فإذا هو بأعرابيّ يقصد نحو قصره، فقال لحاجبه: إن قصدني هذا، فأوصله إليّ. فلما دنا سأله، قال: قصدت الأمير. فأدخله عليه، فلمّا مثل بين يديه قال له عمر بن هبيرة: ما خطبك؟ فقال:
أصلحك الله قلّ ما بيدي ... فما أطيق العيال إذ كثروا
قال: فأخذت عمر الأريحيّة، وجعل يهتزّ في مجلسه، ثم قال:
أرسلوك إليّ وانتظروا؟ إذن والله، لا تجلس حتّى تعود إليهم غانما. وأمر له بألف دينار، وأعاده على بعيره لوقته.
٥٠٨ - وذكر رجل من الأعراب قال: نزلت برجل من طيّئ فنحر لي ناقة فأكلت منها، فلما كان الغد نحر أخرى، فقلت له: إنّ عندك من اللّحم ما يكفي ويغني. فقال: والله، إنّي لا أطعم ضيفي إلاّ لحما عبيطا (٢) قال:
وفعل ذلك في اليوم الثّالث. وفي كلّ ذلك آكل شيئا، ويأكل الطائي أكل جماعة، ثم يؤتى باللّبن فأشرب شيئا، ويشرب هو غاية الوطب (٣). فلمّا كان في اليوم الثّالث ارتقبت غفلته، فاضطجع فلما امتلأ نوما استقت قطيعا من إبله، وأقبلت به الفجّ، فانتبه واحتظر عليّ الطريق حتّى وقف لي في مضيق منه، وألقم وتره فوق سهمه (٤)، ثم ناداني: أتطيب نفسك عنها؟ قال: فقلت له: أرني آية. قال: انظر إلى ذلك الضّبّ، إني واضع سهمي في مغرز ذنبه.
ورماه، فأندر ذنبه. قلت له: زدني. فقال: انظر إلى أعلى
٣ - خلقا عظيما، ثم تولى إمارة العراق وخراسان توفي نحو سنة ١١٠ للهجرة. الأعلام.
(١) في الأصل: دهرا حتى بكلكله. والتصويب من المستجاد، ووفيات الأعيان، وفي المستطرف: أناخ دهري عليّ كلكله.
(٢) العبيط: الطري. القاموس (عبط).
(٣) الوطب: سقاء اللبن. لسان العرب (وطب).
(٤) الفوق: موضع الوتر من السهم. متن اللغة (فوق).
1 / 198
[تمهيد]
[مقدمة]
الفصل الأول في الشكر واستدامته النعم وصرفه المحن والنقم
الفصل الثالث في الموت وانقطاع الأسباب بين الأهلين والأصحاب
الفصل الرابع في السجن والتعويق ومن خرج إلى سعة من ضيق
الفصل الخامس في نفاق الأصحاب والإخوان وتغيرهم مع تغير الزمان
الفصل السادس في القناعة والياس مما بأيدي الناس
الفصل السابع في مكارم الأخلاق والكرم ومحاسن الأخلاق والشيم
الفصل الثامن في التقوى والأمانة وقمع الهوى والديانة
الفصل التاسع في ذم الدنيا والزهادة فيها وتقلب أحوالها بأهاليها وما قيل من تنبيه ووعظ