The Introduction to the Art of Journalistic Writing
المدخل في فن التحرير الصحفي
প্রকাশক
الهيئة المصرية العامة للكتاب
সংস্করণ
الخامسة
•
অঞ্চলগুলি
মিশর
مقدمات:
تقديم:
قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ:
لعلك قد سمعت من جيلنا من يقول: "نحن جيل بلا أساتذة". فهل يستطيع الأديب أو الإعلامي أن ينمو دون أن يكون له أستاذ من التراث في القديم، وفي الإبداع المعاصر والحديث؟
قال الأستاذ لتلميذه الفتى:
"ليس هذا الذي نلاحظه في جيلك شيئًا جديدًا، إنه قديمٌ قِدَمَ الإنسان، بل إن من الجيل الأكبر من يظن أن ذكاء الناس يتضاءل أمام ذكائه، فيتعامل في عالم الأدب والفكر بناءً على تصوره هو، ضاربًا بذكاء الآخرين عرض الحائط.. أذكر لك هنا يا بني قول عليّ بن أبي طالب -كرم الله وجهه- لعامر بن مرو الزهري: "من أحمق الناس؟
فأجابه: "مَنْ ظن أنه أعقل الناس"!
فقال الإمام عليّ: "صدقت، فمن أعقل الناس؟ "
فأجابه: "مَنْ لم يتجاوز الصمت في عقوبة الجهل".
ومع ذلك يا بني، فالأدباء الإعلاميون الشيوخ، هم أسعد الناس حين ينبغ من الشباب أديبٌ أو إعلاميٌّ، ألا ترى أنهم كالآباء يفرحون لنبوغ الأبناء؟
لقد مر البحتريّ الشاعر بجماعة من الشعراء، فرأى بينهم صبيًّا، فقال له: أشاعر أنت؟ فقال الصبيّ: نعم. وإني لأشعر منك!
1 / 7
قال البحتريُّ: مرحى.. فهل تستطيع أن تجيز قولي:
ليت ما بين من أحب وبيني ... مثل ما بين ملتقى الخافقين
قال الطالب لأستاذه الشيخ:
ليت ما بين أجيال الأدباء والباحثين والمفكرين والإعلاميين والنقاد، ما بين الحاجب والعين، كما قال تلميذ البحتريّ!
تذكر "السندباء" هذه "الشوارد"، حين وُكِّلَ إليه تسجيل هذا الاستهلال في الطبعة الجديدة من السفر النفيس: "المدخل في فن التحرير الصحفيّ" الذي راد به مؤلفه دراسات الإعلام في اللغة العربية، ومهَّدَ الطرق لمن جاءوا بعده من الدارسين والباحثين، ولا يرى "السندباء أن من حقه أن يسمي هذا الاستهلال "بالتقديم" فإن أستاذه: الدكتور عبد اللطيف حمزة ﵀، مقدّم متقدّم، له من بحوثه ومؤلفاته وريادته، ومدرسته العلمية التي شيَّدَها، وأرسى دعائمها، له من ذلك كله، رسلٌ تتقدم به إلى كل مكان تصل إليه دراسات الإعلام في العصر الحديث.
وليس من حق "السندباء" أن يسمي استهلال هذا الكتاب بالتعريف، وهو يتمثل قول الفرزدق: "العرب تعرف من عرفت".. فلا حاجة بالأستاذ الدكتور عبد اللطيف حمزة إلى تعريف، ولكننا نحاول أن نقول عنه شيئًا جديدًا فيما يتصل بنا، من تمثل لنموذجٍ من أعظم نماذج التواصل بين الأجيال في العصر الحديث.
أستاذنا الجليل د. عبد اللطيف حمزة ﵀، أصح من عرفت بمصر فقهًا في علوم الإعلام، وأصدقهم رأيًا في الأدب، وأكثرهم درايةً بالنص الصحفيّ منذ نشأة الصحافة العربية في مصر، في أوائل القرن التاسع عشر، ومنذ تطورها في القرن العشرين، ودارسًا، حتى رحيله عن عالمنا، بداية الثلث الأخير من هذا القرن.
