ـ[أسد الغابة]ـ
المؤلف: عز الدين بن الأثير أبو الحسن علي بن محمد الجزري (ت ٦٣٠)
الناشر: دار الفكر - بيروت
عام النشر: ١٤٠٩هـ - ١٩٨٩م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
অজানা পৃষ্ঠা
[المجلد الأول]
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد فإن الأمم الحية الناهضة تهتم بتاريخها، وتعتنى بدراسته دراسة فاحصة تكشف كل ما تضمنه من آثار وأسرار وأخبار، وتجلو ما فيه من عبر ينتفع بها أولو الأبصار.
وليس ذلك لونا من ألوان الترف الفكرى، وإنما هو ضرورة تقتضيها مصلحة الأمة ربطا للحاضر بالماضي وليكون بناء المجتمع على أساس متين.
وأمة العرب أمة ناهضة ازدهر تاريخها منذ الإسلام، وكان لها في قارات العالم أثر أي أثر، كان لها أثر في آسيا وفي إفريقيا وفي أوربا، لقد حملت إلى هذه القارات مشاعل الهداية والعلم، والحضارة والمدنية، حملت إليها الرسالة المحمدية بكل مبادئها وتعاليمها وفضائلها ومثلها، وأثرت فيها تأثيرا كبيرا.
والشخصيات التي حملت هذا العبء بعد صاحب الرسالة هي شخصيات الصحابة أولئك الذين كانوا مفخرة العالم، وهداة الإنسانية، وروادها الأفاضل.
ولا عجب فقد كان لهم الفضل عليها حين حملوا إليها تعاليم الرسالة وصورة الرسول متمثلة في أقوالهم وأفعالهم ورواياتهم.
لقد كان كل منهم يحرص على أن يحاكيه في حركاته وسكناته وكلماته.
كان كل منهم يحرص على أن يعيش في ظلال صاحب الرسالة ليذكر بذكره، ويحظى بشرف الانتساب إليه لقد خرّجت المدرسة المحمدية في سنوات قليلة لم تزد على ثلاثة وعشرين عاما تلاميذ يعدون بالآلاف، لم يستطع التاريخ المنصف على الرغم من كثرتهم ووفرتهم أن يتجاهل واحدا منهم حتى أولئك الذين لم يبلغوا الحلم بل جاء إليهم حاني الرأس في إجلال وإكبار يفتش عن أخبارهم وينقب عن آثارهم، ويتعمق في البحث عن أسرار حياتهم.
ولم توجد مدرسة في الدنيا قديما ولا حديثا اهتم التاريخ بتقصى أخبار جميع أبنائها صغارا وكبارا غير المدرسة المحمدية، فهي وحدها التي عنى بها التاريخ وظفر جميع المنتسبين إليها باهتمامه البالغ.
1 / 3
فضل الصحابة والكتب التي الفت فيهم
يكفى الصحابة تنويها بهم وإشادة بفضلهم قوله تعالى:
مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا من الله وَرِضْوانًا سِيماهُمْ في وُجُوهِهِمْ من أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ في التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ في الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ٤٨: ٢٩ سورة الفتح- ٢٩ لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا من دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا من الله وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ من قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ من هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جاؤُ من بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ٥٩: ٨- ١٠ سورة الحشر ٨- ١٠ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ من الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ٩: ١٠٠ سورة التوبة- ١٠٠ ويكفى الصحابة تكريما قول النبي ﷺ:
«الله الله في أصحابى لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه» أخرجه ابن حبان في صحيحه وأخرجه أيضا الترمذي ٢- ٣١٩ وبشرح ابن العربيّ ١٣- ٢٤٤ عن عبد الله بن مغفل وقوله ﷺ:
«لا تسبوا أصحابى» لا تسبوا أصحابى، فو الّذي نفسي بيده، لو أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» أخرجه مسلم عن أبى هريرة ٤- ١٩٦٧ وأخرجه ابن ماجة ولفضل الصحابة الّذي نوه به الكتاب وأشادت به السنه اهتم العلماء من قديم بضبط أسمائهم وتاريخهم، وقد ألف في الصحابة:
١- الإمام أبو الحسن على بن عبد الله شيخ البخاري المولود سنة ١٦١، المتوفى سنة ٢٣٤.
٢- الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، صاحب الصحيح المولود سنة ١٩٤ المتوفى سنة ٢٥٦.
