخه على الوجه المذكور أراد الإمام علي كرم الله وجهه ترتيب آيه وسوره بحسب النزول، لا لأنه لم ير صحة ما أجمعوا عليه، ولا لأنه حاشاه لم يعلم أن ذلك توقيفي لا محل للاجتهاد فيه، بل أراد أن تعلم العامة تاريخ نزوله ومكانه وزمانه، وكيفية إنزاله، وأسباب تنزيله، ووقائعه وحوادثه، ومقدمه ومؤخره، وعامه وخاصه، ومطلقه ومقيده، وما يسمى بناسخه ومنسوخه، بادىء الرأي، دون تكلف لمراجعة أو سؤال، ولمقاصد أخرى ستظهر
1 / 3
للقارىء بعد إن شاء الله. وكان مصحفه الذي نسخه على ترتيب النزول كما قاله الإمام جلال الدين السيوطي ﵀ في إتقانه في بحث جمع القرآن ج ١ نقلا عن الامام ابن حجر وتخريج ابن أبي داود، ونقل مثل هذا عن محمد بن سيرين، ولهذا البحث صلة وسط المطلب العاشر الآتي. واعلم أن الخليفة عثمان ﵁ ومن معه من الأصحاب انما لم يأخذ برأيه لأن السور والآيات كانت مرتبة ومجموعة على ما هو في المصاحف الآن، وهو أمر توقيفي لا مجال للرأي فيه، وليعلم أن تفسيره على رأي الإمام علي كرم الله وجهه لا يشك أخذ بأنه كثير الفائدة عام النفع، لأن ترتيب النزول غير التلاوة، ولأن العلماء ﵏ لما فسروه على نمط المصاحف اضطروا لأن يشيروا لتلك الأسباب بعبارات مكررة، إذ بين ترتيبه في المصاحف وترتيبه بحسب النزول بعد يرمي للزوم التكرار بما أدى لضخامة تفاسيرهم، ومن هذا نشأ الاختلاف بأسباب النزول والناسخ والمنسوخ والأخذ والرد فيما يتعلق فيهما، وقد علمت بالاستقراء أن أحدا لم يقدم تفسيره بمقتضى ما أشار إليه الإمام ﵇، ويكفي القارئ مؤنة تلك الاختلافات وتدوينها، ويعرفه كيفية نزوله ويوقفه على أسباب تنزيله، ويذيقه لذة معانيه وطعم اختصار مبانيه، بصورة سهلة يسرة موجزة خالية عن الرد والبدل، سالمة من الطعن والعلل، مصونة من الخطأ والزلل، فعن لي القيام بذلك، إذ لا مانع شرعي يحول دون ما هنالك، وأراني بهذا متبعا، لا مبتدعا، مؤملّا أن يكون عملي هذا سنة حسنة، فعزمت متوكلّا على الله تعالى الذي لا يخيب من رجاه، مستمدا من روحانية صفيه ومجتباه، على تفسيره على ذلك المنوال، لما رأيت فيه من الفوائد الجليلة التي ستقر بها عين القارئ إن شاء الله، مبينا أول ما نزل إلى الفترة والفترة، وسببها ومدتها وأول ما نزل بعدها، وسبب وتاريخ كل منه، ومكانه، وزمانه، وقصصه، وأخباره، وأمثاله، وأحكامه، والآيات المكررة وسبب التكرار، ونظائرها مما يناسبها باللفظ والمعنى والكلمات التي لم تكرر فيه (عدا ما كان بين صورة (ق) إلى (الحديد) وجزأي تبارك
1 / 4
وعمّ، لأن كثيرا من كلماتها لم تكرر لما هي عليه من السجع العجيب واللفظ الغريب)، وما هو موافق لشرع من قبلنا منه والمخالف له، والمعمول به منه، والآيات المقيدة للمطلقة والمخصصة للعامة، وأنواع الأوامر والنواهي الواجبة والمندوبة والمخير فيها، ومعنى النسخ وحقيقته وماهيته والمراد منه، وخلاصة القصص المعقولة، والغزوات المرموقة. وتتميما للفائدة، أوردت فيه ما يناسب الآيات من الأحاديث والأخبار والأمثال بما يكفي الواعظ عن كتب كثيرة وجعلته في ثلاثة أجزاء، اثنين لما نزل في مكة المكرمة، وواحد لما نزل في المدينة المنورة، وبدأته بمقدمة تحتوي على اثني عشر مطلبا تشير إلى ما أودعته فيه من المآخذ والأصول والرموز، وختمته بخاتمة ترمي إلى ما كان فيه من الوقائع والحوادث. وحقا إن أهل هذا العصر بحاجة ماسّة إلى تفسير كذا جامع مانع جار على أسلوب حسن بسيط مختصر غزير كاف، يطلعهم على حقائق كتاب الله بصورة قد يستوي فيها الخاص والعام، وهذا غاية ما أقصده من المجيب السميع، ومنه المعونة والتوفيق إلى سواء الطريق، وسميته (بيان المعاني) وأنا الفقير إليه عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني.