كان يدرس الصحافة في قسم الصحافة والتحرير والترجمة بكلية الآداب جامعة القاهرة منذ إنشاء هذا القسم، وقبله في معهد الصحافة والتحرير والترجمة بالجامعة نفسها.
1 / 8
بدأت أختلف إلى دروسه في كلية الآدابِ، فلزمته أربع سنين؛ لم أنقطع عن درسه في فن التحرير الصحفيّ، وتاريخ الصحافة المصرية، وعرفت فيه محبة الآباء لأبنائهم، ومبادلة الأبناء له محبةً بمحبةٍ تقترن بالإجلال والإكبار، وهي الصلة التي لخصها عميد الأدب العربيّ د. طه حسين في قوله، عن أثر العطف والحنان في نموذج الأستاذ، حين يتواصل مع تلاميذه، فيندفع الأستاذ والتلميذ على أن يتعصب كلاهما لصاحبه، ويناضل عنه، على نحو ما يكون بين الأبناء البررة والآباء المشفقين.
سعدت بهذا الأستاذ قديمًا، وسأظل سعيدًا به طول الدهر؛ لأنه صادف القلب، في نضارة الشباب؛ ولأنه حبٌّ مصدره العلم، لم تفسد عنصره المادة، ولم تكدر جوهره مآثم هذه الحياة.. حب الأستاذ ودرسه قد أثَّرَا في نفسي تأثيرًا شديدًا، فصاغها على مثاله، وكوَّنَا لها في الأدب والنقد والصحافة والتحرير ذوقًا على مثال ذوقه، ومنهجًا على نحو منهجه.. إيثارٌ للتأصيل في الفكر والإبداع، وكَلَفٌ بمناحي التجديد في مدارس الإعلام والاتصال بالجماهير، وبغض شديد لما يعارض الضمير الصحفيّ، استجابةً لدعم الصلات بين المجتمع وصحافته، وما ينبغي أن تكون عليه هذه الصحافة.. كان دافعه لتأليف الكتاب إذ ذاك، كثرة ما نشر في نقد الصحافة، وقد انزلقت يومئذ إلى الإثارة والبعد عن النزاهة والاستقامة، والجنوح بالصحف إلى الأخبار الهشة، والموضوعات التافهة، والتسلية الرخيصة، والخوض أحيانًا في أعراض الناس بحقٍّ وبدون حقٍّ..
لذلك كانت قضية "التأهيل الصحفيّ" من أهم القضايا المحورية في عمله العلميّ بالجامعة، منذ انتقل إلى معهد الصحافة والتحرير في كلية الآداب، إلى أن عُيِّنَ رئيسًا لقسم الصحافة بعد ذلك في كلية الآداب جامعة القاهرة عام ١٩٦٢.
تظهرنا السيرة الغيرية للدكتور عبد اللطيف حمزة، على أنه قد وُلِدَ في ٧ يوليو سنة ١٩٠٧ في طنا، بني سويف، ثم تخرج في كلية الآداب سنة ١٩٣١، ووفي سنة ١٩٢٣ حصل على دبلوم معهد التربية العالي، وعُيِّنَ مدرسًا بمعهد التربية، ثم حصل على
1 / 9
درجة الدكتوراه من جامعة القاهرة، وعُيِّنَ مدرسًا بكلية الأداب جامعة القاهرة، أستاذًا بقسم اللغة العربية فيها، ثم في سنة ١٩٦٢ عُيِّنَ رئيسًا لقسم الصحافة بكلية الآداب جامعة القاهرة.
وفي ٩ نوفمبر سنة ١٩٦٤ انتدب للتدريس بجامعة بغداد؛ كرئيسٍ لقسم الصحافة بها، إلى أن رحل عن عالمنا في منتصف عام ١٩٧٠ ﵀، بعد رحلة جهادٍ علميٍّ كان من ثمارها أجيالٌ تخرجت على يديه، لتعمل في وسائل الإعلام على اختلافها، ولتواصل رحلة البحث العلميِّ في الدراسات الإعلامية، مؤكدةً المغزى الذي تلخصه سيرته في النموذج الإيجابيِّ للتواصل بين الأجيال.