1 / 4
٣- محمد بن سعد بن منيع الزهري، صاحب الطبقات، المولود سنة ١٦٨ المتوفى سنة ٢٣٠.
٤- خليفة بن خياط المحدث النسابة، المتوفى سنة ٢٤٠.
٥- يعقوب بن سفيان الفسوي، المتوفى سنة ٢٧٧.
٦- أبو بكر بن أبى خيثمة، المتوفى سنة ٢٧٩.
٧- الإمام محمد بن عبد الله بن عيسى المروزي، المولود سنة ٢٢٠ والمتوفى سنة ٢٩٣، ٨- مطين الحافظ أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرميّ، المولود سنة ٢٠٢، والمتوفى سنة ٢٩٧.
٩- عبدان الحافظ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن موسى بن زياد الأهوازي، المتوفى سنة ٣٠٦.
١٠- الحافظ أبو بكر عبد الله بن أبى داود، المتوفى سنة ٣١٦.
١١- الحافظ البغوي عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، المتوفى سنة ٣٣٠.
١٢- الحافظ بن قانع عبد الباقي بن قانع بن مرزوق بن واثق، المولود سنة ٢٦٥، والمتوفى سنة ٣٥١ بدمشق.
١٣- الحافظ بن السكن أبو على سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن، المتوفى سنة ٣٥٣.
١٤- الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان البستي، المتوفى سنة ٣٥٤.
١٥- الحافظ الطبراني سليمان بن أحمد، المتوفى سنة ٣٦٠.
١٦- الحافظ أبو حفص عمر بن أحمد المعروف بابن شاهين، المتوفى سنة ٣٨٥، بقي أربعة أئمة أعلام يلزمنا أن نقف عندهم وقفة قصيرة وهؤلاء هم:
١- محمد بن يحيى بن إبراهيم (مندة) بن الوليد بن سندة بن بطة بن استندار واسمه (فيرازان) بن جهار يخت العبديّ مولاهم الأصبهاني أبو عبد الله جد الحافظ أبى عبد الله محمد بن إسحاق. روى عن لوين وأبى كريب وخلق وحدث عنه الطبراني وغيره، وكان من الثقات وتوفى سنة ٣٠١.
٢- أبو نعيم: أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني، حافظ من الثقات في الحفظ والرواية. ولد ومات في أصبهان من تصانيفه: حلية الأولياء، ومعرفة الصحابة ودلائل النبوة، وتاريخ أصبهان، ولد سنة ٣٣٦، ومات سنة ٤٣٠ هـ.
1 / 5
٤- أبو عمر يوسف بْن عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بْن عَبْد البر النمري القرطبي المالكي، حافظ المغرب، ولد بقرطبة سنة ٣٦٨، ورحل رحلات طويلة، وولى قضاء لشبونه وشنترين، وتوفى سنة ٤٦٣ بشاطبه، وله كتاب الاستيعاب في أسماء الأصحاب، لكنه لم يستوعب، وجمع فيه من ذكر باسمه أو كنيته، أو حصل له فيه وهم وعدد من ذكر فيه ٤٢٢٥ على ترقيم طبعة مكتبة نهضة مصر، وقد ذيل عليه أبو بكر بن فتحون ذيلا حافلا بكثير من أسماء الصحابة الذين فاته أن يذكرهم، وذيل آخرون ذيولا أخرى لطيفه.
٤- أبو موسى محمد بن عمر بن أحمد الأصبهاني المديني، من حفاظ الحديث، مولده ووفاته بأصبهان، وإليها ينتسب كما في وفيات الأعيان. رحل إلى بغداد وهمذان، ولد سنة ٥٠١ ومات سنة ٥٨١، وقد ألف ذيلا كبيرا على كتاب ابن مندة مشتملا على أسماء الكثيرين من الصحابة.
ابن الأثير وكتابه أسد الغابة
بعد هؤلاء طلع علينا ابن الأثير بكتابه المعروف باسم «أسد الغابة» فاعتمد في تأليفه على كتب الذين سبقوه ولا سيما مؤلفات الأربعة الذين تحدثنا عنهم آنفا، فقد اعتمد عليها لكنه أضاف أسماء كثير من الصحابة إليها.