والله أسأل وبأنبيائه أتوسل أن ينفع به عباده، ويديم به الإفادة، ويوفقني لإكماله على الوجه الذي يرضيه راجيا ممن وقف على زلة أو عثرة أن يصلحها بكرمه، إذ ما منا إلا من ردّ وردّ عليه عدا من عصمه الله (على أنه إذا كان له رأي يخالف ما فيه أن يبينه على الهامش)، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم ويثيبني عليه رضاءه ورؤيته في دار النعيم، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبي ونعم الوكيل.
قال الإمام أبو السعادات ابن الأثير ﵀ في مقدمة نهايته المشهورة:
(كل مبتدىء شيئا لم يسبق إليه، ومبتدع أمرا لم يقدّم فيه عليه فإنه يكون قليلا ثم يكثر، وصغيرا ثم يكبر. وعسى أن يصدق قوله في كتابي هذا. والله الموفق.
وقد شرعت فيه صباح يوم الأربعاء أول شهر رجب الحرام سنة ألف وثلاثمائة وخمس وخمسين من هجرة سيد الأولين والآخرين، (والموافق ١٧ أيلول سنة ١٩٣٦) وصلى الله على محمد وآله وأصحابه وسلم ومن تبعهم إلى يوم الدين.
1 / 5
[المقدمة]
المطلب الاوّل في بيان مبادئ في التفسير
اعلم وفقك الله، لما كان من الواجب صناعة على كل شارع في فن أن يبين مبادئه العشرة ليكون القارئ على بصيرة منه وهي المذكورة في قول الناظم ﵀:
إن مبادي كل فن عشرة ... الحد والموضوع ثم الثمرة
وغاية ونسبة والواضع ... والاسم الاستمداد حكم الشارع
مسائل والبعض بالبعض اكتفى ... ومن درى الجميع حاز الشرفا
١- فحد علم التفسير هو علم بأصول يعرف بها معاني كلام الله تعالى بحسب الطاقة البشرية.
٢- وموضوعه آيات القرآن من حيث فهم معانيها والوقوف على ما تشير إليه.
٣- وثمرته معرفة ما في كتاب الله على الوجه الأكمل.
٤- وغايته الاعتصام بالعروة الوثقى والوصول إلى سعادة الدارين.
٥- ونسبته لبقية العلوم يكون هو أفضلها لأن شرف العلم يشرف موضوعه وناهيك بعلم موضوعه كلام الله إذ هو أصل العلوم ومعدنها.
٦- وواضعه الراسخون في العلم من عهد المنزل عليه إلى يومنا هذا فما بعد.
٧- واسمه علم التفسير أي الكشف عن غطاء معانيه والوقوف على ما ترمي إليه مبانيه.
٨- واستمداده من آي الكتاب الجليل، لأنه يفسر بعضه بعضا ومن السنة السنية لأنها شرح له ومن كلام الفصحاء ما يكون بيانا له.
٩- وحكمه الوجوب الكفائي على كل أهل بلدة.
١٠- ومسائله قضاياه من حيث الأمر والنهي والمواعظ والأخبار، وجاء في بعض النسخ بدل وغايته وفضله، وعلى ذلك فإن علم التفسير أفضل العلوم على الإطلاق لكونه متعلقا بكلام الله الذي لا أفضل منه البتة كيف لا وهو رب العالمين أجمعين.