وتظهرنا سيرته الذاتية، على صورة رائعة من صورة الجهاد في البحث العلميّ، وفي المهنة الجامعية نفسها، وهو يواجه مشقات الحياة والمهنة بقلبٍ مطمئنٍ، وضميرٍ نقيٍّ، لا يبالي بمشقة الحرمان.
عرفت أستاذي الدكتور عبد اللطيف حمزة ﵀، منذ نيف وأربعين سنة، أي: منذ جيل كامل في النهضة الإعلامية والعلمية الحديثة، تتلمذ على يديه، ورأى فيه نموذج المجاهد العالم، وهو يعلم الأبناء كيفية تحرير الشعوب من العبودية والجهل، كما يعلمهم كيف يحاربون الطغاة والمفسدين؛ ليحرروا الناس من الظلم والذل والحرمان! رأوا فيه نموذج العالم والأديب والمعلم؛ الذي يتمثل في صورة المستكشف، مساهمًا في تقدم المدنية، والمفكر الذي يُبَصِّرُ الناس بحقائق الحياة، والمبدع الذي يملأ حياة الناس بالحب والإبداع، متوسلًا بوسيلةٍ من أعمق وسائل الاتصال بالجماهير، هي وسيلة الاتصال الصحفيّ، وقد عَلَّمَ تلاميذه أن يتخذوا منها وسيلةً تغطي الجدران العارية، للحياة الكئيبة على حد تعبير "والترسكوت" بثمار عبقرياتهم البهيجة الجميلة! مقدمًا النموذج الذي لا يسعى وراء ثناء الناس ومديحهم، ولا وراء الشهرة والمظاهر الزائفة، وإنما وكده دائمًا: السعى وراء الحرية والحق، وإنارة الطريق الذي يؤدي بالناس إلى السعادة والأمن والاطمئنان.
1 / 10
من مؤلفات أستاذنا الدكتور عبد اللطيف حمزة وبحوثه:
أولًا الكتب الأدبية:
١- تراث الإسلام ترجمة بالاشتراك مع لجنة الجامعيين لنشر العلم عام ١٩٣٦.
٢- ابن المقفع تأليف سنة ١٩٣٧.
٣ صلاح الدين تأليف سنة ١٩٤٤.
٤- حكم قراقوش تأليف سنة ١٩٤٥.
٥- الحركة الفكرية في مصر، في العصرين الأيوبيّ والمملوكيّ الأول. تأليف سنة ١٩٤٧.
٦- أدب الحروب الصليبية تأليف سنة ١٩٤٩.
٧- الفاشوش في حكم قراقوش تأليف سنة ١٩٥١.
٨- صلاح الدين بطل حطين تأليف سنة ١٩٥٨-١٩٥٩.
٩- الأدب المصريّ منذ قيام الدولة الأيوبية إلى مجيء الحملة الفرنسية. تأليف سنة ١٩٦٠.
"حلقة من سلسلة ألف كتاب".
١٠- القلقشندي مؤلف صبح الأعشى
"حلقة من سلسلة أعلام العرب" تأليف سنة ١٩٦٢.