يقول الحافظ بن حجر: «في أوائل القرن السابع جمع عز الدين بن الأثير كتابا حافلا سماه أسد الغابة جمع فيه كثيرا من التصانيف المتقدمة» .
وفي كتاب أسد الغابة تراجم ل ٧٥٥٤ صحابى.
ميزات أسد الغابة
لكتاب أسد الغابة ميزات أهمها:
١- أنه رتب تراجم الصحابة ترتيبا دقيقا حسب حروف الهجاء التي يبتدئ بها كل اسم مثبتا مراجعة التي نبه عليها بالرمز ومراجع أخرى كثيرة في مختلف العلوم ذكرها بالاسم وصنيعه هذا يشهد بأن العرب كانوا أسبق من الأوربيين في تنسيق الحقائق العلمية وتبويبها وترتيبها وإثبات مصادرها فأبطل قول من يزعم أن المستشرقين والكتاب الأوربيين هم أصحاب الفضل في ذلك. ولا شك أنه بهذا يسر على القارئ سبيل الانتفاع بكتابه.
1 / 6
٢- ضبط بالحروف الأسماء المتشابهة التي تتفق رسما وتختلف نطقا.
٣- شرح الكلمات الغريبة التي وردت في ثنايا التراجم فوفر على القارئ مئونة البحث عن الألفاظ الصعبة.
٤- صوب بعض الأخطاء التي رأى أن من سبقه وقع فيها.
نعم ... لقد بذل ابن الأثير جهده في تحرير كتابه وتنسيقه، وإذا كانت هناك بعض مؤاخذات هينة أخذت عليه، فذلك يتمشى مع طبيعة البشر، فالكمال للَّه وحده وصدق الله العظيم إذ يقول: «وَلَوْ كانَ من عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ٤: ٨٢» .
ويرحم الله ابن الأثير، فقد قال في خطبة كتابه معتذرا عن ذلك «وما يشاهده الناظر في كتابي هذا من خطأ ووهم فليعلم أنى لم أقله من نفسي، وطنما نقلته من كلام العلماء وأهل الحفظ والإتقان، ويكون الخطأ يسيرا إلى ما فيه من الفوائد والصواب، ومن الله سبحانه أستمد الصواب في القول والعمل. فرحم الله امرأ أصلح فاسده، ودعا لي بالمغفرة والعفو عن السيئات وأن يحسن منقلبنا إلى دار السلام عند مجاورة الأموات والسلام» .
ترجمة ابن الأثير
في بيئة دينية عريقة في التدين، وبين أسرة علمية أصيلة في العلم، نشأ عز الدين أبو الحسن على بن أبى الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الأثير الجزري، والجزري نسبة إلى جزيرة ابن عمر وهي- كما في المراصد ١/ ٣٣٣- بلدة فوق الموصل بينهما ثلاثة أيام، لها رستاق مخصب يحيط بها دجلة إلا من ناحية واحدة شبه الهلال، فعمل له خندق أجرى فيه الماء فأحاط الماء بها وسميت بذلك نسبة إلى يوسف بن عمر الثقفي أمير العراقين أو عبد العزيز بن عمر من أهل برقعيد أو أوس وكامل ابني عمر كما في وفيات الأعيان ٣/ ٣٥. كان والده ثريا يمتلك عدة بساتين بقرية العقيمة- إحدى قرى جزيرة ابن عمر- وكان يملك قرية يقال لها (قصر حرب) بجنوب الموصل، وكان يشتغل بالتجارة إلى جانب وظائفه الحكومية في جزيرة ابن عمر التابعة للموصل. فقد كان رئيس ديوانها ونائب وزير الموصل فيها.
له أخوان أحدهما أكبر منه وهو (مجد الدين أبو السعادات) المبارك، ولد سنة ٥٤٤ وتوفى سنة ٦٠٦. وهو أحد العلماء الأفذاذ له كتاب (جامع الأصول في أحاديث الرسول)، وكتاب (النهاية في غريب الحديث والأثر) . والآخر أصغر منه، هو (ضياء الدين أبو الفتح) نصر الله، ولد سنة ٥٥٨ وتوفى سنة ٦٣٧. كان من ذوى
1 / 7
النبوغ في العلوم الادبية، وله كتب قيمة منها (المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر) و(الوشي المرقوم في حلى المنظوم) .