1 / 6
المطلب الثاني فيما يحتاج إليه المفسر
اعلم رعاك الله إن المفسر يحتاج إلى معرفة اثنى عشر علما على الأقل ليتسنى له القيام على أحسن وجه فيما يفسره من كتاب الله تعالى: (١) علم اللغة لمعرفة معلومات الألفاظ بحسب الوضع ومعرفة الألفاظ المشتركة كالعين وشبهها، فإن لم يكن له إلمام بها فلا يجوز له الشروع فيه. روي عن أحمد أنه سئل عن القرآن يمثل له الرجل ببيت من الشعر، فقال: ما يعجبني إلا أن يكون واقفا عليه. وقال مجاهد: لا يحل التفسير لمن لم يكن عالما بلغات العرب. وقال مالك ينكّل أي من أقدم على تفسيره دون إلمام له بذلك. (٢ و٣) علم النحو والتصريف لمعرفة أحكام الكلمات العربية من حيث الاشتقاق والإفراد والتركيب والإعراب والبناء، أخرج أبو عبيدة عن الحسن أنه سئل عن الرجل يتعلم العربية يلتمس بها حسن المنطق ويقيم بها قراءته فقال: حسن فتعلمّها فإن الرجل يقرأ الآية فيعيا بوجهها فيهلك فيها. وفي قصة أبي الأسود الدؤلي والأعرابي الآتي ذكره في أول سورة التوبة الآتية في ج ٣ بالقسم المدني ما يغني عن البيان (٤) علم المنطق لما فيه من معرفة وجه الجدل والقضايا الموجبة والسالبة وغيرهما. قال الغزالي ﵀:
من لا معرفة له بالمنطق لا ثقة بعلمه. (٥) علم المعاني بفرعية البيان والبديع لمعرفة خواص تركيب الكلام من جهة إفادة المعنى ومعرفة خواصها ومن حيث اختلافاتها ومعرفة وجوه تحسين الكلام وهو الركن الأقوم لهذا الفن. (٦) علم الحديث لمعرفة المبهم وتبيين المجمل وسبب النزول والتقييد للمطلق والتخصيص للعام المعبر عنه غالبا بالنسخ. (٧) علم أصول الفقه لمعرفة الإجمال والنبيين والعموم والخصوص والإطلاق والتقييد ودلالة الأوامر والنواهي وما يشبهها ويتفرع عنها. (٨) علم الكلام لمعرفة ما يجوز على الله وما يستحيل وما يجب، والنظر في النبوات لئلا يقع المفسر في أخطاء وورطات قد يهلك فيها. (٩) علم القراءات لمعرفة كيفية النطق بالقرآن وترجيح بعض الوجوه المحتملة للمعاني الأكثر رجحانا بالنسبة للقارئين بها على البعض الأقل والأضعف. (١٠) علم الفقه لمعرفة الأحكام الشرعية العملية فيه وبيانها في
1 / 7
محالها، وآراء المجتهدين فيها والأخذ بما هو الأقوى دليلا والأحوط عقيدة وتقى.
(١١) علم الموهبة وهو علم يورثه الله تعالى لمن يشاء من عباده العالمين العاملين المتقين فيلهمهم المعرفة بأسرار كتابه، قال ﵊: (من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم) وهذا كالأساس لهذا العلم ليطلع على معانيه بما يفيضه الله على قلبه وركن هذا العلم العكوف على التقوى، وملاكه العمل مع الورع قال تعالى:
«وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ» الآية ٢٨٣ من البقرة في ج ٣. (١٢) علم الاعتماد على الرأي فيما لا يهتدى إليه من كتاب أو سنة أو قول معتمد عليه، وهنا يجب السكوت لئلا يهلك لأن الأمر عظيم ليس للرأي فيه مدخل بل لا بد من الاعتماد على شيء معتبر.
أخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي ذر قال: قال ﵌ من قال بالقرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار [أي من قال في مشكل القرآن ومتشابهه بما لا يعلم، أو من قال قولا يعلم أن الحق غيره فقد تعرض لسخط الله الذي عاقبته النار والعياذ بالله] .