1 / 13
ثانيًا: الكتب الصحفية
١- أدب المقالة الصحفية جزء أول عام ١٩٥٠
٢- أدب المقالة الصحفية جزء ثانٍ عام ١٩٥٠
٣- أدب المقالة الصحفية جزء ثالث عام ١٩٥١
٤- أدب المقالة الصحفية جزء رابع عام ١٩٥١
٥- أدب المقالة الصحفية جزء خامس عام ١٩٥٢
٦- أدب المقالة الصحفية جزء سادس عام ١٩٥٤
٧-٠ أدب المقالة الصحفية جزء سابع عام ١٩٥٥
٨- أدب المقالة الصحفية جزء ثامن عام ١٩٦٣
٩- أدب المقالة الصحفية جزء تاسع، بالاشتراك مع د. عبد العزيز شرف، هيئة الكتاب ١٩٩٩
١٠- الأدب والصحافة في مصر عام ١٩٥٥
١١- المدخل في فن التحرير الصحفيّ عام ١٩٥٦
١٢- مستقبل الصحافة في مصر عام ١٩٥٧
١٣- الصحافة المصرية في مائة عام عام ١٩٥٧
١٤- أزمة الضمير الصحفيّ عام ١٩٦٠
١٥- أخبار الشرق الأوسط في الصحافة العالمية "ترجمة - اشتراك".
١٦- الصحافة والمجتمع عام ١٩٦٣
١٧- الإعلام "له تاريخه ومذاهبه" عام ١٩٦٥
١٨- قصة الصحافة العربية في مصر طبعة بغداد عام ١٩٦٧
١٩- الإعلام والدعاية عام ١٩٦٨
٢٠- الإعلام والجريمة "مقال طويل نشرته مجلة "الشرطة" ببغداد في عدد من أعدادها" عام ١٩٦٨
٢١- الدعاية الصهيونية، طبعة النادي العربيّ بالخرطوم عام ١٩٦٩
٢٢- الدعاية والإعلام في عهد الرسول، طبعة جامعة أم درمان بالسودان عام ١٩٥٩
٢٣- الإعلام في صدر الإسلام عام ١٩٧٠
1 / 14
ثالثًا: بحوث أدبية وصحفية نشرتها مجلات علمية
١- بعض بذور الشخصية المصرية في الأدبين القديم والوسيط، مجلة كلية الآداب، جامعة القاهرة، عدد ديسمبر ١٩٥٣.
٢- الحروب الصليبية وأثرها في العالم الإسلاميّ، مجلة العالم الإسلاميّ، عام ١٩٥٣.
٣- الجاحظ المعتزليّ "مجلة كلية الآداب". جامعة القاهرة، عدد ديسمبر ١٩٥٧.
٤ أسلوب القاضي الفاضل "مجلة الثقافة القديمة".
٥ أبو الحسين الجزار وشعره "مجلة الثقافة القديمة".
٦- أجواء فكرية وسياسية عاش فيها الأدب الحديث والصحافة المصرية "مجلة كلية الآداب" جامعة القاهرة، عدد ديسمبر ١٩٥٤.
٧- العقدة الشركسية عند مدرسة الشيخ محمد عبده، وأثرها في صحافة هذه المدرسة "مجلة كلية الآداب" جامعة القاهرة، عدد مايو ١٩٥٦.
٨- مستقبل التأهيل الصحفيّ، منشور رقم "١" من منشورات قسم الصحافة، جامعة القاهرة، عام ١٩٥٧.
٩- نشر الوعي الصحفيّ في المدرسة، المنشور رقم "٢" من منشورات قسم الصحافة، جامعة القاهرة، عام ١٩٥٨.
١٠- دور الصحافة العربية في تنمية الوعي القوميّ "صحيفة المجلة التي تصدرها وزارة الثقافة".
١١- الطور الصحافيّ من أطوار الحركة الوطنية، مجلة كلية الآداب، جامعة القاهرة، عدد مايو عام ١٩٥٨.
١٢- شخصية لا أنساها، وهي شخصية الشيخ على يوسف ومكانته من تاريخ الصحافة المصرية "مجلة الهلال عدد يولية ١٩٥٩".
1 / 15
رابعًا: بحوث في مجال التربية والتعليم
نشرت هذه البحوث في مجلة "الرائد" التي تصدرها نقابة المهن التعليمية، واتخذ لها عنوانًا ثابتًا في هذه الصفحة، وهو كما يلي: "الخالدون في ميدان التربية والتعليم"
وجاءت تباعًا على النحو التالي:
١- زعماؤنا الخالدون في ميدان التربية والتعليم "مجلة الرائد، عدد أكتوبر" عام ١٩٦٣.