أما صاحبنا عز الدين، فقد كان واسطة العقد، ولد في الجزيرة سنة ٥٥٥، هـ ومات بالموصل سنة ٦٣٠ هـ. وكان له باع في التاريخ، ألف في التاريخ العام كتاب (الكامل) وهو مرجع مهم في تاريخ الحملات الصليبية التي شاهد بعضا منها إلى وفاته، وفي كتابه (الكامل) تحدث أيضا عن هجوم التتار وكأنه كان على موعد مع الحملات التي شنت على بلاد الإسلام من الشرق ومن الغرب.
وألف في التاريخ الخاص كتاب (أسد الغابة في معرفة الصحابة) . وكتابه هذا يعلن عن سعة اطلاعه، ومعرفته بالأخبار، وغرامة بالبحث ودقته في النقد، وأصالته في التأليف.
٤ من ربيع الآخر ١٣٩٠ ٩ من يونيو ١٩٧٠ (المحققون)
1 / 8
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة ابن الأثير
قال الشيخ الإمام العالم، الحافظ البارع الأوحد، بقية السلف عز الدين أبو الحسن على بن محمد ابن عبد الكريم الجزري، المعروف بابن الأثير رضى الله عنه:
الحمد للَّه الّذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والحمد للَّه المنزه عن أن يكون له نظراء وأشباه، المقدس فلا تقرب الحوادث حماه، الّذي اختار الإسلام دينا، وارتضاه، فأرسل به محمدا ﷺ، واصطفاه، وجعل له أصحابا فاختار كلا منهم لصحبته واجتباه، وجعلهم كالنجوم بأيهم اقتدى الإنسان اهتدى إلى الحق واقتفاه، فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة توجب لهم رضاه، أحمده على نعمه كلها حمدا يقتضي الزيادة من نعمه، ويجزل لنا النصيب من قسمه.
أما بعد فلا علم أشرف من علم الشريعة فإنه يحصل به شرف الدنيا والآخرة، فمن تحلى به فقد فاز بالصفقة الرابحة، والمنزلة الرفيعة الفاخرة، ومن عرى منه فقد حظي بالكرة الخاسرة.
والأصل في هذا العلم كتاب الله، ﷿، وسنة رسوله ﷺ، فأما الكتاب العزيز فهو متواتر مجمع عليه غير محتاج إلى ذكر أحوال ناقليه، وأما سنة رسول الله ﷺ فهي التي تحتاج إلى شرح أحوال رواتها وأخبارهم.
وأول رواتها أصحاب رسول الله ﷺ ولم يضبطوا ولا حفظوا في عصرهم كما فعل بمن بعدهم من علماء التابعين وغيرهم إلى زماننا هذا لأنهم كانوا مقبلين على نصرة الدين وجهاد الكافرين إذ كان المهم الأعظم فان الإسلام كان ضعيفا وأهله قليلون، فكان أحدهم يشغله جهاده ومجاهدة نفسه في عبادته عن النظر في معيشته والتفرغ لمهم، ولم يكن فيهم أيضا من يعرف الخط إلا النفر اليسير، ولو حفظوا ذلك الزمان لكانوا أضعاف من ذكره العلماء، ولهذا اختلف العلماء في كثير منهم فمنهم من جعله بعض العلماء من الصحابة، ومنهم من لم يجعله فيهم، ومعرفتهم ومعرفة أمورهم وأحوالهم وأنسابهم وسيرتهم مهم في الدين.
ولا خفاء على من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أن من تبوأ الدار والإيمان من المهاجرين والأنصار والسابقين إلى الإسلام والتابعين لهم بإحسان الذين شهدوا الرسول ﷺ وسمعوا كلامه وشاهدوا أحواله ونقلوا ذلك إلى من بعدهم من الرجال والنساء من الأحرار والعبيد والإماء أولى بالضبط والحفظ، وهم الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لهم الأمن وهم مهتدون بتزكية الله، ﷾ لهم وثنائه عليهم، ولأن السنن التي عليها مدار تفصيل الأحكام ومعرفة الحلال والحرام إلى غير ذلك
1 / 9
من أمور الدين، إنما ثبتت بعد معرفة رجال أسانيدها ورواتها، وأولهم والمقدم عليهم أصحاب رسول الله ﷺ فإذا جهلهم الإنسان كان بغيرهم أشد جهلا، وأعظم إنكارا، فينبغي أن يعرفوا بأنسابهم وأحوالهم هم وغيرهم من الرواة، حتى يصح العمل بما رواه الثقات منهم، وتقوم به الحجة، فان المجهول لا تصح روايته، ولا ينبغي العمل بما رواه، والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلا في الجرح والتعديل، فإنهم كلهم عدول لا يتطرق إليهم الجرح لأن الله ﷿ ورسوله زكياهم وعدلاهم، وذلك مشهور لا نحتاج لذكره، ويجيء كثير منه في كتابنا هذا، فلا نطول به هنا.