وفي رواية من تكلم بالقرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ أي أخطأ طريق الحق إذ عليه أن يرجع إلى اللغة عند عدم الاهتداء إلى تفسير اللفظ، وإلى الأخبار عند عدم اهتدائه إلى الناسخ والمنسوخ بالمعنى المراد فيهما، وإلى صاحب الشرع عند عدم اهتدائه لبيان المعنى المراد منه، فإن لم يحصل له الاهتداء على ما غمض عليه في هذه الطرق فلا بأس بمراجعة فكرته وقدح رويّته ليستدل بما ورد على ما لم يرد، قال تعالى:
«أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ» الآية ٢٤ في سورة محمد ﵇ ومثلها الآية ٨٢ التي يليها قوله جل قوله «وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» الآية في سورة النساء في ج ٣، وقال عز قوله «لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ» الآية ٢٩ في سورة ص الآتية. لأن التفسير على صنفين نقلي ومستنده الآيات والأحاديث والآثار وسماعي، ومستنده اللغة والإعراب والبلاغة، هذا وقد أخرج أبو نعيم وغيره من حديث ابن عباس: القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه.
وروي عن علي ﵇ أنه سئل هل خصكم رسول الله بشيء؟ قال: ما عندي غير ما في هذه الصحيفة أو فهم يؤتاه الرجل في كتابه، راجع تفسير الآية الثانية في سورة الحشر في ج ٣ تجد حديث معاذ ﵁ وما به كفاية في هذا البحث.
1 / 8
المطلب الثالث في الحاجة الى التفسير
اعلم هداك الله. أن القرآن العظيم، نزل بلسان عربي مبين، على قوم هم أفصح الناس، الا انه لشدة فصاحته وغور معانيه، وبعد مراميه، لم يدركوا مراد الله في بعض مغازيه، فأحتاج الأصحاب وهم خلاصة ذلك العصر، الى أن يسألوا حضرة الرسول ﷺ عن معاني بعض آياته في زمنه، واحتاجوا لأن يسأل بعضهم بعضا عن بيان بيناته بعد وفاته، فمن باب أولى يلزم من بعدهم فهم تلك المعاني الغامضة منه، والوقوف على أحكامه، ومعرفة المراد منها، لأنه مدار السعادة الأبدية، والتمسك بالعروة الوثقى، والوصول الى الصراط المستقيم، وباب رضى رب العالمين، لأن الغرض فيه أمر عسير، لا يهتدى إليه الا بتوفيقات ربانية، وهبات رحمانية من اللطيف الخبير، وإذا كان الأصحاب رضوان الله عليهم على علو رتبتهم في مقامات الكمال، وارتفاع درجاتهم في الفصاحة واستنارة قلوبهم بإشراق مشكاة النبوة فيها، لم تعرج أفهامهم الثاقبة الى إشاراته، ولربما فهم بعضهم غير مراد الله، كما وقع لعدي بن حاتم في الخيط الأبيض والأسود، راجع تفسير الآية (١٨٧) في البقرة في ج ٣، إذ صرفهما لمعناهما المسمى فربط برجليه خيطين ليستبينهما في السحور، فما بالك يا أخي بغيرهم، وخاصة أهل هذا العصر الذي انصرف أهله بكليتهم الى علوم لا مساس لأكثرها بالدين، ولهذا مست الحاجة الى تفسير كتاب الله وانكب عليه السلف الصالح، وعكف عليه التابعون، واقتفى أثرهم العلماء، ولم ينفكوا عن الولوج في لجج معانيه والدخول في صحاري مبانيه الى ان يشاء الله، والى أن يرث الأرض ومن عليها، ولا يعلم تأويله كما أراد غيره. أخرج ابن أبي حاتم وغيره من طريق أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ) الآية (٢٦٩) من البقرة أيضا، قال: المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله، واخرج ابو عبيده عن الحسن قال: ما أنزل الله آية الا وهو يحب أن
1 / 9
يعلم فيم أنزلت، وما أراد بها، وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن مرة قال:
ما مررت بآية لا أعرفها الا أحزنتني، لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ» الآية (٤٣) من سورة العنكبوت ج ٢، وغير هذا في هذا كثير. وقد أوجبت على نفسي الاختصار الغير مخل، كما أوجبت ترك التوسع الممل في هذا التفسير المبارك، ولهذا اكتفيت بما ذكرته، والله الملهم لمن أراد بيانه.