٢ رفاعة الطهطاوي، أو المعلم الأول "مجلة الرائد، عدد نوفمبر" عام ١٩٦٣.
٣- محمد عبده، المعلم الثاني "مجلة الرائد، عدد ديسمبر" عام ١٩٦٣.
٤- محمد عبده، أو المعلم الثاني "مجلة الرائد، عدد مارس" عام ١٩٦٤.
٥- أحمد لطفي السيد، أو المعلم الثالث "مجلة الرائد، عدد مارس" ١٩٦٤.
٦- طه حسين، أو المعلم الرابع "مجلة الرائد، عدد أبريل" عام ١٩٦٤.
كما كتب بحوثًا أخرى بعنوان: "الخالدين في ميدان التربية والتعليم".
تتضمن الحديث مرةً أخرى عن الدكتور طه حسين، ثم الحديث، والمعلم الخامس، وهو المرحوم إسماعيل محمود القباني، الوزير السابق للتربية والتعليم، وواضح أنه من هذه البحوث الأخيرة سيتألف كتاب جديد بالعنوان المتقدم، وذلك بمشيئة الله تعالى.
وما زال قَسَمُ الصحفيّ الجامعيّ الذي لقنه لتلاميذه محفورًا في قلوبهم، وهو القَسَمُ الذي يقول:
قَسَمُ الصحفيّ الجامعيّ!!
أقسم بالله العظيم، أن أحترم مهنة الصحافة، وأن أعمل فيها بشرفٍ وذمةٍ وأمانةٍ، وصدقٍ، ونزاهةٍ، وأن أجعل مصلحة الوطن هي العليا، وأن أشارك ما استطعت في بناء الإنسانية الراقية "المتحضرة".
1 / 16
وكتابه: "المدخل في فن التحرير الصحفيّ" الذي تصدره الهيئة المصرية العامة للكتاب، في طبعته الجديدة، هو الكتاب "العمدة" في موضوعه، منذ صدور طبعته الأولى من نيفٍ وأربعين عامًا، ولقد صدرت بعده كتب ودراساتٌ في لغة العرب وغيرها من اللغات، وما تزال للكتاب جدة، وما تزال له جوانب تَمَيُّزٍ، انفرد بها بين المراجع الكبرى في هذا الفن.
ذلك أن أستاذنا د. حمزة، في رحلته العلمية، منذ اشتغاله بتدريس "الأدب المصريّ" وهو يستقري قوانين الإبداع في الأدب والنقد، وتغدو لديه بمثابة الأساس الراسخ لقوانين التحرير، هذا المنهج الاستقرائيّ أكسب كتابه التميز في موضوعه، وجعل له مكانة تصله بأسلافه من مؤلفي كتب "الصناعتين" في التراث العربيّ، صناعة الشعر وصناعة النثر، وكأنما كان يتفيأ تشييد صناعة ثالثة، هي صناعة "النثر الصحفيّ" الأمر الذي وجهه إلى دراسة "أدب المقالة الصحفية في مصر" كما عُنِيَ بدراسة التحرير، في كتابه: "المدخل في فن التحرير الصحفيّ"، متضمنًا دراسة: فن الخبر والتقرير، والمقال، وفن تحرير المجلة، حتى لنذهب إلى أن هذا الكتاب في "الصناعة الثالثة" صناعة "النثر الصحفيّ" إنما يمثل البلاغة الجديدة، حين تنظر إلى الناس، كما يقول طه حسين: من حيث لا يصطنعون الشعر للإعراب عما يضطرب في نفوسهم من شئون الحياة اليومية، وهم لا يحررون الصحف شعرًا ولا يكتبون فيما يريدون أن يكتبوا فيه حين يؤلفون الكتب شعرًا أيضًا، وإنما يصطنعون النثر في هذا العصر، كما اصطنعوه في جميع العصور، منذ تقدمت الحضارة لتأدية أغراضهم المختلفة".