وقد جمع الناس في أسمائهم كتبا كثيرة، ومنهم من ذكر كثيرا من أسمائهم في كتب الأنساب والمغازي وغير ذلك، واختلفت مقاصدهم فيها، إلا أن الّذي انتهى إليه جمع أسمائهم الحافظان أبو عبد الله ابن مندة [١] وأبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهانيان [٢]، والإمام أبو عمر بن عبد البر [٣] القرطبي رضى الله عنهم، وأجزل ثوابهم، وحمد سعيهم، وعظم أجرهم وأكرم مآبهم، فلقد أحسنوا فيما جمعوا، وبذلوا جهدهم وأبقوا بعدهم ذكرا جميلا فاللَّه تعالى يثيبهم أجرا جزيلا فإنهم جمعوا ما تفرق منه.
فلما نظرت فيها رأيت كلا منهم قد سلك في جمعه طريقا غير طريق الآخر، وقد ذكر بعضهم أسماء لم يذكرها صاحبه، وقد أتى بعدهم الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بْنِ أَبِي عِيسَى الأصفهاني [٤]، فاستدرك على ابن مندة ما فاته في كتابه، فجاء تصنيفه كبيرا نحو ثلثي كتاب ابن مندة.
فرأيت أن أجمع بين هذه الكتب، وأضيف إليها ما شذ عنها مما استدركه أبو علي الغساني [٥]، على أبي عمر بن عبد البر، كذلك أيضا ما استدركه عليه آخرون وغير من ذكرنا فلا نطول بتعداد أسمائهم هنا، ورأيت ابن مندة وأبا نعيم وأبا موسى عندهم أسماء ليست عند ابن عبد البر، وعند ابن عبد البر أسماء ليست عندهم. فعزمت أن أجمع بين كتبهم الأربعة، وكانت العوائق تمنع والأعذار تصد عنه، وكنت حينئذ ببلدى وفي وطني، وعندي كتبي وما أراجعه من أصول سماعاتي، وما أنقل منه، فلم يتيسر ذلك لصداع الدنيا وشواغلها.
[١] هو أبو عبد الله محمد بن يحيى بن مندة، كان أحد الحفاظ الثقات. توفى سنة ٣٠١، ينظر الوفيات: ٣- ٤١٦ والعبر، ٢- ١٢٠.
[٢] قال عنه الذهبي في العبر ٣- ١٧٠: «تفرد في الدنيا بعلو الإسناد مع الحفظ والاستبحار من الحديث وفنونه ... وصنف التصانيف الكبار» توفى سنة ٤٣٠ هـ وينظر الوفيات: ١- ٧٥.
[٣] هو أبو عمر يوسف بْن عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بْن عَبْد البر، صاحب كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب، له تصانيف أخرى، قال الذهبي: «ليس لأهل المغرب أحفظ منه» توفى سنة ٤٦٣.
[٤] هو أبو موسى المديني محمد بن أبى بكر عمر بن أحمد الحافظ، يقول الذهبي في العبر ٤- ٢٤٦: «كان مع براعته في الحفظ والرجال صاحب ورع وعبادة وجلالة وتقى» توفى في جمادى الأولى سنة ٥٨١.
[٥] هو الحسين بن محمد الجيانى الأندلسى الحافظ، كان أحد أعلام الحديث بقرطبة، روى عن ابن عبد البر وطبقته، توفى سنة ٤٩٨. وقد ذكر السهيليّ في الروض الأنف ٢- ١٩٨ أن أبا على قد ألحق استدراكاته بالاستيعاب، وأن أبا عمر أوصى أبا على بقوله: «امانة الله في عنقك متى عثرت على اسم من أسماء الصحابة» إلا ألحقته في كتابي الّذي في الصحابة» .