المطلب الرابع في أحوال المفسرين به ومأخذ هذا التفسير
اعلم وفقك الله ان أحوال المفسرين في التفسير مختلفة على ثلاثة أصناف:
فمنهم من يقتصر في تفسيره على المنقول في الآية من أقوال من تقدمه من المفسرين وأسباب النزول وأوجه الإعراب ومعاني الحروف. ومنهم من يأخذ في وجوه الاستنباط منها، ويستعمل فكره بما آتاه الله من الفهم، ولا يشتغل في أقوال السابقين لوجودها في بطون الأوراق، ومنهم من يرى الجمع بين الأمرين والتحلي بالوصفين. وبما ان هذا أحسن الأصناف جريت عليه، واقتفيت أثر من مشى عليه الا اني قد اجتنبت التوسع الممل والاختصار المحل، إذ ان في الإطناب افراطا، وفي الإيجاز تفريطا، وكلاهما منتقد. على اني ان شاء الله سآخذ مما عليه الجمهور الموافق للنظم، والمطابق للسياق والمضاهي للسباق. واتبعت في تحرير مكية ومدنية ما هو المعتمد عليه من أقوال كثيرة مقتبسا من كتاب ابي القاسم عمر بن محمد بن عبد الكافي وكتاب تحقيق البيان للشيخ محمد المتولي شيخ القراء بمصر، وكتاب ناظمة الزهر للامام الشاطبي، وشرحها لأبي عيد رضوان المخللاتي، وكتاب ارشاد القراء والكاتبين له أيضا، وكتب القراءات والتفسير على خلاف في بعضها. وسلكت في عد آيه طريقة الكوفيين وهي الوسطى، وخير الأمور أوساطها وهي المروية عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي عن علي كرم الله وجهه، حسبما جاء في الكتب المذكورة، وهي ست آلاف ومائتان وست وثلاثون آية، أما
1 / 10
عند الحجازيين فست آلاف وستمائة وست عشرة، وعند البصريين أقل من الأول، والفرق باختلاف الوقف ليس الا لأن وقفات الحجازيين أكثر من وقفات البصريين وأقل من الكوفيين، وأعلم أن عدد كلماته سبع وسبعون الفا واربعمائة وخمسون كلمة، وعدد حروفه مليون وخمسة وعشرون الف حرف بالاتفاق على القول الصحيح.
واعلم ان نصف القرآن على حسب ترتيب المصاحف من حيث الأجزاء جزء ألم أقل من سورة الكهف، وبحسب السور التي هي مائة واربع عشرة سورة من حيث العدد سورة الحديد، وما قيل إن مصحف ابن مسعود مائة واثنتا عشرة سورة لأنه لا يرى المعوذتين من القرآن، فهو قول عار عن الصحة، وحاشى لابن مسعود أن ينسب إليه ذلك وقد أخطأ من ذكر هذا ونسبه إليه، هذا ونصفه بحسب الآيات آية (فَأَلْقى عَصاهُ) من سورة الشعراء وبحسب الحروف النون من قوله تعالى (نُكْرًا) من سورة الكهف.
أما الكتب التي اعتمدت الأخذ منها ما قرأته من تفسير الخازن والنسفي والبغوي ابن محمود النخجواني وابن عباس وابي السعود الرازي وروح البيان وروح المعاني والبيضاوي والكشاف والخطيب الشربيني وفريد وجدى والجلالين وحاشيتهما للجمل والصاوي وابن كثير والجزي المسميين بالإتقان، والتسهيل والإتقان في علوم القرآن للسيوطي، والفتوحات الربانية للشيخ نعمة الله، وتفسير محي الدين العربي، وما لم أقرأه كالطبري والحسيني والخطيب وتفسير الأستاد رشيد رضا المنسوب للإمام محمد عبده وغيرها كثير من الكتب والرسائل التي مست الحاجة إلى مطالعتها والأخذ منها كالتشريع الإسلامي والوحي المحمدي وهدي الرسول ورسالة التوحيد لمحمد عبده ورسالة معجزات القرآن وغيرها. ومن الكتب الفقهية كالمبسوط للسرخسي والدر المختار وحاشيته لابن عابدين والطحطاوي والدرر والجوهرة والخطيب الشربيني والباجوري علي ابن قاسم وغيرها، ومن كتب الصوفية عوارف المعارف للسهروردي والبهجة السنية للشيخ الخاني ونور الهداية والعرفان للصاحب، والإنسان الكامل لعبد الكريم الجيلاني واحياء العلوم للغزالي ورسالة أبي القاسم القشيري وغيرها، وكثير
1 / 11