والبلاغة الجديدة ترتبط بالمدرسة التجديدية في المقال الصحفيّ؛ فكتابها هم الذين طوروا الذوق العام في النصف الأول من القرن العشرين، وقد أعانهم على الوصول إلى مشارف هذه البلاغة العملية أنهم لم يكونوا يعيشون في البروج العاجية، ولا يعتزلون الحياة الشعبية، ولا ينأون بحالٍ من الأحوال عن آلام الناس وآمالهم، ولا يهملون قدرتهم وطاعتهم، وإنما كانوا يعيشون مع الشعب، بل يعيشون بالشعب
1 / 17
وللشعب، يعيشون لأنهم كانوا يعربون عن ذات نفسه، يصورون له آماله ليحرض عليها، ويَجِدَّ في تحقيقها، ويفتحون له آفاقًا جديدةً من الأمل ليسرع إليها، ويمعن فيها، ويصورون له آلامه ليبرأ منها، ويضع عن نفسه أثقالها.
وأيسر القراءة فيما كانوا يكتبون، وكما يظهر في سلسة: "أدب المقالة الصحفية" تبين ذلك في غير لبسٍ ولا غموض، فهم الذين صوروا له الاستقلال وزينوه في قلبه، وهم الذين بغضوا إليه الاحتلال، وأثاروه على الإنجليز، وهم الذين كَرَّهوا له الاستبداد، وأطمعوه في الحرية، وأغروه بالإلحاح في طلبها، وهم الذين أعدوه للثورة، وأسخطوه على حياةٍ سيئةٍ كان يحياها، وهيأوا ضميره ليسرع إلى الخير حين يدعى إليه، وينصرف عن الشر حين يُرَدُّ عنه، ويتقبل الإصلاح حين يُعْرَضُ عليه، وهم قاوموا الاستبداد، ولقوا في مقاومته ضروبًا من الأذى، وفنونًا من النكر، وهم قوّموا المعوجِّين من الحكام، وجَدُّوا في صرف الشعب عنهم، وتزهيده فيهم.
فعلوا كل هذا، وتَقَبَّلَ الشعب منهم ما فعلوا، واستجاب الشعب لهم حين يخطبون أو يتحدثون".
وفي دراسات د. حمَزة، التي ضمنها سلسلة: "أدب المقالة الصحفية" يتضح أن الصحفيين في المدرسة التجديدية، وقد جمعوا بين الثقافتين، استطاعوا بجهودهم أن يؤصلوا لغة الفن الصحفيّ العربيّ التي تقترب من لغة الأدب، وتمتاز بالسلالة والواقعية والتبسيط.
وهذا التقارب الذي تكشف عنه البلاغة الجديدة بين مستويات اللغة العلمية والأدبية والعملية، إنما يدل على تجانس المجتمع، وتوازن طبقاته وحيوية ثقافته، ومن ثَمَّ إلى تكامله وسلامته العقلية، فمن الثابت أن العصور التي يسود فيها نوعٌ من التألف بين هذه المستويات، هي غالبًا أزهى العصور وأرقاها.
يمتاز المقاليُّون التجديديون بأن ولاء مدرستهم يرتبط بالبيئة المتحضرة التي يعيش فيها الكاتب للجمهور وبالجمهور، تتبين هذه الميزة إذا نظرنا إلى المدرسة التقليدية من جهةٍ، وإلى العقاد والمازني وهيكل وطه حسين في المدرسة التجديدية من جهةٍ أخرى، فقد كان الكاتب التقليديّ لا يعيش لأدبه، وإنما يعيش بأدبه، في حاجة إلى حمايةٍ تكفل له ما يجب من العيش والمكانة، ولا بد له من "مسين" كما يقول الأوربيون، يحميه ويعطيه، ويحيطه بالرعاية والعناية، ويدفع عنه العاديات والخطوب، أما الأربعة الآخرون، فثائرون على هذا النوع من الحياة والأدب، يكبرون
1 / 18