1 / 10
فاتفق أنى سافرت إلى البلاد الشامية عازما على زيارة البيت المقدس، جعله الله ﷾ دارا للإسلام أبدا فلما دخلتها اجتمع بى جماعة من أعيان المحدثين، وممن يعتنى بالحفظ والإتقان فكان فيما قالوه: إننا نرى كثيرا من العلماء الذين جمعوا أسماء الصحابة يختلفون في النسب والصحبة والمشاهد التي شهدها الصاحب، إلى غير ذلك من أحوال الشخص ولا نعرف الحق فيه، وحثوا عزمي على جمع كتاب لهم في أسماء الصحابة، رضى الله عنهم أستقصى فيه ما وصل إلى من أسمائهم، وأبين فيه الحق فيما اختلفوا فيه، والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم مع الإتيان بما ذكروه واستدراك ما فاتهم، فاعتذرت إليهم بتعذر وصولي إلى كتبي وأصولى وأننى بعيد الدار عنها، ولا أرى النقل إلا منها فألحوا في الطلب فثار العزم الأول وتجدد عندي ما كنت أحدث به نفسي، وشرعت في جمعه والمبادرة إليه، وسألت الله تعالى أن يوفقني إلى الصواب في القول والعمل، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم بمنه وكرمه واتفق أن جماعة كانوا قد سمعوا على أشياء بالموصل وساروا إلى الشام فنقلت منها أحاديث مسندة وغير ذلك، ثم إنني عدت إلى الوطن بعد الفراغ منه وأردت أن أكثر الأسانيد وأخرج الأحاديث التي فيه بأسانيدها، فرأيت ذلك متعبا يحتاج أن أنقض كل ما جمعت، فحملني الكسل وحب الدعة والميل إلى الراحة إلى أن نقلت ما تدعو الضرورة إليه، مما لا يخل بترتيب، ولا يكثر إلى حد الإضجار والإملال، وأنا أذكر كيفية وضع هذا الكتاب، ليعلم من يراه شرطنا وكيفيته، والله المستعان فأقول:
إني جمعت بين هذه الكتب كما ذكرته قبل، وعلمت على الاسم علامة ابن مندة صورة (د) وعلامة أبى نعيم صورة (ع)، وعلامة ابن عبد البر صورة (ب) وعلامة أبى موسى صورة (س) فان كان الاسم عند الجميع علمت عليه جميع العلائم، وإن كان عند بعضهم علمت عليه علامته، وأذكر في آخر كل ترجمة اسم من أخرجه وإن قلت أخرجه الثلاثة فأعنى ابن مندة وأبا نعيم وأبا عمر بن عبد البر فان العلائم ربما تسقط من الكتابة وتنسى، ولا أعنى بقولي أخرجه فلان وفلان أو الثلاثة أنهم أخرجوا جميع ما قلته في ترجمته فلو نقلت كل ما قالوه لجاء الكتاب طويلا لأن كلامهم يتداخل ويخالف بعضهم البعض في الشيء بعد الشيء، وإنما أعنى أنهم أخرجوا الاسم.
ثم إني لا أقتصر على ما قالوه إنما أذكر ما قاله غيرهم من أهل العلم، وإذا ذكرت اسما ليس عليه علامة أحدهم فهو ليس في كتبهم. ورأيت ابن مندة وأبا نعيم قد أكثرا من الأحاديث والكلام عليها، وذكرا عللها، ولم يكثرا من ذكر نسب الشخص، ولا ذكر شيء من أخباره وأحواله، وما يعرف به، ورأيت أبا عمر قد استقصى ذكر الأنساب وأحوال الشخص ومناقبه، وكل ما يعرفه به حتى إنه يقول: هو ابن أخى فلان وابن عم فلان وصاحب الحادثة الفلانية، وكان هذا هو المطلوب من التعريف اما ذكر الأحاديث وعللها وطرقها فهو بكتب الحديث أشبه إلا أنى نقلت من كلام كل واحد منهم أجوده وما تدعو الحاجة إليه طلبا للاختصار، ولم أخل بترجمة واحدة من كتبهم جميعها بل أذكر الجميع، حتى إنني أخرج الغلط كما ذكره المخرج له، وأبين الحق والصواب فيه إن علمته إلا أن يكون أحدهم قد أعاد الترجمة بعينها، فأتركها وأذكر ترجمة واحدة، وأقول: قد أخرجها فلان في موضعين من كتابه.
1 / 11